بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح64) طبق الإسلام عمليًا منذ سنة 1هـ حتى 1336هـ الموافق 1918م (ج8)
بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح64) طبق الإسلام عمليًا منذ سنة 1هـ حتى 1336هـ الموافق 1918م (ج8)

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. ...

0:00 0:00
السرعة:
August 02, 2022

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح64) طبق الإسلام عمليًا منذ سنة 1هـ حتى 1336هـ الموافق 1918م (ج8)

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام

(ح64) طبق الإسلام عمليًا منذ سنة 1هـ حتى 1336هـ الموافق 1918م (ج8)

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

أيها المؤمنون:

السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: نُتَابِعُ مَعَكُمْ سِلْسِلَةَ حَلْقَاتِ كِتَابِنا "بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام" وَمَعَ الحَلْقَةِ الرَّابِعَةِ وَالسِّتينَ, وَعُنوَانُهَا: "طُبِّقَ الإِسلامُ عَمَلِيًّا مُنذُ السَّنَةِ الأُولَى حَتَّى سَنَةِ 1336هـ المُوَافِق 1918م". نَتَأمَّلُ فِيهَا مَا جَاءَ فِي الصَّفحَةِ الثَّانِيَةِ وَالخَمْسِينَ مِنْ كِتَابِ "نظَامِ الإِسلامِ" لِلعَالِمِ وَالمُفَكِّرِ السِّيَاسِيِّ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ: "وعلى ذلكَ فالإسلامُ طُبِّقَ عملِيَّاً منذُ السنةِ الأولى للهجرةِ حتَّى سنةِ 1336 هجريَّةً الموافقِ سَنَةَ 1918 ميلاديَّةً. ولَمْ تُطَبِّقِ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ طَوالَ هذهِ المُدَّةِ أيَّ نظامٍ سِوَى الإسلامِ. حتَّى إِنَّ المسلمينَ معَ كونهِمْ قدْ ترجَمُوا للعربيَّةِ الفَلْسَفَةَ والعلومَ والثقافاتِ الأجنبِيَّةَ المُخْتَلِفَةَ، لكنَّهُمْ لمْ يُتَرْجِمُوا أيَّ تشريعٍ أوْ قانونٍ أوْ نظامٍ لأيةِ أمَّةٍ مطلقاً، لا للعملِ بهِ، ولا لدراستِهِ. إلاَّ أنَّ الإسلامَ بوصفِهِ نظاماً كانَ يُحْسِنُ الناسُ تطبيقَهُ أوْ يُسِيئُونَ هذا التطبيقَ، تَبَعَاً لقوَّةِ الدولةِ أوْ ضَعْفِهَا، وتَبَعَاً لِدِقَّةِ فَهْمِهَا أوْ مُزَايَلَتِهَا للفهمِ، وتَبَعَاً لقوَّةِ حملِ القيادةِ الفكريَّةِ أوِ التَرَاخِي فيهِ، ولذلكَ كانتْ إساءةُ تطبيقِ الإسلامِ في بعضِ العصورِ تَجْعَلُ المجتمعَ الإسلاميَّ مُنْحَدِرَاً بعضَ الانحدارِ، ولا يَخْلُو مِنْهُ أيُّ نظامٍ، لأنَّهُ يَعْتَمِدُ في تطبيقِهِ على البَشَرِ، ولكنَّ إساءةَ التطبيقِ لا تَعْنِي أنَّ الإسلامَ لَمْ يُطَبَّقْ، بلِ المَقْطُوعُ فيهِ أنَّ الإسلامَ طُبِّقَ، ولَمْ يُطَبَّقْ غيرُهُ منَ المبادئِ والنُظُمِ، إذْ إنَّ العبرةَ في التطبيقِ للقوانينِ والأنظمةِ الَّتي تَأْمُرُ الدولةُ بالعملِ بهَا، ولمْ تَأْخُذِ الدولةُ الإسلاميَّةُ أيَّ شيءٍ منْ ذلكَ منْ غيرِ الإسلامِ، وكلُّ الَّذي حصلَ هوَ إساءةُ تطبيقٍ لبعضِ نُظُمِهِ منْ قِبَلِ بعضِ الحُكَّامِ. على أنَّ الشيءَ الَّذي يَنْبَغِي أنْ يكونَ واضِحَاً أنَّهُ يجبُ عليْنَا حينَ نَستعرِضُ تطبيقَ الإسلامِ منَ التاريخِ أنْ نُلاحظَ شيئينِ اثْنَيْنِ: أمَّا أوَّلُهُمَا فيجِبُ أنْ لا نَأْخُذَ هذا التاريخَ عنْ أعداءِ الإسلامِ المُبْغِضِينَ لَهُ، بل نَأْخُذَهُ بالتحقيقِ الدقيقِ منَ المسلمينَ أنْفُسِهِمْ، حتَّى لا نَأْخُذَ الصورةَ المُشَوَّهَةَ. والشيءُ الثاني هوَ أنَّهُ لا يجُوزُ أنْ نستعملَ القِيَاسَ الشُمُولِيَّ على المجتمعِ في تاريخِ الأفرادِ، ولا في تاريخِ ناحِيَةٍ منَ المجتمعِ، فمِنَ الخطأِ أنْ نأخذَ العصرَ الأُمَوِيَّ منْ تاريخِ يَزِيدَ مَثَلاً، وأنْ نأخذَ تاريخَ العصرِ العبَّاسِيِّ منْ بعضِ حوادثِ خلفائِهِ، كذلكَ لا يجوزُ أنْ نحكمَ على المجتمعِ في العصرِ العبَّاسيِّ منْ قراءةِ كِتابِ الأغاني الَّذي أُلِّفَ لأخبارِ المُجَّانِ والشُعَرَاءِ والأُدَبَاءِ، أوْ منْ قراءةِ كُتُبِ التَصَوُّفِ وما شاكَلَهَا، فنَحْكُمَ على العَصْرِ بأنَّهُ عصرُ فِسْقٍ وفُجُورٍ، أوْ عصرُ زُهْدٍ وانْعِزَالٍ، بلْ يجبُ أنْ نأخذَ المجتمعَ بأكمَلِهِ. على أنَّهُ لَمْ يُكْتَبْ تاريخُ المجتمعِ الإسلامِيِّ في أيِّ عصرٍ، وإنَّما الَّذي كُتِبَ هوَ أخبارُ الحُكَّامِ وبعضِ المُتَنَفِّذِينَ، والَّذينَ كَتَبُوا ذلكَ أكثرُهم لَيْسُوا منَ الثُقَاتِ، وهم إمَّا قادِحٌ أوْ مادِحٌ، ولا يُقْبَلُ ما كتبوه دونَ تمحيصٍ, وحينَ نَدْرُسُ المجتمعَ الإسلاميَّ على هذا الأساسِ، أيْ نَدْرُسُهُ منْ جميعِ نواحيهِ، وبالتحقيقِ الدقيقِ، نجدُهُ خيرَ المجتمعاتِ، لأنَّهُ هكذا كانَ في القرنِ الأوَّلِ والثاني والثالثِ، ثُمَّ سائرِ القرونِ حتَّى مُنْتَصَفِ القرنِ الثاني عشرَ الهجريِّ، ونجدُهُ طبَّقَ الإسلامَ في جميعِ عُصورِهِ، حتَّى أواخرِ الدولةِ العُثْمَانِيَّةِ بوصْفِهَا دولةً إسلاميَّةً".

maram65 

وَنَقُولُ رَاجِينَ مِنَ اللهِ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ: يُوَاصِلُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَعرِضِ بَحثِهِ لِلقِيَادَةِ الفِكرِيَّةِ الإِسلامِيَّةِ إِجَابَتَهُ عَنْ مَسألةٍ فِي غَايَةِ الأهَمِيَّةِ وَهِيَ: هَلْ طَبَّقَ المُسلِمُونَ الإِسلامَ, أمْ أنَّهُمْ كَانُوا يَعتَنِقُونَ عَقِيدَتَهُ وَيُطَبِّقُونَ غَيرَهُ مِنَ الأنظِمَةِ وَالأحكَامِ؟! وَيُمكِنُ إِجْمَالُ الإِجَابَةِ الوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الفَقْرَةِ بِالنُّقَاطِ الآتِيَةِ:

1. منذُ السنةِ الأولى للهجرةِ حتَّى سنةِ 1336 هجريَّةً الموافقِ سَنَةَ 1918 ميلاديَّةً لَمْ تُطَبِّقِ الأمَّةُ الإسلاميَّةُ طَوالَ هذهِ المُدَّةِ أيَّ نظامٍ سِوَى الإسلامِ.
2. إِنَّ المسلمينَ معَ كونهِمْ قدْ ترجَمُوا للعربيَّةِ الفَلْسَفَةَ والعلومَ والثقافاتِ الأجنبِيَّةَ المُخْتَلِفَةَ، لكنَّهُمْ لمْ يُتَرْجِمُوا أيَّ تشريعٍ أوْ قانونٍ أوْ نظامٍ لأيةِ أمَّةٍ مطلقاً، لا للعملِ بهِ، ولا لدراستِهِ.
3. الإسلامُ بوصفِهِ نظامًا كانَ يُحْسِنُ الناسُ تطبيقَهُ أوْ يُسِيئُونَ هذا التطبيقَ، تَبَعًا لِلأُمُورِ الآتِيَةِ:


1) تَبَعًا لقوَّةِ الدولةِ أوْ ضَعْفِهَا.
2) تَبَعًا لِدِقَّةِ فَهْمِهَا أوْ مُزَايَلَتِهَا للفهمِ.
3) تَبَعًا لقوَّةِ حملِ القيادةِ الفكريَّةِ أوِ التَرَاخِي فيهِ.


4. إِسَاءَةُ تَطبِيقِ الإِسلامِ يَنبَغِي أنْ تُفهَمَ كَالآتِي:


1) كانتْ إساءةُ تطبيقِ الإسلامِ في بعضِ العصورِ تَجْعَلُ المجتمعَ الإسلاميَّ مُنْحَدِرًا بعضَ الانحدارِ، ولا يَخْلُو مِنْهُ أيُّ نظامٍ، لأنَّهُ يَعْتَمِدُ في تطبيقِهِ على البَشَرِ.
2) إساءةَ التطبيقِ لا تَعْنِي أنَّ الإسلامَ لَمْ يُطَبَّقْ، بلِ المَقْطُوعُ فيهِ أنَّ الإسلامَ طُبِّقَ، ولَمْ يُطَبَّقْ غيرُهُ منَ المبادئِ والنُظُمِ.
3) العبرةَ في التطبيقِ للقوانينِ والأنظمةِ الَّتي تَأْمُرُ الدولةُ بالعملِ بهَا، ولمْ تَأْخُذِ الدولةُ الإسلاميَّةُ أيَّ شيءٍ منْ ذلكَ منْ غيرِ الإسلامِ.
4) كلُّ الَّذي حصلَ هوَ إساءةُ تطبيقٍ لبعضِ نُظُمِهِ منْ قِبَلِ بعضِ الحُكَّامِ.


5. حينَ نَستعرِضُ تطبيقَ الإسلامِ منَ التاريخِ يَجِبُ عليْنَا أنْ نُلاحظَ شيئينِ اثْنَيْنِ:


أولا: يجِبُ أنْ لا نَأْخُذَ هذا التاريخَ عنْ أعداءِ الإسلامِ المُبْغِضِينَ لَهُ، بل نَأْخُذَهُ بالتحقيقِ الدقيقِ منَ المسلمينَ أنْفُسِهِمْ، حتَّى لا نَأْخُذَ الصورةَ المُشَوَّهَةَ.
ثانيا: أنَّهُ لا يجُوزُ أنْ نستعملَ القِيَاسَ الشُمُولِيَّ على المجتمعِ في تاريخِ الأفرادِ، ولا في تاريخِ ناحِيَةٍ منَ المجتمعِ:


1) مِنَ الخطأِ أنْ نأخذَ العصرَ الأُمَوِيَّ منْ تاريخِ يَزِيدَ مَثَلاً، وأنْ نأخذَ تاريخَ العصرِ العبَّاسِيِّ منْ بعضِ حوادثِ خلفائِهِ.
2) لا يجوزُ أنْ نحكمَ على المجتمعِ في العصرِ العبَّاسيِّ منْ قراءةِ كِتابِ الأغاني الَّذي أُلِّفَ لأخبارِ المُجَّانِ والشُعَرَاءِ والأُدَبَاءِ، أوْ منْ قراءةِ كُتُبِ التَصَوُّفِ وما شاكَلَهَا، فنَحْكُمَ على العَصْرِ بأنَّهُ عصرُ فِسْقٍ وفُجُورٍ، أوْ عصرُ زُهْدٍ وانْعِزَالٍ، بلْ يجبُ أنْ نأخذَ المجتمعَ بأكمَلِهِ.


6. لَمْ يُكْتَبْ تاريخُ المجتمعِ الإسلامِيِّ في أيِّ عصرٍ، وإنَّما الَّذي كُتِبَ هوَ أخبارُ الحُكَّامِ وبعضِ المُتَنَفِّذِينَ، والَّذينَ كَتَبُوا ذلكَ أكثرُهم لَيْسُوا منَ الثُقَاتِ، وهم إمَّا قادِحٌ أوْ مادِحٌ، ولا يُقْبَلُ ما كتبوه دونَ تمحيصٍ.
7. حينَ نَدْرُسُ المجتمعَ الإسلاميَّ على هذا الأساسِ، أيْ نَدْرُسُهُ منْ جميعِ نواحيهِ، وبالتحقيقِ الدقيقِ، نجدُهُ خيرَ المجتمعاتِ، لأنَّهُ هكذا كانَ في القرنِ الأوَّلِ والثاني والثالثِ، ثُمَّ سائرِ القرونِ حتَّى مُنْتَصَفِ القرنِ الثاني عشرَ الهجريِّ، ونجدُهُ طبَّقَ الإسلامَ في جميعِ عُصورِهِ، حتَّى أواخرِ الدولةِ العُثْمَانِيَّةِ بوصْفِهَا دولةً إسلاميَّةً.

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, وَلِلحَدِيثِ بَقِيَّةٌ, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام, وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا, وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه, وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَىْ مِنْهَاْجِ النُّبُوَّةِ في القَريبِ العَاجِلِ, وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها, إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم, وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.