إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- الأيوبيين
October 19, 2009

إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- الأيوبيين

إن أي مطلع على التاريخ الإسلامي وأي باحث في التاريخ الإسلامي لا يستطيع أن يغفل ما قامت به السلطنة الأيوبية من فعال عظيمة في حركة الجهاد الإسلامي ممن يستطيع أن يغفل ذكر أسد الدين شيركوه وصلاح الدين الأيوبي بل من يستطيع أن يغفل فعال الشعب الكردي كله أثناء الحروب الصليبية. حقا لقد كتب الأكراد الذين انحدر منهم الأيوبيون تاريخهم بمداد من العز والفخار فتعالوا معنا نلقي إضاءة على تاريخ الأيوبيين المجيد فمن هم الأيوبيون؟

الأيوبيون أيها السادة أسرة من أكراد شمال العراق ومن بلدة شقلاوة الواقعة بالقرب من مدينة أربيل، بدأ نجمهم يسطع بعد أن أظهر كل من نجم الدين أيوب والد صلاح الدين وأخيه أسد الدين شيركوه كفاية عظيمة ومقدرة فائقة في جيش نور الدين زنكي فكما بينا سابقا كان لنجم الدين أيوب دور عظيم في ضم دمشق سلما لنور الدين زنكي كما كان له دور كبير في إزالة الجفاء بين ولده صلاح الدين الذي تولى الوزارة في مصر ونور الدين زنكي أمير الجهاد في الشام ومصر، أما أسد الدين شيركوه، فقد أظهر براعة وبطولة نادرتين في ضم مصر إلى السلطنة الزنكية بعد محاولات ثلاث، وبفعله هذا رجحت كفة المسلمين إلى الأبد في الحروب الصليبية، أما عظمة الأيوبيين فقد سطرها صلاح الدين الأيوبي الذي بدأ نجمه يسطع أثناء محاولات ضم مصر للسلطنة الزنكية فقد أظهر رغم حداثة سنه براعة عظيمة في استتباب الأمور للمسلمين في مصر بقضائه على جميع أسباب الفتن في مصر، أليس هو من خلص مصر من فتن وخيانات بعض المتنفذين في مصر كالوزير ضرغام والوزير شاور اللذين عاثا فسادا في مصر وكثيرا ما استعانا بالصليبيين أعداء الأمة على المسلمين، أليس هو من قضى على الخلافة الفاطمية في مصر، وأعاد مصر إلى حضن أمتها، أليس هو من وحد القلوب والعقول في مصر بقضائه على الفكر الباطني المنحرف في مصر، وبنشره الفكر الإسلامي الصحيح، أليس هو من نظف الجبهة الداخلية في مصر، ليتمكن بعدها من قذف كل ما تملكه مصر من خيرات وإمكانات في ميدان الجهاد ضد الصليبيين، أليس هو من امتشق الحسام لإعادة الوحدة إلى المسلمين في الشام وشمال العراق ومصر بعد وفاة نور الدين زنكي وانقسام الإمارة الزنكية إلى إمارات عديدة متعادية، أليس هو من ضم برقة والحجاز واليمن للسلطنة الأيوبية ليضاعف حشد الجهاد ضد الصليبيين، أليس هو من أعاد للخلافة العباسية بهاءها بعد ضم كل ما ذكرت من ولايات للخلافة العباسية، مقتديا بذلك بما فعله أميره العظيم وسلطانه العادل نور الدين زنكي هكذا يكون الحشد للجهاد أيها السادة هكذا تكون السياسة الحربية، لقد كانت سياسة صلاح الدين الحربية أيها السادة منبثقة من الكتاب والسنة، رص الصفوف وتأليف القلوب، وحشد الجيوش وبذل أقصى ما يستطاع من قوة ومن رباط الخيل، هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيد هجرته من مكة إلى المدينة ثم هكذا فعل كل أمير وكل حاكم كان يتقي الله في أمته فعلها السلطان نور الدين زنكي أيضا فعل كل هؤلاء ما ذكرت سابقا لإعداد الساحة للجهاد لم يفعل أسلافنا الزنكيون والأيوبيون وغيرهم كما يفعل بعض المراهقين في العصر الحاضر بإرسال بعض الأفراد للقتال هنا وهناك في فلسطين لخدمة مخططات الكفر كإقامة دولة ديمقراطية علمانية في فلسطين لم يفعل أسلافنا الأيوبيون ما يفعله بعض الخونة من تشتيت لجهود الأمة والابتكاء كذبا على الجهاد لتسويغ كل ما يقومون به من ظلم وجور وتخاذل لقد تسلم أسلافنا المجاهدون زمام الأمور في امتنا وأكلوا خيرات بلادنا ولكنهم كانوا أهلا لذلك فقد خلصوا البلاد والعباد من الصليبيين أما مراهقو زماننا فقد استلموا زمام الأمور وأكلوا خيرات بلادنا وسامونا عسفا وظلما بفعال تزكم الأنوف لخدمة أسيادهم الصليبيين الجدد فهم والصليبيون الجدد في خندق واحد لسحق كل محاولة خيرة لإنقاذ الأمة وسحق كل حامل دعوة يسعى لتوحيد الصفوف وإقامة شرع الله وتهيئة الساحة للجهاد ورفع الضيم عن المسلمين.

أيها السادة: لقد أعد صلاح الدين كما قلت الساحة للجهاد وقد عقد هدنة مع المملكة الصليبية في القدس، ولكنه كان يراقب ما يقوم به الصليبيون وكما هي عادة الكفار في كل حين لا يلتزمون بعهودهم ولا يحترمون مواثيقهم أخذ أرناط أمير حصن الكرك آنذاك، وكان تابعا لمملكة القدس الصليبية، أخذ يشن الغارات هنا وهناك على المسلمين، يسطو على قوافل المسلمين المتنقلة بين مصر والشام، ويروع الآمنين بل سولت له نفسه أن يجهز بعض السفن ويشحنها بالجنود يغزو بها سواحل مصر ثم سواحل الجزيرة العربية بل وهمَّ لعنه الله باحتلال المدينة المنورة فهل اكتفى صلاح الدين بالاستنكار وبالاحتجاج على هذه الفعال الخسيسة (هل اشتكى للأمم المتحدة أم لمجلس الأمن) كما يفعل حكام العار في عصرنا الحاضر، لا وألف لا فلقد أمر أخاه الملك العادل بإرسال حملة بحرية لسحق حملات أرناط البحرية على سواحل مصر والجزيرة فتمكن رحمه الله وبمساعدة بعض القبائل العربية في سواحل الحجاز من إبادة حملات أرناط البحرية هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد أخذ صلاح الدين يعد للمعركة الفاصلة التي ستمحق الصليبيين فيما بعد أخذ صلاح الدين بجيشه العظيم يضرب الصليبيين في الشام هنا وهناك وقد أراد بفعله هذا أن يفرض زمان ومكان المعركة على الصليبيين في الشام هنا وهناك وضرب بيسان وضرب طبرية وفتحهما فجن جنون الصليبيين فتحركوا من طرابلس والقدس بجيش كبير لإنقاذ حصونهم ومدنهم في غور الأردن وكان الجو قائظا فوصل الصليبيون إلى الغور واتخذوا حطين مركزا لهم وكان صلاح الدين بانتظارهم واشتعلت الحرب وحمي الوطيس وحمل المسلمون بصدق على الصليبيين فهزموا أكثر جيشهم أما قيادتهم على تلة حطين فقد بقيت صامدة وكان صلاح الدين يراقب المعركة فحمل المسلمون على قيادة الصليبيين في حطين فردهم الصليبيون مرتين وكلما كان المسلمون يتراجعون كان صلاح الدين يقول: كذب الشيطان، يقول هذا القول وهو يحسن الظن بالله، إذ أن الله لن يخذله أبدا، وفي المرة الثالثة اقتحم المسلمون قيادة الصليبيين وأطاحوا بلوائهم وأخذ المسلمون يأسرون قادتهم وفرسانهم وانجلى الأمر عن نصر عظيم للمسلمين، إذ قتل المسلمون أغلب الجيش الصليبي وأسروا الملك الصليبي وكبار القادة والفرسان ومنهم أرناط الذي قتله صلاح الدين بيده جزاء فعاله الخسيسة ونقضه للعهود وقد عامل صلاح الدين الملك الصليبي وكبار القادة الصلييبين معاملة حسنة مما أدهش الصليبيين ثم افتدى الصليبيون أنفسهم بفدية كبيرة.

هذه معركة حطين التي تعتبر من المعارك الفاصلة في التاريخ والتي كانت بداية انهيار الصليبيين في المشرق، والتي أظهرت أن المسلمين أمة من دون الناس أمة وفية لعهودها، تحترم مواثيقها، أمة تعفو وتمن على أعدائها وبخاصة عند مقدرتها. أمة تتقيد بأحكام دينها إذا سالمت وتتقيد بأحكام دينها إذا جاهدت وانتصرت، فماذا فعل صلاح الدين بعد حطين، تقدم صلاح الدين نحو الساحل الشامي وأخذ يفتح المدن والحصون الصليبية وذلك ليحرم الصليبيون من الاتصال بأوروبا ففتح عكا وصيدا وبيروت وحيفا ويافا ثم تقدم لفتح المدن الداخلية فتم له فتح نابلس ثم حاصر القدس وقد ظن الصليبيون أنهم يستطيعون المقاومة إلى أن تأتيهم النجدات من أوروبا فخاب فألهم، ولم يلبثوا أن استسلموا، وهنا تنجلي عظمة الإسلام وعظمة صلاح الدين فلم يفعل كما فعل الصليبيون عندما دخلوا القدس قبل فتحه للقدس بأكثر من ثمانين عاما فلقد فعلوا في القدس كما ذكروا في أدبياتهم أفعالا يندى لها جبين البشر، أما صلاح الدين فكان مضرب المثل في العفو عند المقدرة، فعفا عن الكثير منهم وقبل فدية كثير منهم وساعد الضعفاء منهم على الخروج من بيت المقدس ولم ينتهك جيش المسلمين عرضا أو ينهب متجرا تماما كما فعل الجيش الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب عندما دخل القدس، هذه فعالنا أيها السادة في سلمنا وحربنا وهذه فعالهم في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرهما، إنهم في حربهم لا يقيمون وزنا لأية قيمة إلا قيمة الظلم والتسلط إن كانت هناك للظلم قيمة، بل لا نعدو الحقيقة، إذا قلنا أن صلاح الدين بالغ في العفو عن أناس لا يستحقون العفو، فهؤلاء قوم لا يفهمون إلا لغة القوة والبطش والإثخان اقتداء بقوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (لأنفال:67) إننا لا نحاكم صلاح الدين في هذا العصر، ولكننا نذكر بآية كريمة رسمت لنا طريق في مثل حالة صلاح الدين مع الصليبيين.

أيها السادة: لا يظنن أحد أن، صلاح الدين في جهاده سلك دربا مفروشا بالورود والرياحين بعد حطين، فبعد حطين هاجت أوروبا وماجت، وأرسلت الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ثلاثة ملوك، فجيش يقوده ملك ألمانيا، وجيش ثان يقوده ملك فرنسا، وجيش ثالث يقوده ملك بريطانيا قلب الأسد، ولكن الله كان في عون المسلين فما لبث الجيش الألماني أن تفرق بعد غرق ملكه، في أحد الأنهار في آسيا الصغرى وما لبث الملك الفرنسي أن عاد بجنوده إلى أوروبا، أما ريتشارد قلب الأسد فبقي يقاوم المسلمين، وقد أصبح موقف صلاح الدين حرجا، بعد أن تركه أكثر جنوده بعد معركة حطين وعادوا إلى ديارهم شمال العراق ولم يبق لديه رحمه الله إلا قوات لا تقارن بعددها مع أعداد جنود الصليبيين في الحملة الثالثة مما أجبر صلاح الدين على هدم قلعة عسقلان وإلقاء حجارتها في البحر خوفا من سقوطها بأيدي الصليبيين الذين سيتخذونها مركزا لاحتلال مصر إذ لو كانت لديه قوات كافية لحمايتها لما هدمها ولكن الله خذل الصليبيين عن غزو مصر فحاولوا حصار بيت المقدس ولكن صلاح الدين نهض بكل قوة وجمع الجند ثانية مما أدخل الوهن واليأس في نفس ملك بريطانيا مما أجبره على إبرام اتفاقية صلح الرملة التي أسفر عن إعطاء الصليبيين شريطاً ساحلياً من صور إلى يافا، أما سائر الشام ومنها القدس فقد بقيت في أيدي المسلمين وما لبث أن توفي صلاح الدين بعد أقل من عام من صلح الرملة، فخلفه أخوه العادل ثم الكامل بن العادل وبعد الكامل انقسم البيت الأيوبي وانقسمت السلطنة الأيوبية وانتهى حكم الأيوبيين بعد وفاة الملك الصالح ومقتل ابنه توران شاه على أيدي المماليك وبمقتل توران شاه بدأ عهد دولة المماليك.

أيها السادة: لقد سطر الأيوبيون وبخاصة صلاح الدين تاريخاً مجيداً وعلى الرغم من إخلاصه المنقطع النظير، إلا أنه لم يسلم في الداخل من تآمر المتآمرين فقد تعرض أكثر من مرة لمحاولة اغتيال من الحشاشين الخونة ومن الموتورين من زوال الدولة الفاطمية.

أيها السادة: إن سيرة نور الدين زنكي وسيرة صلاح الدين في لم شعث الأمة ورص الصفوف وحشد القوى تعتبران نبراسا لمن أراد أن يحذو حذوهما ويخلص الأمة الإسلامية مما هي فيه من تفرق وتدابر، وضعف وهوان وإن أمتنا ولود ودود، فسيخرج من رحم أمتنا إن شاء الله رجال ورجال يجمعون شتات الأمة، ويمهدون الطريق، ويعدون العدة، ويحشدون القوى، لرفع راية الإسلام، ومحق الكفر وأهله، وجعل رايات العدل ترفرف في جميع أرجاء المعمورة فقد وعدنا الله ذلك، ووعدنا رسولنا ذلك، والله غالب على أمره ولكن المنافقين لا يفقهون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة