جريدة  الراية:  جواب سؤال  السودان بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر
November 11, 2025

جريدة الراية: جواب سؤال السودان بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر

Al Raya sahafa

2025-11-12

جريدة  الراية:

جواب سؤال

السودان بعد سيطرة الدعم السريع على الفاشر

السؤال:

(أكد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط، أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وافقا على هدنة تمتد لثلاثة أشهر، استناداً إلى خطة المجموعة الرباعية التي تضم الإمارات والولايات المتحدة والسعودية ومصر، والمعلنة في الثاني عشر من سبتمبر الماضي... سكاي نيوز عربية، 2025/11/3)، وهذه الموافقات على الخطة الأمريكية من الأطراف السودانية، النظام والدعم السريع، قد جاءت بعد أن سيطر الدعم السريع على مدينة الفاشر في السودان.. فما وراء هذه الموافقات على الخطة الأمريكية؟ ثم ما الذي جرى للجيش السوداني حتى تتمكن قوات الدعم السريع من السيطرة على عاصمة إقليم دارفور "الفاشر"، وهي مدينة كبيرة للغاية ومحصنة، وكان الجيش يدافع عنها بشراسة أمام هجمات الدعم السريع لمدة طويلة. فكيف تمت السيطرة على المدينة؟ وما هي أبعاد وتداعيات ذلك؟

الجواب:

لكي يتضح جواب هذه التساؤلات نستعرض الأمور التالية:

أولاً: ذكرت الجزيرة على موقعها الإلكتروني في 2025/10/28: (أعلنت قوات الدعم السريع صباح الأحد سيطرتها على الفاشر، وذلك بعد حصار استمرّ أكثر من عام، وهذا يعني بسط نفوذ القوات على جميع ولايات دارفور الخمس، وتقسيم البلاد بين شرق يسيطر عليه الجيش السوداني، وغرب تحت سيطرة الدعم السريع). وبهذا الموجز الذي ذكرته الجزيرة يتضح منه أن سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر هي أكبر من انتصار في معركة على مدينة، بل هي سيطرة على إقليم بكامله بشكل لافت للنظر! فإن قوات الدعم السريع كانت تحاصرها منذ عام وهي لا تمتلك أسلحة نوعية معتبرة تمكنها من تحقيق انتصار ضد فرق الجيش السوداني المدافعة عن المدينة، تلك الفرق التي ظلت تدافع بجدارة عن المدينة طيلة عام، ولكن فجأة قامت حكومة البرهان بتسليم المدينة للمتمرد الانفصالي حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع، وعملية التسليم كانت واضحة للعيان ودون مواربة:

1- (قال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان إن الشعب السوداني والقوات المسلحة سينتصران، مؤكدا أن تقدير القيادة في الفاشر (عاصمة ولاية شمال دارفور) كان مغادرة المدينة بسبب ما تعرضت له من تدمير ممنهج. الجزيرة نت، 2025/10/27)، ثم أتبع حديثه بكلام لا يسمن ولا يغني من جوع: (وأضاف البرهان في كلمة متلفزة أن "قواتنا قادرة على تحقيق النصر وقلب الطاولة واستعادة الأراضي" مضيفا "نحن عازمون على أن نقتص لكل شهدائنا").

2- (وقالت مصادر عسكرية سودانية للجزيرة إن الجيش السوداني أخلى مقر قيادة فرقة في الفاشر "لأسباب تكتيكية". الجزيرة نت، 2025/10/27).

وهذه التصريحات من طرف عبد الفتاح البرهان ومن مصادره العسكرية تنطق صراحة لا تلميحاً بأن الجيش هو الذي أخلى مدينة الفاشر تاركاً إياهاً نهباً لقوات الدعم السريع.

ثانياً: امتنعت حكومة البرهان وقيادته العسكرية عن تقديم الدعم العسكري واللوجستي من مناطق سيطرته المركزية لقوات جيشه في الفاشر طيلة عام، فظلت محاصرة تقاتل وتصد هجمات الدعم السريع بما لديها من إمكانيات من داخل المدينة. وقيادة جيش حكومة البرهان التي تبجحت بتنظيف الخرطوم وأم درمان وبحري من قوات الدعم السريع كانت قادرة بالتأكيد على إسناد قطاعاتها الكبيرة في مدينة الفاشر، ولكنها لم تفعل ذلك طيلة عام، أي أن الخطة كانت ترك تلك القطاعات حتى تنهار.

ثالثاً: وبالتدقيق نجد أن عملية تسليم قوات الانفصالي المتمرد حميدتي قد جرت بالتزامن مع مباحثات تجريها أمريكا بين الطرفين السودانيين في أمريكا بهدف وقف إطلاق النار: (بعد نفي مجلس السيادة السوداني وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع وفد من قوات الدعم السريع في واشنطن، كشفت مصادر دبلوماسية أن وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم وصل إلى الولايات المتحدة في زيارة رسمية تهدف إلى مناقشة الجهود الرامية إلى وقف الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من سنتين. العربية، 2025/10/24).

وهذا يعني شيئاً واحداً أن أمريكا جمعت في واشنطن وفدي عميليها في السودان؛ وفد عميلها البرهان، ووفد عميلها الثاني حميدتي، وأن نفي مجلس السيادة السوداني لإجراء مفاوضات مع الدعم السريع في واشنطن هو بمثابة إثبات لها، وأن تنفيذ ما أمرت به أمريكا عميليها قد جرى بعد يومين أو ثلاثة بشكل مكشوف في الفاشر. ووفقاً للمصدر السابق نفسه (قالت المصادر للعربية/الحدث اليوم الجمعة إن الوزير السوداني سيجري سلسلة من الاجتماعات في واشنطن مع مسؤولين بالإدارة الأمريكية، من بينهم مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا. وأضافت أن سالم سيعقد كذلك لقاءات مع عدد من نظرائه العرب، مشيرة إلى أن الزيارة تأتي بدعوة رسمية من الإدارة الأمريكية لبحث بعض الملفات ذات الاهتمام المشترك. كذلك أوضح مسؤول أمريكي للعربية/الحدث أن بولس سيترأس اجتماعات دول الرباعية حول الأزمة السودانية).

وما يؤكد أيضاً جمع أمريكا لوفدي عميليها في واشنطن: [وكان مسؤول دبلوماسي أكد، أمس الخميس، أن دول الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر) ستجتمع اليوم في واشنطن مع ممثلين عن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لدفع الطرفين إلى هدنة إنسانية تمتد لثلاثة أشهر. وقال إن الهدف هو "الضغط بشكل موحّد لتثبيت وقف إطلاق النار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين"، العربية، 2025/10/24]

بمعنى أن تزامن اقتحام قوات الدعم السريع للفاشر وإخلاء الجيش السوداني لها مع اجتماع واشنطن يدل بما لا يدع مجالاً للشك بأن قرار تسليم المدينة الاستراتيجية للدعم السريع قد اتخذ في واشنطن وأن الطرفين السودانيين قد شرعا بالتنفيذ على الأرض فوراً، أي بعد يومين، وتحققت النتيجة في اليوم الثالث.

رابعاً: وهذا الاجتماع المذكور في واشنطن هو الخطوة الثانية التي لحقت الخطوة الأولى عندما جمعت أمريكا عملاءها وأتباعها في المنطقة فيما يسمى بالرباعية (السعودية والإمارات ومصر) وبدء تنفيذ إرادتها بوقف إطلاق النار في السودان، ونقلت العربية، في 2025/9/12 عن البيان الصادر عن ذلك الاجتماع:

(وجاء في نص البيان المشترك: "بدعوة من الولايات المتحدة، عقد وزراء خارجية الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة مشاورات معمقة بشأن النزاع في السودان، مذكّرين بأنه تسبّب في أسوأ أزمة إنسانية في العالم ويشكّل مخاطر جسيمة على السلام والأمن الإقليميين. وأكد الوزراء التزامهم بمجموعة مشتركة من المبادئ لإنهاء النزاع في السودان)، وجاء في البند الرابع من البيان: إن مستقبل الحكم في السودان يقرره الشعب السوداني من خلال عملية انتقالية شاملة وشفافة لا تخضع لسيطرة أي طرف متحارب)، كما وذكر في أحد نقاطه: (بذل كافة الجهود لدعم تسوية تفاوضية للنزاع بمشاركة فعّالة من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع).

فمن ناحية فإن هذه الرباعية هي صيغة اختارتها أمريكا حتى يبدو حلها في السودان ذا طابع إقليمي أيضاً، أي بموافقة دول رئيسية في المنطقة، ولكن هذه الدول لا تتحرك إلا إذا حركتها واشنطن، ولا تقوم بأي خطوة بدون أمريكا، ومن ناحية أخرى فإن نص البيان يشير إلى الاعتراف بطرفي النزاع في السودان وعلى قدم المساواة ويطالبهما بمشاركة فعالة، أي أن البيان لا يشير إلى قوات الدعم السريع بوصفها قوات انفصالية ومتمردة ولا يدعوها لوقف تمردها خاصة وأنها شكلت حكومة انفصالية لشق السودان.

خامساً: بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، وهي مدينة استراتيجية وتعني سيطرتها عليها أخذ إقليم دارفور بكامله، وبولاياته الخمس التي كان الجزء الأكبر منها قبل ذلك تحت سيطرتها الفعلية، ومن ثم فإن الموافقة على هدنة ثلاثة أشهر، بل المطالبة بها، تعني الاعتراف الأمريكي بسيطرة الدعم السريع ووجوده الشرعي في إقليم دارفور وفي أهم مدن الإقليم الفاشر، لأن هذه الهدنة التي تقترحها أمريكا وتلبسها ثوب "الرباعية" تلحقها خطوات أخرى من المفاوضات بين طرفي النزاع في السودان بعد أن مكّنت خطط أمريكا الدعم السريع من كامل دارفور، وبعد أن كان عميل أمريكا حمدان دقلو (حميدتي) قد أنشأ حكومة انفصالية أعلن عنها في نهاية شباط 2025 في نيروبي، عاصمة كينيا برئاسته، وكانت تنشط من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، والآن أصبحت بالتأكيد الطريق ممهدة تماماً لانتقال حكومة حميدتي الانفصالية لمدينة الفاشر.

سادساً: وأما الموقف الأمريكي فقد كان صريحاً ولم يبد حتى الاستياء من سيطرة الدعم السريع على الفاشر، بل طالب بالخطوة التالية من الخطة الأمريكية للسودان، وقف إطلاق النار، أي سد الطريق تماماً أمام الجيش السوداني لاستعادة الفاشر وجعل سيطرة حميدتي عليها مستتبةً لا تنغصها أي اشتباكات:

[طالب مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، طرفي القتال بالسودان ببحث مقترح هدنة إنسانية وإقراره بشكل فوري. وأضاف أنه قدم ورقة هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر ولاقت ترحيب طرفي القتال في السودان، وطالب قوات الدعم السريع بالمضي نحو الهدنة الإنسانية وإيقاف القتال. وكان بولس قال في تصريحات أمس إن العالم يراقب بقلق بالغ أفعال قوات الدعم السريع والوضع في مدينة الفاشر، مطالبا بحماية المدنيين. الجزيرة نت، 2025/10/27].

ثم أكد هذا مرة أخرى كما نقلت سكاي نيوز عنه في 2025/11/3 [أكد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط، أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع وافقا على هدنة تمتد لثلاثة أشهر، استناداً إلى خطة المجموعة الرباعية التي تضم الإمارات والولايات المتحدة والسعودية ومصر، والمعلنة في الثاني عشر من سبتمبر الماضي. وأوضح بولس، في تصريحات أدلى بها من القاهرة، الاثنين، أن مناقشات فنية ولوجستية جارية قبل التوقيع النهائي على الهدنة، مشيراً إلى أن ممثلي الطرفين موجودون في واشنطن منذ فترة لبحث تفاصيلها.. وأضاف أن مقترح الهدنة يمثل فرصة حقيقية لإنهاء الأزمة، مؤكداً أن الجيش والدعم السريع منخرطان في مناقشة ورقة قدمتها الولايات المتحدة بدعم من الرباعية، تهدف إلى تحقيق السلام، مشيراً إلى أن الصراع في السودان بات يشكل تهديداً للإقليم والعالم، خصوصاً لأمن البحر الأحمر. سكاي نيوز عربية، 2025/11/3]

سابعاً: وعلى وقع تبجح الرئيس الأمريكي ترامب بأنه صانع سلام وينهي الحروب فإن أمريكا بهذا تكون وبشكل شبه واضح لا لبس فيه تسير بخطتها وبخطا تسارعت لتقسيم السودان وسلخ إقليم دارفور عنه كما سلخت جنوبه عنه سابقاً، وهذا ما كنا نحذر منه مراراً وتكراراً، ففي جواب سؤال بعنوان (هجمات المسيرات وتطورات الحرب في السودان) قلنا في 2025/5/21 ما يلي:

[(يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان) وأضفنا: (رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ  


ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!)]

وقبل ذلك وفي جواب سؤال بعنوان (تسارع الأعمال الحربية في السودان) بتاريخ 2025/2/6م حذرنا بأن القيادة السياسية والعسكرية العميلة في السودان والتي تستقي تعليماتها من إدارة ترامب تقوم بتوجيه الجيش لفتح ممرات للدعم السريع من منطقة الوسط باتجاه دارفور، وقلنا: [سادساً: وعليه فإن الراجح أن التطورات الميدانية في السودان هي بترتيب وإدارة من ترامب وأنها تهدف إلى:

- الإسراع في الخطة الأمريكية لتهيئة الأجواء بتقسيم البلاد بين عميلي أمريكا على أساس دارفور تحت سيطرة الدعم السريع وحكم حميدتي، فيما يسيطر الجيش بقيادة البرهان على وسط السودان وشرقه، فيظهر في السودان كيانان، وفرض هذا الأمر بحكم سيطرة حميدتي على دارفور.. وقد سبق أن ذكرنا عن هذه الخطة في جواب سؤال بتاريخ 2023/12/19 حيث بيّنا فيه حينذاك (أن أمريكا تهيئ الأجواء للتقسيم.. حين تقتضي مصالح أمريكا ذلك.. حتى إذا اقتضت مصلحة أمريكا انفصالاً آخر بعد جنوب السودان فتفعل هذا الانفصال في دارفور.. ويبدو أن هذا الانفصال لم يحن وقته.. بل تهيئة الأجواء له هو الجاري حالياً..) هذا ما قلناه سابقاً، ويبدو أن مصلحة أمريكا اقتربت من التسارع لفصل دارفور كما فعلت في جنوب السودان.. وهذا من الخطورة بمكان إذا نجح ترامب بتنفيذه.. فعلى الأمة أن تقف في وجهه ولا تصمت كما صمتت عند فصل جنوب السودان!]

ثامناً: إن حزب التحرير يحذر منذ بداية هذا العام، بل ومنذ 2023 حين أشعلت أمريكا الحرب بين عميليها سنة 2023 من أن تؤول خطة أمريكا لتقسيم السودان، وها هي خطوات التقسيم تتلاحق بين أيديكم والكثير من أبناء السودان ينخرطون في هذه المقتلة بين عميلي أمريكا من أجل تحقيق أهداف أمريكا والحفاظ على نفوذها في السودان، واليوم تقترب الخطة الأمريكية من تحقيق الانفصال وسلخ إقليم دارفور عن السودان، وهذا يحدث وأنتم تنظرون! فهل من عاقل قوي في قيادة الجيش يجلس مع نفسه ساعة يقرر فيها أن يخلص لربه فيقوم بما يلزم لتحطيم مخطط أمريكا فيقضي على عملائها الذين قتلوا من أهل السودان عشرات الآلاف وشردوا الملايين، لا لهدف إلا لتنفيذ ما تطلبه منهم واشنطن؟ هل من عاقل قوي في قيادة الجيش يضع قوة السودان في أيد مخلصة، فيعطي النصرة لحزب التحرير الذي طالما صاح وحذر ونادى لإقامة الإسلام، فتنطلق من السودان، دولة الإسلام، خلافة ثانية على منهاج النبوة؟ وما أعظم هذا العاقل القوي من رجل يلقى الله تعالى وقد استعمله الله لتحقيق بشرى نبيه الكريم ﷺ بعودة الخلافة الراشدة بعد هذا الملك الجبري الذي فيه نعيش: «...ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَت» أخرجه أحمد.

الثاني عشر من جمادى الأولى 1447هـ

2025/11/3م

المصدر: جريدة  الراية

المزيد من القسم null

جريدة الراية:  اتفاق سلام أمريكا الملغوم بين المغرب والجزائر  وصفة ترامب لدق إسفين استعماره!

Al Raya sahafa

2025-11-05

جريدة الراية:

اتفاق سلام أمريكا الملغوم بين المغرب والجزائر

وصفة ترامب لدق إسفين استعماره!

أعلن ستيف ويتكوف مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، أن فريقه يعمل على إنجاز اتفاق سلام بين الجزائر والمغرب في الفترة المقبلة، جاء ذلك في مقابلة تلفزيونية أجراها هو وجاريد كوشنير، مساء الأحد، ضمن برنامج "60 دقيقة" على قناة سي بي إس الأمريكية. وقال ويتكوف: "فريقنا يعمل الآن بخصوص المغرب والجزائر، وأتوقع التوصل إلى اتفاق سلام خلال 60 يوما".

شكلت قضية الصحراء أخبث ملفات الصراع الاستعماري الأمريكي الأوروبي في غرب البلاد الإسلامية منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي. ومع إدارة ترامب الأولى والثانية والتطور الاستراتيجي الذي طرأ على الملف بعد اعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء ودعم خطة الحكم الذاتي كحل وحيد قابل للتطبيق، وهو ضمن ما سمي باستراتيجية ترامب الاقتصادية التجارية ورؤيته للعالم كسوق للصفقات ومدى الربح الذي سيجنيه والزمن عامل حاسم في استعجال النتائج، فهو ينظر للصحراء كأرض بكر غنية بالمعادن الاستراتيجية وبوابة أفريقيا أمام الرأسمالية الأمريكية ومرتكزا لنفوذه السياسي والعسكري والاقتصادي في بلاد المغرب، والتي تجب مصادرتها وبسط نفوذه الاستعماري عليها.

وأمريكا مع الرأسمالي ترامب تسارع الوقت لإنجاز صفقتها الاستعمارية في تعاطيها المباشر مع الطرفين الرئيسين؛ المغرب والجزائر، وتصريح ويتكوف عن اتفاق سلام خلال الستين يوما المقبلة وأن فريقه يعمل على ذلك، هي إشارة أن الإجراءات العملية والاتصالات مع الأطراف المعنية حاصل وواقع، وذلك ما أكده مسعد بولس صهر ترامب ومستشاره للشؤون الأفريقية، فقد كشف في مقابلة مع قناة الشرق السعودية، الأسبوع الماضي أن "الجزائر ترغب في إيجاد حلّ جذري ونهائي لقضية الصحراء الغربية، كما تُبدي استعداداً لتحسين العلاقات مع المغرب"، معبراً عن تفاؤله بإمكانية حل هذا الخلاف، وأضاف "أنه التقى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (مؤخرا) ووجد ترحيبا بإعادة بناء جسور الثقة مع الشعب المغربي، ومع الملك والحكومة والدولة المغربية. ففي النهاية، البلدان شعبان شقيقان وجاران، يجمعهما تاريخ مشترك وعدد كبير من القيم والمصالح".

أما بالنسبة للمغرب فقد صرح مسعد بولس "لقد كان خطاب الملك الأخير تاريخياً، أكّد من خلاله عزمه على العمل من أجل إيجاد حلّ نهائي لقضية الصحراء يكون مرضياً لجميع الفرقاء، لأن المطلوب هو حل دائم وشامل".

وهي إشارة أن النظامين في المغرب والجزائر منخرطان في الصفقة الاستعمارية الأمريكية، عطفا على توظيف ترامب لنظام آل سعود كسمسار بين الأطراف للتسريع بإنجاز الصفقة، فقد تلقى كل من تبون ومحمد السادس، رسالتين في وقت واحد من ابن سلمان، رجحت بعض التقديرات أن تكون ذات صلة بوساطة لحلحلة الخلافات بين الرباط والجزائر. صرح بعدها الرئيس تبون في خطاب ألقاه أمام قادة الجيش بث كاملا يوم الجمعة 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025 "هناك بعض الأشقاء على حسن نية، يطلبون منا فتح الحدود مع المغرب، لحل قضية الصحراء، الحدود لم تغلق بسبب قضية الصحراء، ولكنها أغلقت لأسباب أخرى، 63 سنة من الاستقلال، حدودنا مغلقة لمدة أكثر من 45 سنة".

وتزامن ذلك مع تغيير في لهجة الخطاب السياسي بالجزائر وميلها نحو المهادنة، حيث أكد تبون تلقيه التماسات ممن وصفهم "بأشقاء" بخصوص الأزمة بين الجزائر والمغرب، تضمنت الطلب من المغرب فتح الحدود بين البلدين، بما يساعد في حل النزاع في الصحراء.

أما الأمر اللافت في تصريح ويتكوف فهو تجاوزه وتجاهله التام لجبهة البوليساريو، وحصره المشكلة بين المغرب والجزائر، في إشارة لاحتمال أن إدارة ترامب تخلت عن ورقة البوليساريو وباتت تعتمد على استراتيجية الصفقات الاقتصادية والتجارية للرأسمالي ترامب في كسر الأبواب واقتلاع الأقفال لاختراق النظامين مباشرة من دون أداة البوليساريو.

أما انخراط الجزائر والمغرب في صفقة ترامب فدافعه تأمين استمرار النظامين العميلين لبريطانيا تحديدا، واستعدادهما لدفع الثمن الباهظ والسعر الفاحش طمعا في كفالة أمان زائفة من السطوة الاستعمارية الأمريكية على الإقليم.

فقد كان اعتراف ترامب بمغربية الصحراء وما تلاه من نتائج كارثية مدمرا للمغرب، ومن عواقبه:

- تمكين الرأسمالية الأمريكية الخبيثة من ثروات الصحراء وخاصة معادنها النادرة الاستراتيجية

- التغلغل في القطاع الزراعي للبلد عبر الفلاحة الهجينة والبذور المعدلة جينياً والأعلاف والماشية من طرف الاحتكارات الرأسمالية الأمريكية، والاستيلاء على الثمار النادرة بالمغرب كالتين الشوكي وشجرة الأركان واحتكارها في صناعة المواد التجميلية، عطفا على مشروع مزارع الصيد البحري واحتكار بعض منتوجات البحر، عطفا على كوارث أخرى.

- والأخطر هو زرع أمريكا لقيادتها العسكرية الاستعمارية لأفريقيا (أفريكوم) في قلب المغرب، وها هي تضع اللمسات الأخيرة لنقلها للمغرب، فلقد أورد موقع هسبريس (لسان حال النظام) أن المغرب "رشح عدة مدن لاستضافتها مثل العيون والداخلة وبوجدور وأكادير، غير أن الأمريكيين أبدوا ميلاً لاختيار القنيطرة أو القصر الكبير، لأسباب تاريخية وتقنية ولوجيستية، من بينها وجود قاعدة جوية أمريكية سابقة بالقنيطرة، ورغبتهم في توسيع مدرجاتها لاستقبال طائرات عسكرية ضخمة تتطلب تجهيزات خاصة".

وستكون القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا بمثابة أكبر قاعدة للمستعمر الأمريكي في غرب البلاد الإسلامية وفي قلب المغرب، ومعها لن تقبل أمريكا إلا بالولاء والعمالة التامة لها، ما يعني أن البلد فوق فوهة بركان استعماري لن يلبث طويلا حتى ينفجر!

وأخزى من ذلك التطبيع مع كيان يهود الغاصب وما تبعه من صهينة سياسية واقتصادية وثقافية وتواطؤ وإسناد لإبادة غزة.

أما النظام في الجزائر فمع وصول المستعمر الأمريكي إلى الحدود الشرقية والجنوبية للجزائر، عبر دول الساحل في الجنوب التي انتزعتها أمريكا من المستعمر الفرنسي، ثم نفاذها إلى ليبيا عبر عميلها حفتر، جعل النظام بين فكي كماشة الاستعمار الأمريكي، ما سهل ابتزازه وانخراطه في صفقة ترامب الاستعمارية.

فأمريكا ترامب وسلامها الملغوم بمكرها الاستعماري، بعد ما يبدو أنها رمت بجبهة البوليساريو إلى سلة أدواتها المستهلكة وأسقطتها من حساباتها، تبغي الصحراء نهبا لشركاتها وقاعدة لجيوشها وبوابة على أفريقيا لاستعمارها واختراقا لبلدان المغرب كلها، وتأتي بأنظمة الخيانة والعار بالمغرب والجزائر كشهود عار على خبيث صفقتها!

هي مصيبتنا المستمرة ما استمرت هذه الأنظمة العميلة للاستعمار، ما كانت فينا إلا أنظمة للضرار وعملاء حكامها سدنة لأصنام وأوثان الاستعمار.

بقلم: الأستاذ مُناجي محمد

المصدر: جريدة الراية