الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة التاسعة
الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة التاسعة

عرضنا في الحلقتين السابقتين الأمر الأول من الأمور الواجب على الدولة أن تقوم بها للحفاظ على بيئة نظيفة، ألا وهو التقليل من التلويث الصناعي.

0:00 0:00
السرعة:
February 08, 2024

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة التاسعة

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة التاسعة

عرضنا في الحلقتين السابقتين الأمر الأول من الأمور الواجب على الدولة أن تقوم بها للحفاظ على بيئة نظيفة، ألا وهو التقليل من التلويث الصناعي.

أما الأمر الثاني فهو: نظافة مصادر المياه وجودة ماء الشرب:


الماء مادة ضرورية لا تقوم حياة بدونها، ولا يستوي أي كائن إن لم يتوفر له الماء الصالح، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء30]، وقد عد الإسلام الماء ملكية عامة لتمكين جميع أفراد الرعية من الانتفاع به، فهو مرفق من مرافق الجماعة - التي يشترك المسلمون فيهم - بالإضافة إلى الكلأ والنار، إن لم يتوفر أيا منهم تفرقت الجماعة في طلبه، لذلك ولضمان حفظه وتوفيره صالحا لكل الرعية حرم الشرع منع أي فرد من الانتفاع به، روى ابن ماجه عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "ثَلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلأُ وَالنَّارُ"، وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" وَمِنْهُم: "رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ".

وكما أن الماء لازم للشرب والطهي والتنظيف فهو لازم لري المزروعات وتربية الحيوانات ولإقامة الصناعات، ولقد أدرك المسلمون أهميته منذ نشوء الدولة الإسلامية في المدينة، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا رومة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَيَكُونَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدُلِيِّ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟" فاشتراها عثمان (رضي الله عنه) من خالص ماله.


وقد أمر الإسلام بالحفاظ على جودة المياه ونظافتها، وحذر من تلويث مصادر المياه، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ"، رواه مسلم في صحيحه، وروى ابن ماجه بسند صحّحه الألباني عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) أنه قال: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ نُوكِيَ أَسْقِيَتَنَا وَنُغَطِّيَ آنِيَتَنَا"، وذلك حفظا لما تحويه هذه الآنية من الماء.

وكما أن الماء قد يتلوث بفعل الإنسان نتيجة لما يستخدمه من مواد في الصناعة والزراعة، كالمعادن الثقيلة مثل الرصاص والزئبق، والكيماويات والمركبات الخطرة مثل المبيدات الحشرية والمخصبات. فقد يتلوث أيضا نتيجة لمواد طبيعية المنشأ، مثل معدن الزرنيخ أو الكائنات الدقيقة المسببة للأمراض من بكتيريا وفيروسات وطفيليات كالكائنات أحادية الخلية والديدان. وإذا تركت هذه الملوثات دون معالجة فمن الممكن أن تسبب طائفة كاملة من الأمراض، والتي تلحق ضررا كبيرا بصحة الإنسان. ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من مليار نسمة على مستوى العالم محرومون من مياه الشرب النظيفة، ويموت سنويا ما لا يقل عن أربعة ملايين شخص معظمهم من الأطفال بسبب الأمراض الناتجة عن تلوث مياه الشرب، كأمراض الحمى التيفية والكوليرا وداء المنشقات (البلهارسيا) والزحار (الدوسنطاريا) وأمراض الإسهال الأخرى.


لذلك فإنه وانطلاقا من القاعدة الشرعية الواسعة القاضية بأن لا ضرر ولا ضرار، وتطبيقا للأحاديث السابقة التي تحرم تلويث المياه العامة التي هي ملك لكافة المسلمين، كان من الواجب على الدولة الإسلامية أن تهتم بنظافة مصادر المياه ومراقبة جودة ماء الشرب وخلوه من الملوثات، عن طريق إنشاء مختبرات خاصة لهذا الهدف، وإقامة محطات لمعالجة المياه وتطهيرها من الملوثات، ويتولى جهاز الحسبة في الدولة الإسلامية مراقبة المياه وجودتها وتقرير عقوبة الأفراد أو الشركات والمصانع التي تلوث مصادر المياه بحيث تكون العقوبة رادعة ومزيلة للتلوث الحاصل. 

                                                                                    جمع وإعداد: راضية عبد الله

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.