بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح12)  وجوب استعمال العقل في الوصول إلى الإيمان بالله
بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح12)  وجوب استعمال العقل في الوصول إلى الإيمان بالله

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالإِنعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ.

0:00 0:00
السرعة:
June 11, 2022

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح12) وجوب استعمال العقل في الوصول إلى الإيمان بالله

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام

(ح12)

 وجوب استعمال العقل في الوصول إلى الإيمان بالله

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالإِنعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

أيها المؤمنون:

السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: نُتَابِعُ مَعَكُمْ سِلْسِلَةَ حَلْقَاتِ كِتَابِنا "بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام" وَمَعَ الحَلْقَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ, وَعُنوَانُهَا: "وُجُوبُ استِعمَالِ العَقْلِ فِي الوُصُولِ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ". نَتَأمَّلُ فِيهَا مَا جَاءَ فِي الصَّفحَتَينِ السَّابِعَةِ وَالثَّامِنَةِ مِنْ كِتَابِ "نظامُ الإسلام" لِلعَالِمِ وَالمُفَكِّرِ السِّيَاسِيِّ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ: "نَعَم؛ إِنَّ الإيمانَ بالخالقِ المدبِّرِ فِطْرِيٌ في كلِّ إنسانٍ. إِلا أَنَّ هذا الإيمانَ الفطريَّ يأتِي عن طريقِ الوِجْدَانِ. وهو طريقٌ غيرُ مَأْمُونِ العاقِبَةِ، وغيرُ مُوصِلٍ إِلى تركيزٍ إذا تُرِكَ وَحْدَهُ. فالوِجدانُ كثيراً ما يُضْفِي على ما يُؤْمِنُ بِهِ أَشْيَاءَ لا حقائقَ لهَا، ولكنَّ الوِجدانَ تخَيَّلَهَا صِفاتٍ لازمةً لِمَا آمَنَ بِهِ، فَوَقَعَ في الكُفرِ أو الضَّلالِ. وما عبادةُ الأوثانِ، وما الخُرافاتُ والتُرَّهَاتُ إلا نَتيجَةً لخطأِ الوِجدانِ. ولهذا لم يَتْرُكِ الإسلامُ الوِجْدَانَ وحدَهُ طريقةً للإيمانِ، حتى لا يجعلَ للهِ صفاتٍ تَتَنَاقَضُ مَعَ الأُلُوهِيَّةِ، أو يجعلَهُ مُمْكِنَ التَجَسُّدِ في أشياءَ مادِّيَّةٍ، أو يَتَصَوَّرَ إِمكانَ التَقَرُّبِ إلَيْهِ بعِبادةِ أَشياءَ مادِّيَّةٍ، فيُؤَدِّيَ إمَّا إلى الكفرِ أو الإشراكِ، وإمَّا إلى الأوْهَامِ والخُرافَاتِ الَّتي يَأْبَاها الإيمانُ الصادقُ. ولذلكَ حَتَّمَ الإسلامُ استعمالَ العَقْلِ مَعَ الوِجدانِ، وأَوْجَبَ على المُسلمِ استعمالَ عقلِهِ حينَ يُؤْمنُ بِاللهِ تعالى، ونَهى عَنِ التقليدِ في العقيدةِ ولذلكَ جَعَلَ العقلَ حكماً في الإيمانِ باللهِ تعالى. قالَ تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ). ولهذا كانَ واجباً عَلى كلِّ مسلمٍ أَنْ يَجْعَلَ إيمانَهُ صادراً عَنِ تَفْكيرٍ وبَحْثٍ ونَظَرٍ، وأَنْ يُحَكِّمَ العَقلَ تحكيماً مُطلقاً في الإيمانِ باللهِ تعالى. والدعوةُ إلى النَظَرِ في الكونِ لاستنباطِ سُنَنِهِ وللاهتداءِ إلى الإيمانِ بِبَارِئِهِ، يُكَرِّرُهَا القُرآنُ مِئَاتِ المرَّاتِ في سُوَرِهِ المُخْتَلِفَةِ، وكُلُّهَا مُوَجَّهَةٌ إلى قُوَى الإِنسانِ العاقِلَةِ تَدعُوهُ إلى التَدَبُّرِ والتَأَمُّلِ لِيَكونَ إيمانُهُ عَنْ عقلٍ وبَيِّنَةٍ وتُحَذِّرُهُ الأَخْذَ بما وَجَدَ عَلَيْهِ آبَاءَهُ مِنْ غيرِ نَظَرٍ فيه وتَمْحِيصٍ لَهُ وثِقَةٍ ذَاتِيَّةٍ بِمَبْلَغِهِ مِنَ الحقِّ. هذا هوَ الإيمانُ الذي دَعَا الإِسلامُ إِلَيْهِ، وهوَ لَيْسَ هذا الإيمانَ الَّذي يُسَمُّونَهُ إيمانَ العَجَائِزِ، إنَّمَا هوَ إيمانُ المُسْتَنِيرِ المُسْتَيْقِنِ الَّذي نَظَرَ ونَظرَ، ثُمَّ فَكَّرَ وفَكَّرَ، ثُمَّ وَصَلَ مِنْ طَريقِ النَظرِ والتَفْكِيرِ إلى اليَقِينِ بِاللهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ".

ونَقُولُ رَاجِينَ مِنَ اللهِ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ: بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا r بِالرِّسَالَةِ الخَاتَمَةِ؛ لِيُخرِجَ النَّاسَ مِنْ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ إِلَى أنوَارِ العِلْمِ, وَكَانَ العَالَمُ قَبلَ البِعثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَفِي زَمَنِهَا، غَارِقًا فِي بَحْرِ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا ظُلمَةُ الجَهْلِ الَّتِي تَستَتْبِعُ بَاقِي الظُّلُمَاتِ, فَكَانَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ وَالمَنطِقِيِّ أنْ يَكُونَ شِعَارُ الدِّينِ الخَاتَمِ «اقرأ» وَأنْ يَكُونَ إِعلاءُ شَأنِ العَقْلِ وَالتَّفكِيرِ وَالعِلْمِ وَطَلَبِهِ وَتَعلِيمِهِ أوَّلَ المبَادِئِ لِتَرَقِّي مِعرَاجِ الكَمَالِ الإِنسَانِيِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الإِسلامُ. فَبِاستِخدَامِ العَقْلِ يُفَرِّقُ الإِنسَانُ بَينَ الصَّالِحِ وَالفَاسِدِ، وَبِتَعطِيلِهِ تَلْتَبِسُ عَلَيهِ الأُمُورُ وَيَفقِدُ هَذَا التَّميِيزَ. وَبِطَلَبِ العِلْمِ يُدرِكُ حَقَائِقَ الأشيَاءِ، وَدَلالاتِهَا عَلَى عَظَمَةِ وَقُدرَةِ اللهِ وَصِفَاتِ الكَمَالِ وَالجَلالِ, فَإِذَا لَمْ يَطلُبِ الإِنسَانُ العِلْمَ بَقِيَ فِي ظُلُمَاتِ الجَهْلِ لا يَعرِفُ الحَقَائِقَ وَلا الدَّلائِلَ، وَلا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ, وَلا مَقَاصِدَ الشَّرَائِعِ، فَضْلاً عَنْ جَهْلِهِ بِالعُلُومِ الأُخرَى الَّتِي تَزِيدُهُ نُورًا، وَتُبَيِّنُ لَهُ طَرِيقَ السَّعَادَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؛ لِذَلِكَ كَانَ مَبدَأُ العِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعلِيمِ، عَلَى مَدَى الحَيَاةِ الفَردِيَّةِ وَالجَمَاعِيَّةِ، أوَّلَ مَبَادِئِ بِنَاءِ الحَضَارَةِ الإِسلامِيَّةِ الرَّاقِيَةِ.

وَمِنْ هُنَا يَجِدُ قَارِئُ القُرآنِ الكَرِيمِ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الآيَاتِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى استِخدَامِ العَقلِ، وَطَلَبِ العِلْمِ، مُبَيِّنَةً فَضْلَهُ, وَفَضِيلَةَ العُلَمَاءِ الَّذِينَ يَتَحَلَّوْنَ بِهِ, وَيَعمَلُونَ بِأحْكَامِهِ، وَيَنشُرُونَهُ وَيُبَلِّغُونَ رِسَالَتَهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً, وَلا يَبتَغُونَ بِذَلِكَ إلاَّ وَجْهَ اللهِ الكَرِيم.

وَإِذَا تَدَبَّرْنَا هَذِهِ الآيَاتِ وَجَدْنَا أنَّهَا تَدعُو إِلَى التَّفَكُّرِ وَاستِخدَامِ العَقْلِ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ:

  1. مِنْ بَيَانِ الغَايَةِ مِنْ تَنْزِيلِ الآيَاتِ القُرآنِيَّةِ وَبَثِّ الآيَاتِ الكَونِيَّةِ: إِنَّ الغَايَةَ المَرجُوَّةَ مِنْ تَنْزِيلِ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ, وَمِنْ بَثَّ الآيَاتِ أيِ العَلامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحدَانِيَّةِ الخَالِقِ وَعَظَمَتِهِ, هِيَ أنْ يَعقِلَ الإِنسَانُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ الكُبرَى, وَأنْ يَعمَلَ بِمُقتَضَاهَا. قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (يوسف 2) وَقَالَ: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (البقرة 73) فَحَرفُ «لَعَلَّ» يُفِيدُ التَّرَجِّي, وَيَتَضَمَّنُ بَيَانَ الغَايَةِ المَرجُوَّةِ وَالمَقصُودَةِ مِنْ تَبيِينِ وَإِظهَارِ الآيَاتِ, ألا وَهِيَ حُصُولُ العَقْلِ بِمَفهُومِهِ الشَّرعِيِّ.
  2. مِنَ الإنكَارِ وَالتَّشنِيعِ وَالذَّمِّ لِمَنْ لا يَعقِلُ: فَالقُرآنُ لَمْ يَكتَفِ بِبَيَانِ فَضْلِ العَقْلِ, بَلْ بَيَّنَ هَذَا الفَضْلَ مِنْ خِلالِ ذَمِّ حَالِ الَّذِينَ يُعَطِّلُونَ مَلَكَاتِهِمُ العَقلِيَّةَ, كَقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ).   (البقرة 171) شَبَّهَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالبَهَائِمِ الَّتِي لا تَعقِلُ، وَزَادَ حَالَهُمْ بَيَانًا بِوَصْفِهِمْ بِالصَّمَمِ وَالبَكَمِ وَالعَمَى، فَكَانَ هَذَا التَّعطِيلُ لِعُقُولِهِمْ مُسَبّبًا لآفاتٍ تَنحَطُّ بِالإنسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللهُ إِلَى حَضِيضِ البَهَائِمِ مَعَ أنَّ لهَا تَسبِيحُهَا الخَاصُّ بِهَا, وَلَكِنَّنَا لا نَفقَهُهُ كَمَا بَيَّنَ القُرآنُ, إِذْ إِنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ المَذمُومَةِ لا يَتَّصِفُ بِهَا إِلاَّ الجَاهِلُونَ وَهَذِهِ الأفعَالُ القَبِيحَةُ لا تَصدُرُ إِلاَّ عَنِ الحَمْقَى.

17

  1. مِنْ مَدحِ أصْحَابِ العُقُولِ: فَأُولُو العُقُولِ وَحْدَهُمُ المُؤهَّلُونَ لإِدرَاكِ الحَقِّ وَلِلتَّذَكُّرِ. وَقَدْ سَمَّاهُمُ المَولَى عَزَّ وَجَلَّ بِأُولِي الألبَابِ, وَخَصَّهُمْ بِأجَلِّ العُلُومِ وَأنفَعِهَا. فَقَالَ سُبحَانَهُ: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ). (البقرة 269) فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلَى عِظَمِ قَدْرِ الحِكْمَةِ، وَعَلَى عِظَمِ أهلِهَا الذِينَ خَصَّهُمُ اللهُ بِنُورِهَا, وَعَبَّرَ عَنهُمْ بِأُولِي الألبَابِ.
  2. مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّقلِيدِ فِي العَقِيدَةِ, وَالأمْرِ بِجَعْلِ العَقْلِ حَكَمًا فِي الإِيمَانِ: فَقَد نَهَى الإِسلامُ عَنْ تَقلِيدِ الآبَاءِ فِي العِبَادَةِ. قَالَ تَعَالَى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَـٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ). (الأنبياء 52-54) وَمِنْ نَهَيِ النَّبِيِّ e أصْحَابَهُ عَنِ اتِّباعِ سُنَنِ مَنْ كَانَ قَبلَهُمْ: رَوَى التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ e: «سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ). (الأعراف 138) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».

إِنَّ الإيمانَ بالخالقِ المدبِّرِ فِطْرِيٌ فِي كُلِّ إِنسَانٍ. وَمَا مِنْ مَولُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ أيْ عَلَى الإِسلامِ, فَأبَوَاهُ إِمَّا يُهَوِّدَانِهِ أو يُنَصِّرَانِهِ أو يُمَجِّسَانِهِ, أي يَجعَلانِهِ يَهُودِيًّا أو نَصرَانِيًّا أو مَجُوسِيًّا. وَقَدِ رَفَضَ الإِسلامُ أنْ يَكُونَ الإِيمَانُ آتِيًا عَنْ طَرِيقِ الوِجْدَانِ وَحْدَهُ. فَمَا هُوَ الوِجدَانُ؟ وَكَيفَ يَأتِي الإِيمَانُ عَنْ طَرِيقِهِ؟ لِلإِجَابَةِ نَقُولُ: الوِجْدَانُ هُوَ رَجْعُ الغَرَائِزِ: غَرِيزَةِ التَّدَيُّنِ, وَغَرِيزَةِ النَّوعِ, وَغَرِيزَةِ البَقَاءِ, هَذِهِ الغَرَائِزُ الثَّلاثُ يَنتُجُ عَنهَا مَشَاعِرُ إِنسَانِيَّةٌ كَمَشَاعِرِ الخَوفِ, وَالغَضَبِ, وَالحُبِّ, وَالاحتِرَامِ, وَالإِعجَابِ, وَالتَّقدِيسِ الَّذِي هُوَ مُنتَهَى الاحتِرَامِ القَلبِي الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى وَضْعِ الأشيَاءِ فِي مَرتَبَةِ الآلِهَةِ.

18

لِذَلِكَ كَانَ الإِيمَانُ الآتِي عَنْ طَرِيقِ الوِجْدَانِ غيرُ مَأْمُونِ العاقِبَةِ، وغيرُ مُوصِلٍ إِلى تركيزٍ إذا تُرِكَ وَحْدَهُ. فالوِجدانُ كثيراً ما يُضْفِي على ما يُؤْمِنُ بِهِ أَشْيَاءَ لا حقائقَ لهَا، ولكنَّ الوِجدانَ تخَيَّلَهَا صِفاتٍ لازمةً لِمَا آمَنَ بِهِ، فَوَقَعَ في الكُفرِ أو الضَّلالِ. وما عبادةُ الأوثانِ، وما الخُرافاتُ والتُرَّهَاتُ إلا نَتيجَةً لخطأِ الوِجدانِ. وَلَقَد رَأيتُ بِأُمِّ عَينِي حِينَ كُنتُ أعْمَلُ مُدَرِّسًا فِي سَلطَنَةِ عُمَانَ مَجُوسِيًّا يَعمَلُ حَارِسًا لِلمَدرَسَةِ, كَانَ بَعدَ أنْ يَنصَرِفَ الطُّلابُ إِلَى مَنَازِلِهِمْ يَجمَعُ أورَاقَ الكُتُبِ وَالدَّفَاتِرِ المُمَزَّقَةِ وَأخْشَابِ المَقَاعِدِ وَالأشْجَارِِ المُتَكَسِّرَةِ, وَيُشعِلُ فِيهَا, ثُمَّ بَعدَ أنْ تَتأجَّجَ النِّيرَانُ يَجثُو عَلَى رُكبَتَيهِ, وَيَضَعُ كَفَّيهِ فَوقَ بَعضِهِمَا أمَامَ عَينَيهِ, وَيُتَمْتِمُ بِكَلِمَاتٍ لا نَفهَمُهَا كَأنَّهُ يَطلُبُ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أنْ تُحَقِّقَ لَهُ أمَانِيهِ, وَأنْ تُبعِدَ عَنهُ الشُّرُورَ!! ولهذا لم يَتْرُكِ الإسلامُ الوِجْدَانَ وَحْدَهُ طَرِيقَةً لِلإيمَانِ، حَتَّى لا يَجعَلَ للهِ صِفَاتٍ تَتَنَاقَضُ مَعَ الأُلُوهِيَّةِ، أو يجعلَهُ مُمْكِنَ التَجَسُّدِ في أشياءَ مادِّيَّةٍ، أو يَتَصَوَّرَ إِمكانَ التَقَرُّبِ إلَيْهِ بعِبادةِ أَشياءَ مادِّيَّةٍ، فيُؤَدِّيَ إمَّا إلى الكفرِ أو الإشراكِ، وإمَّا إلى الأوْهَامِ والخُرافَاتِ الَّتي يَأْبَاها الإيمانُ الصادقُ. 

وَحَتَّى يَكُونَ الإِيمَانُ صَحِيحًا, وَمُرضِيًا لِلخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ اتَّخَذَ الإِسلامُ الإِجرَاءَاتِ الآتِيَةَ:

  1. دَعَا إِلَى النَظَرِ في الكونِ لاستنباطِ سُنَنِهِ وللاهتداءِ إلى الإيمانِ بِبَارِئِهِ.
  2. أوجَبَ عَلى كلِّ مسلمٍ أَنْ يَجْعَلَ إيمانَهُ صادرًا عَنِ تَفْكيرٍ وبَحْثٍ ونَظَرٍ.
  3. رَفَضَ أنْ يَكُونَ الإِيمَانُ آتِيًا عَنْ طَرِيقِ الوِجْدَانِ فَقَط.
  4. حَتَّمَ وأَوْجَبَ عَلَى المُسلمِ حينَ الإِيمَانِ استِعْمَالَ العَقْلِ مَعَ الوِجْدَانِ.
  5. نَهى عَنِ التَّقلِيدِ فِي العَقِيدَةِ, وَجَعَلَ العقلَ حَكَمًا فِي الإِيمَانِ.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام, وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا, وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه, وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَىْ مِنْهَاْجِ النُّبُوَّةِ في القَريبِ العَاجِلِ, وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها, إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم, وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.