إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- المماليك
October 23, 2009

إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- المماليك


قال الله تعالى : (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5)

إن الباحث في التاريخ الإسلامي، لا يملك إلا أن يعجب أيما إعجاب بما حققه المماليك، فقد ولدت دولة المماليك في أتون الأخطار، التي كانت تهدد العالم الإسلامي من أقصاه إلى أدناه، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه ولقد تصدى المماليك لهذه الأخطار فاستأصلوا شأفتها فتعالوا معنا نطل على إضاءة بل اضاءات من العهد المملوكي.

لقد واجه المماليك أيها السادة الخطر الصليبي، ثم الخطر التتري، ثم خطر دولة أرمينيا الصغرى الكافرة، ثم الخطر البرتغالي في حقبة قرنين ونيف من الزمان، وقد استطاعوا أن يستأصلوا الخطر الصليبي وطهروا بلاد الإسلام من شروره وأعادوا التتار إلى صوابهم، بل ولم ينقذوا التتار أنفسهم بل ولم ينقذ التتار رقابهم من القطع إلا باعتناق الإسلام، ثم سحقوا دولة أرمينيا الصغرى الكافرة، وأزالوها من الوجود كما تصدوا للخطر البرتغالي فانتصروا في بعض المواقع وهزموا في غيرها، وقد ترك المماليك للعثمانيين معالجة الخطر البرتغالي وغيره من الأخطار بعد أن أصبحت دولة المماليك جزءا من الخلافة العثمانية في أوائل القرن العاشر الهجري، الموافق أوائل القرن السادس عشر الميلادي.


لقد كان عهد المماليك أيها السادة عهد جهاد وجهاد، وكانوا بحق فرسانا من الطراز الأول، كما كانوا سادة البحر المتوسط، لفترة لا بأس بها من تاريخهم وباختصار فلقد حاربوا على جميع الجبهات دون كلل أو ملل ولقد تسنموا ذرى المجد رغم كونهم كانوا مماليك اشتراهم أسيادهم الأيوبيون من البلاد الواقعة شمال بحر قزوين وبلاد القفقاز الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود ولكنهم لم يشتروا ليكونوا عبيدا للخدمة في البيوت أو المزارع أو المتاجر وإنما اشتروا للجهاد والجهاد فحسب. وقد كانت بداية ظهورهم المؤثرة في أواخر العهد الأيوبي إذ كانوا أغلب جنود الجيش الإسلامي في عهد الملك الصالح الأيوبي قبيل غزو لويس التاسع ملك فرنسا مصر، وقد تصدى الملك الصالح رحمه الله للصليبين بكل همة، رغم أنه كان مريضاً، ويأبى الله إلا أن يتوفاه أثناء معركة المنصورة ليتولى القيادة عز الدين أيبك المملوكي زوج شجرة الدر فيقود الجيش الأيوبي إلى النصر في معركة المنصورة, ويؤسر لويس التاسع ثم يطارد ابن أيبك الصليبيين ويهزمهم في معركة فارسكور لتكون نهاية الحلم الصليبي بالاستيلاء على مصر والشام، فلقد كانت هزيمتهم ساحقة لدرجة إنهم لم يعودوا يفكرون في تنظيم حملة أخرى ضد مصر والشام.


يتولى ابن أيبك السلطنة ويشاء الله أن يقتل ليتولى القيادة بعده أسد هصور هو السلطان قطز رحمه الله، يتولى قطز السلطنة والخطر التتري يدق أبواب مصر الشمالية، إذ بعد أن تمكن التتار من القضاء على جميع الدول التي واجهتهم من أواسط آسيا حتى مصر. إذ قضوا على سلطنة خوارزم في بلاد التركستان وغيرها وانساحوا إلى خراسان ثم بلاد فارس فالعراق ليقضوا على الخلافة العباسية في العراق ثم ينساحون إلى الشام، ويدقون أبواب مصر، ويرسل الترري رسالة تطفح بالتهديد والوعيد للسلطان قطز في مصر، يعقد سلطاننا مجلس الشورى الذي كان مؤلفاً من كبار القادة المماليك والأمراء والعلماء تقرأ الرسالة وينظر السلطان إلى عيون الحاضرين، فيشير البعض بالاستسلام لكون مصر لا تستطيع مقاومة من دوخ وأزال جميع الدول والإمارات التي واجهت التتار مدعين بقلة الإمكانات وبفظاعة التتار وشدة بأسهم ثم ينهض شيخنا العز بن عبد السلام شيخ المجاهدين وسلطان العلماء قائلاً: أيها السلطان، أيها الحضور إن ما يتعللون به من قلة الإمكانات إدعاء باطل، ولدى الأمة إمكانات فكرية ومادية هائلة ولكنها تحتاج لمن يحسن جمعها واستعمالها، إن الأمة الإسلامية أيها السادة أقوى منكم شكيمة، وأندى منكم يداً ولكنها تحتاج إلى القدوة الحسنة فقدموا أيها المماليك يا من تملكون الأموال الطائلة وكل غال ونفيس، قدموا ما لديكم من أموال، لتجدوا أن الأمة أكثر سخاء منكم، فهب السلطان والحاضرون وسائر المماليك والتجار والأغنياء والعلماء والعامة يقدمون ما تجود به نفوسهم، من جواهر وأموال وأعيان، وقد جادت نفوسهم بالكثير الكثير لتتجمع كومة عالية من الذهب والفضة والمجوهرات والنفائس على بساط واسع تحلق حوله السلطان والقادة والأمراء والعلماء لدرجة أن الجالس لم يكن يستطيع رؤية من يقابله، هذا في القاهرة وحدها، فكيف بالمدن والأرياف في طول مصر وعرضها، فلما انتهى الناس نظر شيخنا العز بن عبد السلام إلى السلطان قطز وقد اطمأنت نفسه واطمأنت نفوس الحاضرين، وقال له أرأيت خذ هذه الأموال فأنفقها في المجهود الحربي، هذا الأمر الأول وأما الأمر الثاني فحتى تكون قيادتكم شرعية أيها المماليك، حرروا أنفسكم من أسيادكم لتكونوا أهلا للقيادة، إذ تحرم قيادة المملوك أما الأمر الثالث فلا بد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ورد المظالم إلى أهلها,

 والتمسك بحبل الله لتطبيق الإسلام كما ينبغي فأجاب قطز الشيخ قائلاًً: أمرك مطاع أيها الشيخ ونعاهد الله ثم نعاهدك أن ننفذ ما طلبت، أخذ سلطاننا الأموال ثم أخذ ينفقها في الإعداد للمعركة الفاصلة، فأمر بقتل رسل التتار جزاء ما اقترفوه من مذابح، ومجازر وإهلاك للحرث والنسل وأخذت مصر تعج بالحركة وتجمع الفرسان وصهلت الخيول، ثم أمر قطز بيبرس بقيادة حملة استطلاعية ليتوجه بها إلى غزة ليطارد التتار ويتولى حماية باب مصر حتى يتكامل حشد الجيش الرئيسي، يتكامل الحشد أيها السادة ويسير هذا الجيش بقيادة السلطان قطز متوجها إلى الشام، ويلتقي بيبرس وقطز, ثم يسير الجيش المملوكي متعقباً التتار حتى وصلوا إلى عين جالوت الواقعة في فلسطين بين بيسان وجنين، ليجدوا الجيش التتري، متمركزاً هناك وما هي إلا أيام ويلتحم الجيشان جيش الإسلام وجيش الكفر، فتتزلزل ميسرة الجيش الإسلامي ويولي بعضهم الأدبار وسلطاننا قطز يقود المعركة، ويرى ما يرى فينزل عن فرسه, ويمرغ وجهه بالتراب صائحاً بصوت الرجولة، صائحاً بصوت الشهامة، صائحاً بصوت النجدة, واإسلاماه يسمع فرسان المماليك هذه الصيحة فيعودون إلى ميدان المعركة، ثم ينهض سلطاننا ليركب حصانه ليحمل وأصحابه على التتار حملة صادقة زلزلت أقدامهم وأطارت صوابهم فولوا الأدبار لا يلوون على شيء وينزل الله نصره على المؤمنين لقد صدق المماليك ربنا فأكرمهم ربنا بالنصر، لقد فعلوا ما فعله المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة قدم المسلمون آنذاك ما جادت به نفوسهم وكان خيرا كثيراً، وقدم المماليك تماماً ما جادت به نفوسهم قبيل عين جالوت وكان خيرا كثيرا، نصروا الله فنصرهم، هذه سنة الله أيها السادة لا تتخلف ولا تتبدل (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)(فاطر: من الآية43) لقد كان حال المسلمين في عهد المماليك لا يقل سوءا عن حال المسلمين اليوم ولكنهم اتبعوا سنة الله في البذل والعطاء والتضحية والفداء فأكرمهم الله بعز ومجد لم يكونوا يتوقعونه، لقد أصبحوا سادة الدنيا، يخطب ودهم كل حاكم في الأرض يطيعهم المسلمون ويعترفون لهم بالفضل، وكانوا حقاً أهلاً لذلك.

 ولنعد إلى سلطاننا نخاطبك وإن كان ميتاً لقد عاهدت الله يا سلطاننا فوفيت لقد أمرت بالمعروف, ونهيت عن المنكر فلن يخيبك الله، لقد بذلت وسعك في الإعداد والقتال ودعوت ربك بالنصر فأجابك إن صيحتك واإسلاماه هي نفس ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر والله يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض استجاب الله يا سلطاننا كما استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ لو هزم المسلمون في عين جالوت فربما لن يعبد الله في الأرض وهكذا في العصر الحاضر يحتاج المسلمون لهبة مخلصة كما فعل المماليك فالإخلاص في العمل لإقامة دولة الخلافة الراشدة والإخلاص في البذل والعطاء والإخلاص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإخلاص في تطبيق أحكام الله في الأرض والإخلاص في الاستعداد وبذل أقصى المستطاع لإعداد الجيش الإسلامي كل هذا كفيل بإذن الله بتحقيق النصر مهما كانت قوة الكفر، ومهما عظمت المواجهة يا حكام المسلمين يا أمراء والمسلمين يا من ابتلينا بكم فلم تقفوا موقفاً واحداً يرضي الله ورسوله، خذوا العبرة والعظة إن كنتم ممن يريد العبرة والعظة خذوا العبرة من المماليك كيف كانوا عبيداً مملوكين اخذوا بأسباب العزة، أخذوا بأسباب النصر فلم يخلفهم الله وعده وانتم يا من تعتزون بأصلكم وفصلكم ولا تعتزون بالله يا من تودون توريث أبنائكم تولى رقاب المسلمين يظنون إن الحكم على طريقتكم مغنماً، قارنوا حالكم بحال أبطال المماليك، يا من تعتزون بكثرة أولادكم وأقاربكم وتنصبونهم أمراء على هذه الجهة أو تلك، أين حالكم من حال المماليك، أين مكانكم من مكان هؤلاء المساكين، قطز وبيبرس وقلاوون وبرسباي، لقد سطر هؤلاء المساكين ليس لهم وحدهم وإنما للإسلام والمسلمين جميعاً مجدا عظيما، إنهم أنقذوا رقابنا إنهم انقذوا رقاب آبائنا ورقاب أجدادنا ورقاب آبائنا ورقابنا من وثنية التتار وصليب الصليبيين، إنهم أنقذوا البشرية جمعاء من وحشية وفظاعة التتار فماذا فعلتم يا من تفتخرون بآبائكم وأجدادكم يا من تملكون من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة و القوة، إنكم فعلتم الخزي والعار وجللتمونا بالذل والهوان فوالله إننا نخجل أن تكونوا حكامنا، والله إننا لنحزن أنكم تحملون أسماءنا، والله إننا نستحيي أن تكونوا من بني جلدتنا أبشاركم كأبشارنا، إنكم لستم منا ونحن لسنا منكم، إننا بريئون من فعالكم القبيحة وهوانكم الفظيع وأنتم يا علماء السلاطين هل وقفتم موقفاً يرضي الله ورسوله، أين موقفكم من موقف العز بن عبد السلام يطلب من حكامه المماليك أن يحرروا أنفسهم، يصرخ في وجوههم أن أزيلوا المنكرات أبذلوا أموالكم وأنفسكم في سبيل الله، إبدأوا بأنفسكم فقدموا ما لديكم لدعم المجهود الحربي وستجدون أن الأمة أندى منكم يداً وأقوى منكم شكيمة، كانت هذه أقوال العز بن عبد السلام فماذا قلتم يا علماء السلاطين لحكامكم، إنكم تزينون الشر لتجعلوه خيراً تحرفون الكلم عن مواضعه، بعتم وتبيعون آخرتكم بلعاعة من الدنيا أين ما قرأتموه من كتاب الله وسنة ورسوله وسيرة السلف الصالح لقد جعلتموه وراءكم ظهريا قدمتم النفاق والتزلف وعرضا من الدنيا زائل وأين هذا من كل ما قرأتموه وحفظتموه عن ظهر قلب، ألم تقرأوا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2و3 ) ألم تقرأوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إن من أعظم الجهاد كلمة حق عن سلطان جائر»، ألم تقرأوا قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )(آل عمران: من الآية110)، أين أمركم ونهيكم، أين أنتم من قوله صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة»، أين وأين وأين.


نعود لسلطاننا وما فعله في عين جالوت، فلقد أمر رضي الله عنه بمطاردة التتار في كل مكان يستطاع الوصول إليه ولم ينقذ التتار رقابهم إلا باعتناق الإسلام وينقلب ذل المسلمين إلى عز، إذ قبل سنتين من معركة عين جالوت كان التتري إذا لقي جمعاً من المسلمين أمرهم بالوقوف عند مكان معين ليذهب ويحضر سيفه ليقتلهم، ثم يأتي التتري فيقتلهم دون أن يحاول أحد منهم الهرب أو المقاومة، فسبحانك ربي ما أعظمك وما أصدق وعدك، خلال عامين تنقلب الأمور رأساً على عقب ويلبس الله المسلمين عزا فلا ينقذ التتار رقابهم من القتل إلا باعتناق الإسلام.


نعود لسلطاننا مرة أخرى فبعد أن نظم الأمور في الشام، يركب عائداً لمصر ولكن شاءت إرادة الله أن يقتل ليخلفه الظاهر بيبرس وما أدراك ما الظاهر بيبرس، يسير بيبرس على نهج سلطانه قطز، فيبقي رايات الجهاد مرفوعة، يطارد بها التتار ويسحق بها الصليبيين، ويسير بها من نصر إلى نصر، فيطهر الكثير الكثير من حصون الشام من الصليبيين، ويتوج ذلك بدخول أنطاكية دخول الفاتحين، فيقضي بذلك على إمارة هامة من إمارات الصليبيين، وبذلك حصر الصليبيين في جيب ضيق، لا أمل له في البقاء، وليقوم بعده قلاوون وأبناؤه بتطهير بلاد المسلمين من رجس الصليبيين باستيلاء المسلمين على عكا وما يحيط بها قبل سبعمائة عام ونيف ثم يتسلم الراية بعد أولاد قلاوون سلاطين المماليك البرجية ليتولى برسباي فتح جزيرة قبرص وضمها إلى سلطنته فتزول الأخطار التي كانت تتهدد سواحل الشام ومصر من غارات الصليبيين ثم يحاول قايثباي فتح جزيرة رودس ولكنه لم يفلح وإن كان قد أخاف الصليبيين بها ثم يتولى المماليك مواجهة الخطر البرتغالي الذي أخذ يهدد وسواحل الجزيرة العربية الجنوبية والشرقية فينتصر المماليك في معركة وينهزمون في أخرى ليسلموا الراية أخيرا للخلافة العثمانية التي نجحت أيما نجاح في سحق جميع الأخطار التي هددت العالم الإسلامي، عدا الخطر الصليبي على الأندلس، ولم يكتف العثمانيون بذلك وإنما أخذوا يفتحون أوروبا من الشرق ليكملوا فتح البلقان ويحاصروا فينا عاصمة النمسا مرتين ويتموا ضم أكثر بلاد الإسلام لخلافتهم.
بقي أن نكمل بنبذة قصيرة:
لقد كان ظهور المماليك كقوة فاعلة في أواخر العهد الأيوبي وكانت معركة المنصورة وفارسكور حاسمتين في سحق خطر حملة لويس التاسع على مصر.


يقسم المؤرخون عهد المماليك إلى قسمين:
1- عهد المماليك البحرية وأشهر سلاطينهم قطز وبيبرس وقلاوون وأولاده.
2- عهد المماليك البرجية (الجراكسة) وأشهر سلاطينهم برقوق وبرسباي وقايثباي وقانصوه الغوري. أما أصل المماليك فأغلبهم من المناطق الواقعة شمال بحر قزوين وبلاد القفقاس وبلاد الكرج أو ما يسمى حالياً بجورجيا.


وأخيرا لقد كانت لدولة المماليك هيبة عظيمة، ليس في نفوس المسلمين فحسب، وإنما في نفوس أعدائهم فقد خطب الجميع ودهم، وبخاصة بعد نصرهم المؤزر في عين جالوت وتطهير بلاد الشام من الصليبيين وسحقهم لدولة أرمينيا الصغرى الكافرة ومواجهتهم للخطر البرتغالي وظلوا على عهدهم في حمل راية الجهاد أكثر من مائتي عام إلى أن ورثهم العثمانيون قبل حوالي خمسمائة عام.


أرأيتم أيها السادة كيف تحققت سنة الله في هؤلاء الشباب، الذين كانوا يباعون ويشترون، وكيف ألبسهم الله ثياب العز والمجد، عندما أخذوا بأسباب النصر وأسباب العز، وقد صدق الله تعالى بقوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص:5)


اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الذين يرفعون رايتك ولنقيم بها دولة الخلافة الراشدة، وتمن علينا بالنصر والعز والتمكين، لنظهر دينك على الدين كله ونبدل ذلنا عزا إنك القادر على كل شيء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة