بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام  الحَلْقَةُ الثَّلَاثونَ بَعدَ المِائَةِ (ح130) لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ أَو أَيَّ عَمَلٍ يُعتَبَرُ مِنَ الحُكْمِ إِلَّا رَجُلٌ حُرٌّ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، عَدْلٌ، قَادِرٌ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ، وَلَا يَجُو
بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام  الحَلْقَةُ الثَّلَاثونَ بَعدَ المِائَةِ (ح130) لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ أَو أَيَّ عَمَلٍ يُعتَبَرُ مِنَ الحُكْمِ إِلَّا رَجُلٌ حُرٌّ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، عَدْلٌ، قَادِرٌ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ، وَلَا يَجُو

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالإِنْعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

0:00 0:00
السرعة:
October 07, 2022

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام الحَلْقَةُ الثَّلَاثونَ بَعدَ المِائَةِ (ح130) لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ أَو أَيَّ عَمَلٍ يُعتَبَرُ مِنَ الحُكْمِ إِلَّا رَجُلٌ حُرٌّ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، عَدْلٌ، قَادِرٌ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ، وَلَا يَجُو

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام

الحَلْقَةُ الثَّلَاثونَ بَعدَ المِائَةِ

(ح130) لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ أَو أَيَّ عَمَلٍ يُعتَبَرُ مِنَ الحُكْمِ إِلَّا رَجُلٌ حُرٌّ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، عَدْلٌ، قَادِرٌ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مُسْلِمًا

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالإِنْعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

أيها المؤمنون:

السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: نُتَابِعُ مَعَكُمْ سِلْسِلَةَ حَلْقَاتِ كِتَابِنا "بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام" وَمَعَ الحَلْقَةِ الثَّلَاثِينَ بَعدَ المِائَةِ, وَعُنوَانُهَا: " لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ أَو أَيَّ عَمَلٍ يُعتَبَرُ مِنَ الحُكْمِ إِلَّا رَجُلٌ حُرٌّ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، عَدْلٌ، قَادِرٌ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مُسْلِمًا ". نَتَأمَّلُ فِيهَا مَا جَاءَ فِي الصَّفحَةِ الخَامِسَةِ وَالتِّسعِينَ مِنْ كِتَابِ "نظامُ الإسلام" لِلعَالِمِ والـمُفَكِّرِ السِّيَاسِيِّ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ. يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ:

المادةُ  التاسعةَ عشْرَةَ 19- لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الحُكْمَ أَو أَيَّ عَمَلٍ يُعتَبَرُ مِنَ الحُكْمِ إِلَّا رَجُلٌ حُرٌّ، بَالِغٌ، عَاقِلٌ، عَدْلٌ، قَادِرٌ مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مُسْلِمًا.

وَنَقُولُ رَاجِينَ مِنَ اللهِ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ: أعَدَّ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ النَّبهَانِيُّ هُوَ وَإِخوَانُهُ العُلَمَاءُ فِي حِزْبِ التَّحرِيرِ دُستُورَ الدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ حَتَّى يَدرُسَهُ الـمُسلِمُونَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ لإِقَامَتِهَا, وَهَا هُوَ يُوَاصِلُ عَرْضَهُ عَلَيهِمْ, وَهَذه هي الـمَادَّةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ, وَإِلَيكُمْ بَيَانَ أَدِلَّةِ هَذِهِ الـمَادَّةِ مِنْ كِتَابِ مَقَدِّمَةِ الدُّستُورِ:

إِنَّ اللهَ تَعَالَى نَهَى نَهيًا جَازِمًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الكَافِرُ حَاكِمًا عَلَى الـمُسلِمِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلكَافِرِينَ عَلَى الـمُؤمِنِينَ سَبِيلًا). (النساء 141) وَجَعْلُ الكَافِرِ حَاكِمًا عَلَى الـمُسلِمِ هُوَ جَعْلُ سَبِيلٍ لَهُ عَلَيهِ، وَقَدْ نَفَى اللهُ ذَلِكَ نَفيًا قَاطِعًا بِاستِعْمَالِهِ حَرفَ "لَنْ" وَهُوَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِلكَافِرِ سَبِيلٌ عَلَى الـمُسلِمِينَ، أَيْ عَنْ أَنْ يَكُونَ الكَافِرُ حَاكِمًا عَلَى الـمُسلِمِينَ هُوَ نَهيٌ جَازِمٌ، فَهُوَ يُفِيدُ التَّحرِيمَ.

وَأَيضًا فَإِنَّ اللهَ اشتَرَطَ فِي الشَّاهِدِ عَلَى الرَّجْعَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا قَالَ تَعَالَى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ وَأَشهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ). (الطلاق2) وَمَفهُومُهُ لَا مِنْ غِيرِكُمْ، وَاشتَرَطَ فِي الشَّاهِدِ فِي الدَّينِ أَنْ يَكُونَ مُسلِمًا قَالَ تَعَالَى: (وَاستَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ).(البقرة 282) أَيْ لَا مِنْ رِجَالِ غَيرِكُمْ.

وَإِذَا كَانَ مِثْلُ هَذَا الشَّاهِدِ فِي هَذَينِ الأَمرَينِ اشتَرَطَ الشَّرعُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُسلِمًا، فَمِنْ بَابِ أَولَى أَنَّهُ يَشتَرِطُ فِي الحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ مُسلِمًا، وَأَيضًا فَإِنَّ الحُكْمَ هُوَ تَنفِيذُ أَحْكَامِ الشَّرعِ، وَتَنفِيذُ أَحكَامِ القُضَاةِ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ أَنْ يَحكُمُوا بِالشَّرعِ، وَهُو يَقتَضِي أَنْ يَكُونَ الـمُنَفِّذُ مُسلِمًا، لِأَنَّهُ يُؤَمَّنُ بِمَا يُنَفِّذُ، وَالكَافِرُ لَا يُؤتَمَنُ عَلَى تَنفِيذِ الإِسلَامِ، وَلِذَلِكَ اشتَرَطَ أَنْ يَكُونَ مُسلِمًا.

وَأَيضًا فَإِنَّ الحُكَّامَ هُمْ أُولُو الأَمْرِ, وَاللهُ تَعَالَى حِينَ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ لِأُولِي الأَمْرِ، وَحِينَ أَمَرَ بِرَدِّ الأَمْرِ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوفِ إِلَى أُولِي الأَمْرِ، اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الأَمْرِ مُسلِمًا. فَقَالَ تَعَالَى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ). (النساء 59) وَقَالَ: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنهُمْ).(النساء 83). فَقَالَ: "مِنكُمْ" أَي لَا مِنْ غَيرِكُمْ وَقَالَ: "مِنهُمْ" أَيْ لَا مِنْ غَيرِهِمْ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَلِيَ الأَمْرِ يُشتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُسلِمًا. وَلَـمْ تَرِدْ فِي القُرآنِ كَلِمَةُ (وَلِيِّ الأَمْرِ) إِلَّا مَقرُونَةً بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الـمُسلِمِينَ، مِمَّا يُؤَكِّدُ اشتِرَاطَ أَنْ يَكُونُ الحَاكِمُ مُسلِمًا. وَأَيضًا فَإِنَّ الحَاكِمَ لَهُ عَلَى الـمُسلِمِينَ الطَّاعَةُ، وَالـمُسلِمُ غَيرُ مُكَلَّفٍ بِطَاعَةِ الكَافِرِ؛ لِأَنَّ تَكلِيفَهُ إِنَّما وَرَدَ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الأَمْرِ الـمُسلِمِ قَالَ تَعَالَى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ). (النساء 59) فَأَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي الأَمْرِ مِنَ الـمُسلِمِينَ، وَلَـمْ يَأْمُرْ بِطَاعَةِ غَيرِهِمْ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ طَاعَةِ وَلِيِّ الأَمْرِ الكَافِرِ، وَلَا حَاكِمَ دُونَ طَاعَةٍ. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الأَمْرِ عَلَى الـمُسلِمِينَ إِلَّا مُسلِمًا, وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الحَاكِمُ كَافِرًا مُطلَقًا.

وَأَمَّا شَرطُ أَنْ يَكُونَ الحَاكِمُ رَجُلًا فَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لـَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ مَلَّكُوا عَلَيهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» أَخرَجَهُ البُخَارِيُّ، فَإِخبَارُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِنَفْيِ الفَلَاحِ عَمَّنْ يُوَلُّونَ أَمرَهُمُ امرَأَةً نَهْيٌ عَنْ تَولِيَتِهَا، إِذْ هُوَ مِنْ صِيَغِ الطَّلَبِ. وَكَونُ هَذَا الإِخبَارِ جَاءَ إِخْبَارًا بِالذَّمِّ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَرِينَةً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ نَهْيٌ جَازِمٌ، فَتَكُونُ تَولِيَةُ الـمَرأَةِ الحُكْمَ حَرَامًا، وَمِنْ هُنَا كَانَ كَونُ الحَاكِمِ رَجُلًا شَرطًا مِنْ شُرُوطِ تَولِيَةِ الحَاكِمِ.

وَأَمَّا اشتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الحَاكِمُ عَدْلًا فَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى اشتَرَطَ فِي الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، قَالَ تَعَالَى:(وَأَشهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ). (الطلاق2) فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الشَّاهِدِ وَهُوَ الحَاكِمُ مِنْ بَابِ أَولَى يَلزَمُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا، لِأَنَّهُ إِذَا شُرِطَتِ العَدَالَةُ لِلشَّاهِدِ فَشَرْطُهَا لِلْحَاكِمِ أَولَى.

وَأَمَّـا شَـْرطُ أَنْ يَكُـونَ حُـرًّا فَـلِأَنَّ الـعَـْبـدَ لَا يَملِكُ التَّصَرُّفَ بِنَفسِهِ فَـلَا يِمـلِكُ أَنْ يَرعَى شُؤُونَ غَيرِهِ. ثُمَّ إِنَّ العُبُودِيَّةَ تَقتَضِي أَنْ يَكُونَ وَقْتُ العَبدِ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ.أَمَّا شَرطُ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، فَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًا، لِـمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍرضي الله عنه  أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْـتَـيْقِظَ، وَعَنِ الْمَعْـتُوهِ حَتَّى يَبْرَأَ». وَلَهُ رِوَايَةٌ أُخرَى بِلَفْظِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ»، وَمَنْ رُفِعَ القَلَمُ عَنهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْرِهِ، وَهُوَ غَيرُ مُكَلَّفٍ شَرْعًا، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً، أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ، لِأَنَّهُ لَا يَملِكُ التَّصَرُّفَاتِ. وَالدَّلِيلُ أَيضًا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ كَونِ الخَلِيفَةِ صَبِيًّا مَا رَوَىَ البُخَارِيُّ: «عن أَبي عَقِيلٍ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: هُوَ صَغِيرٌ. فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ ...». فَإِذَا كَانَتْ بَيعَةُ الصَّبِيِّ غَيرَ مُعْـتَبرَةٍ، وَأَنَّهُ لَيسَ عَلَيهِ أَنْ يُبَـايِعَ غَـيرَهُ خَلِيفَةً، فَمِنْ بَابِ أَولَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً.

وَأَمَّا شَرطُ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونُ مَجنُونًا؛ لِقَولِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ»، وَذَكَرَ مِنهَا: «الْمَجْـنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَـقْلِهِ حَـتَّى يَفِيقَ». وَمَنْ رُفِعَ عَنهُ القَلَمُ فَهُوَ غَيرُ مُكَلَّفٍ؛ لِأَنَّ العَقْلَ مَنَـاطُ التَّكـلِـيفِ، وَشَـْرطٌ لِصِـحـَّةِ التَّصَـرُّفَـاتِ. وَالخَلِيفَةُ إِنَّما يَقُومُ بِتَصَرُّفَاتِ الحُكْمِ، وَبِتَنفِيذِ التَّكَالِيفِ الشَّرعِيَّةِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَجنُونًا؛ لِأَنَّ الـمَجنُونَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْرِ نَفسِهِ، وَمَنْ بَابِ أَولَى لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أُمُورِ النَّاسِ.

أَمَّا شَرطُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا مِنْ أَهْلِ الكِفَايَةِ فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى البَيعَةِ فِي حَقِّ الخَلِيفَةِ، وَمِنْ مُقتَضَى عَقْدِ التَّولِيَةِ فِي غَيرِ الخَلِيفَةِ مِنَ الـمُعَاوِنِينَ وَالوُلَاةِ وَالعُمَّالِ، إِذْ إِنَّ العَاجِزَ لَا يَقدِرُ عَلَى القِيَامِ بِشُؤُونِ الرَّعِيَّةِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اللَّذَينِ بُويِعَ عَلَيهِمَا أَوْ وَفْقَ عَقْدِ التَّولِيَةِ الَّذِي وُلِّيَ بِهِ.

وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ:

1 -  أَخرَجَ مُسلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ذَرٍّ رضي اللهُ عنه قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا».فَالرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ الأمْرَ بِأَخْذِهَا بِحَقِّهَا وَأَدَاءِ الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا أَيْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لَهَا، وَالقَرِينَةُ تُفِيدُ الجَزْمَ لِأَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِيمَنْ يَأخُذُهَا وَهُوَ لَيسَ أَهْلًا لَهَا: «وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا ...».

2 -  أَخرَجَ البُخَارِيُّ مِنْ طَريِق ِأَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ. قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا أُسْنِدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».فَالحَدِيثُ كَذَلِكَ يُفِيدُ النَّهْيَ الجَازِمَ عَنْ أَنْ تُوضَعَ الوِلَايَةُ لِمَنْ لَيسَ لَهَا أَهْلًا. وَالقَرِينَةُ الجَازِمَةُ هِيَ أَنَّ ذَلِكَ يَعنِي تَضْيِيعًا لِلأَمَانَةِ وَأَنَّهَا مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِ تَحرِيمِ تَولِيَةِ مَنْ لَيسَ أَهْلًا.

أَمَّا كَيفَ تُحَدَّدُ (الكِفَايَةُ) فَهِيَ تَحتَاجُ إِلَى تَحقِيقِ مَنَاطٍ, لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ تَتَعَلَّقُ بِمَرَضٍ جِسمَانِيٍّ أَو بِمَرَضٍ فِكْرِيِّ أَوْ غَيرِهِ، وَلِذَلِكَ يُتْرَكُ تَحدِيدُهَا إِلَى مَحْكَمَةِ الـمَظَالِمِ, فَهِيَ الَّتِي تُقَرِّرُ مَثَلًا تَوَفُّرَ شُرُوطِ الانعِقَادِ فِي الـمُرَشَّحِينَ لِلخِـلَافَةِ.

123

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, وَلِلحَدِيثِ بَقِيَّةٌ, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام, وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا, وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه, وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَىْ مِنْهَاْجِ النُّبُوَّةِ في القَريبِ العَاجِلِ, وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها, إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم, وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.