June 13, 2014

جواب سؤال: العلاقات بين الهند وباكستان في ظل السياسة الأمريكية

جواب سؤال

العلاقات بين الهند وباكستان في ظل السياسة الأمريكية

السؤال:

كان الرئيس الأمريكي من أوائل المهنئين بفوز حزب جاناتا وقائده مودي، وقد دعاه لزيارة واشنطن، فأعلن في 2014/6/5 أن مودي سيقوم بهذه الزيارة في شهر أيلول/سبتمبر. وقد جرت في 2014/5/26 مراسيم تنصيب رئيس وزراء الهند الجديد مودي بعد إعلان فوز حزبه حزب بهارتيا جاناتا بأغلبية كاسحة حيث حصل على 282 مقعدا من جملة مقاعد البرلمان البالغ عددها 545 مقعدا إلا اثنين حيث ينتخبان من قبل الرئيس، فألحق هزيمة تاريخية نكراء بحزب المؤتمر الهندي الذي حصل على 44 مقعدا. ولأول مرة يحضر مثل هذه المراسيم رئيس وزراء باكستاني بعد دعوته إليها من قبل مودي واجتماعه به. فما دلالات ذلك؟ وكيف ستسير العلاقات بين البلدين ضمن السياسة الأمريكية وخططها المتعلقة بالبلدين وبالمنطقة وانعكاساتها على الصين وأفغانستان؟

الجواب:

1- لقد كان الدعم الأمريكي لمودي خلال الانتخابات لافتاً للنظر... فقد كانت حملة تلميع مودي ليست فقط في الهند بل امتدت إلى تشكيلات واسعة من التنظيمات الهندوسية المتعاطفة والمقيمة خارج البلاد وبخاصة في أمريكا، فقد سعت للترويج لـ«مودي» بوصفه قائداً لكل الهنود وراغباً في العمل إلى جانب الأقليات دون استثناء. ومن تلك المنظمات التي وقفت إلى جانب "مودي" (المؤسسة الهندية الأمريكية) و(لجنة العمل السياسية الهندية الأمريكية)، ولم يفت هذه التنظيمات التنسيق والتعاون مع أذرع تابعة على نحو مباشر، أو غير مباشر مع بهاراتيا جاناتا مثل خلية الشؤون الخارجية وأصدقاء بهاراتيا جاناتا في الخارج، ناهيك عن آلاف الهنود المقيمين في أمريكا وغيرها.

ولعل ما يؤكد هذا الدعم الكاسح للحزب ما نشره مركز «أمريكان إنتربرايز» في واشنطن من أن معظم الأموال التي جُمعت في الخارج لتمويل الحملة الانتخابية وُجهت إلى حزب «بهاراتيا جاناتا»، كما أن أكثر من عشرة آلاف هندي يحملون الجنسيات الأمريكية والأوروبية ويدعمون السياسات المحفزة للشركات واقتصاد السوق توافدوا على الهند خلال الحملة الانتخابية لتأييد «مودي» وحث الناخبين على منحه أصواتهم، وبالطبع كان لهذا الزخم المتولد عن المساندة الكثيفة لأصدقاء الحزب ومؤيدي سياساته ولأنصار «مودي» ومؤيديه، كان لذلك دور كبير في إعلاء شأنه وتهميش باقي الحملات الانتخابية للأحزاب الأخرى...

على أي حال فإنه من الواضح أن المصلحة الأمريكية الملحة في الشرق الأقصى كانت وراء فوز المتعصب الهندوسي مودي، فقد جاء في مقال نشرته الـ بي بي سي عربي بتاريخ 19 أيار/مايو، 2014 تحت عنوان "وجهة نظر: كيف سيؤثر مودي على العلاقات الهندية الأمريكية؟" حيث نقلت في المقال تحت عنوان العمل مع مودي بقلم - ليزا كورتيس، مؤسسة التراث (وتتشارك كل من نيودلهي وواشنطن أهدافا استراتيجية، سواء تضمنت محاربة الإرهاب، أو الحفاظ على الممرات البحرية مفتوحة، أو مواجهة مع صعود الصين. إن اهتمام بهاراتيا جاناتا، على وجه الأخص، بتبني سياسة تحوط أكثر حزما إزاء الصين سيعطي فرصة للمسؤولين الأمريكيين للتعامل معه عن قرب). كما أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، دعا مودي إلى زيارة الولايات المتحدة حينما اتصل به هاتفيا الجمعة لتهنئته بالفوز، حسب بيان صادر عن البيت الأبيض. وقال أوباما لمودي إنه يتطلع لعلاقات عمل معه بهدف "تحقيق الوعد الاستثنائي بإقامة شراكة استراتيجية بين الولايات المتحدة والهند". حسب ما نشرته بي بي سي عربي في 16 أيار/مايو 2014، وأضاف أوباما أن "الرئيس وجه دعوة لمودي في وقت اتفق عليه الطرفان لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين أكثر فأكثر".

2- وهكذا فقد رأينا تلهفا أمريكيا على فوز حزب جاناتا بقيادة مودي فور انتهاء عملية الانتخابات وقبل إعلان النتائج النهائية والرسمية. فقد جاء في صحيفة الشرق الأوسط 2014/5/12: "أشاد أوباما بالانتخابات الهندية التي انتهت للتو في (2014/5/12) مع صدور نتائج أولية تظهر فوز حزب بهارتيا جاناتا مستعجلا ظهور النتائج النهائية في 2014/5/16" قائلا: "نحن مستعجلون لرؤية تشكيلة الحكومة الهندية الجديدة والعمل بشكل وثيق مع الإدارة الهندية الجديدة كي تكون السنوات المقبلة مثمرة...". ما يشير إلى مدى رغبة أمريكا في فوز حزب بهارتيا جاناتا برئاسة مودي ليتعاون معها كما تعاون معها هذا الحزب برئاسة أرتال بيهاري فاجبايي عندما كان في الحكم في الفترة ما بين عامي 1998 و2004. والآن كذلك، فعندما أعلن عن فوز هذا الحزب بشكل رسمي في 2014/5/16 قام أوباما وهنأ قائده مودي هاتفيا، ووجه إليه دعوة إلى زيارة واشنطن ولقائه. وأشار الرئيس الأمريكي في مكالمته الهاتفية مع مودي إلى أنه "يتطلع إلى العمل بشكل وثيق مع مودي لدفع الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية والواعدة بين الولايات المتحدة والهند". و"اتفقا على مواصلة توسيع وتعميق التعاون على نطاق واسع". (تلفزيون إن دي الهندي 2014/5/17). وفي 2014/6/5نشرت صحيفتان هنديتان وهما "تايمز أوف أنديا" و"هندوستان تايمز" خبرا مفاده أن زيارة مودي لواشنطن ستكون في أيلول/سبتمبر القادم للاجتماع بالرئيس الأمريكي. كل ذلك يشير إلى أن أمريكا واثقة من سير الهند معها برئاسة هذا الحزب وقائده مودي تحت مسمى الشراكة الاستراتيجية الاستثنائية. وقد أوردت الأنباء في تاريخ سابق من هذه السنة أخبار اجتماعات السفير الأمريكي في الهند مع "مودي" رئيس حزب جاناتا، وذلك قبل الانتخابات، ما يشير إلى رسم الخطط المشتركة التي سيقوم بها مودي بعد انتخابه وفق السياسة الأمريكية.

لقد ابتهجت أمريكا لنجاح مودي وعودة حزب جاناتا للحكم بعد عشر سنوات من حكم حزب المؤتمر، حيث كانت العلاقات بين أمريكا والهند في عهده ليست على ما يرام، فلم يتجاوب كثيرا مع أمريكا خاصة في موضوع مجابهة الصين. ولهذا استعجل أوباما ظهور نتائج الانتخابات في الهند ليعلن فرحته بعودة عملاء أمريكا إلى الحكم، وأنسته فرحته هذه القرار الأمريكي بمنع مودي من دخول الولايات المتحدة بسبب المذابح التي تعرض لها المسلمون في ولاية غوجارات عندما كان "مودي" رئيساً لوزرائها، وفي هذا درس لأولئك المخدوعين بما تزعمه أمريكا من حقوق الإنسان، فأمريكا تضرب بكل حقوق الإنسان إذا كان هذا في مصلحتها، فقرار أمريكا بمنع "مودي" أصبح ترحيباً حاراً بفوزه ودعوى احتفالية بزيارة "مودي" القادمة للولايات المتحدة...

وعليه فإن أمريكا في أوج نشوتها لعودة حزب جاناتا للحكم حيث أصبح الموالون لأمريكا هم الحكام في الهند وفي باكستان، ولذلك فإنه من المنتظر أن تطلب أمريكا من عملائها في باكستان وعلى رأسهم رئيس الوزراء نواز شريف تقديم المزيد من التنازلات للهند لتعزيز موقفها أي موقف الهند في مواجهة الصين، وبعبارة أخرى فإن أمريكا تريد أن تتوقف حالة النزاع بين باكستان والهند، ولكن على حساب باكستان... والمسألة الرئيسية التي تُلقي بثقلها على العلاقات الثنائية هي منطقة كشمير المتنازع عليها ويتبعها وجود مجموعات إسلامية مسلحة ناشطة في الهند والتي تتهم نيودلهي باكستان بدعمهم، والمتوقع أن تضغط أمريكا على عميلها نواز شريف لتقديم تنازلات كبيرة وخطيرة لصالح الهند في كشمير لإرضاء الهندوسي المتطرف نارندرا مودي وحزبه، كما أن أمريكا ستطالب نواز شريف بملاحقة المجاهدين في كشمير لتصفية ما يسمى بالإرهاب. وذلك لكي تتمكن من جعل الهند تتفرغ للمواجهة مع الصين الصاعدة...

وقد حصل مثل ذلك عندما كان حزب جاناتا في الحكم بين عامي 1998 و2004 حيث قدمت باكستان تنازلات في كشمير لصالح الهند لتقوية عملاء أمريكا هناك ولتعزيز نفوذها، فقد أمر نواز شريف الجيش الباكستاني بالانسحاب من مرتفعات كارغيل بعد أن حررها الجيش والمجاهدون في معاركهم البطولية وذلك بعدما قام نواز شريف بزيارة أمريكا والاجتماع برئيسها يومئذ بيل كلنتون في 1999/7/4، فضغطت أمريكا عليه للانسحاب، فخضع وأمر بالانسحاب... وها هو نواز الآن يستمر في التنازلات، وكان من بوادرها أن شارك نواز شريف في حفل تنصيب رئيس وزراء الهند الجديد مودي في 2014/5/26 واجتماعه به لمدة ساعة ونصف، وقد ذكر مودي له: "أن على باكستان أن تمنع المسلحين في أراضيها من شن هجمات على الهند وأن تعاقب من قاموا بالهجوم على مومباي عام 2008" (رويترز 2014/5/27). ولكن نواز شريف أبدى ضعفا وخنوعاً، فلم يقابل ذلك برد على مستوى يساوي ذلك على الأقل، بل اكتفى بقوله للصحفيين: "إنه عقد مع مودي اجتماعا ثنائيا دافئا ووديا" يقول هذه الأقوال، ولا زالت أحداث ولاية غوجارات الهندية حاضرة في أذهان المسلمين، ففي عام 2002 عندما أصبح نارندرا مودي رئيسا لوزراء ولاية غوجارات قام الهندوس بأعمال وحشية ضد المسلمين أدت إلى مقتل أكثر من 2000 مسلم وتشريد نحو 100 ألف منهم وما زالوا يعانون تداعيات هذا التشريد ولم يعودوا إلى بيوتهم، ولم تساعدهم حكومة الإقليم ولا الحكومة المركزية في الهند، وكذلك لم يثر مسألة دعم الهند للانفصاليين في إقليم بلوشستان التابع لباكستان. وهكذا فبدلاً من أن يتصدى نواز شريف لرئيس وزراء الهند الجديد مودي ويلقي كل ذلك في وجهه على الأقل، إلا أنه كان متخاذلاً أمامه وفق متطلبات السياسة الأمريكية بمراضاة باكستان للهند!

3- ومن جانب آخر فيظهر أن أمريكا تعطي دورا للهند في أفغانستان وتعمل على تقوية العلاقات بين هذين البلدين حتى لا تبقى محتاجة لباكستان لتعزيز الاستقرار فيها. فأول رئيس اجتمع به مودي في حفل تنصيبه كان كرزاي أفغانستان. فأمريكا تثق بالهند عندما يكون الحكم مواليا لها كحالته الآن أكثر مما تثق بباكستان بالرغم من أن الحكم في باكستان مُوالٍ لها، ولكنها تخشى أن يحدث في هذا البلد الإسلامي أي تغيير في أية لحظة، فهو غير مأمون بالنسبة لها على المدى البعيد، وأهله في حراك للتغيير، وهناك توجه حقيقي وجاد فيه نحو التحرير والتحرر من الغرب بعامة، ومن أمريكا بخاصة، حيث تتسلط على نظام الحكم فتأتي بالحكام العملاء، بالإضافة إلى إمساكها بقيادة الجيش، وهكذا فقد أوجدت أمريكا ركائز لها في القيادة السياسية والعسكرية في باكستان... وأمريكا تخشى من أن تهدم الأمة كل ما بنته أمريكا من ركائز، وخشيتها الأكبر هي أن تقيم الأمة حكم الإسلام وإعلان الخلافة، وهذا ما يقلق أمريكا... ولذلك فإنها لا تكتفي بالاعتماد على نظام باكستان في ترتيب الأمور في أفغانستان بعد تحقيق "انسحاب" جنود أمريكا من أفغانستان، بل تريد أن تجعل للهند دوراً فاعلاً في أفغانستان في ترتيب تلك الأوضاع، وذلك بتعزيز التعاون الأمني بين الهند وأفغانستان وأن يكون اعتمادها على الهند أكثر من ناحية أمنية بعد خروج القوات الأمريكية والغربية من هناك. فقد نشرت ساينس مونوتور الأمريكية في 2014/6/1 تقريرا عن العلاقات الهندية الأفغانية قالت فيه إن "الرئيس الأفغاني حامد كرزاي حين حضر مراسم تنصيب رئيس وزراء الهند الجديد ناريندرا مودي في الأسبوع الماضي أحضر كرزاي معه قائمة طلبات مثيرة ترغب أفغانستان في الحصول عليها تشمل دبابات وأسلحة وشاحنات وطائرات مروحية". وأضافت الصحيفة: "إن طلبات كرزاي تزامنت مع نقاشات متزايدة تدور داخل جنبات الحكومة الهندية والدوائر العسكرية بشأن ما إذا كانت نيودلهي ستكثف مساعداتها العسكرية لكابول أم لا..."، وتضيف الصحيفة: "وتشارك الهند علاقات تقليدية دافئة مع أفغانستان وقد أصبحت الهند شريكا استراتيجيا وصديقا لكابول، بعد أن ابتعدت عنها خلال فترة حكم طالبان"، وهكذا ستقوم الهند في عهد مودي الموالي لأمريكا بلعب دور فعال من الناحية الأمنية في أفغانستان لصالح النظام الموالي لأمريكا فيها.

4- أما فيما يتعلق بالصين، فقد ازداد نفوذها خلال العقدين الماضيين، حيث عملت على تقوية نفسها في منطقتها. وتعمل الولايات المتحدة على كبح الصين من خلال الدول التي تُحيط بها مثل اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام والهند. ولهذا قامت الولايات المتحدة بتحالفات وشراكات مُخْتَلِفة لكي تحتوي الصين وتبقيها مشغولة بالدول التي تقع على حدودِها. وقد رأت أمريكا أن الهند في شبه القارة دولة مناسبة لمواجهة الصين، بسبب عداوتها السابقة معها حول خلافات حدودية مختلفة.

وهكذا فقد أرادت أمريكا أن تستخدم الهند بشكل فعال لزيادة الضغوطات على الصين لتطويقها ومنعها من السيطرة على المناطق المحيطة بها وتبقيها محصورة في أراضيها فقط ومشغولة بالهند وحماية حدودها. ولذلك أعلنت أمريكا عن خطتها قبل سنتين التي تتعلق بآسيا - المحيط الهادئ وكان من هذه السياسة حشد حوالي 60% من قوتها البحرية لمجابهة الصين في هذه المنطقة وإقامة التحالفات مع دول المنطقة لحشدها بجانبها وتوجيهها للعمل ضد الصين، ومن بين هذه الدول الهند، فعملت على توجيهها نحو منطقة الشرق في المحيط الهادئ وبالتحديد في منطقة بحر الصين الجنوبي، وعملت على إغرائها بوجود مصادر للطاقة من بترول وغاز. إلا أن حكومة الهند برئاسة حزب المؤتمر لم تتجاوب كثيرا مع أمريكا في هذا التوجه. هذا على الرغم من أن أمريكا وضعت كل ثقلها من أجل جذب الهند بقيادة حزب المؤتمر حيث أرسلت نائب الرئيس جوزيف بايدن، وكذلك وزير خارجيتها جون كيري في منتصف العام الماضي من أجل هذا الغرض، ودفعت أستراليا لتقيم شراكة مع الهند، وضغطت على باكستان لتقديم تنازلات للهند ومنها سحب قواتها من منطقة الحدود مع الهند لتنقل الهند قواتها واهتماماتها نحو الحدود مع الصين، وكان جورج بوش قد زار الهند في آذار/مارس عام 2006 على عهد حزب المؤتمر، ووقع على اتفاقيات عديدة داعمة للهند منها في مجال تطوير الطاقة النووية في الأغراض السلمية، وكذلك قام أوباما بزيارة الهند في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2010، وكل ذلك للتأثير على حزب المؤتمر الحاكم في الهند وجذبه نحو السياسة الأمريكية. ولكن لم تتمكن أمريكا من التأثير عليه حتى يسير ضمن السياسة الأمريكية في المنطقة أو أن يكون شريكا فعالا بجانبها في تنفيذ سياستها. وذلك بسبب ولاء حزب المؤتمر الهندي للإنجليز، وانتقاده للسياسة الأمريكية... وبيان الحزب في انتخابات 2005 يدل على ذلك، فقد جاء في البيان: "من المحزن أن بلداً عظيماً مثل الهند قد تحولت إلى مجرد علاقة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية، بحيث تعتبر حكومة الولايات المتحدة (ولاء) الهند أمراً مضموناً. فأدّى ذلك إلى استعداد حكومات البي جْي بي لتَعديل (سياساتها) حسب أولويات وسياسات الولايات المتحدة دون الاهتمام اللازم بسياسة الهند الخارجيةِ الخاصةِ الحيويةِ ومصالحِ الأمن القومي.".

وهكذا فلم تنجح أمريكا في إقناع حزب المؤتمر في تنفيذ السياسة الأمريكة تجاه الصين، هذا بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة قد أخفقَت في جعل قيادةِ الجيشِ الهندي تركز على وضع جيشِها بعيداً عن باكستان، وتركزه نحو الصين. فالجيش الهندي يركز على الاستقرار الداخلي وكشمير وحدوده مع باكستان. حيث تنتشر سبعة جيوش من جيوش الهند التسعة إضافة إلى ثلاثة ألوية منتشرة على طول الحدود مع باكستان. كما أن 80 % من قواعده الأمامية الرئيسية موجهة ضدّ باكستان.

أما وقد فاز حزب جاناتا في الانتخابات في أيار/مايو 2014 - وهو حزب كان دائماً موالياً للولايات المتحدة منذ زمن فاجبايي في التسعينات، فقد أتيحت فرصة أخرى لأمريكا لوضع الهند في مواجهة الصين. حيث إن العقبة الكبرى أمام جعل الهند تواجه الصين وهي وجود حزب المؤتمر في الحكم، هذه العقبة قد زالت، وأصبح من السهل على أمريكا إقناع حزب جاناتا الموالي لها بتركيز الجيش الهندي على حدود الصين بدلاً من الحدود مع باكستان، وبخاصة وأن الولايات المتحدة تضمن لحزب جاناتا أن تركز القيادة الباكستانية الجيش الباكستاني نحو المناطق الشمالية وتخفف من أعداده وعتاده على الحدود الهندية، نظراً لخضوع القيادة العسكرية والسياسية في باكستان للمتطلبات الأمريكية...! وللعلم فإن القوّات الأرضيَّة الباكستانية تنتظم أساساً في 13 جيشاً ينتشر تسعة منها قرب الحدود الهندية. ومنذ مشرف وكياني فإن العمليات العسكرية في المناطق الشمالية ومنطقة سوات أدّت إلى نقل بعض هذه الجيوش بعيداً عن الحدود الهندية.

في كانون الثاني/يناير 2013 أعلن الجنرال كياني عن المبدأ الاستراتيجي للبلاد، فجرى تعديل الوضع العسكري، وحدد أن التهديدات الداخلية هي الخطر الأكبر على أمن البلد وليس الهند. وبهذا تقوم باكستان بتحويل مركز الاهتمام من حدود الهند إلى مناطق باكستان الشمالية المحاذية لأفغانستان. ولكن الهند لم تقابل خطوة باكستان هذه بمثلها، بل إنها ما زالت تنظر إلى باكستان كتهديد رئيسي لها، وكانت تمانع في تحريك قواتها بالكامل بعيداً عن حدود باكستان.

على كلٍّ، الآن وقد أصبح النظامان في الهند وباكستان ينفذان السياسية الأمريكية، فستستمر أمريكا بإشغال باكستان بأمر أفغانستان والمناطق الشمالية، ومن ثم لا يعود هناك مبرر للوجود العسكري الهندي الكبير على الحدود مع باكستان، وسيسمح ذلك للهند التركيز على مواجهة الصين. لهذا ستقدم الولايات المتحدة أجهزة عسكرية إلى الهند من خلال صفقات الأمن. وبوجود البي جي بي الآن في السلطة، وهو حزب أراد منذ زمن طويل لعب دور شرطي شبه القارة، فسيتابع السير في هذا الطريقِ. ومن المتوقع أن تعرض أمريكا على الهند صفقات اقتصادية مثل الاستثمار في شركات الهند، ونقل التقنية لمساعدة اقتصاد الهند. ومن المحتمل أن يُبرز حزب بهارتيا جاناتا (البي جْي بي - BJP) توسّعَه العسكري بسعيه للطاقة في بحار جنوب الصين.

إن أمريكا مهتمة بتعزيز التعاون الاستراتيجي لاحتواء الصين وتحييد نشاطها بوضعها تحت السيطرة وظهور الهند كقوة منافسة للصين، وبخاصة وأن حزب جاناتا قد فاز في الانتخابات بأغلب الأصوات التي تمكنه من السلطة منفرداً، وهذا الأمر يسهل الطريق على أمريكا لتحريك الهند في اتجاه الصين، وبخاصة في المجالات التالية:

أ- إثارة موضوع استقلال منطقة التبت، والخلاف الحاصل بين الصين والهند على حدود منطقة لاداخ...

ب- الطرق التجارية؛ أي الناحية الأمنية لطرق التجارة المارة عبر بحر الصين والتي تشكل 50% من نسبة الشحن الدولية.

وكل هذا يوجد مشاكل تشغل الصين في حلها، ومن ثم تحصرها في المناطق المحيطة وفق السياسة الأمريكية المعدة تجاه الصين، ويبدو أن أمريكا قد نجحت في تحريك مودي تجاه الصين، فقد عيَّن "مودي" القائد السابق للجيش ف. ك. سينغ وزيرا اتحاديا للمنطقة الشمالية الشرقية لإصلاح الأمن القومي فيها الذي يقول مودي إنه أصبح ضعيفا في ظل الحكومة السابقة والتعامل مع الصين، وقد قال للصحفيين بعد تولي منصبه الجديد يوم الخميس الماضي "تنمية الشمال الشرقي ستكون أولويتي القصوى". ومن المتوقع أن سينغ قد يعيد الاهتمام بخطة الهند لإنشاء قوة مؤلفة من 80 ألف جندي على امتداد الحدود مع الصين في الشمال الشرقي.

وهكذا فإن أمريكا ماضية في خطتها بتحريك الهند تجاه الصين بعد تأمين حدود الهند من جهة باكستان، حيث تأمر القيادة الباكستانية بتوجيه الجيش الباكستاني إلى الحدود مع أفغانستان والمناطق الشمالية ليدخل في قتال مع إخوانه المسلمين بدل أن يوجه اهتمام الجيش لفك أسر كشمير وتحريرها كما هو الواجب الذي فرضه الله على المسلمين بأن لا يمكنوا أعداء الله من أن يكون لهم سلطان على أي بلد من بلاد المسلمين. ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

لقد فاقت أمريكا في جرائمها ومؤامراتها وانتهاكها للدول، فاقت عتاة المستعمرين... وهي في سبيل مصالحها الاستعمارية لا تتورع عن كل جريمة ومؤامرة، فهي تتآمر على الصين بشكل مكشوف، وتتآمر على الهند بشكل خفي، حيث تصور لها أن الوقوف في وجه الصين براً وبحراً هو لمصلحة الهند، وتغريها بالمساعدات والاتفاقيات الاستراتيجية، وإن كل ذلك سيلحق ضررا بالهند في نهاية المطاف، فالصين أقوى منها مادياً وفكرياً... ومع ذلك فإن الصين والهند دولتان لا يجمعهما جامع، فأنْ يتصارعا أمر ليس غريباً، ولكن الغريب أن النظام في باكستان والنظام في أفغانستان ينفذان السياسية الأمريكية وهي تقتضي اقتتال المسلمين في باكستان وأفغانستان... والأشد غرابة أن هذين النظامين الظالمين، لا زالا يتسلطان على رقاب الناس! إن الواجب على هذه الأمة التي أعزها الله بالإسلام أن تتمسك به وتحتكم إليه، وأن تزيل هذه الأنظمة، وتقيم من جديد دولة الإسلام، الخلافة الراشدة، فتدوس أمريكا ومؤامراتها، وتعود أفغانستان وباكستان وكل بلاد المسلمين عباداً لله إخوانا، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م