الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة عشر
الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة عشر

ومع المجال الرابع من مجالات الرعاية الصحية العامة في الدولة الإسلامية: ...

0:00 0:00
السرعة:
February 14, 2024

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة عشر

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة عشر

ومع المجال الرابع من مجالات الرعاية الصحية العامة في الدولة الإسلامية:


4- الحجر الصحيّ:


انتشر في العالم في الآونة الأخيرة فيروس  كورونا، والذي ظهر ابتداء في الصين، ورغم أنه مرض معدٍ وذو خطورة عالية، إلا أن السلطات الصينية لم تغلق المدينة التي هي بؤرة الوباء ولم تمنع السفر منها وإليها، وكذلك في بقية دول العالم، كان الرأسماليون قلقين في الغالب من توقف التجارة وعائداتها، لذلك رفضوا بشكل فعال عزل المسافرين القادمين من الصين ابتداء أو من أي دولة ظهر فيها الوباء لاحقا، مما سمح للفيروس بالانتشار سريعا وعلى نطاق واسع، فأصيب الملايين وتوفي مئات الألوف منهم.

إن العلاج الصحيح لهذا المرض هو كما جاء في شرع الله سبحانه وتعالى وعلمنا إياه نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم - الموحى إليه - من خلال تطبيقه في الدولة الإسلامية (الدولة الحضارية من الطراز الأول) بأن تتابع الدولة المرض من بدايته وتعمل على حصر المرض في مكان نشوئه ابتداءً، وأن يبقى سكانه فيه ولا يدخل عليهم سكان آخرون... روى البخاري في صحيحه عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا».

هذا النوع من الحجر الصحي طبقه الخلفاء على مرّ العصور في الدولة الإسلامية، وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري أن عمر رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرْغ بلغه أن الوباء وقع بالشام، فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ» فرجع عمر بن الخطاب... أي لما جاءه الخبر بأن الطاعون قد انتشر رجع بالمسلمين...

وعليه فلمنع انتشار مثل هذه الأمراض يجب أحيانا عزل المرضى المصابين تماما إما في بيوتهم أو في المستشفيات إن احتاجوا إلى علاج ومتابعة، أو تجبرهم على اتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة كلبس الكمامات حين مخالطتهم، حتى لا يتعرض الأصحاء لما يحمله المرضى من كائنات دقيقة معدية. وإذا لم يلتزم المريض بقرار العزل تجبره الدولة وتعزله بالقوة، لأن في خروجه ومخالطته للناس ضررا عليهم، وذلك لأن الإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، ولأن القاعدة الشرعية "لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ" توجب على الإمام إزالة الضرر عن رعيته. وعلى الإمام أن يتكفل بالإنفاق على المريض المحجور إن لم يكن يملك كفايته من المال لحبسه عن العمل والخروج.

وأخرج الإمام أحمد بإسناد حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا تَفْنَى أُمَّتِي إِلا بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ"، قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الطَّاعُونُ؟"، قَالَ: "غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، الْمُقِيمُ بِهَا كَالشَّهِيدِ، وَالْفَارُّ مِنْهَا كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ".

والطاعون مرض خطر معد، وقد جعل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن يصبر ولا يبرح مكانه من المطعونين أجر الشهيد، ولمن خرج من دائرة الحجر والعزل فخالط الناس وزر الفرار من الزحف وهو من السبع الموبقات، قرينة على حرمة مخالطة المريض بمثل هذه الأمراض للأصحاء.

فقد ثبت أن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملاً للميكروب دون أن تبدو عليه علامات المرض، ومع ذلك فهو ينقل المرض إلى غيره من الأصحاء، ففترة الحضانة التي تسبق ظهور الأعراض منذ دخول الميكروب للجسم وتكاثره حتى يبلغ أشده، هي الفترة التي لا يبدو على الشخص أنه يعاني أي مرض.

وقد يعزل مريض لأن جهاز المناعة لديه ضعيف ولا يقوى حتى على مكافحة الأمراض البسيطة التي قد ينقلها إليه غيره من الناس، ومثل هذا المريض يعزل خوفا عليه من العدوى لا خوفا على الناس منه، ولا تجبره الدولة على اجتناب مخالطة الناس، لأنه لا يوجد ضرر على الجماعة في هذه الحالة وإنما يقتصر الضرر على الفرد، ويكون على الفرد أن لا يعرض نفسه للخطر، وأن يأخذ بالوقاية التي فرضها الله عليه، كما سنبين أدلة ذلك في باب الوقاية إن شاء الله.

جمع وإعداد: راضية عبد الله

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.