January 14, 2010

دروس وعبر من الهجرة- ج2

الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
كنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية, وهي:
1. عيد الأضحى وعيد الفطر هما فقط العيدان الشرعيان للمسلمين.
2. الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة, وخطوة من خطوات بناء الدولة الإسلامية.
3. الهجرة تكليف لنا بإيجاد دولة الخلافة والحفاظ عليها.

وفي هذا اللقاء معكم نستكمل الحديث عن بعض الدروس والعبر المستفادة من الهجرة النبوية.


وأول هذه الدروس والعبر هو العناية بالقاعدة الفكرية: فعلينا نحن المسلمين أن نعتني بالقاعدة الفكرية أي بالعقيدة الإسلامية, فإن الأمة التي يجتاحها عدوها فيهدم مصانعها وعمرانها وجيشها, والقاعدة الفكرية لديها سليمة, لا تفتأ أن تعود أقوى مما كانت! وإن أمة ليست لديها القاعدة الفكرية , وليست لديها العقيدة الصحيحة إن اجتاحها عدوها ستندثر وسيمر التاريخ ليقول: إن أمة كانت هنا ثم ذهبت! وعلينا أن نقف سداً منيعاً أمام التيارات الملحدة, وأفكار الكفر كالاشتراكية والشيوعية, والرأسمالية, والقومية, والوطنية, والإقليمية, والديمقراطية, وما شاكلها!
علينا أن نجعل الإسلام محور تفكيرنا واهتمامنا وأن يكون مادة فكرنا في مناهج تعليمنا! علينا أن نسعى لنجعل معنى الهجرة مرحلة من مراحل الدعوة إلى الله ,أي أن نعلم أن إقامة دولة الإسلام فرض في عنق كل مسلم, مصداقاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة , مات ميتة جاهلية». والبيعة لا تكون إلا للخليفة أي للحاكم المسلم!
الهجرة النبوية ليست مجرد مراسم واحتفالات, وهنا ونحن مازلنا نعيش في ظلال وأجواء الهجرة النبوية العطرة, نتساءل فنقول:
أي معنى للهجرة هذا, والخمر تباع في الحوانيت؟ أي معنى للهجرة هذا, والذي يسب الله لا يؤاخذ, ومن يسب فرداً من أفراد الحكومة يسجن ويعذب؟
أي معنى للهجرة هذا, والمسلم قد افتقد الأمن والصحة والاستقرار؟ يركض ليل نهار خلف الرغيف, فلا يجد إلا كسرة خبز لا تسد الرمق؟
أي معنى للهجرة هذا, وأحكام الله معطلة؟ حنانيك أيها المسلم, فإن الخطباء يخطبون! وسعديك أيها المؤمن فلا زلت تسمع من المآذن الله أكبر! ويا فرحتك أيها المتقي المحب لله ولرسوله, فإن للمولد وللهجرة عيدا! أتريد أكثر من هذا ؟ وهل الإسلام إلا هذا ؟ فالإسلام بخير إذاً!
يا فرحتنا بالخطب, فقد امتلأت بطون الجائعين! يا فرحتنا بالأعياد, فقد جلبت لنا النصر والعز! يا فرحتنا, فلقد رضي الرسول ورب الرسول!
نقول بملء الفم: إن هذا لن يرضي ربنا, فالله سبحانه وتعالى قد أمرنا بفرائض علينا أن نفعلها, ونهانا عن أشياء, علينا أن نتجنبها فقال عز من قائل: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم, ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ). ( النساء 65 )
وقال لصفيه وحبيبه محمد عليه الصلاة والسلام: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله). ( المائدة 49 ) أي حكِّم الإسلام في شؤونهم واحكمهم به. فمن أراد أن يرضي الله ورسوله فلا بد أن يطبق الشرع الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى.

ومن الدروس المستفادة من الهجرة التضحية والفداء: فقد ضحى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بنفسه حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم بينما كان المشركون يحيطون ببيت النبي يريدون قتله! كما ضحى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بنفسه حين عرض نفسه للخطر بقبوله الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطارد من قبل المشركين. كما ضحى أبو بكر رضي الله عنه بكل ماله حيث جاء به, ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: «ماذا أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟». فقال أبو بكر: أبقيت لهم الله ورسوله!
هذا وقد ضحى أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بكل ما آتاه الله من طاقات, ولم يترك شيئا أو أحداً له سلطان عليه إلا سخره في خدمة الدعوة, تطبيقاً لقول الله جل في علاه : (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة, ولا تنس نصيبك من الدنيا, وأحسن كما أحسن الله إليك, ولا تبغ الفساد في الأرض, إن الله لا يحب المفسدين). (القصص 77)
وهذه تضحيات أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه نجملها فيما يأتي:
1. جهز الراحلتين له وللنبي .
2. استأجر الدليل الذي يدلهما على الطريق إلى مكة المكرمة.
3. طلب من راعيه أن يطمس آثار أقدام القادمين إلى الغار .
4. كلف ابنته أسماء بجلب الطعام إلى الغار له وللنبي .
5. كلف ابنه عبد الله بتتبع الأخبار في مكة وإبلاغها للنبي .
6. جعل نفسه فداء للنبي وفي خدمته وحراسته عليه السلام.
7. وضع ماله كله تحت تصرف النبي صلى الله عليه وسلم وفي خدمة الدعوة.
كما ضحى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله, ووضعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «ماذا أبقيت لأهلك يا عمر؟». قال: مثل هذا يا رسول الله!

ومن دروس الهجرة النبوية أيضاً إحسان اختيار الصديق فيحرص المسلم على اختيار الصديق الصالح, فقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر صديقاً له, فكان أبو بكر نعم الصديق لصديقه! وكان الصديق الوفي لرسول الله صلى الله عليه وسلم! كان يفتديه بنفسه! وكان حريصاً عليه كل الحرص, فكان وهو في طريقه إلى المدينة يمشي تارة أمام النبي صلى الله عليه وسلم, ويمشى تارة خلفه, يمشي عن يمينه تارة وطوراً عن شماله خشية أن يصبه أذى مفاجئ, فلما وصل هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى باب الغار دخله أبو بكر قبل النبي ليكتشف ما فيه, إن كان يشكل خطراً على حياة النبي ليفتديه بنفسه!
كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يدرك بفكره الثاقب أنه إذا مات, فإنما هو رجل واحد, وأن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني موت أمة, لذا كان دائماً يفتديه بنفسه, ويقول له دائماً: بأبي أنت وأمي يا رسول الله!

ومن دروس الهجرة النبوية كذلك حرص القائد على سلامة أفراد رعيته: حيث أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم هجرته, فهاجر بعد صحابته, ولم يهاجر قبلهم وذلك ليتمكن من الاطمئنان على سلامتهم!
ولإنجاح العمل لا بد من إعداد الخطة المناسبة, وأخذ الاحتياطات اللازمة, والحذر من الأخطار التي يمكن أن تقع. حيث وضع الرسول عليه الصلاة والسلام بالتعاون مع أبي بكر الصديق خطة متكاملة للهجرة, وكانت كالآتي:
1. تضليل العدو: حيث سلك رسول الله طريقاً جنوب مكة, بينما كان المشركون يبحثون عنه شمال مكة!
2. وسيلة الركوب: راحلتان جهزهما أبو بكر الصديق.
3. الدليل والخبير بالطرق ومسالكها: وهو رجل يدعى عبد الله بن أريقط, استأجره أبو بكر الصديق, رضي الله تعالى عنه وأرضاه!
4. طمس آثار الأقدام: قام بذلك عامر بن فهيرة, وهو راع لدى أبي بكر الصديق!
5. الإمداد الغذائي: قامت بذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق, وقد عرفت بعد ذلك بذات النطاقين؛ لأنها شقت نطاقها نصفين, انتطقت بنصفه الأول, وربطت الطعام بنصفه الثاني!
6. تتبع الأخبار السياسية: قام بذلك عبد الله بن أبي بكر الصديق , رضي الله عنهما.

ومن دروس الهجرة النبوية الثقة بنصر الله جل في علاه, فبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة, جعلت قريش مئة ناقة لمن يأتي برأسه حيا أو ميتا, فلحقه وسار في طلبه كثيرون طمعاً في الجائزة, منهم رجل يدعى سراقة بن مالك. ولما اقترب سراقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخلت قدرة الله, فحصلت معجزة! لقد ساخت ( أي غاصت) أقدام فرس سراقة في التراب! فعلم سراقة أن رسول الله ممنوع (أي معصوم) من قبل الله, عندها طلب سراقة من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له ليفرج عنه ما هو فيه!
فدعا له وطلب منه أن يعمِّي على قريش خبر هجرة النبي وصاحبه أبي بكر, ووعده إن فعل ذلك أن يعطيه سواري كسرى وقيصر! وهذا يدل على ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاملة بنصر الله تعالى, مع أنه صلى الله عليه وسلم مطارد أعزل من كل شيء إلاَّ من الإيمان بالله تعالى.
وقد تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقد نصر الله عباده المؤمنين على الفرس والروم! وأتي بسواري كسرى وقيصر, ووضعت أمام خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال: أين سراقة بن مالك؟ وكان سراقة يومها شيخاً كبير السن فألبسه عمر بن الخطاب سواري كسرى وقيصر, إلاَّ أن سراقة تبرَّع بهما لبيت مال المسلمين!

إن العبرة التي ينبغي أن نأخذها من حادثة الهجرة هي أن نقيس أنفسنا بمقياس الله, أن نفعل كما فعل رسول الله, أن نهجر الباطل, وأن نقبل على الحق, أن نهجر المبادئ المستوردة والأفكار المتعفنة, وشرائع الكفر, أن نتوجه إلى قرآننا وسنة نبينا نسألهما الشفاء, نسألهما الدواء! إن حال أمتنا كحال الرجل الذي وقف بجانب النهر يسأل: أأتيمم من تراب الضفة اليسرى أم من تراب الضفة اليمنى؟ ونسي أو تناسى أنه لا يجوز له التيمم مع وجود الماء , نسي القاعدة الشرعية التي تقول: (إذا حضر الماء بطل التيمم).
ونحن قد وقفنا بجانب نبع الإيمان الصافي, وحكم الله الذي لا يخطئ وشرع الله المنزل من عنده فنسأل: أنأخذ الاشتراكية أم الرأسمالية؟ ونسينا أو تناسينا أنه لا يجوز لنا إلا أخذ الإسلام! وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجر؟ فقال عليه السلام: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه».
وقبل الختام نقول: إن أمة لا تحترم دينها ولا تطبقه في حياتها ولا تقرأ تاريخها لتستفيد منه لهي أمة جديرة بالفناء! وسيأتي التاريخ ليكتب: إن أمة كانت هنا ثم ذهبت!
أما أهم الدروس والعبر المستفادة من هذه الحلقة فهي:
1. الحرص على سلامة القاعدة الفكرية لدى الأمة الإسلامية.
2. الهجرة ليست مجرد مراسم واحتفالات, بل هي محل الاقتداء, وموضع التأسي.
3. الهجرة دعوة للتضحية والفداء من أجل إعلاء كلمة الله.
4. الهجرة دعوة إلى إحسان اختيار الصديق, والحرص على اختيار الصديق الصالح.
5. حرص القائد على سلامة أفراد الرعية.
6. لإنجاح العمل لا بد من إعداد الخطة, وأخذ الاحتياطات اللازمة.
7. الثقة الكاملة بنصر الله تعالى لعباده المؤمنين.
8. الهجرة إقبال على الحق, وهجرانٌ للباطل.
وختاما نسأل الله عز وجل أن يعجل لنا بالخلاص, وان يبعث فينا إماماً مخلصاً رحيماً بأمته, يقودنا لطاعته وإقامة حكمه. وأن يكرمنا بقيام دولة الخلافة وأن يجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة