الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثانية والثلاثون
الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثانية والثلاثون

نُذكركم أحبتنا الكرام أننا في الحلقة السابقة تكلمنا عن دور الدولة الإسلامية تجاه الكوارث والحالات الاستثنائيةواستعرضنا فيها أعمال اللجان المختصة التي تعينها الدولة الإسلامية في كل ولاية والتي وظيفتُها الإعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية والحربية في الولاية، وأن هذه الأعمال على أربعة أصعدة: ...

0:00 0:00
السرعة:
November 28, 2020

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثانية والثلاثون

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثانية والثلاثون

نُذكركم أحبتنا الكرام أننا في الحلقة السابقة تكلمنا عن دور الدولة الإسلامية تجاه الكوارث والحالات الاستثنائيةواستعرضنا فيها أعمال اللجان المختصة التي تعينها الدولة الإسلامية في كل ولاية والتي وظيفتُها الإعداد لمواجهة الكوارث الطبيعية والحربية في الولاية، وأن هذه الأعمال على أربعة أصعدة:


1-العمل المسبق للحد من وقع الكوارث ونتائجها

2-وضع خطط العمل للكوارث

3-التعامل مع الكارثة

4-إصلاح نتائج الكارثة

ثم نكمل ونقول:

ولا يعني إنشاء لجنة لمواجهة الكوارث في كل ولاية أن باقي الولايات لا تشارك في المجهود الإغاثي، بل إن كل هذه اللجان تكون مرتبطة وتعمل معا بالتنسيق لمواجهة الكارثة أينما كانت، على أن إدارة العمليات الإغاثية تكون من قبل اللجنة في الولاية المنكوبة، وتكون موارد باقي اللجان تحت تصرفها. فرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْو تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، رواه البخاري. كما أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أمد الأعراب في عام الرمادة بالإبل والقمح والزيت من كل أرياف المسلمين، حتى بلحت الأرياف كلها (أي أجهدت وتعبت ولم تنبت شيئا) مما جهدها ذلك، روى ذلك البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني. وكان عام الرمادة عام قحط وجوع، سمي بذلك لأن الأرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد، أو لأن الريح كانت تسفي ترابا كالرماد، حتى بلغ عدد الأعراب الذين وفدوا إلى المدينة طلبا للقوت أكثر من خمسين ألفا، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية: "كتب عمر (رضي الله عنه) إلى أبي موسى (رضي الله عنه) بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد، وكتب إلى عمرو بن العاص (رضي الله عنه) بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد، فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات، ووصلت ميرة عمرو (رضي الله عنه) في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة".

وكذلك فعل عمر (رضي الله عنه) مع سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) في العراق ومعاوية في الشام، ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات. 

أما فرق المنظمات الدولية وفرق الإنقاذ والإغاثة التابعة للدول الكافرة فتمنع من دخول البلاد بحجة المساعدة في المجهود الإغاثي، لأن مثل هذه المنظمات المستترة تحت شعارات الإنسانية وإغاثة المنكوبين عادة ما تستغل الكوارث لدخول البلاد والعمل التبشيري كمحاولات التنصير التي حصلت بعد التسونامي الذي ضرب إندونيسيا، أو لخطف الأطفال كما حصل مع المنظمة الفرنسية التي حاولت اختطاف الأطفال التشاديين، أو للعمل السياسي أو الاستخباراتي ودعم جماعات المتمردين وإثارة الفتن كما حصل في دارفور في السودان. فضرر هذه المنظمات قطعا أعظم من نفعها، بل إن دخولها لدار الإسلام ولو بحجة الإغاثة يمهد لزرع الفتن وجعل سلطان لدول الكفر على الدولة الإسلامية، والله سبحانه وتعالى يأمرنا بألا نجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [النساء 141]. والمساعدات الخارجية من أموال وموارد تمنع كذلك من دخول الدولة لأنها عادة ما تكون وسيلة لتهريب السلاح أو لتمهيد الطريق نحو إنشاء مصالح لدول الكفر داخل البلاد.

وفي المقابل، إذا كانت الكارثة في دولة من دول الكفر، فإن للدولة الإسلامية أن تساعد في الأعمال الإغاثية بإرسال الطواقم المختصة أو المساعدات، وفق ما يراه الخليفة من مصلحة للدولة وللدعوة إلى الإسلام، على أن لا تؤدي هذه المساعدات إلى تقوية الدولة المنكوبة عسكريا. 


وقد استجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لاستغاثة قريش، وكتب إلى ثمامة بن أثال الحنفي بأن يسمح للميرة بالوصول إلى قريش وهي على الكفر وعداء الإسلام آنذاك، وذكر ابن هشام ذلك في سيرته فقال: "خَرَجَ (أي ثُمَامَةَ) إلَى الْيَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلَى مَكّةَ شَيْئًا، فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّك تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرّحِمِ وَإِنّك قَدْ قَطَعْت أَرْحَامَنَا، وَقَدْ قَتَلْت الآبَاءَ بِالسّيْفِ وَالأَبْنَاءَ بِالْجَوْعِ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلَيْهِ أَنْ يُخَلّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ".

وإلى أن نلقاكم في الحلقة الأخيرة، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

جمع وإعداد: راضية عبد الله

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.