بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام  (ح152) محكمة المظالم لها وحدها صلاحية عزل الخليفة, وللخليفة أن يعين معاونيه
بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام  (ح152) محكمة المظالم لها وحدها صلاحية عزل الخليفة, وللخليفة أن يعين معاونيه

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالإِنْعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

0:00 0:00
السرعة:
November 28, 2024

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح152) محكمة المظالم لها وحدها صلاحية عزل الخليفة, وللخليفة أن يعين معاونيه

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام

(ح152) محكمة المظالم لها وحدها صلاحية عزل الخليفة, وللخليفة أن يعين معاونيه

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالإِنْعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

أيها المؤمنون:

السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: نُتَابِعُ مَعَكُمْ سِلْسِلَةَ حَلْقَاتِ كِتَابِنا "بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام" وَمَعَ الحَلْقَةِ الثَّانِيَةِ وَالخَمْسِينَ بَعدَ المِائَةِ, وَعُنوَانُهَا: "مَحكَمَةُ الـمَظَالِـمِ لَهَا وَحْدَهَا صَلَاحِيَّةُ عَزْلِ الخَلِيفَةِ, وَلِلخَلِيفَةِ أَنْ يُعَيِّنَ مُعَاوِنِيهِ". نَتَأمَّلُ فِيهَا مَا جَاءَ فِي الصَّفحَةِ الثَّانِيَةِ بَعدَ المِائَةِ مِنْ كِتَابِ "نظامُ الإسلام" لِلعَالِمِ والـمُفَكِّرِ السِّيَاسِيِّ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ. يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ:

المادة 41- مَحكَمَةُ الـمَظَالِمِ وَحْدَهَا هِيَ الَّتِي تُقَرِّرُ مَا إِذَا كَانَتْ قَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الخَلِيفَةِ تَغَيُّراً يُخرِجُهُ عَنِ الخِلَافَةِ أَمْ لَا، وَهِيَ وَحْدَهَا الَّتِي لَهَا صَلَاحِيَّةُ عَزلِهِ أَو إِنذَارِهِ.

المادة 42: يُعَيِّنُ الخَلِيفَةُ مُعَاوِنَ تَفوِيضٍ أَو أَكْثَرَ لَهُ يَتَحَمَّلُ مَسؤُولِيَّةَ الحُكْمِ، فَـيُفَـوِّضُ إِلَيهِ تَدبِـيرَ الأُمُورِ بِرَأيِهِ وَإِمضَاءَهَـا عَلَى اجتِهَادِهِ. وَعِندَ وَفَاةِ الخَلِيفَةِ فَإِنَّ مُعَاوِنِيهِ تَنتَهِي وِلَايَتُهُمْ, وَلَا يَستَمِرُّونَ فِي عَمَلِهِمْ إِلَّا فَتْرَةَ الأَمِيرِ الـمُؤَقَّتِ.

وَنَقُولُ رَاجِينَ مِنَ اللهِ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ: أَيُّهَا الصَّائِمُونْ, يَا أُمَّةَ الإِيمَانْ, يَا أُمَّةَ القُرآنْ, يَا أُمَّةَ الإِسلَامْ, يَا أُمَّةَ التَّوحِيدْ, يَا مَنْ آمَنتُمْ بِاللهِ رَبّاً, وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نَبِيّاً وَرَسُولاً, وَبِالقُرآنِ الكَرِيمِ مِنهَاجاً وَدُستُوراً, وَبِالإسلَامِ عَقِيدَةً وَنِظَاماً لِلْحَياَة,ِ أَيُّهَا الـمُسلِمُون فِي كُلِّ مَكَانْ, فَوقَ كُلِّ أَرضٍ, وَتَحتَ كُلِّ سَمَاءْ, يَا خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنَّاسِ, أَيُّهَا الـمُؤمِنُونَ الغَيُورُونَ عَلَى دِينِكُمْ وَأُمَّتِكُمْ.

أعَدَّ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ النَّبهَانِيُّ هُوَ وَإِخوَانُهُ العُلَمَاءُ فِي حِزْبِ التَّحرِيرِ دُستُورَ الدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ, وَهَا هُوَ يُوَاصِلُ عَرْضَهُ عَلَيكُمْ حَتَّى تدرُسُوهُ وَأنتمْ تَعْمَلُونَ مَعَنَا لإِقَامَتِهَا, وَهَاتَانِ هُمَا المَادَّتَانِ الوَاحِدَةُ وَالأَربَعُونَ, وَالثَّانِيَةُ وَالأَربَعُونَ. وَإِلَيكُمْ بَيَانَ أَدِلَّةِ هَاتَينِ المَادَّتينمِنْ كِتَابِ مَقَدِّمَةِ الدُّستُورِ, وهِيَ عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

أولا: المادة الواحدة والأربعون: الدَّلِيلُ عَلَيهَا أَنَّ حُدُوثَ أَيِّ أَمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُعزَلُ فِيهَا الخَلِيفَةُ, وَالَّتِي يَستَحِقُّ فِيهَا العَزْلَ مَظلِمَةٌ مِنَ الـمَظَالِمِ, فَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَتِهَا، وَهِيَ كَذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَحتَاجُ إِلَى إِثبَاتٍ, فَلَا بُدَّ مِنْ إِثبَاتِهَا أَمَامَ قَاضٍ. وَبِمَا أَنَّ مَحكَمَةَ المَظَالِمِ هِيَ الَّتي تَحكُمُ بِإِزَالَةِ المَظَالِمِ، وَقَاضِيهَا هُوَ صَاحِبُ الصَّلَاحِيَّةِ فِي إِثبَاتِ الـمَظلِمَةِ وَالحُكْمِ بِهَا، لِذَلِكَ كَانَتْ مَحكَمَةُ المَظَالِمِ هِيَ الَّتِي تُقَرِّرُ مَا إِذَا كَانَتْ قَدْ حَصَلَتْ حَالَةٌ مِنَ الحَالَاتِ الـمَذكُورَةِ فِي المَادَّةِ السَّابِقَةِ أَمْ لَا, وَهِيَ الَّتِي تُـقَـرِّرُ عَزْلَ الخَلِيفَةِ. عَلَى أَنَّ الخَلِيفَةَ إِذَا حَصَلَتْ لَهُ حَالَةٌ مِنْ هَذِهِ الحَالَاتِ, وَخَلَعَ نَـفْسَـُه فَقَدِ انتَهَى الأَمْرُ، وَإِذَا رَأَى الـمُسلِمُونَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُخلَعَ بِحُصُولِ هَذِهِ الحَالَةِ وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ, فَإِنَّهُ يُرجَعُ لِلفَصْلِ فِي ذَلِكَ إِلَى القَضَاءِ لِقَولِهِ تَعَالَى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ). (النساء 59) أَي تَنَازَعتُمْ أَنتُمْ وَأُولُو الأَمْرِ، وَهَذَا تَنَازُعٌ بَينَ وَلِيِّ الأَمْرِ وَبَينَ الأُمَّةِ، وَرَدُّهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم هُوَ رَدُّهُ إِلَى القَضَاءِ أَي إِلَى مَحكَمَةِ المَظَالِمِ.

كَمَا أَنَّ لِمَحكَمَةِ المَظَالِمِ صَلَاحِيَّةُ تَحدِيدِ مُدَّةِ الإِنذَارِ لِرَفْعِ التَّسَلُّطِ عَنهُ، أَوْ مُدَّةِ الإِمهَالِ لِلانفِكَاكِ مِنَ الأَسْرِ، حَيثُ يَستَمِرُّ خِلَالَهَا عَمَلُ الأَمِيرِ المُؤَقَّتِ، وَبَعدَهَا فَإِنْ تَمَتَّعَ الخَلِيفَةُ بِصَلَاحِيَّاتِهِ دُونَ التَّسَلُّطِ وَالأَسْرِ فَإِنَّ عَمَلَ الأَمِيرِ المُؤَقَّتِ يَنتَهِي، وَإِنْ لَـمْ يَنتَهِ التَّسَلُّطُ وَالأَسْرُ يُحْكَمُ بِالعَزْلِ، وَيَبدَأُ الأَمِيرُ المُؤَقَّتُ إِجرَاءَاتِ تَنصِيبِ الخَلِيفَةِ الجَدِيدِ.

ثانياً: المادة الثانية والأربعون: دَلِيلُهَا مَا أَخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» أَخرَجَهُ الحَاكِمُ وَالتِّرمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ, وَهَذَا الحَدِيثُ يَستَعمِلُهُ عَامَّةُ الفُقَهَاءِ, وَقَبِلَهُ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ؛ فَهُوَ مِنَ الحَدِيثِ الحَسَنِ فَيَكُونُ دَلِيلاً شَرعِياً عَلَى أَنَّ لِلخَلِيفَةِ أَنْ يُعَيِّنَ مُعَاوِنِينَ. وَقَدْ أَطلَقَ عَلَيهِمُ الحَدِيثُ لَفْظَ (وَزِير) بِالمَعنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ (مُعِينٌ)، وَقَدْ استَعمَلَهُ القُرآنُ بِهَذَا الـمَعنَى قَالَ تَعَالَى: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي). (طه 29) أَيْ مُعِينا.

وَالوَزَارَةُ وُجدَتْ مُنذُ عَهْدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَدَلِيلُ ذَلِكَ نَصُّ حَدِيثِ التِّرمِذِيُّ، إِلَّا أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم كَانَ هُوَ الَّذِي يَقُومُ بِالحُكْمِ، وَلَـمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنْ يَقُومَا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الحُكْمِ، إِلَّا أَنْ جَعَلَهُمَا وَزِيرَينِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ لَهُمَا صَلَاحِيَّةَ مُعَاوَنَتِهِ، أَيْ صَلَاحِيَّةَ أَنْ يَقُومَ كُلٌّ مِنهُمَا بِمَا يَقُومُ بِهِ هُوَ مِنَ الحُكْمِ، وَبَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَانَ عُمَرُ وَزِيرَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ يَقُومُ بِمَا يَقُومُ بِهِ الخَلِيفَةُ مِنَ الحُكْمِ، وَكَانَ ذَلِكَ ظَاهِراً حَتَّى قَالَ بَعضُهُمْ لِأَبِي بَكْرٍ: "وَاللهِ مَا نَدْرِي أَنْتَ الخَلِيفَةُ أَمْ عُمَرُ". أَورَدَهُ ابنُ حَنبَلَ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنْ نَافِعٍ. وَبَعدَ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَ عُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَزِيرَيْ عُمَرَ، وَكَانَ لَـهُمَا أَنْ يَقُومَا بِمَا يَقُومُ بِهِ مِنَ الحُكْمِ، إِلَّا أَنَّ قُوَّةَ شَخصِيَّةِ عُمَرَ لَـمْ يَظْهَرْ إِلَى جَانِبِهَا الوَزِيرَانِ بِأَعْمَالِ الـمُعَاوَنَةِ كَمَا كَانَ يَظهَرُ عُمَرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، إِلَّا أَنَّ عَلِيًّا لِقُوَّةِ شَخصِيَّتِهِ كَانَ ظَاهِرًا قِيَامُهُ بِأَعْمَالٍ فِي عَهْدِ عُمَرَ.

وَبَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ كَانَ عَلِيٌّ وَمَروَانَ بْنَ الحَكَمِ وَزِيرَيْ عُثْمَانَ، إِلَّا أَنَّ عَلِيّاً كَانَ غَيرَ رَاضٍ عَنْ بَعضِ الأَعْمَالِ، فَلَمْ تَكُنْ تَظهَرُ لَهُ أَعمَالٌ مَعَ عُثمَانَ، إِذْ كَانَ كَالمُبتَعِدِ. وَلَكِنَّ مَروَانَ كَانَ ظَاهِراً قِيَامُهُ بِالوَزَارَةِ، أَيْ بِأَعْمَالِ الحُكْمِ، وَكَانَ الخَلِيفَةُ يُفَوِّضُ لِوَزِيرِهِ تَدبِيرَ الأُمُورِ، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ مَعَ كُلِّ خَلِيفَةٍ مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ حَيثُ وُجُودِ الـمُعَاوِنِ (الوَزِيرِ) إِلَّا أَنَّ مُمَارَسَةَ الـمُعَاوِنِينَ لِتَدبِيرِ الأُمُورِ كَانَتْ تَختَلِفُ مِنْ وَاحِدٍ لِآخَرَ.

وَيُفهَمُ مِنَ الـمَعنَى اللُّغَوِيِّ مِنْ كَلِمَةِ (وَزِير)، أَيْ (مُعِينٌ) لِلخَلِيفَةِ، أَنَّهُ يَعنِي مُعِيناً بِأَعْمَالِ الخِلَافَةِ. وَبِمَا أَنَّهُ جَاءَ اللَّفْظُ مُطلَقاً غَيرَ مُقَيَّدٍ، فَيَكُونُ مُعِيناً لِلخَلِيفَةِ بِكُلِّ أَعْمَالِ الخِلَافَةِ. هَذَا مَا يُفهَمُ مِنَ الحَدِيثِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا كَانَ يَحصُلُ مِنْ عُمَرَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَيَكُونُ مَعنَى الوَزِيرِ شَرعاً هُوَ مَنْ يُعَاوِنُ الخَلِيفَةَ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِ الخِلَافَةِ. لَكِنَّهُ لَا يَأخُذُ هَذِهِ الصَّلاحِيَّةَ ذَاتِياً كَالخَلِيفَةِ، بَلْ يَأخُذُهَا بِمُجَرَّدِ إِسنَادِ الوَزَارَةِ إِلَيهِ مِنَ الخَلِيفَةِ، كَأَنْ يَقُولُ الخَلِيفَةُ عَيَّنتُ فُلَاناً وَزِيراً لِي، أَوْ مُعَاوِناً لِي، أَو نُبْ عَنِّي فِيمَا إِليَّ، أَوْ مَا شَاكَلَ ذَلِكَ. وَقَد سَمَّاهَا المَاوَردِيُّ فِي الأَحكَامِ السُّلطَانِيَّةِ وَزَارَةَ التَّفْوِيضِ، وَعَرَّفَهَا بِهَذَا الـمَعنَى فَقَالَ: "فَأَمَّا وَزَارَةُ التَّفوِيضِ, فَهُوَ أَنْ يَستَوزِرَ الإِمَامُ مَنْ يُفَوِّضُ إِلَيهِ تَدبِيرَ الأُمُورِ بِرَأيِهِ، وَإِمضَاءَهَا عَلَى اجتِهَادِهِ". إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُطَالِعَ الخَلِيفَةَ بِكُلِّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ، لِأَنَّهُ مُعَاوِنٌ, وَلَيسَ خَلِيفَةً، فَلَا يَستَقِلُّ وَحْدَهُ، بَلْ يُطَالِعُ الخَلِيفَةَ بِكُلِّ عَمَلٍ، صَغِيراً كَانَ أَو كَبِيرا.

وَهَذَا الوَاقِعُ لِلمُعَاوِنِ أَوِ الوَزِيرِ شَرعاً يَختَلِفُ اختِلَافاً تَامّاً عَنْ وَاقِعِ الوَزَارَةِ فِي النِّظَامِ الدِّيمُقرَاطِيِّ. إِذِ الوَزَارَةُ فِي النِّظَامِ الدِّيمُقرَاطِيِّ هِيَ الحُكُومَةُ (مَجلِسُ الوُزَرَاءِ)، وَهِيَ مَجمُوعَةُ أَفرَادٍ تَقُومُ بِوَصْفِهَا مَجمُوعَةً مُعَيَّنَةً بِالحُكْمِ، فَإِنَّ الحُكْمَ عِندَهُمْ لِلجَمَاعَةِ وَلَيسَ لِلوَاحِدِ، أَيْ أَنَّ الإِمَارَةَ جَمَاعِيَّةٌ, وَلَيسَتْ فَردِيَّةً، فَالحَاكِمُ الَّذِي يَملِكُ صَلَاحِيَّةَ الحُكْمِ كُلَّهَا هُوَ الوَزَارَةُ، أَيْ مَجمُوعَةَ الوُزَرَاءِ مُجتَمِعِينَ، وَلَا يَملِكُ أَيٌّ مِنهُمُ الحُكْمَ كُلَّهُ مُطلَقًا، وَإِنَّما تَنحَصِرُ صَلَاحِيَّةُ الحُكْمِ كُلِّهِ فِي الوَزَارَةِ كُلِّهَا مُجتَمِعَةً (مَجلِسِ الوُزَرَاءِ). وَأَمَّا الوَزِيرُ الوَاحِدُ, فَإِنَّهُ يُقلَّدُ تَقلِيداً يُخَصَّصُّ بِنَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الحُكْمِ يَملِكُ فِيهَا الصَّلَاحِيَّاتِ الَّتِي تُقَرِّرُهَا لَهُ الوَزَارَةُ بِمَجمُوعِهَا، وَمَا لَمْ تُقَرِّرُهُ لَهُ فِي هَذِهِ النَّاحِيَةِ تَبقَى صَلَاحِيَّاتُهُ لِلوَزَارَةِ وَلَيسَتْ لَهُ.

وَفِي الإِسلَامِ لَا يُوجَدُ مَجلِسُ وُزَرَاءَ بِيَدِهِ الحُكْمُ بِمَجمُوعِهِ (عَلَى الشَّكْلِ الدِّيمُقرَاطِيِّ)، بَلْ إِنَّ الإِمَارَةَ هِيَ لِلخَلِيفَةِ الَّذِي تُبَايِعُهُ الأُمَّةُ لِيَحْكُمَهَا بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَالخَلِيفَةُ يُعَيِّنُ لَهُ مُعَاوِنِينَ (وُزَرَاءَ تَفوِيضٍ) يُقَلَّدُونَ تَقلِيداً عَامّاً بِالنِّيَابَةِ وَعُمُومِ النَّظَرِ لِمُعَاوَنَةِ الخَلِيفَةِ فِي تَحَمُّلِ أَعبَاءِ الخِـلَافَةِ، فَهُمْ وُزَرَاءُ بِالـمَعنَى اللُّغَوِيِّ، أَيْ مُعَاوِنُونَ لِلخَلِيفَةِ فِيمَا يُكَلِّفُهُمْ بِهِ. وَلِذَلِكَ كَانَ التَّبَايُنُ بَينَ مَفهُومِ الوَزِيرِ وَالوَزَارَةِ فِي الإِسلَامِ، وَبَينَ مَفهُومِهَا فِي النِّظَامِ الدِّيمُقرَاطِيِّ، وَاضِحاً كُلَّ الوُضُوحِ.

وَلَمَّا كَانَ المَعنَى الَّذِي تَعنِيهِ الدِّيمُقرَاطِيَّةُ لِلوَزِيرِ وَالوَزَارَةِ هُوَ المَعنَى الطَّاغِي عَلَى النَّاسِ، وَإِذَا أُطلِقَ لَا يَنصَرِفُ إِلَّا إِلَى المَعنَى الدِّيمُقرَاطِيِّ، لِذَلِكَ، وَدَفْعاً لِلالتِبَاسِ، وَلِتَعْيِينِ المَعْنَى الشَّرعِيِّ بِالذَّاتِ دُونَ غَيرِهِ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الـمُعَاوِنِ لِلخَلِيفَةِ لَفْظُ: (وَزِير) و(وَزَارَة) مُطلَقاً مِنْ غَيرِ تَقيِيدٍ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَيهِ لَفْظُ (مُعَاوِن) وَهُوَ مَعنَاهُ الحَقِيقِيُّ، أَوْ يُوضَعُ قَيدٌ فِي لَفْظِ (وَزِير) أو (وَزَارَة) يَصْرِفُ المَعنَى الدِّيمُقرَاطِيَّ، وَيُعَيِّنُ المَعنَى الإِسلَامِيَّ وَحْدَهُ، كَأَنْ يُقَالَ: (وَزِيرُ تَفوِيضٍ).

يُعَيَّنُ الـمُعَاوِنُ وَيُعزَلُ بِأَمْرٍ مِنَ الخَلِيفَةِ. وَعِندَ وَفَاةِ الخَلِيفَةِ فَإِنَّ المُعَاوِنِينَ تَنتَهِي وِلَايَتُهُمْ، وَلَا يَستَمِرُّونَ فِي عَمَلِهِمْ إِلَّا فَترَةَ الأَمِيرِ الـمُؤَقَّتِ. ثُمَّ يَحتَاجُونَ إِلَى تَقلِيدٍ جَدِيدٍ مِنَ الخَلِيفَةِ الجَدِيدِ كَي يَستَمِرُّوا فِي عَمَلِهِمْ. وَلَا يَحتَاجُونَ إِلَى قَرَارٍ بِالعَزْلِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ فِي حُكْمِ المُنتَهِيَةِ بِوَفَاةِ الخَلِيفَةِ الَّذِي اتَّخَذَهُمْ مُعَاوِنِينَ لَهُ.

156

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, وَلِلحَدِيثِ بَقِيَّةٌ, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام, وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا, وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه, وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَىْ مِنْهَاْجِ النُّبُوَّةِ في القَريبِ العَاجِلِ, وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها, إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم عَلى حُسنِ استِمَاعِكُم, وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.