إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- الزّنكيون
October 17, 2009

إضاءات على تاريخ الدولة الإسلامية- الزّنكيون

لله در القائل "لا تعرف قيمة الشيء إلا عند الحاجة إليه" وكذلك (لا تعرف قيمة الرجال إلا عند الحاجة إليهم) ولعلنا بحاجة لهذا القول في العصر الحاضر، ولعل هذا القول ينطبق على الأمراء الزنكيون، فنحن في العصر الحاضر، بحاجة إلى الرجال الرجال، ليتولوا قيادة المسيرة إلى العز والنصر، كما فعل الزنكيون الذين عاشو في عصر كانت الأمة بحاجة إلى الرجال الرجال، فكان الزنكيون كذلك، وإنه وإن كانت فترة حكم الزنكيين قصيرة، وإنهم وإن كانوا أيضاً امتدادا للسلاجقة، إلا أن الزنكيين بجميل فعالهم، يحق لهم أن يسلط الضوء عليهم وعلى عظمتهم وعلى أمجادهم، وبخاصة العصر الذي عاشوا فيه، يوم أن وصلت دهشة الأمة ذروتها، يوم أن وقفت الأمة حائرة، ماذا عساها فاعلة، بعد ان حقق الصليبيون نصرا كاسحاً في بلاد الشام، وشمال العراق وكونوا أربع إمارات صليبية على رأسها مملكة القدس، هذا كان حال الأمة وهذا الوقت الذي ظهر فيه الزنكيين، يرصون الصفوف ويجمعون الجموع، يرفعون راية الجهاد، فمن هم الزنكيون؟ وما هي قصتهم؟

الزنكيون أيها السادة اتابكة من اتابكة السلاجقة، والأتابك معناها مربي أولاد السلاجقة، وهو لقب سلجوقي كان يطلق على من يظهر كفاية في ميدان الجهاد، وإدارة دفة الحكم، في إمارة من إمارتهم، وقد أطلق هذا اللقب على والد عماد الدين زنكي، الذي أظهر كفاية ومقدرة فائقتين في المهمات التي أسندها له السلاجقة؟ ودفع حياته ثمناً للإخلاص لأمرائه فقدر له السلاجقة هذا الصنيع، فإعتنوا بولده عماد الدين زنكي، فعينوه أميراً على الموصل. كان عماد الدين زنكي يتمتع بمزايا حسنة لكنه كان أميرا عاديا قبل أن يتعرض للموقف التالي:

خرج عماد الدين زنكي للصيد مع عدد قليل من مرافقيه، في إحدى غابات الموصل، فهطلت أمطار غزيرة، أجبرته وصحبه على المبيت ضيفا على شيخ عجوز، ترافقه ابنته وغنيمات قليلة، أكرم الشيخ وفادة ضيوفه كعادة المسلم وبعد أن تناول الضيوف طعامهم سألهم الشيخ عن أمرهم فأجابه عماد الدين زنكي، إنه أمير الموصل وما خرج إلا لمتعة الصيد، سمعت ابنة الشيخ حديث أبيها مع أمير الموصل فاستأذنت من أبيها بالكلام واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم ثم قالت: من أي الرجال أنت؟ من أي طينة أنت؟ أأنت أمير الموصل؟ لا هم لك إلا اللهو بالصيد والقنص، والمسلمون في شمال العراق والشام، يذبحون من الوريد إلى الوريد؟ ألم تسمع ما اقترفه الصليبيون في القدس، وطرابلس وانطاكية والرها وما حولها، أين شرفك؟ أين نخوتك؟ أين كرامتك؟ تصطاد الأرانب والغزلان والصليبيون يصطادون شباب الإسلام. قالت أختنا كل هذا ولم ينهرها أبوها. قالت أختنا هذا ولم ترهب سطوة أميرها أمير الموصل، قالت أختنا هذا ولم يقاطعها أمير الموصل، قالت أختنا درراً، وأميرنا مطرق برأسه ولسان حاله يقول ليت أمي لم تلدني، إذا كان هذا قول راعية شياه فماذا يقول سائر الناس؟

وفي الصباح الباكر بعد أن أقلعت السماء عن المطر، عاد إلى إمارته وكأنه كان يقول في طريقه اليوم خمر، وغدا أمر. عاد عماد الدين إلى إمارته، ولكنه كان غير عماد الدين يوم أن خرج للصيد قبل بضعة أيام، ومنذ ساعة وصوله الإمارة قرر أن يبدأ حياة جديدة، فأمر بتدريب الجند، وحشد القوى، وشراء الخيول والسلاح، والاستعداد لجهاد الصليبيين، أقبل شباب الموصل على أمر أميرهم بكل رحابة صدر، وما هي إلا أيام وأيام، حتى أصبحت جيوش الإسلام تنتقل من نصر إلى نصر تفتح هذا الحصن الصليبي وتدمر الآخر إلى أن ضربت حصارا شديدا على الرها مما أجبرت الصليبيين على الإستسلام، تخيلوا أيها السادة فرحة المسلمين بعد أكثر نم ربع قرن، لم يذوقوا فيه طعم العزو النصر، تخيلوا أيها السادة مكانة عماد الدين في نفوس رعاياه بعد هذا النصر، تخيلو أيها السادة دهشة أوروبا بعد سقوط الرها في أيدي المسلمين، ولكن الله جل شأنه أبى إلا أن يختار عماد الدين شهيداً ليتولى دفة القيادة ولده نور الدين محمود زنكي الذي كان أقوى من أبيه شكيمة، كما كان أعظم من أبيه في ميادين القيادة والإدارة وأوسع من أبيه أفقاً فقد فم بفطنته أن الصليبين لن يسكتوا عن سقوط الرها، وإن أوروبا وبابا روما سيرسلون حملة صليبية،فقرر أن يوحد قوى المسلمين، فسار إلى حلب وضمها فأصبحت شمال العراق وشمال الشام في يده، وبهذا اقترب أكثر وأكثر من ميدان الجهاد والصراع فأصبح في قلب المعركة في الشام، وكان الصليبيون لهم الكلمة العليا في الشام بعد الحملة الصليبية الأولى. ولقد صحت توقعاته، فسرعان ما وصلت الحملة الصليبية الثانية أرض الشام ولكن الله شتت شمل هذه الحملة بما زرعه من خلاف بين الصليبيين وبما أظهره المسلمون من رباطة جأش في الجهاد ضد الصليبيين.

أيها السادة: إن أميرنا نور الدين زنكي، عرف طريق الحق ولن يحيد عنه وعرف طريق الجهاد، فصمم على الاستمرار فيه، لقد أظهر أميرنا براعة قد لا تدانيها براعة في التصميم وحسن التدبير ورسم الخطط لسحق الصليبيين فماذا فعل أميرنا؟

1- لقد صمم على إشغال الصليبيين في الشام بغزوات وغزوات فكان يضرب إمارة أنطاكية لينسحب بعدها ليضرب أمارة طرابلس، لقد طبق خطة عظيمة بحيث لا يترك وقتا ليلتفظ الأعداء أنفاسهم وطبق على أحسن وجه ما يسمى في العصر الحاضر بحرب العصابات، إذ أنه لم يكن لديه القوة الكافية لمواجهة الصليبيين في معركة حاسمة.

2- توحيد الإمارات الاسلامية في الشام، فبد أن ضم حلب إلى سلطنته في الموصل انتقل إلى الشام فضم حمص وحماة وبعلبك، وأخيرا ضم دمشق بعد معاناة شديدة وبعد طول انتظار، ضم كل هذه الإمارات دون أن يسفك دما وذلك إلا حرصا منه على رص الصفوف وتأليف القلوب لتكون جبهته الداخلية قوية مقتديا بما فعله رسول الله r في المدينة المنورة بعيد هجرته إليها.

3- كما ضم مصر للشام بعد محاولات ثلاث، وذلك لحصر الصليبيين بين فكي كماشة، فقد أدرك رضي الله عنه ببعد نظره، أهمية مصر، وعظامة مصر، وثروات مصر، التي لا تنضب أدرك كل هذا وسخر كل هذا لتقوية الجيش الإسلامي وإعداده لسحق الصليبيين.

4- كما حرص رضي الله عنه على تفريق كلمة أعدائه، فقد حرص كثيرا على عدم استقرار الدولة البيزنطية، خوفا من توحد كلمة الصليبيين والبيزنطيين ضده فتتعقد الأمور لديه ويصعب عليه حينذاك أن يحارب القوانين في آن واحد.

5-كما كان حرصه على رفعة شأن الخلافة العباسية، وضرورة ضم الشام ومصر للخلافة العباسية، وكم كان رائعا عندما صمم على القضاء على الدولة الفاطمية، إذ سير أسد الدين شيركوه يرافقه ابن أخيه صلاح الدين بحملات ثلاث لضم مصر وإلغاء ما كان يسمى بالخلافة الفاطمية، وقد تحقق له ذلك، بعد تولي صلاح الدين الوزارة الفاطمية في مصر، فما كان من صلاح الدين استجابة لإلحاح نور الدين، من إعلان انتهاء الدولة الفاطمية، وتبعية مصر للخلافة العباسية في بغداد.

6- كما كان اعتماده على رجال أكفياء قاموا بإتمام المهمات التي ألقيت على كواهلهم بكل أمانة وإخلاص، فرجل كأسد الدين شيركوه، كان له الفضل بعد الله في تخليص مصر مما كانت فيه، وضم مصر إلى معسكر المسلمين، بعد أن حاول الصليبيون مرات ومرات أن يضموا مصر إلى مملكة بيت المقدس الصليبية كما كان له ولصلاح الدين دور كبير في سحق كل المحاولات التي قام بها الخونة من وزراء الدولة الفاطمية وقادتها بالاستعانة بالصليبيين على اخوانهم المسلمين، كما كان لهما دور فكري عظيم في القضاء على الفكر الفاطمي الباطني العفن وإعادة الإسلام إلى معترك الحياة في مصر.

ورجل كنجم الدين أيوب والد صلاح الدين كم كان دوره رائعا في ضم دمشق سلما الى السلطنة الزنكية وكان دوره أكثر روعة عندما هدد ولده صلاح الدين وحذره من عاقبة الخروج عن طاعة نور الدين زنكي قائلاً له: ماذا دهاك يا صلاح الدين أتريد الخروج عن طاعة نور الدين وأنت تعلم ما نحن إلا صنائع نور الدين إن الجيش الذي تقوده ما هو إلا جيش نور الدين وإن العز الذي ترفل فيه ما هو إلا منة وشرف قلدهما لك نور الدين والله يا صلاح الدين، لو قدم نور الدين إلى مصر لا يسعني إلا الانصياع لأمره والإخلاص له والله لو أمرني نور الدين أن أضرب عنقك لضربته فعد إلى رشدك، عندها أدرك صلاح الدين خطأه وعاد إلى طاعة أميره نور الدين زنكي.

أيها السادة: لقد نذر نور الدين نفسه للجهاد، ونذر نفسه لتوحيد الأمة، فلا يظنن أحد أن الأمور كانت سهلة، لقد مرت على نور الدين زنكي أجواء حارة وبارده لقد كانت جبهة المسلمين متفرقة فجمعها ولن أبالغ أيها السادة إذا قلت لكم لقد معست بلاد المسلمين من أنطاكية غرباً إلى الموصل شرقاً ومن الأناضول شمالاً إلى جنوب مصر جنوباً لقد معست هذه البلاد معسا، ولن أعدو الحقيقة إذا قلت إنه لم يكن هناك حصن أو صخرة كبيرة أو شجرة وارقة الظلال إلا وحدثت بالقرب منها معركة فانتصر المسلمون فيها أو منوا بهزيمة ساحقة. إن أرض الشام وشمال العراق ومصر خُضبت وجُبلت أرضها بدماء زكية، دماء أسلافكم المجاهدين، ولكن إصرار أسلافكم وتضحيات أسلافكم ودأب أسلافكم، وإخلاص أسلافكم أعاد لأرض الإسلام بهاءها وأعاد للأمة عزها لقد هزم أميرنا نور الدين في إحدى غزواته هزيمة منكرة وكاد الصليبيون أن يظفروا به وبقي وحيدا أو شبه وحيد ولكنه أقسم بالله تعالى ألا يظله سقف حتى يحقق النصر على أعدائه فجمع قواته من جديد، وقادها، فحقق الله له النصر، وبر بقسمه هكذا تكون المواقف، وهؤلاء هم الرجال الرجال وهؤلاء هم الأبطال الأبطال ليس كأمراء وحكام اليوم لم ير المسلمون منهم إلا جببنا وخورا وعهرا وفسوقا وتخاذلا وتذللا للكفار المستعمرين، بل ليتهم كفونا شرهم ولم ينحازوا للكافر المستعمر ليصبحوا عينه التي يبصر بها وقوته التي يبطش بها، يبطشون بالمجاهدين يبطشون بحملة الدعوة يحرفون الكلم عن مواضعه قاتلهم الله أنى يؤفكون.

أيها السادة: بقي لكم أن تعرفوا نهاية السلطنة الزنكية فبعد وفاة نور الدين انقسمت سلطنتهم إلى عدة إمارات، ولكن صلاح الدين الذي تربى في حضن نور الدين أدرك هول الانقسام فامتشق حسامه فمن أطاعه سلما رحب به ومن عصاه أعاده للحق بحسامه وبنجاح صلاح الدين في توحيد البلاد وسحق الصليبيين في حطين بدأ عهد السلطنة الأيوبية. فرحم الله أسلافنا الزنكيين، رحم الله عماد الدين ونور الدين، وجزاهم الله عننا خير الجزاء، فاقرأوا تاريخكم أيها السادة لتعلموا أنه كان لكم تاريخ عريق ومجد تليد وأن أعاده هذا المجد وإعاده هذا العز في متناول اليد إذا استمسكنا بحب ديننا وسرنا كما سار أسلافنا على الحق.

فاللهم اجعلنا ممن يعلي رايتك ويعيد الإسلام ليتحكم في شؤون البلاد والعباد، تحت ظل راية دولة الخلافة وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

المزيد من القسم null

    الخلافة العباسية

لا بد قبل ذكر إضاءات عن الخلافة العباسية، أن نذكر نبذة عنها، لقد حكمت الخلافة العباسية بعد قضاء العباسيين على الخلافة الأموية، ولقد بلغت الخلافة العباسية في بداية عهدها مبلغا عظيما من القوة والاتساع، والهيبة، ومرت بعدها عصور من القوة والضعف، فعصرها الأول كان العصر الأعظم، تعاقب على الحكم أثناؤه خلفاء عظام كالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، والمهم فلقد حكمت الخلافة العباسية خمسمائة وأربعة وعشرين عاما، وتعاقب على حكمها سبعة وثلاثون خليفة، وقد ضمت وهي في عنفوانها أربعة عشر إقليما تحت سلطانها، من الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي والأندلس غرباً، ومن جنوب سيبيريا وبلاد القفقاس شمالاً إلى المحيط الهندي وأواسط السودان جنوباً، وبمساحة تزيد عن اثنين وعشرين مليون كيلو متراً مربعاً، كما انضوى تحت سلطانها أيضاً الملايين والملايين من البشر يستظلون جميعا بظلال راية الإسلام، ينصهرون جميعا في بوتقة الإسلام، فالعربي والفارسي والكردي والإفريقي والبربري والهندي والصيني أحمرهم وأسودهم كلهم أو جلهم مسلمون حقا لقد كانت خلافة عظيمة، حق لأحد خلفائها أن يقول وهو مستلق على ظهره لسحابة مارة فوقه: أيتها السحابة أمطري حيث قدر لك فسيأتينني خراجك. دولة ملكت ناصية المجد في كل شيء، ملكت ناصية المجد في قوة الفكر، واتساع السلطان واتساع المساحة ووفرة المال وحسن العمران، دولة هابها أعداؤها وارتجف منها البيزنطيون، ونافقها الأوروبيون، وعلى رأسهم إمبراطورهم شارلمان.

والآن تعالوا معنا نعرج عن عدد من الإضاءات على تاريخ هذه الدولة وأول إضاءة هي تركز مفهوم الخلافة والإجماع على احترامها في عصور قوتها بل وحتى في عصور ضعفها وانه وان عارض بعض أمراء الأقاليم بعض الخلفاء، إلا أنهم كانوا يدركون أن الخلافة أجل من أن تمتهن أو تحتقر بل إن هؤلاء الأمراء والسلاطين كانوا يدركون أن لا شرعية لهم إلا بالاعتراف بالخلافة وطلب رضى الخليفة فكان هؤلاء مجمعين على احترام الخلافة وجلهم لم يجرؤ على التفكير في القضاء على الخلافة أو مجابهة الخلافة رغم أنه كان لديهم من الجيوش والقوى ما يتفوقون به على ما بيدي الخليفة, صحيح إنه بويع عبد الرحمن الناصر وعدد من أولاده وأقاربه بالخلافة في الأندلس إلا أن خلافتهم لم تطل أكثر من قرن اوسرعان ما قضي عليها وفرقها ملوك الطوائف وكذلك ما سمي بالخلافة الفاطمية في المغرب الأدنى ومصر وبعض مناطق الشام إلا أنها أيضا لم تعمر طويلا فسرعان ما انقض عليها وزراؤها وسرعان ما أزالها من الوجود صلاح الدين الأيوبي بأمر من نور الدين زنكي الذي كان حريصا على جمع الكلمة ورص الصفوف للقضاء على الخطر الصليبي تحت سلطان الخلافة العباسية.

أما الإضاءة الأخرى فهي المحافظة على عقيدة الأمة من التحريف وإيجاد التربة المناسبة والبيئة المناسبة لنبوغ عدد كبير من العلماء والأفذاذ فالأوزاعي والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان وتلميذه أبو يوسف ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل إلى جانب جهابذة علماء الحديث كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم وغيرهم، إلى جانب علوم اللغةالعربية، فظهرت علوم عديدة وكتب قيمة كالبلاغة والعروض وازدهار علم النحو وظهور كتب كما قلت كموطأ مالك والأم للشافعي وكتاب المبسوط والمدونة الكبرى كل هذا ظهر في العهد العباسي ومدارس كالمدارس النظامية والجامع الأزهر بعد أن دعمه صلاح الدين والبيرمانستانات أو المستشفيات والمساجد الكبرى وما كان بها من حلقات للعلم كل هذا يعتبر مفخرة من مفاخر الخلافة العباسية في وقت كانت أوروبا تغط في سبات عميق وتخلف رهيب. حقا كانت حال أمتنا تسر الصديق وتغيظ العدو، يوم أن كان يحكمنا خليفة من جنسنا، أي خليفة مسلم يحكم بشرع الله، لا كما نحن عليه اليوم من الرويبضات، الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة تنفيذا وانصياعا وتسابقا لخدمة أسيادهم المستعمرين، قبحهم الله وقاتلهم أنى يؤفكون، ولن ننسى في العصر الحاضر ما يزينه مشايخ السوء مشايخ السلاطين والمنافقين لأسيادهم رويبضات هذه الأمة. ألا يتقي الله هؤلاء مشايخ السلطان في دينهم وفي أمتهم، الم يقرأوا موقف الإمام أحمد بن حنبل أمام المأمون والمعتصم وكيف كان صموده، إذ لم يأبه بتعذيب ولم يخفه السجن، فكان موقفه في منتهى الصراحة والجرأة، بل لم يقبل تورية في قوله، وإنما رفض إجابة المأمون والمعتصم لبدعة المعتزلة في خلق القرآن، فلقد خاف إذا قال تورية عن رأيه في هذه البدعة أن يُضل سائر الناس وقد علم القاصي والداني كم كان لموقفه من أثر عظيم في انهيار بدع خصومه, وبعد انهيارهم، لم تقم لفكرهم قائمة حتى الآن، هكذا يكون الثبات بل وهذه ثمار الثبات، هزيمة للفكر الضعيف إلى الأبد.

أيها السادة: ما ذكرت سابقاً اضاءات في ميادين الفكر والعلم والثبات على الحق وليست هذه الأمور ذات شأن بسيط وإنما قد يكون شأنها لا يقل عظمة عن حماية الثغور، وفتح البلدان لإعلاء كلمة الله، فإلى إضاءة أخرى في ميدان الجهاد ففي عهد هارون الرشيد، الذي كان يحج عاما ويغزو عاما، والذي عين على الثغور قادة عظاما كالمعتصم وسوس الشيطان لإمبراطور الروم أن يرسل رسالة يهدد ويتوعد المسلمين، طالباً من خليفة المسلمين أن يعيد الأموال التي أخذتها الدولة الإسلامية كجزية من دولة الروم، أخذ الخليفة الرسالة من رسول إمبراطور الروم، وقرأها فاستشاط غضبا، وتناول قلماً، وكتب على ظهر رسالة الإمبراطور: من أمير المؤمنين هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، الجواب ما تراه دون أن تسمعه، وأرسل جيوش من ساعته، فوصلت الجيوش أرض الروم، فغزت وانتصرت ولم تتوقف عن الغزو إلا بعد أن تعهد إمبراطور الروم بدفع جزية مضاعفة. أما المعتصم وما أدراك ما المعتصم، فلقد ضرب مثلاً رائعاً للنخوة، وحماية الثغور لا يزال رحمه الله يعتبر مثالاً للنخوة والمروءة وعلو الهمة، فلقد اعتدى الروم على الثغور، وسفكوا الدماء وسبوا النساء وأهلكوا بعض الحرث والنسل، وبخاصة في مدينة زبطرة الحدودية، فصرخت امرأة مسلمة في وجه علج رومي قائلة وامعتصماه، مستنجدة بالمعتصم أمير المؤمنين فهزئ بها العلج الرومي، وقال سيغزونا المعتصم بخيله البُلُق وبلغت الاستغاثة الخليفة في سامراء وكان عل مائدة الطعام فأمر برفع المائدة في الحال وأمر بإرسال جيش سريع لنجدة الثغور وبخاصة زبطرة ثم دقت طبول الحرب في مختلف أنحاء الدولة وتجمع جيش لجب، يقوده الخليفة المعتصم، تتقدمه الخيل البلق، سار حتى وصل أرض العدو، فقاتل وانتصر، وأمعن في غزو الروم، حتى وصل إلى عمورية جنوب أنقرة، وكانت مدينة حصينة، فحاصرها حتى تم فتحها، فعاقب الأعداء وأعاد الأسرى وشحن الثغور بالجنود لكي لا يتمكن الروم من الاعتداء على الثغور مرة أخرى وقد خلدت انتصارات المعتصم في يوم عمورية خلدها أبو تمام بقصيدته الرائعة والتي مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب

إلى أن قال:

تسعون ألفا كآساد الشري نضجـت جلودهم قبل نضج التين والعنب

هذا تاريخكم أيها الشباب، هذا تاريخكم يا شباب الإسلام.

قارنوا ما فعله هارون الرشيد والمعتصم، عندما هبا لسحق الكفر ورد العدوان وإغاثة المستغيث ونجدة الملهوف، قارنوا بين الرشيد والمعتصم، وبين حكامنا في العصر الحاضر كم أزهق اليهود من أرواح طاهرة بريئة عزلاء من السلاح، كم أهلك الأمريكان في العراق وأفغانستان من الحرث والنسل، كم أهلك الروس والصرب وكم أهانوا وأهانوا إخوانكم وأخواتكم المسلمات كم امرأة استصرخت ولا تزال تستصرخ كم أرملة فقدت زوجها، كم أما فقدت أطفالها، كم شيخا فقد من يعيله ويعينه، كم وكم....... ولا من مجيب!! إن حكامكم أيها السادة ليسوا أهلا للمجد ليسوا أهلاً للعز، ليسوا أهلاً للمكرمات إنهم أذلة صاغرون خاسئون لم يكتفوا بعدم حماية البلاد والعباد وإنما كانوا عونا للكفار المستعمرين، طاردوا ويطاردون حملة الدعوة إرضاء لأسيادهم المستعمرين وفتحوا بلاد المسلمين براً وبحراً وجواً فتحوا خزائن المسلمين يرفدون بها الكفار المستعمرين سهلوا تحقيق كل ما يطلبه وما يتوقعه الكفار المستعمرين فسحقاً لهم، ولله در الشاعر القائل:

رُبَّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

ولله در الشاعر القائل أيضا:

لقد أسمعت من ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي

يا شباب الإسلام: الصبرَ الصبرَ والثبات الثبات فسيمحو نور الفجر فحمة الدجى وسيمحق الباطل وأهله والله غالب على أمره وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال تعالى:

(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32-33)

فالله نسأل أن يجعلنا ممن يحملون رايته لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة التزاماً بأمره وطمعاً في ثوابه ومغفرته وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو بكر

حياكم الله من إذاعة المكتب الإعلامي لحزب التحرير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .وأهلاً بكم معنا مجدداً في برنامجنا هذا من أقوالهن عبر ودروس سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ويغفر لنا ويرحمنا وهو نعم المولى ونعم النصير .

مستمعينا الكرام :
من منا لم يسمع بقصة ذات الشكال ولم يتخذها مثلاُ عندما يذكر اسم الصحابيات أو التابعيات أو المسلمات المؤمنات الصابرات القانتات؟ هذه المرأة التي بعثت بوحيدها إلى ساحة الجهاد هدية وأوصته بأن يكون من المقبلين لا المدبرين ، ولنسمع قولها عند عودة قائد الجيش أبو قدامة وسؤالها له قائلة :
"أمبشراً جئت أم مُعَزّياً. قلت: بيّني لي البشارة من التعزية رحمك الله. قالت: إن كان ولدي رجع سالماً فأنت معزٍّ، وإن كان قُتل في سبيل الله فأنت مبشر. فقلت: أبشري فقد قُبلت هديتك فبكت وقالت: تَقَبّلَها. قلت: نعم فقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة يوم القيامة ".


وكذلك لا ننسى الخنساء وهي تقول حين سماعها نبأ استشهاد أولادها الأربعة " الحمد لله الذي شرفتي بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته " ، وليس ببعيد نرى في غزة هاشم أم نضال فرحات( مع اختلافي معها في الطريقة ) والتي استشهد ثلاثة من أولادها في غزة والتي كانت تعلم عن نية ولدها القيام بعملية استشهادية وظهرت معه في شريط وداع وهي تقول " تزحزح قليلاً يا بني، ضع يدك على كتفي، دعني أُقبلك قبلة الوداع، هيا التقط صورتك أيها المصور وأنا أزف ولدي إلى الشهادة".

صور وأقوال ومواقف رائعة نعجز عن وصفها بالكلمات ، مواقف تنم عن إيمان وصبر وثبات وثقة بالله ووعده ، لم يجزعن على أولادهن ويثبطن عزيمتهم ، بل بالعكس دفعنهم إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله ، هي مواقف تشعرنا بالفخر وعزة الإسلام وقوته ، وكذلك تُشعر الكثيرين بالخجل حين يقفون أمامهن، أمهات حنونات معطاءات قمن بعمل عجزت عنه أعتى الرجال من الذين أبعدوا أبناءهم عن ساحة الجهاد والفوز بالجنة ليستمتعوا بصحبتهم وبهذه الدنيا الفانية ، أعطين دروساً في التضحية والثبات وقوة الإيمان بأن الآجال مقدرة من عند الله وأن الفوز بالشهادة هي النصر والمنتظر .


هؤلاء وأمثالهن هن مصنع الرجال ،، صانعات الأمة ، ربوا أولادهن على الإيمان الراسخ وطاعة الله ورسوله ليكونوا خير خليفة لله سبحانه على الأرض،بالعمل على إحياء كلمته ودينه وأن أسمى غاياتهم هي نيل رضى الله تعالى ، يرضعونهم هذه المفاهيم والسلوكيات حتى إذا شبوا كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم .


فأين أنت يا أمَة الله من هؤلاء في تربية أبنائك ؟ هل تربينهم على ما أنشأَتْ عليه هؤلاء المؤمنات الصابرات المجاهدات أبناءهن ، أم تربينهم على أسس الحضارة الغربية الفاسدة والمفاهيم الرأسمالية العفنة ؟! هل تربينهم على طاعة الله وعلى تلاوة القرآن والتفكر به والعمل بأحكامه أم تربينهم على أفلام الكرتون والأغاني الماجنة والمسلسلات الساقطة وعلى أفلام الفسق والعنف ، والذهاب إلى أماكن التبرج والاختلاط ، وإذا لبسوا أو قصوا شعورهم فهم يقلدون الغرب في صيحاته وشذوذه وفساده ويعتبرون هذا تقدماً وحضارة فتتفاخرين وتتباهين بهم ، وبئست المباهاة وبئست الحضارة .

ما هي الأحاديث التي تدور بينك وبين أبنائك ،، حول أمور الأمة وأحوالها وهمومها ومصائبها وطريقة التخلص من هذا كله أم ينصب الحديث على توافه الدنيا وملهياتها ؟! هل تخططين معهم كي يعملوا لنهضة أمتهم والرقي بها لتعود خير أمة أخرجت للناس أم فقط تخططين معهم لمستقبلهم الدنيوي من شهادة وبيت وزواج ومنصب وجاه ؟! هل يُذكر الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله في كلامكم أو تبتعدوا حتى عن ذكر الموت والآخرة فهذا كلام لا داعي له وهو يثير الخوف والتشاؤم ؟! فلا أريدك أخيتي أن تربيهم للدنيا وليس للآخرة عندك نصيب في هذا . حتى لا يصيبهم الوهن وهو حب الدنيا وكراهية الموت .

ننظر حولنا فنرى بعض الناس يبعدون أبناءهم بل ويمنعونهم عن حمل الدعوة بحجة الخوف والإشفاق عليهم ، فيريدون منعهم للحفاظ عليهم حتى لا يصيبهم مكروه أو تلاحقهم السلطات أو يتعرضوا للسجن والتعذيب ، وإنه والله إشفاق في غير محله , فأي شفقة هذه التي تؤدي إلى التقصير في أداء فروض الله عز وجل , وتكون نتيجته غضبٌ من الله وخسران مبين . هل ستننفعهم هذه الشفقة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، يوم توفَّى كل نفس ما قدمت وهم لا يظلمون !


وبدل أن يدفعوهم ويحثوهم على حمل الدعوة والتقيد بأحكام الله تعالى والقيام بفرائضه ويحاسبونهم إذا رأوا تقصيراً بهذا ، تراهم يؤنبونهم على حمل الدعوة نفسها ولا يحاسبونهم على التقصير في تأدية فرائض الله تعالى .

وسأعقد هنا مقارنة بسيطة بين وضعين : غلام أو فتاة أو شاب لا يستيقظ لصلاة الفجر رغم أن أمه أو أبيه أيقظاه لذلك مرة أو مرتين فيذهبان عنه يائسين مالَّين منه ، ولكن عندما يأتي وقت المدرسة أو العمل وهو نائم تراهما يذهبان ويعودان ولا يكلّان حتى يستيقظ خوف أن يتأخر عن مدرسته أو عمله ، فبالله عليكم إخوتي وأخواتي أين حب الوالدين لأبنائهم هنا ؟؟ أين حُسن رعايتهم والإشفاق عليهم ؟ يخافون عليهم من العقاب للتأخير في الدوام ولا يخافون عليهم من عقاب الله لعدم تأدية فرض صلاة الفجر في وقته ، وقيسوا على هذا أعمالاُ وسلوكياتٍ ومفاهيم كثيرة وعديدة في حياتنا نرى فيها التناقض وحب الدنيا على العمل للآخرة.

وأعود لأختي الأم المربية الحنون الرؤوم وأقول لها إن اللهَ سبحانَه وتعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، وأدعوها لإعادة التفكير في أسلوب تربيتها ونهجها في الحياة نحو أبنائها ، وليكن لها في ذات الشكال والخنساء وغيرهما قدوة حسنة وسراج ينير لهن الطريق ، وليكنَّ نِعم الأمهات المؤمنات الصابرات المجاهدات اللواتي يزرعن روح الجهاد والعمل لإحياء دين الله وإعادة حكم الإسلام على الأرض ،، كوني أختي مصنع الرجال وصانعة الأمة لتنالي خير الدنيا وعز الآخرة بإذن الله تعالى .


وأسأل الله جلَّ وعلا أن يوفقنا وإياك إلى الخير والفلاح في الدنيا والآخرة .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مسلمة