عربي21: في مئوية إلغاء الخلافة.. هل اندثر نظام الخلافة بلا رجعة أم سيعود من جديد؟
March 08, 2024

عربي21: في مئوية إلغاء الخلافة.. هل اندثر نظام الخلافة بلا رجعة أم سيعود من جديد؟

عربي21

2024-03-07

عربي21: في مئوية إلغاء الخلافة.. هل اندثر نظام الخلافة بلا رجعة أم سيعود من جديد؟

إذا كان واقعنا اليوم لا يقول بإمكان وجود خلافة واحدة فلا نعلم ماذا سيكون في المستقبل من تغيرات وأحوال.. (عربي21)

في الثالث من مارس الجاري حلت الذكرى المئوية لإلغاء الخلافة العثمانية، بعد خلع الخليفة عبد المجيد الثاني على يد كمال مصطفى أتاتورك، وهو ما أفضى إلى زوال نظام الخلافة المتمثل بالخلافة العثمانية والتي استمرت ما يقرب 600 عام، والتي كانت تُعد الكيان السياسي الحاكم والحامي للمسلمين.

بعد إلغاء الخلافة العثمانية، وخلع آخر خلفائها في الثالث من آذار/ مارس عام 1924 نشأت حركات إسلامية عديدة، كحركة الإخوان المسلمين، تدعو لاستئناف الحياة الإسلامية والعمل لإعادة الخلافة، وكان من أبرز تلك الحركات حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ الفلسطيني تقي الدين النبهاني عام 1953، والذي جعل العمل لإعادة الخلافة على منهاج النبوة قضية الحزب المركزية.

في التأسيس لفكرة عودة الخلافة على منهاج النبوة يستدل القائلون بها بأحاديث نبوية تبشر بعودتها من جديد، وهو ما رسخ إمكانية عودة الخلافة بصورتها التاريخية التقليدية في ذهنية من يؤمن بذلك، فما مدى ثبوت تلك الأحاديث التي تبشر بذلك، وما دلالة تلك النصوص تاريخيا وواقعيا، وهل اندثر نظام الخلافة بعد قرار إلغاء الخلافة العثمانية بلا رجعة أم أنه سيعود من جديد كما يعتقد المؤمنون بها؟

يرى المعتقدون بعودة الخلافة أنها "مسألة حتمية لأن عودة الإسلام بوصفه وجهة نظر في الحياة، وطريقة عيش ورسالة عالمية متوقف على عودة الخلافة فهي الطريقة الشرعية الواجبة لتطبيق الإسلام، فقد أجمع الفقهاء على وجوب وجود خليفة للمسلمين يقيم الشرع، ويذود عن الدين، ويوحد المسلمين، ويجاهد العدو" وفق عضو حزب التحرير، إمام وخطيب مسجد الفاروق في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، منذر عبد الله.

 

منذر عبد الله إمام وخطيب مسجد الفاروق بالعاصمة الدنماركية كوبنهاجن 

منذر عبد الله إمام وخطيب مسجد الفاروق بالعاصمة الدنماركية كوبنهاغن

وتابع حديثه لـ"عربي21" مستشهدا بقوله عليه الصلاة والسلام "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا يا رسول الله؟، قال: فو ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم" (رواه مسلم)، وقال عليه الصلاة والسلام "إنما الإمام جنة، يقاتل من وراءه، ويتقى به" (رواه مسلم)".

وأورد عضو حزب التحرير عبد الله الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون... وفي آخره "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت"، والذي "يفيد بشكل صريح عودة الخلافة الراشدة على أنقاض الحكم الجبري القائم اليوم" على حد قوله.

ونبّه إلى أنه "فوق هذا فإن في الأمة حزبا سياسيا (يقصد حزب التحرير الإسلامي) جعل استئناف الحياة الإسلامية من خلال إعادة الخلافة الراشدة قضيته المصيرية، وأعد لها دستورا كاملا يجعل تطبيق الإسلام بشكل كامل أمرا متحققا، وقد باتت الخلافة أمل الأمة في التحرر من الهيمنة الغربية".

وفي هذا الإطار خصصت قناة "شؤون إسلامية" حلقة خاصة للحديث عن هذه المناسبة، مع الباحث في التاريخ الإسلامي، محمد إلهامي، والذي رأى أن "تسعة أعشار المشكلات التي تعاني منها الأمة الإسلامية حاليا هي فرع عن نكبة سقوط الخلافة، فهي النكبة الكبرى التي عمّت العالم الإسلامي، وأن نكبة فلسطين.. وضياع ثروات الأمة هو فرع نكبة عن سقوط الخلافة..".

وأضاف: "بل أقول أكثر من ذلك إن مرور هذا اليوم، بعد مائة عام على سقوط الخلافة دون أن تضج المنابر والمآذن والقنوات والفضائيات، ودون أن تسيل أقلام الكتاب هو نفسه فرع عن سقوط الخلافة، إذ صار المسلمون لا يشعرون بالنكبة، فهذا يشبه حال الإنسان المغيب..".

وتساءل الباحث إلهامي عبر حسابه على منصة أكس بين يدي الحلقة "لماذا لا يشعر الكثير من الناس بنكبة سقوط الخلافة؟ ما فائدة الخلافة بالنسبة للمسلم البسيط الذي يعيش الآن في دولة مستقرة؟ لماذا يتوحش الغرب والأمريكان ويحاربون بكل قوة نشأة نظام شبه إسلامي في دولة صغيرة؟ ماذا بإمكاننا أن نفعل لإعادة الخلافة"؟ وهو ما شكل محاور وأسئلة الحلقة المخصصة لذلك.

من جانبه قال أستاذ الحديث النبوي وعلومه بجامعة مؤتة الأردنية، الدكتور محمد سعيد حوّى "الخلافة هي التعبير السياسي والاجتماعي والإداري عن نظام الحكم في الإسلام الذي يقوم بواجباته الكلية في رعاية الدين وسياسة الدنيا، وإذا كان الهدف الأسمى هو تحقيق العدل والحق والشورى، وحرية الإنسان في الاختيار (لا إكراه في الدين)، وإنفاذ أحكام الله الشرعية في مجالات الحياة المختلفة، مع الحفاظ على المجتمع في هويته وأخلاقه وعقيدته، وأن تكون الكلمة العليا للمسلمين، تحقيقا لمعنى العبودية لله".



محمد سعيد حوى أستاذ الحديث النبوي وعلومه بجامعة مؤتة الأردنية     

محمد سعيد حوّى أستاذ الحديث النبوي وعلومه بجامعة مؤتة الأردنية

وأضاف: "وإذا كان من التوجيهات الربانية تحقيق أعلى درجات الوحدة في الأمة الإسلامية في آيات كثيرة مع كونها تحتمل جوانب من التفسير في معنى هذه الوحدة، فإننا إذا نظرنا إلى الموضوع من هذه الجوانب، وإذا نظرنا إلى هذا الأمر بكل هذه الاعتبارات فيكون المطلوب هو تحقيق مقاصد وجود الخلافة قبل أن تكون صورتها وشكلها، فكيفا تحققت هذه المقاصد العظيمة نستطيع القول بأننا حققنا الرسالة الحقيقية المرادة من وجود خلافة للمسلمين".

وردا على سؤال "عربي21" بشأن ما يقال عن تطور أنظمة الحكم في العالم قال حوّى "ونحن نلحظ ذلك ونرى تطورات العالم والتحولات السياسية والفكرية والاجتماعية، يكاد الناظر أن يقول إنه من المستحيل أن تكون هنالك جهة مركزية واحدة يرأسها شخص واحد تتبعه مختلف الولايات والأقطار والولاة، فضلا عن تساؤلات كثيرة عن ماهية الصيغ التي يمكن أن تتم بها".

وأردف: "فإذا رجعنا إلى النصوص النبوية فهي إما ضعيفة أو محتملة التأويل، فمما صحَّ حديث حذيفة بن اليمان "قال: فما تأمرني؟، قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامّهم.." أخرجه البخاري ومسلم، وهذا كما يُلاحظ نص عام يدعو إلى التزام الحق والإمام الشرعي دون بيان أو تفصيل، بل وفي النص ما يفيد إمكانية عدم وجود إمام أساسا".

أما حديث حذيفة الذي جاء فيه "تكون النبوة ما شاء الله أن تكون.. وفي آخرة "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" فعلق عليه حوّى بالقول "هذا الحديث أخرجه أحمد وغيره، وهو حديث اختلف فيه، إذ فيه حبيب بن سالم، قال البخاري فيه: فيه نظر (وهذه من مصطلحات التضعيف الشديد عنده)، وقال أبو داود وأبو حاتم: ثقة، ولذا قال ابن حجر: لا بأس به، ولا يخفى أن مثل هذه القضايا الكبيرة لا تؤخذ من مجرد رواية محتملة، ولا يصح حديث صريح في هذا الباب ".

وتابع: "ثم لا بد من القول أن التاريخ لم يتوقف ولم ينته، فإذا كان واقعنا اليوم لا يقول بإمكان وجود خلافة واحدة فلا نعلم ماذا سيكون في المستقبل من تغيرات وأحوال، ولا ندري كم ستستمر الحياة، لذا لا يمكن القطع بماذا سيكون في المستقبل، ثم إن البشرية اليوم توصلت إلى أنواع من الاتحادات الكبرى التي تحمل تشريعات وترتيبات إدارية وسياسية واجتماعية ومالية، داخليا وخارجيا، ومنها نموذج الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية".

وتساءل: "فلمَّ نستبعد أنه في حال وجود وعي إسلامي كبير، ونفوذ قوي ونهوض حضاري، وقوة فاعلة أن يصل المسلمون إلى صيغ وحدودية تقارب مفهوم الخلافة الشاملة إن لم تكن نسخة عنها، إذ المأمول أن تتغير أحوال المسلمين من هذا الضعف والانتكاس، ولن تبقى كما هي الآن، ونصوص الإسلام مرنة في هذا الجانب تماما، ما دامت المقاصد متحققة، وهي الحق والعدل والشورى، وإعلاء كلمة التوحيد، وإنفاذ أحكام الشريعة الكلية"؟

بدوره لفت الباحث السوري المتخصص في الفقه وأصوله، أحمد زاهر سالم إلى أن المسلمين حزنوا وفزعوا قبل مائة عام حينما أعلن أتاتورك إلغاء الخلافة والسلطنة العثمانية بتركيا، وأقاموا مؤتمرات دولية سياسية وشرعية، وحزنوا حزنا شديدا عبر عنه أحمد شوقي تعبيرا صادقا في قصيدته المعروفة (عادت أغاني العرس رجع نواح..).



أحمد زاهر سالم باحث سوري متخصص في الفقه وأصوله

أحمد زاهر سالم باحث سوري متخصص في الفقه وأصوله

وتابع "لكن واقع ضعف المسلمين وتفرقهم، وتسلط أمم الكفر عليهم، ووقوع أكثر شعوبهم وبلادهم تحت نير الاحتلال العسكري والسياسي آنذاك حال دون تحقيق شيء على أرض الواقع"، مضيفا "إن اهتمام المسلمين بعودة الخلافة الإسلامية نابع من إيمانهم بالله ربا معبودا حاكما يجب أن يخضع الناس لحكمه وشريعته الخاتمة، شريعة الإسلام".

وواصل حديثه لـ"عربي21" بالقول "وليس هذا خاصا بالجماعات والحركات الإسلامية، بل هو أمر مقرر في كتب العلم ومتونه وشروحه، حتى إن الإمام إبراهيم اللقاني يقول في منظومته جوهر التوحيد وهي متن معتمد من المتون الأزهرية العتيقة المشروحة المقرر للدرس: وواجب نصب إمام عدل *** بالشرع فاعلم لا بحكم العقل، وهو خلافة على منهاج النبوة تقوم على الرحمة والعدل والمشورة.. وليست على منهاج داعش وأخواتها من التكفيريين التفجيريين الغلاة..".

وعن حديث حذيفة الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وغيره، والذي جاء فيه "ثم تكون خلافة على منهاج نبوة"، ذكر سالم أن الحديث "صححه بعض الأئمة كالحافظ العراقي في كتابه (محجة القرب إلى محبة العرب)".

ونبّه إلى أنه "لا ينبغي الوقوف طويلا عند الأسماء والمصطلحات، إذ العبرة بالمضامين والمسميات، فرغم إدراكنا للفرق بين واجبات وحقوق الخليفة وبين غيره من الحكام، فالواجب الأكبر والأعظم أن تكون الشريعة الإسلامية هي الحاكمة للمسلمين، وأن يكون الحكم لله تعالى على يد العالمين بشرعه المطبقين لحكمه، ولا مانع أن يكون ذلك بالتدرج والتأني ومراعاة القدرة والاستطاعة..".

وأنهى كلامه معلقا على فكرة رجوع نظام الخلافة بصورته وكيفيته القديم بأن ذلك "لا يمكن في واقعنا، لا لأنه فاسد وباطل، بل لأن واقع المسلمين لا يسمح به، لما هم فيه من ضعف وتبعية وتشرذم، ولأن السيطرة والغلبة في العالم اليوم للكفار الذين لن يسمحوا بعودته أيضا، مع إقرارنا أن ما كان من نظام الخلافة راجعا إلى الإجراءات والواقعات، ونابعا من معالجة الواقع المتغير فهذا يجري عليه التعديل والتغيير، ولكن ذلك لا يقتضي نسف قضية الخلافة الإسلامية ككل". 

المصدر: عربي21

المزيد من القسم null

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

أبو وضاحة شعار

14-11-2025

أبو وضاحة نيوز: وقفة وكلمة لإفشال مؤامرة فصل دارفور ببورتسودان

في إطار الحملة التي يقوم بها حزب التحرير/ ولاية السودان لإفشال المؤامرة الأمريكية لفصل دارفور، أقام شباب حزب التحرير/ ولاية السودان، وقفة عقب صلاة الجمعة، 23 جمادى الأولى 1447هـ، الموافق 2025/11/14م، أمام مسجد باشيخ ، بمدينة بورتسودان حي ديم مدينة.


القى فيها الأستاذ محمد جامع أبو أيمن – مساعد الناطق الرسمي لحزب التحرير في ولاية السودان كلمة في جموع الحاضرين، داعياً إلى العمل لإفشال المخطط الجاري لفصل دارفور، فقال: أفشلوا مخطط أمريكا لفصل دارفور كما فصل الجنوب، وذلك للحفاظ على وحدة الأمة، وقد حرم الإسلام تفرقة هذه الأمة وتمزيقها، وجعل وحدة الأمة والدولة قضية مصيرية، تتخذ حيالها إجراء واحد، الحياة أو الموت، ولما نزلت هذه القضية عن مرتبتها، استطاع الكافرون، وعلى رأسهم أمريكا، وبمساعدة بعض أبناء المسلمين أن تمزق بلدنا، وتفصل جنوب السودان ..وقد سكت بعضنا عن هذا الاثم العظيم، وتلبسوا بالتقصير والتخاذل فمرت تلك الجريمة! وهاهي أمريكا تعود اليوم، لتنفيذ المخطط نفسه، وبالسيناريو نفسه، لسلخ دارفور عن جسم السودان، بما سمته مخطط حدود الدم. مستندة إلى الانفصاليين الذين يحتلون كل دارفور وقد أسسوا دولتهم المزعومة بإعلانهم حكومة موازية في مدينة نيالا؛ فهل تتركون أمريكا تفعل ذلك في بلدكم؟!


ثم وجه رسالة للعلماء، ولأهل السودان، وللضباط المخلصين في القوات المسلحة بالتحرك لتحرير كامل دارفور ومنع الانفصال وأن الفرصة ما زالت قائمة لاجهاض خطة العدو، وإفشال هذا المكر ، وأن العلاج الجذري هو في إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فهي وحدها التي تحفظ الأمة، وتدافع عن وحدتها، وتقيم شرع ربها.


ثم ختم كلامه قائلاً: نحن اخوانكم في حزب التحرير اخترنا أن نكون مع الله تعالى، وننصر الله، ونصدق به، ونحقق بشرى رسول الله ﷺ فهلموا معنا فان الله ناصرنا لا محالة. قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.


المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المصدر: أبو وضاحة نيوز

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

الرادار شعار

13-11-2025

الرادار: بابنوسة على خُطا الفاشر

بقلم المهندس/حسب الله النور

هاجمت قوات الدعم السريع مدينة بابنوسة يوم الأحد المنصرم، وكررت هجومها صباح الثلاثاء.

سقطت الفاشر سقوطاً مدوّياً، فكانت فاجعة هزّت كيان السودان وأدمت قلوب أهله، حيث سالت الدماء الزكية، وتيتم الأطفال، ورُمّلت النساء، وثُكلت الأمهات.


ومع كل تلك المآسي، لم تُمسّ للمفاوضات الجارية في واشنطن شعرة واحدة، بل على العكس تماماً، فقد صرّح مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس لقناة الجزيرة مباشر بتاريخ ٢٧/١٠/٢٠٢٥م بأن سقوط الفاشر يُكرّس لتقسيم السودان ويساعد على سير المفاوضات!


في تلك اللحظة المفصلية، أدرك كثيرٌ من أبناء السودان أن ما يجري ليس إلا فصلاً جديدا من مخططٍ قديمٍ طالما حذّر منه المخلصون، مخطط فصل دارفور، الذي يُراد فرضه بأدوات الحرب والتجويع والدمار.


وقد اتسعت دائرة الرفض لما سُمّيت بهدنة الأشهر الثلاثة، وارتفعت الأصوات المعارضة لها، خصوصاً بعد تسرّب أنباءٍ عن احتمال تمديدها لتسعة أشهر أخرى، وهو ما يعني عملياً صوملة السودان وجعل الانقسام أمراً واقعاً لا مفرّ منه كما هو الحال في ليبيا.


ولمّا عجز صُنّاع الحرب عن إسكات هذه الأصوات بالترغيب، قرروا إسكاتها بالترهيب. وهكذا وُجّهت بوصلة الهجوم نحو بابنوسة، لتكون مسرحاً لتكرار مشهد الفاشر؛ حصارٌ خانقٌ امتد لعامين، وإسقاط طائرة شحن لتبرير وقف الإمداد الجوي، وقصفٌ متزامنٌ لمدنٍ سودانية؛ أم درمان، عطبرة، الدمازين، الأبيض، وأم برمبيطة، وأبو جبيهة والعباسية، كما حدث أثناء الهجوم على الفاشر.


بدأ الهجوم على بابنوسة يوم الأحد، وتجدد صباح الثلاثاء، مستخدمةً قوات الدعم السريع الأساليب والوسائل نفسها، التي استخدمتها في الفاشر. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يُرصد أيّ تحرك فعليّ للجيش لنجدة أهل بابنوسة، في تكرارٍ مؤلمٍ يكاد يتطابق مع مشهد الفاشر قبل سقوطها.


فإن سقطت بابنوسة – لا قدّر الله – ولم تخفت الأصوات الرافضة للهدنة، فستتكرر المأساة في مدينةٍ أخرى… وهكذا، حتى يُفرض على أهل السودان القبول بالهدنة وهم صاغرون.


ذلك هو المخطط الأمريكي للسودان كما يبدو للعيان؛ فانتبهوا يا أهل السودان، وتدبّروا ما أنتم فاعلون، قبل أن يُكتب على خريطة بلادكم فصلٌ جديدٌ عنوانه التقسيم والضياع.


لقد تم تهجير أهل بابنوسة بالكامل، والبالغ عددهم ١٧٧ ألف نسمة، كما ورد في قناة الحدث بتاريخ ١٠/١١/ ٢٠٢٥م، وهم هائمون على وجوههم لا يلوون على شيء.


إن الصراخ والعويل ولطم الخدود وشق الجيوب من شِيَم النساء، أما الموقف فيحتاج إلى رجولة وشجاعة تُنكر المنكر، ويُؤخذ فيها على يد الظالم، وتُرفع فيها كلمة الحق مطالبةً بفكّ قيد الجيوش لتتحرك لنجدة بابنوسة، بل لإعادة كامل دارفور.


قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». وقال ﷺ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ».


وإنه لمن أشدّ أنواع الظلم، ومن أكبر المنكرات، أن يُخذل أهلُنا في بابنوسة كما خُذل أهل الفاشر من قبل.


إن أمريكا التي تسعى اليوم إلى تقسيم السودان، هي نفسها التي فصلت الجنوب من قبل، وتسعى لتقسيم العراق واليمن وسوريا وليبيا، وكما يقول أهل الشام “والحبل على الجرار”، حتى تعمّ الفوضى أمة الإسلام بأسرها، والله يدعونا إلى الوحدة.


قال تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾، وقال ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَرَ مِنْهُمَا». وقال: «إِنَّهُ سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِناً مَنْ كَانَ». وقال أيضاً: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ».


ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.

المصدر: الرادار