الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السادسة عشر
الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السادسة عشر

ومع المجال الخامس من مجالات الرعاية الصحية العامة في الدولة الإسلامية: 5-  بنك الدم: بنك الدم هو الجهة التي تقوم بجمع الدم ومكوناته وحفظها وتوصيلها إلى من يحتاجها، وكذلك تقوم بمتابعة عملية تقديمها للمرضى وما قد ينتج عن هذا التقديم من مضاعفات أو أمراض.

0:00 0:00
السرعة:
February 15, 2024

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السادسة عشر

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة السادسة عشر

ومع المجال الخامس من مجالات الرعاية الصحية العامة في الدولة الإسلامية:


5- بنك الدم:


بنك الدم هو الجهة التي تقوم بجمع الدم ومكوناته وحفظها وتوصيلها إلى من يحتاجها، وكذلك تقوم بمتابعة عملية تقديمها للمرضى وما قد ينتج عن هذا التقديم من مضاعفات أو أمراض. ويؤسس لهذه الأغراض جهاز إداري تابع لدائرة الصحة، يضم كادرا من الأطباء والممرضات وباقي الموظفين والعلماء، بحيث يكون في كل عمالة (والعمالة هي فرع من الولاية) فرع ثانوي لبنك الدم فيه ما يكفي من الدم ومكوناته للعلاج اليومي في مستشفيات تلك العمالة، وبحيث يكون هنالك فرع رئيسي للولاية كلها يضخ ما يكفي من الدم ومكوناته إلى فروع العمالات الثانوية في حالة النقص أو الحاجات الاستثنائية كالحروب والكوارث.

ومع أن الدم محرم لقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) [المائدة 3]، إلا أن التداوي بالمحرم جائز، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رَخَّصَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ (رضي الله عنهما) فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهِمَا، والحديث رواه الشيخان، مع أن لبس الحرير للرجال حرام. كما أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ والذي قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ (أَيْ مِنْ فِضَّةِ) فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، أَمَرَهُ أن يتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ، ولبس الذهب للرجال حرام أيضا، ومن هنا كان التداوي بالدم المحرم جائزا. وبنوك الدم إذا قامت على التبرع ومنع الاتجار فهي جائزة.

ويجمع الدم من الناس في مراكز خاصة ويحفظ في بنك الدم، وتقوم الدولة بحملات إعلامية دورية لحث الناس على التبرع بالدم لما في ذلك من ضرورة لعلاج المرضى وتطبيب المجاهدين. وتفحص فئة الدم عند كل من يتبرع بالدم، وتحفظ في بيانات بنك الدم، حتى إذا احتاج يوما إلى الدم كانت فئة دمه معلومة، كما أنه إذا نقصت هذه الفئة من مخزون بنك الدم، أمكن الاتصال بصاحبها وطلب التبرع بدمه. كما تفحص فئة دم كل من يتجند لجيش الدولة الإسلامية، لتسهيل عملية إعطاء الدم ذي الفئة المناسبة في حالة إصابته في الجهاد واحتياجه إلى الدم. ويفحص كذلك خلو الدم من مسببات المرض التي قد تنتقل عن طريقه.

ولأن الدولة الإسلامية دولة مبدئية تطبق الإسلام في الداخل وتحمل دعوته إلى الخارج بالجهاد، فإنها تكاد تكون في حالة حرب دائمة لنشر الإسلام والذود عن المسلمين، ولذلك كان على بنك الدم أن يكون مستعدا دائما لتزويد الخطوط الأمامية للجيش بما يلزم من الدم ومكوناته لعلاج الجرحى، وتقام لهذا الغرض فروع خاصة لبنك الدم في الثغور تجمع الدم من المقاتلين في الخطوط الخلفية ومناطق الاتصال، لتقديمه للجرحى في الخطوط الأمامية، وعلى هذه الفروع المقامة في الثغور أن تسعى قدر المستطاع إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي خاصة في أوقات الالتحام، حتى لا تكون متعلقة بالإمدادات الخلفية لإمكانية حصول الانقطاع، وإذا حصل نقص في كمية الدم فيطلب ما يسد هذا النقص من الدم من فروع بنك الدم في الولايات المتاخمة للثغر. 


وعلى جهاز بنك الدم أن يهتم بموازنة مخزون الدم بالطلب، بحيث لا يزيد الطلب على المخزون فيحصل النقص ويتأخر أو يتعطل العلاج، وكذلك لا يزيد المخزون على الطلب فيتلف الدم بعد انتهاء صلاحيته.


وإذا نقص الدم وكثر الجرحى أو المرضى المحتاجون لهذا الدم عند الحوادث الطارئة كهجوم عدو أو الزلازل أو الطوفان...، ولم يكف المتبرعون بالدم لسد الحاجة للدم، فللدولة أن تجبر من رعاياها من لا يسبب أخذ الدم منهم ضررا عليهم أو على متلقي الدم، تجبرهم على إعطاء الدم حتى تحصل الكفاية. لأن التطبيب فرض على الدولة، وعدم توفيره يشكل ضررا تجب إزالته، يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لَا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ». هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن للدولة أن تفرض ضرائب وفق الأحكام الشرعية إن لم يوجد في بيت المال مال للصرف على نفقات الحوادث الطارئة من مجاعات وزلازل وطوفان أو هجوم عدو...، وبناء عليه فإنها تجبر من رعاياها من لا يسبب أخذ الدم منهم ضررا عليهم أو على متلقي الدم، تجبرهم على إعطاء الدم حتى تحصل الكفاية لسد الحاجة الضرورية لهذه الحوادث الطارئة إن لم يكن في مخزون الدم لديها ما يكفي.

                                                                            جمع وإعداد: راضية عبد الله

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.