October 26, 2009

إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- الدولة العثمانية ج1


لا يملك من يبحث في التاريخ الإسلامي إلا ان يقدر كل التقدير ويجل كل الإجلال التاريخ المجيد الذي سطرته الدولة العثمانية، فهي رائعة وهي في أوج قوتها وهي عظيمة حتى في ضعفها، فلقد حكمت هذه الدولة ستمائة وثمان وثلاثين عاما تعاقب على حكمها ستة وثلاثون سلطانا، حازت المجد من جميع أطرافه، فهي في الجهاد سباقة وهي في العمران رائعة وهي في معاملتها لرعاياها رحيمة صهرتهم جميعا في بوتقة الإسلام لم تميز في أغلب فترات حكمها بين عربي وأعجمي كلهم مسلمون خضعت لها رعيتها أكثر من ثلاثة قرون دون تبرم يذكر.


بينما من يود كتابة إضاءة أو إضاءتين على تاريخها ليحار عمن يكتب، أيكتب عن عثمان المؤسس ووصاياه الرائعة لأولاده فقد أوصاهم رضي الله عنه بوصايا ثلاث: الحكم بما أنزل الله، والجهاد في سبيل الله، ونبذ الخلاف فأي وعي كان يتمتع به ذلك الأمير وأي إخلاص خالص كان يتمتع به ولقد انطلق العثمانيون من عِليِّ إلى أعلى يوم أن حافظوا على وصايا جدهم. هذا بعض مزايا عثمان فكيف كان حال ابنه اورخان الذي أسس الجيش الانكشاري ورباه تربية إسلامية وأرضعه الجهاد رضاعة وعليه فلن يستغرب أحد عظمة الانتصارات العثمانية واتساع الفتوحات العثمانية والانجازات المدهشة التي قامت على كاهل هذا الجيش العظيم، أما مراد الأول وما أدراك ما مراد الأول والذي اختاره الله شهيدا بعد معركة قوصوة عندما انحنى ليقبل جريحاً من جرحى أعدائه فطعنه هذا الجريح فمات شهيداً وإن ذكرت هؤلاء السلاطين فهل أنسى بايزيد الصاعقة الذي كان ينقض على أعدائه بسرعة خاطفة كالصاعقة والذي أبى أن ينسحب من ميدان معركة غير متكافئة فقد كان يقود جيشا عدده عشرين ألفا وتيمورلنك يقود جيشا يزيد على المئتي ألف فأبى الصاعقة أن ينسحب فقاتل وقاتل فعثر به جواده فأسره الأعداء ولم يقدروا هذا المجاهد حق قدره فسرعان ما مات في الأسر وقد ظن الأعداء أن أيام العثمانيين قد ولت بعد أسر بايزيد، إنهم ظنوا أن العثمانيين دولة عادية كسائر الدول ألم يعلموا أنها كانت دولة تحمل رسالة خالدة تحمل رسالة الإسلام الى العالم وترفع راية الجهاد، دون كلل أو ملل، إن هزيمة بايزيد في معركة أنقرة وأسره على يدي تيمور لنك التتري كان عثرة على الطريق إذ سرعان ما لملم العثمانيون شعثهم ليتولى بعد هزيمة أنقرة بأقل من نصف قرن أعظم سلاطين آل عثمان بل أعظم سلاطين الدنيا ألا وهو محمد الفاتح شاب مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ولادته بثمانية قرون ونصف ومدح جيشه أعظم مدح، ألم تقرأوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها والجيش جيشها» هذا الشاب الذي لم يتجاوز الخمسة والعشرين ربيعاً يمن الله عليه بفضل فتح القسطنطينية التي استعصت على جند الصحابة والتابعين ومن أتى بعدهم، لقد ادخر الله لك هذا الفضل يا سلطاننا فهنيئا لك بهذا الفضل وهنيئا لك بهذا المجد ألم تقرأوا قوله تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(الحديد: من الآية21) ففتح سلطاننا أعظم مدن الدنيا وأكثر مدن الدنيا حصانة وأعظم عاصمة بناها بشر وأعظم قلعة من قلاع النصرانية التي صارعت المسلمين وطاولتهم في جهادهم دون كلل أو ملل إلى أن تولى القيادة أسد الإسلام محمد الفاتح فكيف تم فتح هذا الحصن الحصين لقدت تمكن العثمانيين في جهادهم قبل محمد الفاتح من إكمال فتح آسيا الصغرى حتى وصلوا أسوار القسطنطينية وعبروا مضيق الدردنيل إلى البر الأوروبي وفتحوا شبه جزيرة البلقان فقطعت طرق إمداد القسطنطينية إلا عن طريق البحر الذي كان يمدهم بإمدادات محدودة ولكن كيف يتأتى اقتحام أسوراها؟ يرسم سلطاننا خطة عسكرية مدهشة لم يعرفها ولم يتوصل إليها بشر إذ صنع سفنا تزيد على عشرين سفينة على سواحل البحر الأسود، وكان لا بد لهذه السفن المجهزة بالمدافع من الاقتراب من أسوار المدينة وكان مضيق البسفور مقفلاً بالسلاسل فلا بد إذن من وصول السفن من البحر إلى مياه القرن الذهبي عن طريق البر فيأمر سلطاننا جيشه بنقل هذه السفن إلى مياه القرن الذهبي، لتقترب من الأسوار وتتمكن المدفعية من دك أسوار القسطنطينية: يلبي شباب الإسلام هذا الأمر، وفي ليلة واحدة تنقل هذه السفن إلى القرن الذهبي وتبدأ المدافع تمطر القسطنطينية بحممها الهائلة كما أمطرت قذائف المدفع العظيم القسطنطينية من جهة الغرب فبدأت تتكون ثغرات في سور المدينة ولكن راية الإسلام لا بد من رفعها على الأسوار ليعجل هذا في انهيار معنويات المدافعين فيأمر سلطاننا شباب الإسلام بركز راية الإسلام على الأسوار فينطلق ثمانية عشر شابا لركز الراية فيستشهدون جميعاً، ثم يأمر بركز الراية فينطلق ثمانية عشر شابا لركز الراية فيستشهدون جميعاً ثم يأمر بركز الراية فيتقدم ثمانية عشر شابا لركز الراية، فيستشهد بعضهم وينجح البعض الأخر في ركز الراية وسلطاننا يبتسم، يبتسم سلطاننا أيها السادة من شدة سروره بجيشه الذي كان يقبل على الموت دون خوف أو وجل، وما هي إلا ساعات ويدخل جيش الإسلام المدينة لينطلق شباب الإسلام لفتح الباب الغربي ويفتح ذلك الباب ويتدفق عشرات الآلاف من الجيش العثماني عبر شوارع القسطنطينية ويدخل سلطاننا على حصان أبيض المدينة، يدخلها دخول المتذلل إلى ربه فيصادفه نصب أو صنم بحية ذات رؤوس ثلاث فيقف على جواده ليطعن هذا الصنم وينزله إذ لا أصنام بعد اليوم في القسطنطينية التي أصبح اسمها اسلامبول أي مدينة الإسلام ثم يسير سلطاننا إلى أعظم كنيسة بناها بشر ليجد الروم خائفين يائسين يدعون الله, يصل سلطاننا كنيسة أيا صوفيا وقد خاف النصارى من الإبادة فماذا فعل سلطاننا، لقد فعل مع النصارى في اسلامبول ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مشتركي مكة عندما قال اذهبوا فأنتم الطلقاء لقد قالها سلطاننا كما قاله رسولنا كما دعا الهاربين إلى العودة إلى إسلامبول وسمح لمن يريد الرحيل بالرحيل بكل أمان واطمئنان هذا تاريخنا أيها السادة هذه أمجادنا أيها السادة صبر في الحرب صدق عند اللقاء عفونا عند المقدرة أيتها البشرية في طول الكرة الأرضية وعرضها استحلفكم بالله هل دخول رسولنا مكة ودخول سلطاننا القسطنطينية كدخول هولاكو بغداد أو دخول الصليبيين بيت المقدس أو كدخول حديثي النعمة الأمريكان بغداد؟ الجواب واضح والحق أبلج.


يا شباب الإسلام: يا خير أمة أخرجت للناس لا يفتن أحد في عضضكم هذه الأيام ولا تجعلوا اليأس يتسلل إلى نفوسكم فالليل الذي يظلنا في آخره وسيبزغ فجر الإسلام قريبا إن موعدنا الصبح أيها السادة أليس الصبح بقريب نحن ننتظر بشائر النصر فقد وعدنا ربنا بالعز والتمكين ووعدنا ربنا بالخلافة الراشدة التي ستعم الأرض ووعدنا ربنا على لسان رسوله بفتح روما بعد القسطنطينية وقد تحقق فتح القسطنطينية وسيتحقق بإذن الله فتح روما قريبا. يسألونك متى هو قل عسى أن يكون قريباً.


لنعود إلى سلطاننا فماذا فعل بعد فتح القسطنطينية: اتخذ سلطاننا القسطنيطينية عاصمة للدولة وسماها اسلامبول وبفتح القسطنطينية أسدل الستار عن الإمبراطورية البيزنطية لتتبوأ مكانها دولة الخلافة العثمانية وتنطلق بكل همة لاتمام فتح بلاد البلقان ويصمم سلطاننا على تحقيق البشارة الثانية ألا وهي فتح روما ويعبر البحر الأدرياتي إلى البر الإيطالي ويفتح اترنتوه لكن الله جل شأنه ادخر فتح روما لفاتح آخر، يكفيك يا سلطاننا فضل فتح القسطنطينية يكفيك يا سلطاننا مدح رسول الله لك قبل ولادتك بقرون وقرون، ويشاء الله أن يتوفى سلطاننا وهو غازيا ويخيم حزن شديد على المسلمين يقابله سرور شديد عند النصارى وبخاصة بابا روما الذي أمر بالاحتفال بوفاة محمد الفاتح ثلاثة أيام ولكن هل توقفت الدنيا بموت محمد الفاتح؟ هل انهارت الدولة العثمانية بوفاة الفاتح كلا وألف كلا فلقد خلفه سلاطين لا يقلون عنه عظمة ورغبة في رفع راية الإسلام وتوحيد كلمة المسلمين، يخلف سلطاننا عدد من السلاطين منهم سليم الأول الذي ضم شرق الأناضول و مصر والشام والحجاز إلى الدولة العثمانية ثم يخلفه ابنه سليمان القانوني الذي ضم العراق للدولة كما خلص سواحل الجزيرة العربية من وحشية البرتغاليين و خلص شمال إفريقيا من البطش الاسباني وتوغل في أوروبا ففتح وفتح وفتح حتى وصل فينا فحاصرها حصارا شديدا كادت تسلم له مقاليد أمورها ولكن الله لم يرد ذلك. ثم يأتي مراد الرابع فيجاهد ويجاهد ويحاصر فينا مرة ثانية ولكن الله لم يرد فتحها.


هذه إضاءات بسيطة عن تاريخ الدولة العثمانية التي بقيت أكثر من خمسة قرون وهي أعظم دول الدنيا خطب ودها القاصي والداني كان ملوك أوروبا يخاطبون سلطانكم في مستهل الرسالة بمولاي وينهونها بخادمكم المطيع.


بقي أن نعرف عن هؤلاء العثمانيين الذين حقق المسلمون في عهدهم من العز والمجد ما لم يحققوه في عهود الإسلام الأولى، لقد كان الجيش العثماني يسمى بالجيش الذي لا يقهر وكان إذا بسط لواء الإسلام لتحقق أمر معين لا يطوي هذا اللواء مرة أخرى إلا بعد تحقيق الأمر المذكور فأي عز هذا وأي عظمة هذه.


انحدر العثمانيون أيها السادة من قبيلة قاربي التركية التي كانت تسكن أواسط آسيا ولما شن التتار بقيادة جنكيز خان وأولاده هجمة شرسة على بلاد الإسلام هربت هذه القبيلة من وجه التتار حتى وصلت إلى القرب من حلب وبعد انحسار الهجمة التترية ترددت قبيلة قابي بين العودة إلى موطنها الأصلي في أواسط آسيا أو البقاء في بلاد الشام، فقررت البقاء حيث هي، ولكن بعد شهور قررت الاتجاه شمالا إلى آسيا الصغرى، فوصلت إلى سلطنة السلطان علاء الدين السجوقي الذي كان يقود جيشا يحارب به البيزنطيين فانضمت قبيلة قابي إلى السلاجقة فحقق الله النصر للمسلمين، وسر الأمير علاء الدين السلجوقي بمقدم هذه القبيلة، فأقطعهم قطعة من الأرض تكفيهم للاستقرار في جنوب غرب آسيا الصغرى. سرت قبيلة قابي بموطنها الجديد، وأخذت تحاول توسيع رقعة سلطانها بمهاجمة البيزنطيين، ثم نخر الضعف سلطنة السلاجقة فتمكنت قبيلة قابي بقيادة عثمان وبعض حلفاؤه من توسيع رقعة الأرض التي تسيطر عليها وضم سلطنة السلاجقة إليها ووضع عثمان لبنة تأسيس الدولة العثمانية بوصاياه الثلاث آنفة الذكر.


يا شباب الإسلام: اعتبروا بتاريخكم، وثقوا بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق المدبر، يعز من يشاء ويذل من يشاء، قبيلة كانت هاربة من بطش التتار، وتترك أرضها لتستقر في أرض جديدة، تأخذ بأسباب القوة وأسباب النصر، وتنصر الله فينصرها الله، وتشيد دولة من أعظم بل أعظم دول الدنيا فسبحانك اللهم ما أعظمك.


اللهم من علينا بالتوفيق ومن علينا بفضلك واجعلنا ممن يعلي راية الحق وينقذ البشرية من الظلمات إلى النور وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أبو بكر

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة