الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة والعشرون
الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة والعشرون

المساعدة خلال فترة التعافي: من حسن رعاية المريض أن لا يجهد نفسه في فترة تعافيه حتى يسترد عافيته كاملة، فلا يكلف في هذه الفترة مشقة ولا جهدا يضعفه. ولذلك توفر الدولة للناقه ما يلزمه من مال، إن لم يكن لديه مال، خلال فترة نقاهته التي يحدد الأطباء طولها حتى لا يجهد نفسه في السعي طلبا للرزق.

0:00 0:00
السرعة:
February 24, 2024

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة والعشرون

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الخامسة والعشرون

بعد أن أوضحنا في الحلقتين السابقتين الأمر الأول مما على الدولة توفيره لرعيتها من علاج وتوابعه، وهو (التطبيب والتمريض والدواء) ننتقل إلى:


ب) المساعدة خلال فترة التعافي: من حسن رعاية المريض أن لا يجهد نفسه في فترة تعافيه حتى يسترد عافيته كاملة، فلا يكلف في هذه الفترة مشقة ولا جهدا يضعفه. ولذلك توفر الدولة للناقه ما يلزمه من مال، إن لم يكن لديه مال، خلال فترة نقاهته التي يحدد الأطباء طولها حتى لا يجهد نفسه في السعي طلبا للرزق.

هذا وقد ذكرنا في الحلقة الثالثة كيف أن المرضى في مستشفيات الدولة الإسلامية الذين يستعيدون صحتهم ويتماثلون للشفاء كانوا يعزلون عن باقي المرضى في فترة نقاهة. وكان يعطى لكل مريض حين خروجه من البيمارستان خمس قطع من الذهب، حتى لا يضطر إلى الالتجاء إلى العمل الشاق في الحال."


ج) توفير الخدمة والمساعدة للمعاقين والعجزة والمصابين (المجانين):

من رحمة الله سبحانه وتعالى بذوي الاحتياجات الخاصة أن رفع الحرج عنهم، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [الفتح 17]. وأوجب على أقاربهم من ذوي الرحم المحرم أن يتولوا نفقة هؤلاء المحتاجين، من مأكل وملبس ومسكن. وتحصلها الدولة الإسلامية جبرا ممن فرضت عليه.

أما الذين لا رحم محرمة لهم، أو كانت رحمهم المحرمة عاجزة عن الإنفاق، فقد أوجب الشرع نفقتهم على الدولة من بيت المال، روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قالَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِلْوَرَثَةِ وَمَنْ تَرَكَ كَلاً فَإِلَيْنَا"، والكل: الضعيف الذي لا ولد له ولا والد.

أما ما يحتاجه المعاقون والعجزة من معدات أو أجهزة أو خدمات تعينهم في عجزهم وتخفف من إعاقتهم ككراسي العجلات أو العكازات أو أجهزة السمع، فعلى الدولة أن توفرها لهم، لأنها تدخل في الضرورات التي يسبب نقصها ضررا بمن يحتاجها، والضرر حرام لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا ضَرَرَ وَلا ضِرارَ". كما أن هذه المعدات والخدمات تدخل ضمن التطبيب - وهو واجب على الدولة - لأن الهدف منها هو علاج العجز الناتج عن فقدان عضو من الجسم أو اختلال وظيفته.

كما وتنشئ الدولة الإسلامية ما يلزم من دور رعاية للمعاقين عقليا أو بدنيا ممن لا يستطيع ذووهم القيام برعايتهم بسبب شدة إعاقتهم واحتياجهم إلى رعاية خاصة، أو ممن قد يتسببون بالضرر لذويهم أو الجماعة إذا لم يتم عزلهم ومراقبتهم. وأن تكون دور الرعاية هذه مجهزة بما يحتاجه هؤلاء المعاقون، وأن تكون معاملتهم ورعايتهم فيها رعاية حسنة.

لقد كان من اهتمامه (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم أنه كان يقف مع هؤلاء وأمثالهم ويقضي حاجتهم ويشفق عليهم، روى مسلم عن أنس (رضي الله عنه) أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ (أَيْ مِنْ الْفُتُورِ وَالنُّقْصَانِ)، فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً"، فَقَالَ: "يَا أُمَّ فُلانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ".



وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يتعهد عجوزا كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيسقي لها ويقوم بأمرها، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت، فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها، فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر (رضي الله عنه) وهو يومئذ خليفة.

وكتب عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) إلى أمصار الشام أن ارفعوا إلي كل أعمى في الديوان أو مقعد أو من به فالج أو من به زمانة تحول بينه وبين القيام إلى الصلاة، فرفعوا إليه، فأمر لكل أعمى بقائد وأمر لكل اثنين من الزمنى بخادم. وكذلك أعطى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الناس، وأعطى المجذومين، وقال لهم: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائدا. 


وتأسست بيمارستانات (مستشفيات) الأمراض العقلية، في زمن الأمويين، وقد جاء في صك الأوقاف التي حبس ريعها لصالح المستشفى النوري أو العتيق بحلب أن كل مجنون يخص بخادمين فينـزعان عنه ثيابه كل صباح، ويحممانه بالماء البارد، ثم يلبسانه ثيابا نظيفة ويحملانه على أداء الصلاة، ويسمعانه قراءة القرآن يقرؤه رجل حسن الصوت، ثم يفسحانه في الهواء الطلق.

                                                                                جمع وإعداد: راضية عبد الله

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.