الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السابعة
الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السابعة

بعد أن بينا في الحلقة السابقة أن الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث والآفات يعتبر من أهم ركائز الرعاية الصحية، سوف نبدأ بعرض الأمور الواجب على الدولة أن تقوم بها للحفاظ على بيئة نظيفة: ...

0:00 0:00
السرعة:
February 06, 2024

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السابعة

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السابعة

بعد أن بينا في الحلقة السابقة أن الحفاظ على البيئة وحمايتها من التلوث والآفات يعتبر من أهم ركائز الرعاية الصحية، سوف نبدأ بعرض الأمور الواجب على الدولة أن تقوم بها للحفاظ على بيئة نظيفة :

 أولا: التقليل من التلويث الصناعي:


الصناعة أساس هام من أسس الحياة الاقتصادية لأية أمة أو أي شعب في أي مجتمع، وفوق ذلك، فإن كون الدولة الإسلامية دولة صاحبة رسالة تحمل الإسلام إلى باقي الأمم بالدعوة والجهاد، يقتضي أن تكون الصناعة في هذه الدولة مبنية على أساس الصناعة الحربية وأن تكون على أرفع درجة من التقدم والتطور، قال سبحانه وتعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) [الأنفال 60]


إلا أن الصناعة الحديثة تنتج انبعاثات مختلفة في الهواء، وتدفقات سائلة في الأنهار والبحار والمياه الجوفية، ومخلفات صلبة أخرى، وهنالك أيضا الفضلات المشعة الناتجة عن الصناعات النووية. وكل هذه الانبعاثات والمخلفات تؤثر بصورة أو بأخرى على صحة الإنسان وتؤدي إلى تلوث البيئة وإفسادها. والرسول (صلى الله عليه وسلم) حين يأمرنا كأفراد في الحديث الشريف: "اتَّقُوا الْمَلاعِنَ الثَّلاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ وَالظِّلِّ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ"، رواه ابن ماجه في سننه، فإنه أراد به منع الضرر اللاحق بالمسلمين، فيكون علة يقاس عليها كل ما آذى المسلمين في مواردهم العامة وبيئتهم وطرقهم ومنها الفضلات الصناعية، بل إنه (صلى الله عليه وسلم) جعل إماطة الأذى (مطلق الأذى) ‏عن الطريق من شعب الإيمان، بقوله: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ"،

لذلك ولأن الإمام راع ومسؤول عن رعيته كان فرضا على الدولة أن تقلل أو تعالج هذه الفضلات الصناعية بصورة تحافظ على البيئة وصحة الرعية، ويكون علاج هذه المشكلة في الدولة الإسلامية بتخصيص مناطق صناعية بعيدة عن المناطق السكنية للصناعات الملوثة، ومراقبة المنشآت الصناعية والزراعية وأية مصادر أخرى للتلوث، وإلزام تلك المنشآت والمصادر - سواء ما كان منها داخلا في الملكية الخاصة أم العامة - باتباع أساليب ونظم الإنتاج النظيف، كوحدات معالجة الفضلات الصناعية، وبعدم السماح بتسرب الملوثات للبيئة المحيطة بما يتعدى الحدود المسموح بها، وهذه الحدود يقوم بتعيينها أهل الاختصاص من العلماء، بحيث يسمح فقط بالحد الأدنى من الانبعاثات والفضلات التي لا تؤثر على التوازن البيئي.


كما وتهتم الدولة بإنشاء مصانع لإعادة تصنيع الفضلات الصناعية المباحة واستغلالها ثانية كأشكال جديدة من المادة والطاقة، وهو ما يسمى بإعادة التدوير، للتقليل من كمية المخلفات الصناعية. وما يتبقى بعد ذلك من هذه المخلفات غير القابلة للاستغلال أو التدوير، فإنه يتم التخلص منه بالدفن في المناطق النائية. ويتم إنشاء فريق من العلماء لدراسة واستحداث سبل جديدة للتخلص من هذه المخلفات غير القابلة للاستغلال أو التدوير وإزالة خطرها وضررها عن الرعية. 


وبما أن التلويث البيئي من المخالفات التي تضر بالجماعة، فإن قاضي الحسبة في الدولة الإسلامية هو المسؤول عن مراقبة المصانع والمنشآت، للحد من الانبعاثات الضارة بالبيئة، ويجب عليه الاستعانة بأهل العلم والمختصين بالبيئة للقيام بذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وتحدد عقوبات تعزيرية رادعة بحق أصحاب المصانع في حال تعديهم الحد المسموح به من الانبعاثات الصناعية، ويغلق المصنع إن لم تردعه العقوبات واستمر في تلويث البيئة.

والبيئة الطبيعية لا تحد بحدود الدولة، والمخلفات الملوثة من دولة معينة قد تؤثر على البيئة في الدول المجاورة، خصوصا إذا انتقلت الملوثات عبر الهواء أو مجاري المياه. ولذلك يجب على الدولة الإسلامية منع الدول المجاورة من تلويث البيئة ومنعها من إلقاء مخلفاتها الصناعية في أراضي الدولة الإسلامية، ويعتبر أي تجاوز لهذه الشروط من قبل الدول المجاورة تعديا على الدولة الإسلامية ورعاياها يستوجب إعلان الجهاد والحرب أو تراجع تلك الدول عن التلويث.

جمع وإعداد: راضية عبد الله

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.