الصائم مع القرآن والسنة - الصائمُ الثابتُ على الحقِّ
الصائم مع القرآن والسنة - الصائمُ الثابتُ على الحقِّ

يقولُ الحقُّ جلَّ وعلا في مُحكَمِ تنزيلِهِ: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، دَلَّتِ الآيةُ الكريمةُ على أنَّ الإنسانَ يقضيْ حياتَهُ مُكابداً فيها مُعانياً في مختلِفِ شؤونِ تلكَ الحياةِ.

0:00 0:00
السرعة:
May 31, 2019

الصائم مع القرآن والسنة - الصائمُ الثابتُ على الحقِّ

الصائم مع القرآن والسنة

الصائمُ الثابتُ على الحقِّ

يقولُ الحقُّ جلَّ وعلا في مُحكَمِ تنزيلِهِ: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، دَلَّتِ الآيةُ الكريمةُ على أنَّ الإنسانَ يقضيْ حياتَهُ مُكابداً فيها مُعانياً في مختلِفِ شؤونِ تلكَ الحياةِ.

هذا الإنسانُ بعامةٍ، لكنَّ المسلمَ مكابَدَتُهُ ومعاناتُهُ أشدُّ وأعظمُ نظراً للتكاليفِ الشرعيةِ التي يَسيرُ في الحياةِ بحسبِها.

ولكنْ إنْ كان المسلمُ مكابداً، والإنسانُ مكابداً، فما ظَنُّكَ أخي المستمعُ الكريمُ في حاملِ الدعوةِ؟؟

يكفيْ حاملَ الدعوةِ أنَّ خيرَ البَشَرِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم قُدوتُهُ، وقدْ تَعَرَّضَ للأذى الشديدِ بمختلِفِ أنواعِهِ.

فقد أخرجَ الحاكمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (لقد ضربوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى غُشِيَ عليه، فقامَ أبو بكرٍ رضيَ الله عنهُ، فجعلَ يُنادِيْ ويقولُ: وَيْلَكُمْ أتقتلونَ رجلاً أنْ يقولَ ربيّ اللهُ؟ قالوا: من هذا؟ قالوا: هذا ابنُ أبي قُحافَةَ المجنونُ).

وقد ذكَرَ الله سبحانَهُ وتعالى شيئاً من مُحاولاتِ كفارِ مكةَ صَدَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليهِ وسلمَ عن دينهِ والدعوةِ إليه، فقالَ عزَّ مِنْ قائلٍ: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

وكذلكَ الصحابةُ الكرامُ قدْ لاقَوْا أشدَّ صنوفَ التعذيبِ والتشريدِ معَ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ، فقد تعرَّضوا للضربِ الشديدِ، وشُدَّ وَثاقُهُمْ؛ كما حصلَ معَ سعيدِ بنِ زيدٍ رضيَ اللهُ عنه، ومنْ كانتْ له أمٌّ جعلوها تَضْغَطُ عليهِ كما حصلَ معَ مصعبٍ رضي الله عنه، وصهروهم بالشمسِ كما حصلَ مع بلالٍ رضيَ الله عنهُ، وعتّموا على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ وعلى صحابتِهِ الكرامِ إعلامياً، ومنعوهم من مخاطبةِ الجماهيرِ، كما حصلَ مع أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ الله عنهُ، ورمَوْا رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ بالحجارةِ، وألْقَوْا عليهِ الأذى من فروثِ الحيواناتِ، وحاولوا وَطْءَ رقبةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ الشريفةِ، وتعفيرَ وجهِهِ بالترابِ، واستخدمَ كفارُ مكةَ أسلوبَ التجويعِ، أخرجَ ابنُ حِبّانَ عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: (لقدْ أوْذِيْتُ في اللهِ وما يُؤْذَى أحدٌ، ولقدْ أُخِفْتُ في اللهِ وما يَخافُ أحدٌ، ولقدْ أتَتْ عليَّ ثلاثٌ من بينِ يومٍ وليلةٍ وما لي طعامٌ إلاّ ما وَارَاهُ إِبْطُ بلالٍ)، وتَعرَّضَ صلى الله عليهِ وسلمَ وعشيرتُهُ للمقاطعةِ، فلا بيعَ ولا شراءَ ولا نكاحَ ولا مخالطةَ، وقطعوا عنهم الْمِيرَةَ والمادةَ. وتعرضَ صلى الله عليه وسلم وصحابتُه الكرامُ للاستهزاء والغَمْزِ، وقامَ الكفارُ بمساومةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلمَ على المبدأِ بالرئاسةِ وبالمالِ، وتعرّضَ للسبِّ والشتمِ، والتكذيبِ، والدعايةِ المضادّةِ، وحاولوا منعَهُ من الهجرةِ، وحاولوا قتلَهُ، وهدّدوه بالقتل، فصبَرَ صلى الله عليه وسلمَ، وثبتَ على الحقِّ الذيْ بعثَهُ اللهُ تعالى به، بل كانَ يحثُّ صحابتَهُ الكرامَ على الصبرِ والثباتِ، ويضربُ لهم الأمثالَ من قِصصِ الإنبياءِ السابقينِ وأتباعِهِم، روى البخاريُّ عن خَبّابِ بنِ الأَرَتِّ قال: (شَكوْنا إلى رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وهوَ مُتَوَسَّدٌ بُردَةً له في ظِلِّ الكعبةِ، قلنا له: ألا تستنصرُ لنا ألا تدعو لنا؟ قال: كانَ الرجلُ في مَنْ قبلَكَم يُحْفَرُ له في الأرضِ فيُجْعَلُ فيه، فَيُجَاءُ بالمنشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فَيُشَقُّ باثنتَينِ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دينِهِ، ويُمَشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دونَ لحمِهِ مِنْ عَظْمٍ أوْ عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذلك عن دينِهِ، واللهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ، حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتَ لا يَخافُ إلا اللهَ أو الذئبَ على غَنَمِهِ، ولكنّكم تستعجلونَ).

فمنْ أولى من حامل الدعوةِ الصائمِ بالثباتِ على الحقِّ، والصبرِ على مَشاقِّ الحياةِ الدنيا، والصبرِ على محاولاتِ الكفارِ صَدَّهُ عن دينِهِ، وعن حملِ دعوةِ دينِ اللهِ تعالى؟ وهو الذي تَرَكَ طعامَهَ وشرابَه وشَهَواتِهِ امتثالاً لأمرِ اللهِ تعالى.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.