بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح65) لا يجوز أن يكون التاريخ مصدرًا للنظام والفقه (ج9)
بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح65) لا يجوز أن يكون التاريخ مصدرًا للنظام والفقه (ج9)

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ.  ...

0:00 0:00
السرعة:
August 03, 2022

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام (ح65) لا يجوز أن يكون التاريخ مصدرًا للنظام والفقه (ج9)

بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام

(ح65) لا يجوز أن يكون التاريخ مصدرًا للنظام والفقه (ج9)

الحَمْدُ للهِ ذِي الطَّولِ وَالعَامْ, وَالفَضْلِ وَالإِكرَامْ, وَالرُّكْنِ الَّذِي لا يُضَامْ, وَالعِزَّةِ الَّتِي لا تُرَامْ, والصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ خَيرِ الأنَامِ, خَاتَمِ الرُّسُلِ العِظَامْ, وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأتبَاعِهِ الكِرَامْ, الَّذِينَ طَبَّقُوا نِظَامَ الإِسلامْ, وَالتَزَمُوا بِأحْكَامِهِ أيَّمَا التِزَامْ, فَاجْعَلْنَا اللَّهُمَّ مَعَهُمْ, وَاحشُرْنا فِي زُمرَتِهِمْ, وثَبِّتنَا إِلَى أنْ نَلقَاكَ يَومَ تَزِلُّ الأقدَامُ يَومَ الزِّحَامْ. 

أيها المؤمنون:

السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَبَعدُ: نُتَابِعُ مَعَكُمْ سِلْسِلَةَ حَلْقَاتِ كِتَابِنا "بلوغ المرام من كتاب نظام الإسلام" وَمَعَ الحَلْقَةِ الخَامِسَةِ وَالسِّتينَ, وَعُنوَانُهَا: "لا يَحُوزُ أنْ يَكُونَ التَّارِيخُ مَصْدَرًا لِلنِّظَامِ وَالفِقْهِ". نَتَأمَّلُ فِيهَا مَا جَاءَ فِي الصَّفحَتَينِ: الثَّالِثَةِ وَالخَمسِينَ وَالرَّابِعَةِ وَالخَمسِينَ مِنْ كِتَابِ "نظَامِ الإِسلامِ" لِلعَالِمِ وَالمُفَكِّرِ السِّيَاسِيِّ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ: "على أنَّ الَّذي يجبُ أنْ يُلاحظَ أنَّ التاريخَ لا يجوزُ أنْ يكونَ مَصْدَرًا للنظامِ والفقهِ، بلِ النظامُ يُؤْخَذُ منْ مصادرِهِ الفقهِيَّةِ لا منَ التاريخِ، لأنَّ التاريخَ ليسَ مصدرًا لهُ، فحينَ نريدُ أنْ نفهمَ النظامَ الشُيوعِيَّ لا نأخذُهُ منْ تاريخِ روسيا، بلْ نأخذُهُ منْ كتبِ المبدأِ الشيوعيِّ نفسِهِ، وحينَ نريدُ أنْ نعرفَ الفقهَ الإنجليزِيَّ لا نأخذُهُ منْ تاريخِ إنجلترا بلْ نأخذُهُ منَ الفقهِ الإنجليزيِّ، وهذا ينطبقُ على أيِّ نظامٍ أو قانونٍ. والإسلامُ مبدأٌ لهُ عقيدةٌ ونظامٌ، فحينَ نريدُ معرِفَتَهُ وأخذَهُ لا يجوزُ أنْ نجعلَ التاريخَ مصدراً لهُ مطلقًا، لا منْ حيثُ معرفَتُهُ ولا منْ حيثُ اسْتِنْبَاطُ أحكامِهِ. أ مَّا مِنْ حَيْثُ مَصْدَرُ مَعْرِفَتِهِ فهوَ كتبُ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ، وأمَّا منْ حيثُ مصدرُ اسْتِنْبَاطِ أحْكامِهِ فهوَ أَدِلَّتُهَا التَفْصِيلِيَّةُ. ولذلكَ لا يَصِحُّ أنْ يكونَ التاريخُ مَصدراً للنظامِ الإسلاميِّ، لا منْ حيثُ معرفتُهُ، ولا منْ حيثُ الاسْتِدْلالُ بهِ، وعليهِ فَلا يَصِحُّ أنْ يكونَ تاريخُ عمرَ بنِ الخطَّابِ، أو عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أو هَارونَ الرَشِيدِ، أوْ غيرِهِمْ مَرْجِعَاً لِلأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ، لا في الحوادثِ التاريخيَّةِ الَّتي رُوِيَتْ عَنْهُمْ، ولا في الكتبِ الَّتي أُلِّفَتْ في تاريخِهِمْ. وإِذا اتُّبِعَ رَأْيٌ لِعُمرَ في حادثةٍ فإنَّما يُتَّبَعُ باعْتِبَارِهِ حُكْمَاً شَرْعِيَّاً استنبطهُ عُمَرُ وطَبَّقَهُ، كما يُتَّبَعُ الحكمُ الَّذي استنبطهُ أبو حَنِيفَةَ والشَافِعِيُّ وجَعْفَرُ وأمثالهُمْ، ولا يُتَّبَعُ باعْتِبَارِهِ حادثةً تاريخيَّةً. وعلى ذلكَ فلا وُجودَ للتاريخِ في أَخْذِ النِظَامِ، ولا في مَعْرِفَتِهِ. على أنَّ مَعْرِفَةَ كَوْنِ النظامِ كانَ مُطَبَّقاً أمْ لا، لا تُؤْخَذُ كذلكَ منَ التاريخِ، بلْ تُؤْخذُ منَ الفقْهِ، لأنَّ أيَّ عَصْرٍ منَ العُصُورِ كانتْ لهُ مشاكلُ، وكانَ يُعَالِجُ هذهِ المشاكِلَ بنظامٍ، فحتَّى نَعْرِفَ ما هوَ النظامُ الَّذي كانتْ تُعالَجُ بهِ المشاكلُ لا نَرْجِعُ إلى حوادثِ التاريخِ، لأنَّهُ إنَّمَا يَنْقُلُ إلَيْنَا الأخبارَ نَقْلاً، بلْ يجبُ أنْ نَرجعَ إلى النظامِ الَّذي كانَ يُطَبَّقُ، أيْ إلى الفقهِ الإسلامِيِّ. وبالرُجُوعِ إليهِ لا نجدُ فيهِ أيَّ نظامٍ أخذَهُ المسلمونَ منْ غيرِهِمْ، ولا أيَّ نظامٍ اخْتَارَهُ المسلمونَ منْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، بلْ نجدُهُ كلَّهُ أحكاماً شرعِيَّةً مُسْتَنْبَطَةً منَ الأدلَّةِ الشرعِيَّةِ، وأنَّ المسلمينَ كانَ حِرْصُهُمْ شَديداً على تَنْقِيَةِ الفِقْهِ منَ الأقْوالِ الضَعِيفَةِ، أيْ منَ الاسْتِنْبَاطَاتِ الضَعِيفَةِ، حتَّى نَهَوْا عنِ العملِ بالقولِ الضعيفِ ولوْ كانَ لِمُجْتَهِدٍ مُطْلَقٍ. ولذلكَ لا يوجدُ نَصٌّ واحِدٌ تَشْرِيعِيٌّ غيرُ الفقهِ الإسْلاميِّ في العالمِ الإسلاميِّ كُلِّهِ، بلِ الموجودُ هوَ الفقهُ الإسلاميُّ فَحَسْبُ. ووجودُ نصٍّ فقهِيٍّ وحدَهُ في أمَّةٍ دونَ أنْ يُوجَدَ معَهُ نَصٌّ آخَرُ يَدُلُّ على أنَّ الأُمَّةَ لمْ تكنْ تستعْمِلُ في تشريعِهَا غيرَ هذا النَصِّ. والتَارِيخُ إِذَا جَازَ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ فَإِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لاسْتِعْرَاضِ كَيْفِيَّةِ التَطْبِيقِ. ويُمْكِنُ أَنْ يَذْكُرَ التَارِيخُ الحَوَادِثَ السِيَاسِيَّةَ، فَتَرَى فِيهِا كَيْفِيَّةَ التَطْبِيقِ. إِلاَّ أَنَّ هَذَا أَيْضَاً لا يَجُوزُ أَنْ نَأْخُذَهُ إِلاَّ بِالتَحْقِيقِ الدَقِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ".

وَنَقُولُ رَاجِينَ مِنَ اللهِ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ: يُوَاصِلُ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَعرِضِ بَحثِهِ لِلقِيَادَةِ الفِكرِيَّةِ الإِسلامِيَّةِ إِجَابَتَهُ عَنْ مَسألةٍ فِي غَايَةِ الأهَمِيَّةِ وَهِيَ: هَلْ طَبَّقَ المُسلِمُونَ الإِسلامَ, أمْ أنَّهُمْ كَانُوا يَعتَنِقُونَ عَقِيدَتَهُ وَيُطَبِّقُونَ غَيرَهُ مِنَ الأنظِمَةِ وَالأحكَامِ؟! وَيُمكِنُ إِجْمَالُ الإِجَابَةِ الوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الفَقْرَةِ بِالنُّقَاطِ الآتِيَةِ:

  1. لا يجوزُ أنْ يكونَ التاريخُ مَصْدَرًا للنظامِ والفقهِ, وَتَوضِيحُ ذَلِكَ يَكُونُ مِن خِلالِ مَا يَأتِي:
  1. يُؤْخَذُ النظامُ منْ مصادرِهِ الفقهِيَّةِ لا منَ التاريخِ.
  2. التاريخُ ليسَ مصدرًا للنظام، ولا للفقه, وإليكم هذين المثالين:
  • * حينَ نريدُ أنْ نفهمَ النظامَ الشُيوعِيَّ لا نأخذُهُ منْ تاريخِ روسيا، بلْ نأخذُهُ منْ كتبِ المبدأِ الشيوعيِّ نفسِهِ.
  • * حينَ نريدُ أنْ نعرفَ الفقهَ الإنجليزِيَّ لا نأخذُهُ منْ تاريخِ إنجلترا بلْ نأخذُهُ منَ الفقهِ الإنجليزيّ.
  • 3- هذا الأسلوب في أخذ النظام والفقه ينطبقُ على أيِّ نظامٍ أو قانونٍ.
  • 2. الإسلامُ مبدأٌ لهُ عقيدةٌ ونظامٌ, وحينَ نريدُ معرِفَة الإسلامِ وأخذَهُ يَنبَغِي مُرَاعَاةُ مَا يَأتِي:
  1. لا يجوزُ أنْ نجعلَ التاريخَ مصدرًا للإسلام مطلقًا، لا منْ حيثُ معرفَتُهُ ولا منْ حيثُ اسْتِنْبَاطُ أحكامِهِ:
  • * مِنْ حَيْثُ مَصْدَرُ مَعْرِفَتِهِ فهوَ كتبُ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ.
  • * منْ حيثُ مصدرُ اسْتِنْبَاطِ أحْكامِهِ فهوَ أَدِلَّتُهَا التَفْصِيلِيَّةُ.
  •    2- لا يَصِحُّ أنْ يكونَ التاريخُ مَصدرًا للنظامِ الإسلاميِّ، لا منْ حيثُ معرفتُهُ، ولا منْ حيثُ الاسْتِدْلالُ بهِ, وَإِلَيكُمْ هَذَينِ المِثَالَينِ:
  • * لا يَصِحُّ أنْ يكونَ تاريخُ عمرَ بنِ الخطَّابِ، أو عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أو هَارونَ الرَشِيدِ، أوْ غيرِهِمْ مَرْجِعَاً لِلأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ، لا في الحوادثِ التاريخيَّةِ الَّتي رُوِيَتْ عَنْهُمْ، ولا في الكتبِ الَّتي أُلِّفَتْ في تاريخِهِمْ.
  • * إِذا اتُّبِعَ رَأْيٌ لِعُمرَ في حادثةٍ فإنَّما يُتَّبَعُ باعْتِبَارِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا استنبطهُ عُمَرُ وطَبَّقَهُ، كما يُتَّبَعُ الحكمُ الَّذي استنبطهُ أبو حَنِيفَةَ والشَافِعِيُّ وجَعْفَرُ وأمثالهُمْ، ولا يُتَّبَعُ باعْتِبَارِهِ حادثةً تاريخيَّةً, فلا وُجودَ للتاريخِ في أَخْذِ النِظَامِ، ولا في مَعْرِفَتِهِ.
  • 3. إن مَعْرِفَةَ كَوْنِ النظامِ كانَ مُطَبَّقًا أمْ لا، لا تُؤْخَذُ كذلكَ منَ التاريخِ، بلْ تُؤْخذُ منَ الفقْهِ للأسباب الآتية:
  1. لأن أيَّ عَصْرٍ منَ العُصُورِ كانتْ لهُ مشاكلُ، وكانَ يُعَالِجُ هذهِ المشاكِلَ بنظامٍ.
  2. حتَّى نَعْرِفَ ما هوَ النظامُ الَّذي كانتْ تُعالَجُ بهِ المشاكلُ لا نَرْجِعُ إلى حوادثِ التاريخِ، لأنَّهُ إنَّمَا يَنْقُلُ إلَيْنَا الأخبارَ نَقْلاً.  
  3. يجبُ أنْ نَرجعَ إلى النظامِ الَّذي كانَ يُطَبَّقُ، أيْ إلى الفقهِ الإسلامِيِّ.
  4. بالرُجُوعِ إلى الفقهِ الإسلامِيِّ لا نجدُ فيهِ أيَّ نظامٍ أخذَهُ المسلمونَ منْ غيرِهِمْ، ولا أيَّ نظامٍ اخْتَارَهُ المسلمونَ منْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ.
  5. بالرُجُوعِ إلى الفقهِ الإسلامِيِّ نجدُهُ كلَّهُ أحكامًا شرعِيَّةً مُسْتَنْبَطَةً منَ الأدلَّةِ الشرعِيَّةِ.
  6. بالرُجُوعِ إلى الفقهِ الإسلامِيِّ نَجِدُ أنَّ المسلمينَ كانَ حِرْصُهُمْ شَديدًا على تَنْقِيَةِ الفِقْهِ منَ الأقْوالِ الضَعِيفَةِ، أيْ منَ الاسْتِنْبَاطَاتِ الضَعِيفَةِ، حتَّى نَهَوْا عنِ العملِ بالقولِ الضعيفِ ولوْ كانَ لِمُجْتَهِدٍ مُطْلَقٍ.
  7. لا يوجدُ نَصٌّ واحِدٌ تَشْرِيعِيٌّ غيرُ الفقهِ الإسْلاميِّ في العالمِ الإسلاميِّ كُلِّهِ، بلِ الموجودُ هوَ الفقهُ الإسلاميُّ فَحَسْبُ.
  8. إِنَّ وُجُودَ نصٍّ فقهِيٍّ وحدَهُ في أمَّةٍ دونَ أنْ يُوجَدَ معَهُ نَصٌّ آخَرُ يَدُلُّ على أنَّ الأُمَّةَ لمْ تكنْ تستعْمِلُ في تشريعِهَا غيرَ هذا النَصِّ.

  4. إِذَا جَازَ أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَى التَارِيخِ فَإِنَّمَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ لاسْتِعْرَاضِ كَيْفِيَّةِ التَطْبِيقِ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا يَأتِي:

  1. يُمْكِنُ أَنْ يَذْكُرَ التَارِيخُ الحَوَادِثَ السِيَاسِيَّةَ، فَتَرَى فِيهِا كَيْفِيَّةَ التَطْبِيقِ.  
  2. لا يَجُوزُ أَنْ نَأْخُذَ الحَوَادِثَ السِّيَاسِيَّةَ إِلاَّ بِالتَحْقِيقِ الدَقِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

 maram65

بَقِيَ أنْ نَقُولَ: دَأبَ الكَافِرُ المُستَعمِرُ فِي حَربِهِ عَلَى الإِسلامِ عَلَى تَشوِيهِ تَارِيخِ الإِسلامِ, وَتَشوِيهِ صُورَةِ الخُلَفَاءِ وَالحُكَّامِ المُسلِمِينَ, وَطَلَبًا لِلاختِصَارِ سَأكتَفِي بِإِيرَادِ مِثَالَينِ اثنَينِ.

هَذَانِ المِثَالانِ يُؤَكِّدَانِ مَقُولَةَ الشَّيخِ تَقِيِّ الدِّينِ النَّبهَانِيِّ وهي: أنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ نَأْخُذَ التَّارِيخَ إِلاَّ بِالتَحْقِيقِ الدَقِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ:  

المِثَالُ الأوَّلُ: لَمْ يَسلَمْ خَلِيفَةُ المُسلِمِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ t مِن كَذِبِ وَطَعْنِ المُؤَرِّخِينَ فِي سِيرَتِهِ, حَيثُ كَتَبُوا عَنهُ أنَّهُ كَانَ يَجلِسُ مَجَالِسَ اللَّهْوِ وَالمُجُونِ: يَعَاقِرُ الخَمْرَ, وَيَستَمِعُ إِلَى غِنَاءِ الجَوَارِي, وَيُشَاهِدُ رَقْصَ الحِسَانِ!! عِلْمًا بأنه كَانَ يَحُجُّ عَامًا, وَيَغزُو عَامًا, فَلا نَدرِي مَا جَوَابُ هَؤُلاءِ الكُتَّابِ حِينَ نَسألُهُم: مَتَى كَانَ هَارُونُ الرَّشِيدُ يَفرُغُ لِذَلِك؟؟     

المِثَالُ الثَّانِي: لَعَلَّكُمْ تَذكُرُونَ ذَلِكَ الشَّيُوعِيَّ الَّذِي نَاقَشَنِي بِمَسألَةِ مَوقِعَةِ الجَمَلِ لِيتَوَصَّلَ إِلى هَدمِ نِصْفِ الإِسلامِ مِنْ خِلالِ الطَّعْنِ فِي سُلُوكِ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا الَّتِي قَالَ عَنهَا رَسُولُ اللهِ r: «خُذُوا نِصْفَ دِينِكُمْ عَنْ هَذِهِ الحُمَيرَاءَ». وَإِلَى هَدْمِ نِصفِهِ الآخَرِ مِنْ خِلالِ الطَّعْنِ فِي سُلُوكِ خَلِيفَةِ المُسلِمِينَ الإِمَامِ عَلِيٍّ بنِ أبِي طَالِبٍ الذِي قَالَ النَّبِيُّ r فِي حَقِّهِ: «أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ, وَعَلِيٌّ بَابُهَا». حَيثُ سَألَنِي: لِمَ سُمِّيَتْ مَعرَكَةُ الجَمَلِ بِهَذَا الاسمِ؟ وَحِينَ رَدَدْتُ إِلَيهِ سُؤَالَهُ أجَابَ قَائِلاً: لَقَد سُمِّيَتْ المَعرَكَةُ بِهَذَا الاسمِ؛ لأنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَركُبُ جَمَلاً وَهِيَ تُحَارِبُ عَلِيًّا مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفيَانَ انتِقَامًا لِنَفسِهَا؛ لأنَّ عَلِيًّا كَانَ قَدْ حَرَّضَ زَوجَهَا مُحَمَّدًا عَلَى طَلاقِهَا بَعدَ حَادِثَةِ الإِفْكِ. قُلتُ لَهُ: وَمَا يَهُمُّكَ أنتَ مِنْ هَذَا المَوضُوعِ؟ قَالَ: مَنْ مِنهُمَا عَلَى حَقٍّ, وَمَنْ مِنهُمَا عَلَى بَاطِلٍ؟ فَإِنْ كَانَ عَلِيُّ مُحِقًّا, وَكَانَتْ عَائِشَةُ عَلَى بَاطِلٍ, فَإِنَّ نِصْفَ دِينِ الإِسلامِ يَكُونُ بَاطِلاً, وَإِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ مُحِقَّةً, وَكَانَ عَلِيٌّ عَلَى بَاطِلٍ, فَإِنَّ النِّصْفَ الآخَرَ مِنْ دِينِ الإِسلامِ يَكُونُ بَاطِلاً!!

أيها المؤمنون:

نَكتَفي بِهذا القَدْرِ في هَذِه الحَلْقة, وَلِلحَدِيثِ بَقِيَّةٌ, مَوعِدُنَا مَعَكُمْ في الحَلْقةِ القادِمَةِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى, فَإِلَى ذَلِكَ الحِينِ وَإِلَى أَنْ نَلْقَاكُمْ وَدَائِماً, نَترُكُكُم في عنايةِ اللهِ وحفظِهِ وأمنِهِ, سَائِلِينَ الْمَولَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُعزَّنا بِالإسلام, وَأنْ يُعزَّ الإسلام بِنَا, وَأن يُكرِمَنا بِنَصرِه, وَأن يُقِرَّ أعيُننَا بِقيَامِ دَولَةِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ الثَّانِيَةِ عَلَىْ مِنْهَاْجِ النُّبُوَّةِ في القَريبِ العَاجِلِ, وَأَن يَجعَلَنا مِن جُنُودِهَا وَشُهُودِهَا وَشُهَدَائِها, إنهُ وَليُّ ذلكَ وَالقَادِرُ عَلَيهِ. نَشكُرُكُم, وَالسَّلامُ عَليكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركَاتُه.

المزيد من القسم null

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" - الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"

إعداد الأستاذ محمد أحمد النادي

الحلقة الخامسة عشرة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

مستمعي الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: 

أيها المسلمون:

قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". 

ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها".

وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه".

وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. 

روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولى معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. 

وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". 

وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب".

ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء".

ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام".

ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. 

وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". 

وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

أيها المسلمون:

علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها.

وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! 

مستمعي الكرام: مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير: 

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. نشكركم على حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

اعلموا أيها المسلمون! - الحلقة 15

اعلموا أيها المسلمون!

الحلقة 15

أن من أجهزة دولة الخلافة المعاونين، وهم الوزراء الذين يعينهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمل أعباء الخلافة، والقيام بمسؤولياتها، فكثرة أعباء الخلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخلافة ينوء الخليفة بحملها وحده فيحتاج إلى من يعاونه في حملها على القيام بمسؤولياتها، ولكن لا يصح تسميتهم وزراء دون تقييد حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام الذي هو بمعنى المعاون مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.