ما هي راية المسلمين؟       ولماذا اختار رسولنا محمد صلى صلى الله عليه وسلم العقاب اسما لرايته؟
January 19, 2012

ما هي راية المسلمين؟ ولماذا اختار رسولنا محمد صلى صلى الله عليه وسلم العقاب اسما لرايته؟

أ - إن العرب أيها المسلمون تسمي العقاب الكاسر وقيل في الكاحل - العقاب سيد الطيور والنسر عريفها وهو حاد البصر ولذلك قالت العرب (أبصر من عقاب) وهو يأوي إلى الجبال أو الصحارى أو الفياض، وأنثاه تسمى لَِقوة ( بالفتح والكسر)، وتبيض بيضات تحضنها ثلاثين يوماً.

والعقاب (بضم العين) من طيور السماء الجارحة وجمعه عقبان، لأنه مؤنثة، والكثير عقبان، وعقابين جمع الجمع.

ومن بعض صفاته أيها الأخوة الأفاضل:-

1- أنه ملك الطيور بلا منازع.

2- سيد الطيور والهواء

3- إذا حلّق بالسماء لم يجرؤ طير أن يطير في السماء أو يتحرك من مكانه في الأرض.

4- أشد الجوارح حرارة وأقواها حركة وأيبسها مزاجاً.

5- خفيف الجناح سريع الطيران.

6- ريشها الذي عليه فروتها في الشتاء وحليتها في الصيف.

7- لا يأكل إلا من صيده.

8- لا يأكل إلا حياً.

9- لا يأكل حتى يجوع.

10-إذا أكل لا يشبع.

11- يأكل الطيور إلا قلوبها.

12-يأكل الحيات إلا رؤوسها.

13-لا يأكل الجيف والحشرات.

14- ان لم يجد صيداً طازجاً شهياً يأكله فإنه لا يأكل، ويظل جائعاً.

ب - ما من أمة من الأمم ولا قوم من الأقوام إلا ويتخذون لأنفسهم راية، تكون هذه الراية دليلاً على عزتهم وكبريائهم وعظمتهم إذا ارتفعت، وإذا نكست كانت دليلاً على ذلهم وإهانتهم، فقد جاء في الحديث (أنه كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمي دوابه ومتاعه، فقد سمي ناقته التي هاجر عليها من مكة إلى المدينة المنورة (القصواء)، وسمى سيفه الذي يشهد به الحروب (بذي الفقار)، وسيف أخر له سماه (بالرسوب)، وسيف آخر سماه (البتار)، وراية له سماها (بالعقاب) )، أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس.

ج - فلماذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم رايته (العقاب) وعلى ماذا يدل؟

1- إن العقاب أيها الأخوة هو طير من الطيور الجارحة، بل هو أقوى الطيور الجارحة بلا منازع، هذا الطير من صفاته أنه لا يسمح لطير أن يطير فوقه، بل لا يترك طيراً يطير وعقاب في السماء، هذا إن دل فإنما يدل على أنه يا مسلمون ابقوا هذه الراية مرفوعة ولا تجعلوا راية ترتفع فوقها وأبقوها هي الظاهرة، وهي العليا، لأنها تحمل كلمة الله، وكلمة الله هي العليا، وأبقوا هذا الإسلام ظاهراً، فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى (( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)) الآية 9 من سورة الصف.

2- ومن صفات هذا الطائر أيضاً أنه أسرع الطيور، فقد قيل عنه إنه يتغذى في العراق ويتعشى في اليمن من شدة سرعته، والمعنى المراد أيها المسلمون، احملوا هذه الراية مسرعين فاتحين كل بقعة وكل رابية، وكل بلد ناشرين فيه دين الحق، ناشرين العدل بين الناس، ناشرين الرحمة بين الناس بلا تقاعس ولا توانٍ.

3- وكذلك من صفات هذا الطائر أنه إذا اشتكى وجعاً في كبده، أكل أكباد الثعالب والأرانب فيبرأ، والمعنى أيها المسلمون بأن قتال الكفار الخبيثين واغتنام الغنائم منهم هو علاج شاف لأمراض المسلمين ومشاكلهم، وشفاء لصدورهم لقوله تعالى (( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزيهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين)) الآية 14 من سورة التوبة.

4- ومن صفات هذا الطائر أيضاً أنه لا يأكل إلا من صيده فلا يأكل من صيد غيره، ولا يأكل من الجيف، ويبقى جائعاً حتى يصطاد، والمعنى المراد أيها المسلمون أن هذه رايتكم وهي دليل عليكم، فكونوا صابرين على الأذى، لا تتنازلوا، ولا تتهاونوا، ولا تهادنوا، ولا تتنازلوا عن أي حكم شرعي أو فكرة واحدة، بل لا تشركوا مع هذه الراية رايات أخرى فتكون وبالاً عليكم ومتسلطة عليكم، تتنازلون من أجل الاستعانة بهم ومساعدتهم، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد عندما رأى كتيبة خشناء مقبلة تحمل رايات غير رايات الإسلام فقال لمن هذه، فقالوا هذه كتيبة عبد الله بن سلام، فقال ردوها، لا نستضيئ بنار المشركين، والنار هنا كناية عن الراية، أي لا يحمل بيننا راية غير راية التوحيد، راية الشهادتين (( لا إله إلا الله محمد رسول الله)) لأن بها وحدها فقط عزنا، بها وحدها فقط فخرنا، فلا تشركوا معها غيرها.

د - هذه هي المعاني الجليلة التي يحملها هذا الاسم الذي اختاره الرسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فلا عجب أنه أراد أن يكون لدولة المسلمين من الصفات بين دول العالم ما للعقاب من الصفات مما ليس لغيره من جوارح الطيور لتكون دولة عزيزة منيعة مهيبة ترعب أعداءها وتفتك بمن يتجرأ على دينها.

هـ - جاء في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع اللواء الأعظم أبيض إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه وكان أمامه رايتان سوداوان إحداهما راية المهاجرين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقال لها العقاب، والأخرى راية الأنصار مع سعد بن معاذ رضي الله عنه.

  • وفي النهاية أن اسم راية الرسول صلى الله عليه وسلم العقاب، وهي العلم الضخم، وذكر الكتاني رحمه الله تفاصيل هذه الراية في التراتيب الإدارية:- فهي شملة من صوف سوداء مربعة كتب فيها بالأبيض ( لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكان اسمها العقاب.
  • وجاء في الحاوي للسيوطي:- وقال ابن سعد أنا عتاب بن زياد أنا عبد الله بن المبارك أنا سفيان ممن سمع الحسن رضي الله عنه يقول (كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء تسمى العقاب وعمامته سوداء).
  • وجنح الترمذي إلى التفرقة فترجم بالألوية وأورد حديث جابر (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة ولواؤه أبيض ثم ترجم للرايات وأورد حديث البراء بن عازب (أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت سوداء مربعة من نمرة)، وحديث ابن عباس (كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض) أخرجه الترمذي وابن ماجه.
  • وقال ابن حجر في الفتح:- وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل اللواء دون الراية: وقيل اللواء هو العلم الضخم.
  • والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب.

و - يتبين لنا مما تقدم أن راية رسولكم صلى الله عليه وسلم كانت سوداء مكتوباً فيها بالأبيض ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) بدلها المسلمون اليوم للأسف بكثير من الرايات التي ما أنزل بها من سلطان ولا معنى لها غير معنى التفرقة، والشرذمة تحت شعار الوطنيات، والقوميات، والمذهبيات وغيرها...، وبعد أن هدم المستعمر دولة الإسلام فرق بلاد المسلمين وأقام فيها كيانات عديدة، جعل لكل كيان ولكل شعب راية يفتخر بها، ويعتز بها، منذ ذلك الحين لم تر الأمة طعماً للعزة والكرامة في ظل هذه الرايات، لكن عندما كان المسلمون يحملون راية رسول الله صلى الله عليه وسلم راية ( لا إله إلا الله محمد رسول الله) وصلوا الصين شرقاً ووصلوا حدود فرنسا غرباً.

وقد صدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال ( نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله).

ز - إن الذي يجري في بلاد المسلمين منذ هدمت دولة الخلافة إنما هو نكسة مؤقتة وسوف تنتهي قريباً بإذن الله تعالى لأن سنة التغيير هي من سنن الله تعالى، وقد تحدث بلمح البصر وهي ممكنة مهما كانت قوة تلك الجيوش وولاؤها للحكام ووعد الله قائم للمخلصين للتمكين، قال تعالى (( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير)) آل عمران 26.

وقد قال أحد المسلمين:-

أيا أمتي إن فيك رجال عزائمهم تضاهي الجبال
وفيهم من الصبر والاحتمال والحزم ما يفوق الخيال
شباب قد عزموا الامتثال لشرع الله بدون جدال

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أخوكم هاني البطاينة - أبو أيمن

المزيد من القسم null

أبواب الخير   حفظ اللسان

عن عقبة بن عامر، قال: قلت يا رسول الله ما النجاة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ) رواه الترمذي وقال حديث حسن. أي أمسك عن الشر لا عن الخير.


وفي حديث الطبراني عن ثوبان "طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته".


لا شك أننا نبحث عن الأسباب التي نرجو أن تكون من أهم أسباب نجاتنا في الدنيا والآخرة؛ ولذا بدأ رسول الله عليه الصلاة والسلام إجابته بالإشارة إلى أخطر الجوارح وهو اللسان الذي ينبغي ألا يستعمل إلا في الخير كما أشار في قوله " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ".


وفي حديث الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا ".


ولقد فسر الرسول عليه الصلاة والسلام الغيبة في حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة قول الرسول عليه الصلاة والسلام "أتدرون ما الغيبة" قالوا "الله ورسوله أعلم" قال "ذكرك أخاك بما يكره" قيل "أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟" قال "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ولهذا حرم الله الغيبة ونهى عنها فقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } الحجرات12.


وفي القرآن الكريم نهي عن النميمة التي هي نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد قال تعالى { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } القلم11.


وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم"لا يدخل الجنة نمام"


وفي إصلاح المنكر روى مسلم عن أبي سعيد الخدري "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" ورد في الحديث "رحم الله عبدا تكلم فغنم أو سكت فسلم" قيل لبعضهم "لم لزمت السكوت؟" قال "لأني لم أندم على السكوت قط وقد ندمت على الكلام مرارا" ونظم هذا أحدهم فقال:


ما إن ندمت على سكوتي مـرة لكن ندمت على الكلام مــرارا .


وفي وصية الرسول "وليسعك بيتك" أي التنعم بنعمة الحصانة


ولهذا على المؤمن أن يكون عفيفا على الدوام وذلك بالاستغناء بالحلال عن الحرام، لأن بالحلال سيعف نفسه، وسيعف زوجته وفي هذا الموضوع أحاديث عديدة تفسر ما ينفع الناس ومنها ما يدعو إلى قضاء وقت فراغه بين أهله في بيته، وحذار أن يقضي فراغه في أماكن اللهو واللعب أو على قارعة الطريق أو في كل مكان مغر ومثير للغرائز ومجلب للفواحش.


وفي قوله عليه الصلاة والسلام "وابك على خطيئتك" إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أنس. إذا نحن نخطئ ونصيب باستثناء الأنبياء؛ ولهذا نترجى رحمة الله ومغفرته فالله تعالى غفار لمن تاب { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } طه 82، فطوبى لمن أمسك عليه لسانه، وتحصن بنعمة الحصانة، وتاب إلى الله متابا، وتمسك بما أحل الله، واجتنب ما حرمه الله.


إلا أن كثيرا من الناس يتخذ من هذا الحديث ذريعة للعزلة وعدم الحديث ، والابتعاد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى يصل به الأمر فيقول "لا أرى ،لا أسمع،لا أفكر،لا أتكلم"


مع أنه يرى ويسمع ويفكر وينطق !!! ويعاني من الظلم الواقع عليه ؛ يتجرعه في كل يوم ، وفي كل مكان !!!


إن المتتبع لأحوال المسلمين يرى أن أحكام الإسلام غاضت من الأرض وبلاد المسلمين تعاني من أعداء الله ؛كفلسطين, وكشمير, وقبرص, وتيمور الشرقية والعراق وأفغانستان وجنوب السودان .


إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات، وأكبر المهمات، وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة .


وقد دلت النصوص على الأمر به، وجعله من الصفات اللازمة للمؤمنين، وهو سبب في خيرية الأمة ، وأن تركه يؤدي لوقوع اللعن والإبعاد ونزول الهلاك وضعف الإيمان عمن قعد عنه حتى بالقلب. يقول تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } آل عمران104 .


ويقول عليه الصلاة والسلام ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم. ‏


إن كانت الخشية من الموت ؛ فإن الأجل محدود ، والله تعالى يقول : { أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } النساء78.


وإن كانت الخشية على الرزق ؛ فقد تكفل الله بالرزق، والله تعالى يقول : { وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ } الذاريات22.

الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }الأنعام32

أيها الأخوة الكرام لقد كثر في آيات كتاب الله العزيز وفي سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكر الدنيا والتحذير من الاغترار بها، وطلب جعل الآخرة هي محل الاهتمام. ومحور العمل، وقبلة الأنظار، قال تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } (آل عمران: 185) وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حَصِيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً فَقَالَ مَا لِي وَمَا لِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا، كما روى الترمذي ايضا عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرَّكْبِ الَّذِينَ وَقَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّخْلَةِ الْمَيِّتَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَرَوْنَ هَذِهِ هَانَتْ عَلَى أَهْلِهَا حِينَ أَلْقَوْهَا قَالُوا مِنْ هَوَانِهَا أَلْقَوْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَالدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا.

وقد يظن البعض ايها الاخوة ان الدنيا هي الارض وما فيها من اموال وزروع ومبان ومساكن، وامور مادية ملموسة فقط، ويظنون ان المعنى المطلوب في ذم الدنيا هو ترك مادتها والعيش في عزلة وانفراد عن الناس ومعاملاتهم، وترك الوظيفة التي اوكلت لنا على هذه الارض بان نكون فيها الخلفاء الذين يسعون الى تطبيق شرع الله ونشر دينه وتعبيد الناس له سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (الأنعام: 165)، وقال: {وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} (النساء: 5) فهذا الذي فهم عدم الاغترار بالدنيا بهذا المعنى فرط بنعمة التفقه في دين الله وفرط بعدها باشرف الاعمال التي وكلت لنا في هذه الحياة الدنيا والتي يبلغ بها اعلى المنازل في االاخره، كالجهاد في سبيل الله لنشر دينه ودعوته وهو كما اخبر الصادق المصدوق ذروة سنام هذا الدين، وكالامر بالمعروف والنهي عن المنكر سيدا اعمال اهل البر واللذين يبلغ بهما مرتبة سيد الشهداء عند الله: قال - صلى الله عليه وسلم - : « سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله ».

الدنيا ايها الاخوة ليست هي الفترة الزمنة التي نحياها على هذه الارض، في ظل توجهات وسعي لتحقيق اهداف وغايات وشهوات، والتي جعلت لنا دار ابتلاء لينظر في سعينا وغاياتنا واهدافنا، هل نتقي الله فيها ونصبر على طاعته ونقوم بما فرضه الله علينا فيها ونجتنب ما نهى عنه ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى وطلبا لجنته، ام نغتر بهذه الدنيا وزينتها وما فيها من ملاه وملذات فنركن اليها ونجعلها محل السعي والطلب، ونتلهى بها عن السعي للاخره وما فيها من تكريم للمتقين، قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ } (آل عمران: 14).

الاخوة الكرام يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ، فهذه الدنيا وضعت في يدنا لنطلب بها الاخرة لا لندخلها الى قلوبنا ونجعلها هي الغاية والهدف، نسير فيها كما اوصانا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، فهل راينا عابر سبيل يبني في غير بلده، او يدخر حيث لا ينوي الاقامة، دخل رجل على أبي ذر رضي الله عنه وجعل يقلب بصره في بيت أبي ذر.ثم قال: ياأبا ذر...ما أرى في بيتك متاعا ولا أثاثا، قال أبو ذر: إن لنا بيتا نوجه إليه صالح متاعنا. فقال:إنه لابد لك من متاع مادمت ها هنا. فقال أبو ذر: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه.

وذكر ابن المبارك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار، فجعلها في صرة ثم قال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تلكأ ساعة في البيت حتى تنظر ماذا يصنع بها. فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى أنفذها. فرجع الغلام إلى عمر، فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، وقال: اذهب بهذا إلى معاذ بن جبل، وتلكأ في البيت ساعة حتى تنظر ماذا يصنع، فذهب بها إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، وقال: يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا وبيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: ونحن ! والله مساكين فأعطنا. ولم يبق في الخرقة إلا ديناران قد جاء بهما إليها. فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فسر بذلك عمر وقال: إنهم إخوة ! بعضهم من بعض.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق. ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلمها" متفق عليه.

ايها الإخوة ان قضيتنا مع الدنيا هي قضية وظيفة ومهمة اوكلت لنا، وليس الاغترار بالدنا فقط بان نجعل غايتنا في هذه الحياة زوجة جميله او مسكنا فارها بل يكفي المرء من الاغترار بالدنيا ان يسعى الى كف الاذى عن نفسه ببعده عن مقارعة الظالمين، وقد قيل من ترفه وقت العمل ندم عند توزيع الاجرة، ورحم الله ابن المبارك حين بعث الى الفضيل بن عياض يذكره بمععنى الزهد الحقيقي فكتب اليه بأبياته الشهيرة :-

يا عابد الحرمين لو ابصرتنا * لعلمت انك في العبادة تلعب 

 من كان يخضب خده بدموعه * فنحورنا بدمائنا تتخضب 

 أو كان يتعب خيله في باطل * فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا * رهج السنابك والغبار الاطيب

قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }(الأعراف: 32).

لننظر ايها الاخوة الى ما احله الله لنا من طيبات هذه الحياة الدنيا، والتي يشترك معنا فيه الكافر لنرى كم هي تافهة هذه الدنيا ان قيست بنعيم الاخرة المقيم، روي عن الامام علي كرم الله وجهه: إنما الدنيا ستة أشياء، مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم، فأشرف المطعومات العسل وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروبات الماء ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوسات الحرير وهو نسج دودة، وأشرف المركوبات الفرس وعليه يقتل الرجال، وأشرف المنكوحات المرأة وهي مبال في مبال، وإن المرأة لتزين أحسن شيء منها ويراد أقبح شيء منها وأشرف المشمومات المسك وهو دم. فهل يرضى عاقل ان يبتغي بما اعطاه الله من نعم في هذه الدنيا سواء اكان صاحب علم ام مال ام صحة وشباب ان يبتغي بما اتاه الله نعيم الدنيا وان يترك نعيم الاخرة والسعي له بالعمل على طاعة الله وتطبيق شرعه ونشر دعوته, ذكر بعض المؤرخين أن العدو أغار على ثغر من ثغور الإسلام ، فقام عبد الواحد بن زيد وكان خطيبُ البصرة وواعظها فحثّ الناس على البذل والجهاد ووصف لهم ما في الجنة من نعيم ، ثم وصف الحور العين وقال غادةٌ ذاتُ دلال ومــرح يجد الواصفُ فيها ما اقترح خلقت من كلِ شيء حسن طيَّبٍ فاليث عنها مطَّــرح أتُرى خاطبُها يسمعــها إذ تُدير الكأس طورا والقدح

فاشتاق الناس إلى الجنة ، وارتفع بكاء بعضهم ، ورخُصت عليهم أنفسهم في سبيل الله

فوثبت عجوز من بينِ النساء هي أمُ إبراهيم البصري فقالت : يا أبا عبيد ، أتعرف ابني إبراهيم الذي يخطبه رؤساء أهل البصرة إلى بناتهم وأنا أبخل به عليهن ؟ قال : نعم ، قالت والله ، قد أعجبني حسن هذه الجارية ، وقد رضيتها عروسا لابني إبراهيم ، فكرر ما ذكرت من أوصافها ، فقال أبو عبيد إذا ما بدت والبدرُ ليلةَ ثمِّـــــه رأيتَ لها بدار مبينا على البــدر وتبسم عن ثغر نقي كأنـــــــه من الؤلؤ المكنون في صدف البحر فلو وطِأت بالنعلِ منها على الحصى لأزهرت الأحجار من غيرِ ما قطر ولو تفلت في البحر حلوَ لـــُعابها لطـاب لأهل البر شربٌ من البحر أبا الله إلا أن أموت صبابة سـاحرةِ العينين طيبة النشــر.

فلما سمع الناس كلُ ذلك اضطربوا وكبروا وقامت أمُ إبراهيم وقالت يا أبا عبيد : قد رضيت والله بهذه الجارية زوجة لأبني إبراهيم ، فهل لك أن تزوجه إياها في هذه الساعة ، وتأخذ مني مهرها عشرة آلافَ دينار ، لعل الله أن يرزقه الشهادة فيكون شفيعا لي ولأبيه يوم القيامة فقال أبو عبيد لئن فعلت ، فأرجوا والله أن تفوزوا فوزا عظيما ، فصاحت العجوز يا إبراهيم ، يا إبراهيم ، فوثب شاب نضر من وسط الناس وقال : لبيك يا أماه فقالت : أي بني أرضيت بهذه الجارية ، زوجة لك ، ومهرها أن تبذل مهجتك في سبيل الله فقال : أي والله يا أما فخرجت العجوز واتجهت إلى بيتها مسرعة وأخذت عشرة آلاف دينار ووضعتها في حجر أبي عبد الواحد بن زيد ، ثم رفعت بصرها في السماء ، ثم قالت : اللهم إني أشهدك أني زوجت ولدي من هذه الجارية ، على أن يبذل مهجته في سبيلك فتقبله مني يا أرحم الراحمين

ايها الاخوة ان الدنيا اننا نعيش في دار عمل ليس فيها حساب وغدا ناتي الى دار حساب ليس فيها عمل ليكن همنا في دار العمل ان نبني في دار الاقامه. يقول الحق سبحانه وتعالى " فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)"

اللهم لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا الى النار مصيرنا

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته