November 13, 2011

عيد الأضحى دعوة للتضحية بكل غال ونفيس

الحمدُ للهِ حَمدَ الشَّاكرينْ, والعاقبةُ للمُتقينْ, والصَّلاةُ والسَّلامُ على المبعُوثِ رَحمةً للعالمينْ, وعَلَى آلهِ وَصحبِهِ الطَّيبينَ الطَّاهرينْ, وَمَنِ اهتَدَى بهديِهِ, واستنَّ بِسُنَّتهِ, وَسَارَ عَلى دَربهِ, وَدعَا بدَعوتِهِ إلى يَومِ الدَّينْ، واجعلنا مَعَهُمْ, واحشُرنا في زُمرتِهِمْ, برَحمتكَ يا أرحمَ الرَّاحمينْ.

أما بعد:

يقول الله تعالى: ( وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿99﴾ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿100﴾ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴿101﴾ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴿102﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴿103﴾ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿104﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿105﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿106﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴿107﴾ ) الصافات.

يحدثنا الحقُّ تباركَ وتعالى في هذه الآيات الكريمة عن قصَّةِ نَبيَّين من أحبِّ أنبياءِ اللهِ إلى الله, تلكَ هي قصةُ إبراهيمَ الخليلَ مَعَ ولَدِه إسماعيلَ الذبيح. تلك القصَّةُ التي تَفجَعُ الوالدَ في ولَدِه ولَيسَ لَه غيرُه, وتفجَعُ الأمَّ في ولَدِها ولَيس لها سِواه, وتَفجَعُ الولَد في نَفسِهِ وَهي أعزُّ شيءٍ لديه!

أيها المؤمنون:

لقد أمَرَ اللهُ إبراهيمَ عليهِ السَّلامُ بذبحِ ولَدِه إسماعيلَ عليهِ السَّلام؛ ليتبيَّنَ حُبُّهُ لَه وإطاعَتُه لأوامِرِه. فماذا قالَ الشيخُ الهَرِم؟ وبماذا أجَابَ الخليل؟ أجَل لقَدِ استَجَابَ الخليلُ لأمرِ ربِّه الذي نجَّاه مِن قَبلُ مِنَ النَّارِ حِينَ ألقاهُ الكفارُ فيها, قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ مُسجلاً هذا الحدَثَ في قرآنه العظيم: ( قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴿66﴾ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿67﴾ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿68﴾ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴿69﴾ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴿70﴾ ). (الأنبياء )

لذلكَ أقبلَ إبراهيمُ على ولَدِه إسماعيلَ يُحاوِرهُ حَيثُ قالَ في رَزانَةِ الأنبياءِ, وَوَقارِ الشُّيوخ: ( يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى ). (الصافات102)


فمَاذا قالَ الغلامُ اليافعُ؟ وبماذا أجَاب؟ والدُّنيا تُلاعِبُهُ وتحتَضِنُه, وَتَرقُصُ في عَينيه؟ فَهل كَابَرَ وعَانَد؟ أم هل ذُعِرَ وخَاف؟ كلا والله! بل لقد كانَ خَيرَ مُعينٍ لِوالِدِه على تَنفيذِ أمرِ الله, فكانَ كأبيهِ طاعةً وعِبادةً وانقياداً لأمرِ اللهِ جلَّ في عُلاه!

فإذا كانَ إبراهيمُ عليه السلام قد ضَحَّى بقلبِه, فإنَّ إسماعيلَ عليه السَّلامُ قد ضَحَّى بنفسِه! وإذا كانَ إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ قد ذَرَفَ دُموعَه حَارَّةً بَيضاءَ, فإنَّ إسماعيلَ عليهِ السَّلامُ قد تبرَّعَ بدمائِهِ سَاخِنةً حَمراءَ! وقالَ كلمتَهُ الخالدة التي سجلها القرآنُ الكريمُ بأحرفٍ من نُور: ( قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ). (الصافات102).

عندها أقبلَ الحبيبُ يذبحُ حَبيبَهُ من أجلِ حَبيبَيهِمَا وهو اللهُ تعالى! فشدَّ إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ أعصابَهُ, وأغمَضَ عَينيهِ, وَكفَّ سَمعَه وأصرَّ أذُنيهِ, وتَناسَى أبوَّتهُ, واستعانَ بربِّه صَاحبِ الأمرِ والنَّهي, وصَرَعَ وَلَدَهُ على وَجهِه حتى لا تَمنعَهُ الشفقةُ والعطفُ من تَنفيذِ أمرِ اللهِ سُبحانهُ وتعالى! عندَ ذلكَ ضجَّتِ الأرضُ, واهتزَّتِ السَّماءُ وصَاحَتِ الملائكةُ, وشمَِتَ إبليسُ اللعينُ, واستغاثَ الناسُ: يا للفَظاعةِ والهَول! نبيٌّ يذبحُ نبياً! عندَ ذلكَ خَرجَ النِّداءُ من اللطيفِ الخبيرِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ قيومِ السَّماواتِ والأرض. قال تعالى: ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿104﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿105﴾ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴿106﴾ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴿107﴾ ) الصافات.

ويرفعُ إبراهيمُ عليه السلامُ السكينَ عن رقبةِ ولدِه ناظراً إلى السَّماء, شَاكراً للهِ أنعُمَهُ عليهِ أن نجَّى ولَدَهُ إسماعيلَ عليهِ السَّلامُ, فكانت نجاتُه نجاةً لحفيدِه محمدٍ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ, فَسلامٌ على إبراهيمَ وَعلَى ولَدِه إسماعيلَ اللذينِ امتُحِنا فَفازَا ونَجَحا في الامتحان, وصدق الله العظيم إذ يقول: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿121﴾ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿122﴾ ) النحل.

أيها المؤمنون:

إذا كانَ إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ قد ضحَّى بولَدِه وفَلَذةِ كَبِدِه, وإذا كانَ اللهُ تعالى قد قال في مُحكمِ كِتابِه: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ}. (الممتحنة4) فلنُضَحِّ من أجلِ إعزازِ دينِ اللهِ تباركَ وتعالى, ليُضحِّ كُلٌّ منَّا بشهواتِه, وبِكُلَّ ما آتاه الله من قدراتٍ وطاقاتٍ, وبكُلِّ ما هُو غالٍ ونَفيسٍ لديه, مما أنعمَ اللهُ بهِ عليه, في سبيلِ نُصرَةِ الإسلامِ وعزَّةِ المسلمين, وذلك امتثالاً لأمرِ اللهِ تباركَ وتعالى إذ يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ). (القصص77)

أيها المؤمنون:

لرُبَّ قائلٍ يقول: إنَّ هؤلاء الذين ضحَّوا بأعزِّ ما يملكون أنبياء, فمِن أينَ لنَا بإيمانٍ مِثلَ إيمانِ الأنبياء؟ ومِن أينَ لنَا بعزيمةٍ تُشبهُ عَزيمةَ الأنبياء؟ للإجابة عن هذا السؤال, وحتى لا نُطيل سنكتفي بإيرادِ نموذجٍ واحدٍ من نماذج التضحيةِ والفِداء, لأناسٍ ليسوا رُسُلاً وَلا أنبيَاء.

إنَّ خيرَ مَنْ طبَّق قولَهُ تعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ) بَعدَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّم أبو بكر الصديق رضي اللهُ تعالى عنه, فقد وهبهُ الله عقلاً مفكراً, وأعطاهُ جِسماً على البَلاء صَابراً, وأسبَغَ عَليهِ نِعَمَهُ ظاهرةً وباطنة, فمنحَهُ الصِّحةَ والعافيةَ, وأتاهُ الله من الأبناءِ والبناتِ ما تَقرُّ به عينُه, فقد آتاه مِنَ الأبناءِ عبدُ الله, ومِنَ البناتِ أسماء, وآتاه مِن تجارتِهِ الكثيرَ مِنَ المال نَقداً, وآتاهُ مِنَ المال أغناماً كثيرةً باركَ لَهُ فيها, وكانَ لهُ راعٍ للأغنامِ يعملُ عندَه اسمُه "عَامِرُ بن فُهَيرَة", ودليلٌ قصَّاصٌ للأثر, يستأجرُه في أيِّ وقتٍ يَشاء, اسمُه "عبدُ اللهِ بنُ أُريقِط".

إنَّ كلَّ ما ذكرناهُ مما وَهَبهُ اللهُ وأعطاهُ لأبي بكرٍ, داخلٌ في مَعنى "ما" ويندرجُ تحتَ قولِهِ تعالى: {فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ}؛ لأن "ما" اسمٌ موصولٌ من ألفاظِ العُموم, فيشملُ تلكَ الأشياءَ كلَّها. فماذا فَعلَ أبو بكرٍ الصديقُ بما آتاهُ اللهُ تعالى؟

لقد سخَّرها جميعها في خِدمَةِ الدَّعوة الإسلاميَّة, في وقتٍ من أشدِّ الأوقاتِ خَطراً عليها, وفي ظرفٍ مِن أصعَبِ الظروف, ألا وهو يومُ الهجرةِ مِن مكةَ المكرمَّةِ إلى المدينةِ المنوَّرةِ, عاصمةِ الدولةِ الإسلاميةِ التي أرسى قواعدَها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم. فماذا فعل من أجل ذلك؟ لقد أتى بماله كله, ووضَعهُ أمامَ رَسولِ الله, فقال لهُ رسولُ الله: «ماذا أبقيت لأهلكَ يا أبا بكر؟» فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنه: "أبقيتُ لهمُ اللهَ ورسولَه!". ممَّا جعلَ أحدَ شُعراءِ الكفَّار يُعرِّضُ به قائلاً:

أطعنا رسولَ اللهِ ستينَ حُجَّـةً فمَا لرسُولِ اللهِ مَا لأبي بَكْـرِ!
أيورثُها بكراً إذا مَا مَاتَ بعدَهُ تِلكَ لعَمري لَقاصِمَـةُ الظَّهرِ!

واشترى راحلتين: إحدَاهُما لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم, والأخرى له؛ لتقلاهما أثناءَ الهجرةِ في طريقهما مِن مكةَ إلى المدينة. وكلَّف ابنَهُ "عبدُ اللهِ" أن يَنقُلَ الأخبارَ مِن مَكة إلى الغَار حيثُ كانَ يختبئُ مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. وكلَّف ابنَتَهُ " أسماء" أن تجلِبَ الطعامَ إلى الغار لَهُ ولرسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم. ثمَّ استأجَر الدليلَ "عبدَ اللهِ بنَ أُريقِط" ليدلهَّما على الطريق. وكلَّف راعيه "عَامِر بنَ فُهَيرَة" أن يقوم بطمسِ آثارِ الأقدامِ ليضلِّلَ المشركينَ الذينَ يبحثونَ عنه.

وكان أبو بكر رضي الله عنه يَفتدِى رَسُولَ اللهِ بنفسِه, فيُعرِّضُ نفسَهُ للخطَرِ بدلاً منه, لذلكَ رأيناهُ يدخُلُ الغار قَبلَ رَسُولِ اللهِ, حتى إذا كانَ هُنالِكَ خَطرٌ يتهدَّدُ مَن يدخُلُه, واجَهَهُ أبو بكرٍ بنفسِه فِداءً لرسُولِ الله صلى الله عليه وسلم! وكانَ مِن شِدَّةِ خوفِهِ عَليهِ يَمشي عَن يَمينِه تارةً, وعَن يَسارِه تارةً أخرى, ويَمشي أمَامَهُ تارةً, وخلفَهُ تارةً أخرى. ولمَّا سألهُ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَن سَببِ ذلكَ قال: يا رسُولَ الله, إذا أنا مِتُّ, فإنَّما أنا رجلٌ واحدٌ, وإذا مِتَّ أنتَ ماتَتِ الأمةُ كلُّها! ليسَ هذا فحَسب, بلِ اشتَرى بلالاً الحبشيَّ رضِيَ اللهُ عنهُ مِن سيِّدِه أميَّةَ بنَ خَلَفٍ, بأربعينَ إوقيةً مِنَ الذهَبِ, وأعتقَهُ لوَجهِ الله, حتى قيلَ: "إنَّ أبا بكرٍ سيِّدُنا, وأعتقَ سيِّدَنا".

أيها المؤمنون:

أرأيتُم كيفَ يمثِّلُ أبو بكرٍ نموذجاً رائعاً مِن نماذجِ التَّضحيةِ والفداء! وكيف لا يكون كذلك, وقد تتلمَذَ في مَدرسةِ النُّبوةِ عَلَى يَدِ النبيِّ المُعلِّم محمَّدٍ الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم؟

فبمثلِ هؤلاءِ الرِّجالِ تَنهَضُ الأمةُ الإسلامية! وبمثلِ هؤلاءِ الرِّجالِ تَتَسنَّمُ ذُرَى المجد, وتُصبحُ قائِدةً لجميع الأمم! وبمثلِ هؤلاءِ الرِّجالِ تحيا حياةَ العزةِ والكرامة! وبمثلِ هؤلاءِ الرِّجالِ تَنتصرُ على أعدائها!

فهل عَقِمَتِ النِّساءُ أن يُنجِبنَ مثلَ أبي بكرٍ الصديق؟ الجوابُ كلا وألفُ كلا, إنَّ هذه الأمةُ الإسلامية - ولله الحمدُ والمنُّة - أمةٌ كريمةٌ معطاء! وهي كَمَا وصَفَها ربُّها وخالقُها خَيرُ أمةٍ أخرجتْ للناس, مَا دامَتْ تأمُرُ بالمعروفِ, وَتَنهَى عَنِ المُنكر! وهي كالغَيثِ لا يُدرى أولُه خَيرٌ أم آخرُه! «الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة». كما أخبرَ الصَّادقُ المصدُوقُ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليه. وهَا هِيَ أمة الإسلامِ في جَميعِ أقطارِ العَالمِ قد بَدأت تَستفيقُ مِن سُباتها, وتَصحُو مِن غفَوتها, وتُدركُ غايَتَها, وتَنفُضُ عَنها غُبارَ الذُلِّ والمَهَانَةِ, مُحطمةً حَاجِزَ الخَوفِ مِنَ الحُكام الظَلَمَةِ, وتَنتَفِضُ ثائرةً في وجُوهِهِم, مُطالبةً إياهُم بالرَّحيل, ومُضحيةً بدمائها وأرواحها رَخيصةً في سبيل الله!

اللهمَّ أعزَّنا بالإسلام, وأعزَّ الإسلام بنا يا عزيز, اللهمَّ واكتب لأمةِ الإسلامِ مِيثَاقَ عزَّةٍ وتمكين, ووثِّق لها عَهدَ نَصرٍ وعزٍ وتأييد, واحفظ بحفظك, واكلأ بعينِكَ التي لا تَغفلُ ولا تَنامُ, واكنُف بكَنَفِك, واحفظ برُكنِكَ الذي لا يُرام, من أرادُوا وسَعَوا وبذَلُوا وجَهِدُوا لاستقدَامِ أيامِ اللهِ وأولياءِ اللهِ وجُندِ اللهِ غَالِبينَ مُنتَصِرين! اللهم أقر أعيُنَنا بقيامِ دَولَةِ الخِلافَة, واجعلنا مِن جُنُودِها وشُهُودِها الأوفياءِ المخلصين.

والسَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه.

كتبه الأستاذ محمد أحمد النادي

المزيد من القسم null

أبواب الخير   حفظ اللسان

عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) رواه الترمذي وقال حديث حسن. أي أمسك عن الشر لا عن الخير.


وفي حديث الطبراني عن ثوبان "طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته".


لا شك أننا نبحث عن الأسباب التي نرجو أن تكون من أهم أسباب نجاتنا في الدنيا والآخرة؛ ولذا بدأ رسول الله عليه الصلاة والسلام إجابته بالإشارة إلى أخطر الجوارح وهو اللسان الذي ينبغي ألا يستعمل إلا في الخير كما أشار في قوله " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ".


وفي حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ".


ولقد فسر الرسول عليه الصلاة والسلام الغيبة في حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة قول الرسول عليه الصلاة والسلام "أتدرون ما الغيبة" قالوا "الله ورسوله أعلم" قال "ذكرك أخاك بما يكره" قيل "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟" قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ولهذا حرم الله الغيبة ونهى عنها فقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } الحجرات12.


وفي القرآن الكريم نهي عن النميمة التي هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد قال تعالى { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } القلم11.


وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة نمام"


وفي إصلاح المنكر روى مسلم عن أبي سعيد الخدري "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ورد في الحديث "رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم" قيل لبعضهم "لم لزمت السكوت؟" قال "لأني لم أندم على السكوت قط وقد ندمت على الكلام مرارا" ونظم هذا أحدهم فقال:


ما إن ندمت على سكوتي مـرة لكن ندمت على الكلام مــرارا .


وفي وصية الرسول "وليسعك بيتك" أي التنعم بنعمة الحصانة


ولهذا على المؤمن أن يكون عفيفا على الدوام وذلك بالاستغناء بالحلال عن الحرام، لأن بالحلال سيعف نفسه، وسيعف زوجته وفي هذا الموضوع أحاديث عديدة تفسر ما ينفع الناس ومنها ما يدعو إلى قضاء وقت فراغه بين أهله في بيته، وحذار أن يقضي فراغه في أماكن اللهو واللعب أو على قارعة الطريق أو في كل مكان مغر ومثير للغرائز ومجلب للفواحش.


وفي قوله عليه الصلاة والسلام "وابك على خطيئتك" إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أنس. إذا نحن نخطئ ونصيب باستثناء الأنبياء؛ ولهذا نترجى رحمة الله ومغفرته فالله تعالى غفار لمن تاب { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } طه 82، فطوبى لمن أمسك عليه لسانه، وتحصن بنعمة الحصانة، وتاب إلى الله متابا، وتمسك بما أحل الله، واجتنب ما حرمه الله.


إلا أن كثيرا من الناس يتخذ من هذا الحديث ذريعة للعزلة وعدم الحديث ، والابتعاد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يصل به الأمر فيقول "لا أرى ،لا أسمع،لا أفكر،لا أتكلم"


مع أنه يرى ويسمع ويفكر وينطق !!! ويعاني من الظلم الواقع عليه ؛ يتجرعه في كل يوم ، وفي كل مكان !!!


إن المتتبع لأحوال المسلمين يرى أن أحكام الإسلام غاضت من الأرض وبلاد المسلمين تعاني من أعداء الله ؛كفلسطين, وكشمير, وقبرص, وتيمور الشرقية والعراق وأفغانستان وجنوب السودان .


إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأكبر المهمات، وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة .


وقد دلت النصوص على الأمر به، وجعله من الصفات اللازمة للمؤمنين، وهو سبب في خيرية الأمة ، وأن تركه يؤدي لوقوع اللعن والإبعاد ونزول الهلاك وضعف الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب. يقول تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران104 .


ويقول عليه الصلاة والسلام ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم. ‏


إن كانت الخشية من الموت ؛ فإن الأجل محدود ، والله تعالى يقول : { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } النساء78.


وإن كانت الخشية على الرزق ؛ فقد تكفل الله بالرزق، والله تعالى يقول : { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } الذاريات22.

الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }الأنعام32

أيها الأخوة الكرام لقد كثر في آيات كتاب الله العزيز وفي سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكر الدنيا والتحذير من الاغترار بها، وطلب جعل الآخرة هي محل الاهتمام. ومحور العمل، وقبلة الأنظار، قال تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } (آل عمران: 185) وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً فَقَالَ مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا، كما روى الترمذي ايضا عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّخْلَةِ الْمَيِّتَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا حِينَ أَلْقَوْهَا قَالُوا مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَالدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا.

وقد يظن البعض ايها الاخوة ان الدنيا هي الارض وما فيها من اموال وزروع ومبان ومساكن، وامور مادية ملموسة فقط، ويظنون ان المعنى المطلوب في ذم الدنيا هو ترك مادتها والعيش في عزلة وانفراد عن الناس ومعاملاتهم، وترك الوظيفة التي اوكلت لنا على هذه الارض بان نكون فيها الخلفاء الذين يسعون الى تطبيق شرع الله ونشر دينه وتعبيد الناس له سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (الأنعام: 165)، وقال: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} (النساء: 5) فهذا الذي فهم عدم الاغترار بالدنيا بهذا المعنى فرط بنعمة التفقه في دين الله وفرط بعدها باشرف الاعمال التي وكلت لنا في هذه الحياة الدنيا والتي يبلغ بها اعلى المنازل في االاخره، كالجهاد في سبيل الله لنشر دينه ودعوته وهو كما اخبر الصادق المصدوق ذروة سنام هذا الدين، وكالامر بالمعروف والنهي عن المنكر سيدا اعمال اهل البر واللذين يبلغ بهما مرتبة سيد الشهداء عند الله: قال - صلى الله عليه وسلم - : « سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله ».

الدنيا ايها الاخوة ليست هي الفترة الزمنة التي نحياها على هذه الارض، في ظل توجهات وسعي لتحقيق اهداف وغايات وشهوات، والتي جعلت لنا دار ابتلاء لينظر في سعينا وغاياتنا واهدافنا، هل نتقي الله فيها ونصبر على طاعته ونقوم بما فرضه الله علينا فيها ونجتنب ما نهى عنه ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى وطلبا لجنته، ام نغتر بهذه الدنيا وزينتها وما فيها من ملاه وملذات فنركن اليها ونجعلها محل السعي والطلب، ونتلهى بها عن السعي للاخره وما فيها من تكريم للمتقين، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } (آل عمران: 14).

الاخوة الكرام يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، فهذه الدنيا وضعت في يدنا لنطلب بها الاخرة لا لندخلها الى قلوبنا ونجعلها هي الغاية والهدف، نسير فيها كما اوصانا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، فهل راينا عابر سبيل يبني في غير بلده، او يدخر حيث لا ينوي الاقامة، دخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه وجعل يقلب بصره في بيت أبي ذر.ثم قال: ياأبا ذر...ما أرى في بيتك متاعا ولا أثاثا، قال أبو ذر: إن لنا بيتا نوجه إليه صالح متاعنا. فقال:إنه لابد لك من متاع مادمت ها هنا. فقال أبو ذر: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.

وذكر ابن المبارك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن ! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة ! بعضهم من بعض.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلمها" متفق عليه.

ايها الإخوة ان قضيتنا مع الدنيا هي قضية وظيفة ومهمة اوكلت لنا، وليس الاغترار بالدنا فقط بان نجعل غايتنا في هذه الحياة زوجة جميله او مسكنا فارها بل يكفي المرء من الاغترار بالدنيا ان يسعى الى كف الاذى عن نفسه ببعده عن مقارعة الظالمين، وقد قيل من ترفه وقت العمل ندم عند توزيع الاجرة، ورحم الله ابن المبارك حين بعث الى الفضيل بن عياض يذكره بمععنى الزهد الحقيقي فكتب اليه بأبياته الشهيرة :-

يا عابد الحرمين لو ابصرتنا * لعلمت انك في العبادة تلعب 

 من كان يخضب خده بدموعه * فنحورنا بدمائنا تتخضب 

 أو كان يتعب خيله في باطل * فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا * رهج السنابك والغبار الاطيب

قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }(الأعراف: 32).

لننظر ايها الاخوة الى ما احله الله لنا من طيبات هذه الحياة الدنيا، والتي يشترك معنا فيه الكافر لنرى كم هي تافهة هذه الدنيا ان قيست بنعيم الاخرة المقيم، روي عن الامام علي كرم الله وجهه: إنما الدنيا ستة أشياء، مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم، فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروبات الماء ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة، وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال، وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال، وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها وأشرف المشمومات المسك وهو دم. فهل يرضى عاقل ان يبتغي بما اعطاه الله من نعم في هذه الدنيا سواء اكان صاحب علم ام مال ام صحة وشباب ان يبتغي بما اتاه الله نعيم الدنيا وان يترك نعيم الاخرة والسعي له بالعمل على طاعة الله وتطبيق شرعه ونشر دعوته, ذكر بعض المؤرخين أن العدو أغار على ثغر من ثغور الإسلام ، فقام عبد الواحد بن زيد وكان خطيبُ البصرة وواعظها فحثّ الناس على البذل والجهاد ووصف لهم ما في الجنة من نعيم ، ثم وصف الحور العين وقال غادةٌ ذاتُ دلال ومــرح يجد الواصفُ فيها ما اقترح خلقت من كلِ شيء حسن طيَّبٍ فاليث عنها مطَّــرح أتُرى خاطبُها يسمعــها إذ تُدير الكأس طورا والقدح

فاشتاق الناس إلى الجنة ، وارتفع بكاء بعضهم ، ورخُصت عليهم أنفسهم في سبيل الله

فوثبت عجوز من بينِ النساء هي أمُ إبراهيم البصري فقالت : يا أبا عبيد ، أتعرف ابني إبراهيم الذي يخطبه رؤساء أهل البصرة إلى بناتهم وأنا أبخل به عليهن ؟ قال : نعم ، قالت والله ، قد أعجبني حسن هذه الجارية ، وقد رضيتها عروسا لابني إبراهيم ، فكرر ما ذكرت من أوصافها ، فقال أبو عبيد إذا ما بدت والبدرُ ليلةَ ثمِّـــــه رأيتَ لها بدار مبينا على البــدر وتبسم عن ثغر نقي كأنـــــــه من الؤلؤ المكنون في صدف البحر فلو وطِأت بالنعلِ منها على الحصى لأزهرت الأحجار من غيرِ ما قطر ولو تفلت في البحر حلوَ لـــُعابها لطـاب لأهل البر شربٌ من البحر أبا الله إلا أن أموت صبابة سـاحرةِ العينين طيبة النشــر.

فلما سمع الناس كلُ ذلك اضطربوا وكبروا وقامت أمُ إبراهيم وقالت يا أبا عبيد : قد رضيت والله بهذه الجارية زوجة لأبني إبراهيم ، فهل لك أن تزوجه إياها في هذه الساعة ، وتأخذ مني مهرها عشرة آلافَ دينار ، لعل الله أن يرزقه الشهادة فيكون شفيعا لي ولأبيه يوم القيامة فقال أبو عبيد لئن فعلت ، فأرجوا والله أن تفوزوا فوزا عظيما ، فصاحت العجوز يا إبراهيم ، يا إبراهيم ، فوثب شاب نضر من وسط الناس وقال : لبيك يا أماه فقالت : أي بني أرضيت بهذه الجارية ، زوجة لك ، ومهرها أن تبذل مهجتك في سبيل الله فقال : أي والله يا أما فخرجت العجوز واتجهت إلى بيتها مسرعة وأخذت عشرة آلاف دينار ووضعتها في حجر أبي عبد الواحد بن زيد ، ثم رفعت بصرها في السماء ، ثم قالت : اللهم إني أشهدك أني زوجت ولدي من هذه الجارية ، على أن يبذل مهجته في سبيلك فتقبله مني يا أرحم الراحمين

ايها الاخوة ان الدنيا اننا نعيش في دار عمل ليس فيها حساب وغدا ناتي الى دار حساب ليس فيها عمل ليكن همنا في دار العمل ان نبني في دار الاقامه. يقول الحق سبحانه وتعالى " فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)"

اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا الى النار مصيرنا

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته