November 22, 2010

إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- الدولة الأمويةج2

لقد بينا في الإضاءة السابقة أن الدولة الأموية تركت بصماتها على تاريخ المسلمين، بل وعلى تاريخ العالم أجمع، وقد تعاقب على حكمها عدد من الخلفاء العظام، الذين ولوا رجالا عظاما، كولاة وقادة للجند، وإنه رغم فترة حكمها القصيرة نسبياً، فقد أظهر رجالاتها العظام، مقدرة فائقة على الحكم، سنبين في هذه الإضاءة بعض إبداع بعض الخلفاء في حسن سياستهم للرعية، مما يجعلنا نؤكد أنهم كانوا يتمتعون بعقليات فذة في الحكم، فهذا معاوية بن أبي سفيان مثلاً، والذي ساس الرعية سياسة رائعة، لا تزال مضرب الأمثال، فقد كان بارعاً في استمالة الخصوم، ومعرفة الرجال، وكيفية قيادة الجماعات، اسمعوا قوله المشهور: (والله لو كان بيني وبين الناس شعرة ما قطعتها فإن أرخوها شددتها وإن شدوها أرخيتها) لقد أصبحت شعرة معاوية مضرب المثل للسياسيين في كل عصر فأي خبرة أعظم من هذه الخبرة في قيادة الجماعات كما استطاع رغم شدة الخصوم من استمالة أشد خصومه، فاستمالة رجل كالأحنف بن قيس وابن الزبير وعقيل بن أبي طالب وغيرهم تنبئ عن حلم وعلم وحزم وبراعة في استمالة الخصوم فسعة الصدر والعفو عن الخصوم وسعة الحيلة والحزم حيث ينفع الحزم والعفو حيث يقتضي العفو كل هذا لا بد منه فيمن يتصدى لقيادة الأمة.


أما موقفه مع الروم حتى قبل أن يتولى الخلافة فحدث عنه ولا حرج وملخصه لما انشغل المسلمون عن الجهاد ضد الروم بسبب انشغالهم بالفتن الداخلية طلب الروم من معاوية وكان واليا على الشام جزية ثمن سكوتهم عن مهاجمة الثغور فكتب معاوية للإمبراطور كتاب تهديد قائلا: إنني أرفض طلبك والله لو حركت ساكنا وهاجمت الثغور لأصالحن ابن عمي ولأتولين قيادة جيش تحت أمرته ولأخلعنك عن كرسيك الذي تجلس عليه فأدرك حاكم الروم تصميم معاوية وأقلع عن طلباته وتهديداته، فقارنوا أيها السادة هذا الموقف الحازم بمواقف حكام المسلمين في الوقت الحاضر، ممن ابتلينا بهم، وكيف باعوا البلاد والعباد وباعوا كرامتنا، وكرامتهم، واستنجدوا بالكافر المستعمر ليحميهم من بعض الأخطار التي تصوروا أنها محيطة بهم لقد استعانوا بالكافر المستعمر على بني دينهم وقومهم وكأنه لم يحذرنا رسول الله  أشد تحذير من الاستنصار بالكافر بقوله عليه الصلاة والسلام (لاتستضيئوا بنار المشركين)، وكأنهم ما قرأوا الآيات الكريمة في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:51-52) فانظروا أيها المسلمون، النتيجة الفظيعة التي أوصلنا إياها هؤلاء الحكام الجبناء الظلمة فهل رضخ معاوية لطلب لإمبراطور الروم وكان في أمس الحاجة إليه لمساعدته أو شراء سكوته؟.


صحيح أن معاوية جعل الحكم في بني أمية في سابقة لم يألفها المسلمون ولكنه ومع ذلك ظل يحكم بالإسلام وظل يدير الدولة إدارة رائعة فينظم البريد على أحسن ما كان في ذلك الوقت وينشر الأمن والأمان في ربوع الدولة الإسلامية المترامية الأطراف.


أما مروان بن الحكم فرغم قصر مدة حكمه التي كانت أقل من عدد أصابع اليد الواحدة غير أنه أعاد للدولة ولايات خرجت عنها بفضل حزمه وعزمه أعاد الأمور إلى نصابها بالنسبة للأمويين وقد مهد لعمله هذا لولده عبد الملك أن يوحد الدولة ويعيد جميع الولايات التي خرجت عن طاعة الدولة الأموية كما أنه واجه المشاكل مواجهة الرجال فقد استطاع مثلا أن يحبط مخطط الإمبراطورية البيزنطية الذي كان يراد منه تحطيم اقتصاد الدولة الإسلامية بصك دينار ذهبي رومي مغشوش وجعله متداولا في الدولة الإسلامية فنهض عبد الملك بكل همة وجمع الدنانير المغشوشة وأمر بصك دينار إسلامي وذلك ليرفع بعمله هذا تبعيته الاقتصادية للروم كما أنه عرب الدواوين ليستغني أيضاً عن تحكم بعض أهل الكتاب من أهل الذمة بدواوين الدولة، قارنوا أيها السادة إن شئتم بين موقف عبد الملك وضربه الدينار الذهبي الإسلامي وبين بعض حكام المسلمين الذين يتربعوا على كنوز سليمان، والذين لديهم من الثروات لو أحسنوا استخدامها لجعلوا المسلمين سادة العالم اقتصادا، انظروا كيف يتركون عملاتهم تتهاوى تبعا لتهاوي الدولار وكم يخسرون من البلايين والبلايين من الدولارات شهريا أو كل عام وكأن هذا المال ليس لأبناء الأمة يخسرون كل هذا لجبنهم وهلعهم من الكافر المستعمر رغم أن هناك دولاً وشعوبا أقل منهم شأنا في كل شيء استطاعت أن تتخذ قرارات تحفظ عليها سيادتها وتمنع بها المستعمر من التدخل في شئونها.


أما عمر بن عبد العزيز فقد علم الدنيا كيف يكون العدل، وكيف تساس الرعايا وكيف تكون العفة عن أموال الدولة وأموال الرعية، اقرأوا إن شئتم رسالته لأحد الولاة الذي تردد في وضع الضرائب غير الشرعية عن كاهل الرعية، خوفاً من تقليل واردات بيت المال إذ كتب له رضي الله عنه "إن محمدا بعث هاديا لا جابيا" أيها الرأسماليون في الكرة الأرضية يا عملاء الرأسماليين يا من تحكمون المسلمين في العصر الحاضر أهكذا تسوسون رعاياكم؟ ماذا أبقيتم لرعاياكم إلا الفقر والذل والهوان والاستجداء والنفاق عودوا إلى رشدكم واتركوا غيكم وضلالكم فبل أن تحاسبكم أمتكم في الدنيا الحساب الذي تستحقون وقبل أن تحاسبون في الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون.


يا حكام الدنيا اقرأوا عن عمر بن عبد العزيز ماذا رد على أحد الولاة في الدولة الإسلامية عندما أبلغه أن الزكاة لا تجد فقيرا أو مسكينا أو غارما يأخذها فماذا أجابه ابن عبد العزيز قال له: أنفقها في باقي الأصناف الأخرى أنفقها في الجهاد وفي تحرير الرقاب من الرق تمعنوا أيها السادة في هذه السياسة ولاية واسعة تتمتع بالخير والأمن والاكتفاء في نفقاتها وأمورها الاقتصادية لا تجد فيها فقيرا أو مسكينا بل لا تجد فيها من يكذب ليأخذ من مال الزكاة وهو لا يستحقه فأية عفة هذه وأي نقاء كان هذا النقاء وأية أمانة تلبس بها من كانت بيده أموال المسلمين، كيف نضع هذا الموقف وما هو عليه المسلمون في الوقت الحاضر في عصر التكنولوجيا والعصر الصناعي وفي بلادهم من الكنوز ما لا يحصيها إلا الله ومع ذلك تجد أكثر من نصف المسلمين فقراء يستحقون أخذ الزكاة.


هكذا كانت سياسته في رعيته أما علاقته وسياسته مع الكفار فموقف مدينة سمرقند يدمغ كل حاكم ظالم وكل حاكم لا يحكم بشرع الله فمدينة سمرقند دخلها الجيش الإسلامي قبل حكم عمر بن عبد العزيز عنوة دون أن يعرض المسلمون على أهلها اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو القتال، يشكل أهل سمرقند وفداً يصل دمشق، يشكو قائد جند المسلمين والجيش الإسلامي في سمرقند فكتب معهم رسالة لوالي وقائد جند سمرقند يطلب منهم التقاضي عند القاضي (فلان) يجلس وفد سمرقند خصماً لوالي وقائد جند سمرقند ويستمع القاضي لحجة المتخاصمين فيحكم لأهل سمرقند ويطلب من الجيش الإسلامي الخروج من سمرقند يتأهب الجيش للخروج امتثالا للحكم فيهرع وفد سمرقند وأهالي سمرقند إلى الوالي وقائد جند المسلمين يعلنون الإسلام ويطالبون المسلمين بالبقاء في سمرقند، إن هذا الموقف النبيل أيها السادة جعل سمرقند وما حولها بل وبلاد أواسط آسيا قلعة من قلاع الإسلام إذ ظلت هذه المنطقة محافظة على دينها رغم شدة الخطوب والزعازع التي ألمت بهذه المنطقة وقد ظهر ذلك بوضوح بعد انهيار الحكم الشيوعي، الذي كان يحارب الإسلام، كيف عادت المنطقة إلى دينها تعيد بناء وافتتاح مساجدها وحمل دينها.


ألا فاليعلم العالم أجمع أن المسلمين أمة وسط شهيدة على الناس والرسول شهيد عليها، إن المسلمين في تاريخهم كله كانوا رحمة للعالمين فلسنا كالغرب الكافر فماذا فعل الغرب الكافر في فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين، وكيف كان قضاؤهم إذا اعتدى احد جنودهم أو جيوشهم على من يحتلونهم وهم عزل من السلاح هل رفعوا ضيما، أو حققوا عدلا،ً إنهم يسجلون القضية ضد مجهول، أو يتهمون فاعلها بأنه يعاني من لوثة عقلية، إن أحكامهم كلها تدعو للسخرية والضحك فنحن قوم على مدار تاريخنا كله إذا سالمنا التزمنا بعهودنا وإذا حاربنا تقيدنا بأحكام ديننا.


وإليكم هذه الإضاءة الرائعة:
بعد توليه الخلافة قرر أن يسكن الفتن بل ويقضي عليها بالعدل وعليه فلا بد أن يعطى كل ذي حق حقه فجاءه وفد من الشيعة ووفد آخر من الخوارج وناقشوه في أمور الحكم فبينوا له مثلا أنه لم يتول الخلافة بالبيعة فأقرهم على قولهم، ثم خلع نفسه، وطلب من أهل الحل والعقد أن يبايعوا خليفة غيره عن رضا واختيار فلما فعل ذلك فزع إليه أهل الحل والعقد وحتى الشيعة والخوارج وبايعوه بالخلافة كذلك طالبوه برد الحقوق والأموال التي اغتصبها بنو أمية من بيت المال وأول من بدأ بزوجته فخيرها بين أن تضع مجوهراتها وكل ما كانت تملكه بغير حق في بيت المال أو يطلقها ويبقي لها أموالها فاختارت رحمها الله عمر زوجا وتخلت عن كل مجوهراتها كذلك فعل بقرابته إذ أعاد الأموال والضياع لأصحابها، ولبيت المال ثم جرى حوار بينه وبين أحد الخوارج إذ قال الخارجي ماذا تقول في معاوية، قال عمر رضي الله عنه: أقول إنه عَمِل عَمَل سوءًا وعَمِل عَمَل خير وهو بين يدي الله سبحانه سيحاسبه على أعماله فإن رجحت حسناته على سيئاته أدخله الله الجنة وإن كان غير ذلك دخل النار. فقال له الخارجي لقد اقترف معاوية آثاماً كثيرة فلماذا لا تلعنه فقال له: يا هذا أيهم أشد بعداً عن الحق معاوية أم فرعون قال الخارجي: فرعون، قال عمر: نشدتك الله هل تلعن فرعون كل يوم قال الخارجي لا قال عمر: فلماذا تطالبني بلعن معاوية وأنت لا تلعن من هو أشد بعدًا عن الله من معاوية؟ فسكت الخارجي. بل ويقول التاريخ أن الشيعة والخوارج قالوا لأنفسهم ولبعضهم لم يترك هذا لنا عذرا في شق عصا الطاعة، كل هذا حدث أيها السادة في خلافته القصيرة، بل وإن عدداً من ملوك السند دخلوا في الإسلام بعد مراسلته لهم رضي الله عنه.


وكلمة أخيرة لم يحكموننا في الوقت الحاضر اقرأوا سيره هذا الخليفة العظيم وتعلموا منه كيف تساس الرعية وثقوا أن أمتنا عظيمة فإن أخلصتم لها كان إخلاصها لكم عجبا، ضعوا أيديكم في أيدي أمتكم وسوسوها بالإسلام لتروا بعدها كيف ستفديكم الأمة بأرواحها وبأغلى ما تملك إلا فاعلموا ألا عزة إلا بالإسلام ولا عدل إلا بالإسلام ولن يعود الإسلام لمعترك الحياة إلا بعد إقامة دولة الخلافة فالنعمل يداً واحدة لإقامتها وثقوا أن نصر الله قريب (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج: من الآية40)


فاللهم عجل بالفرج واجعلنا ممن يعمل لإقامتها، لننال عز الدارين: الدنيا والآخرة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


أبو بكر

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة