جواب سؤال: الاشتباكات الحدودية بين الصين والهند
June 21, 2020

جواب سؤال: الاشتباكات الحدودية بين الصين والهند

جواب سؤال
الاشتباكات الحدودية بين الصين والهند


السؤال:


نشرت رويترز في 2020/06/10م: (... أوضح مسؤولون هنود أن مئات الجنود كانوا يرابطون في مواجهة بعضهم البعض بمنطقة لاداخ الجليدية النائية منذ نيسان/أبريل في أخطر تصعيد حدودي بين الجانبين منذ سنوات، بعد تقدم دوريات صينية إلى ما تعتبره الهند جانبها من الحدود‭ ‬الفعلية، وتزعم الصين أن الإقليم ملك لها، واعترضت على إنشاء الهند لطرق في المنطقة...). وكانت المنطقة الحدودية بين الصين والهند قد شهدت مناوشات بين حرس حدود البلدين منذ الأسبوع الأول من أيار/مايو. فهل الدافع محلي أم أن أمريكا من ورائه لمضايقة الصين والضغط عليها؟ ثم ما هو أثر هذا النزاع على المسلمين في كشمير المحتلة وباكستان؟


الجواب:


المناوشات الحدودية التي اندلعت في 5 أيار/مايو الماضي، في وادي جلوان بمنطقة لاداخ المرتفعة شمالي الهند، ثم بعد ثلاثة أيام عند ممر ناثولا الجبلي (في جبال الهمالايا ويربط بين ولاية سيكيم الهندية ومنطقة التبت)، هذه المناوشات أدت إلى مأزق عسكري ودبلوماسي بين البلدين، فتاريخ التوتر في العلاقات بين الصين والهند طويل، ويظهر كثيراً بمظهر الصراع على الحدود التي رسمها الإنجليز عام 1890م مع الصين في اتفاقية عرفت باسم سيكيم التبت، عندما كانوا يهيمنون على المنطقة ويستعمرون شبه الجزيرة الهندية الإسلامية مباشرة، فعند خروجهم منها قسموها إلى هند وباكستان، وتركوا كشمير منطقة متفجرة بينهما... وكذلك فعلوا بين الهند والصين لتفجير الصراعات على مناطق عديدة على الحدود. ولبيان ما حدث مؤخراً نتدبر ما يلي:


أولاً: هذه المناوشات الحدودية بين الهند والصين ليست الأولى من نوعها، فقد وقف جيشا البلدين على حافة الحرب بدرجات متفاوتة سنوات 2013، 2014، 2017م، هذا في العقد الأخير وحده، وكان البلدان قد خاضا حرباً طاحنة عبر الحدود سنة 1962م هزمت فيها الهند واحتلت الصين منطقة أكساي تشين شمالي كشمير. والنزاع بين البلدين على الحدود الشرقية ناتج عن الاستعمار البريطاني وضم ولاية أورنتشال براديشت للهند، وعدم ترسيم الحدود مع الصين طوال فترة الاستعمار البريطاني للهند، وأما النزاع على الحدود الغربية فإنه يعود لأطماع البلدين في المناطق الإسلامية كشمير خاصة بعد سنة 1947م. ولكثرة النزاعات الحدودية تلك فإن كلا البلدين ينشران معطيات مختلفة بدرجة كبيرة، حتى عن طول الحدود بينهما البالغة قرابة أربعة آلاف كيلومتر. أما عن المواجهات في الخامس من أيار/مايو الماضي، فقد حدثت عندما اشتبكت القوات على ضفاف بحيرة بانغونغ تسو الجليدية، على ارتفاع 14 ألف قدم على هضبة التبت، مما أسفر عن إصابة عشرات الجنود من الجانبين. ومنذ ذلك الحين، استمر تعزيز القوات وسط المواجهات المستمرة. والصين أرسلت حوالي 5000 جندي ومدرعات بالفعل إلى منطقة الحدود المتنازع عليها في منطقة لاداخ. (ذكرت صحيفة بيزنس ستاندرد أن أكثر من 5000 جندي صيني من جيش التحرير الشعبي اقتحموا خمس نقاط في لاداخ - أربع على طول نهر جالوان، وواحدة بالقرب من بحيرة بانجونج... www.defense-arabic.co 2020/05/24م).


ثانياً: وقد ازدادت سخونة الأحداث بين البلدين بعد أن فصلت الهند منطقة لاداخ عن جامو وكشمير، فقد فهمت الصين من ذلك أن فصل لاداخ عن جامو وكشمير كان لأسباب استراتيجية من أجل استمرار المواجهة الهندية المكثفة ضد الصين منذ وصول رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى السلطة في عام 2014م كرئيس للحكومة التي شكلها حزب بهاراتيا جاناتا، وقد قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ردا على إعلان أميت شاه في 5 من آب/أغسطس 2019م عن نية الهند فصل لاداخ: "إن تعديل الهند لقانونها الداخلي من جانب واحد يضر بالصين ويمس بالسيادة الإقليمية، وهذا غير مقبول". إن الخلافات الحدودية التي تشتعل دوماً بين البلدين تتمثل في بؤرتين مركزيتين: الأولى على الحدود الشرقية، حيث تطالب الصين بضم ولاية أورنتشال براديشت إليها، والتي تبلغ مساحتها 90 ألف كيلومتر مربع وتسميها الصين جنوب التبت، الأمر الذي ترفضه الهند، والبؤرة الثانية، أن الهند تطالب بإعادة الأراضي التي استولت عليها الصين في حرب 1962م على الحدود الغربية، أي في منطقة كشمير الإسلامية، وهي منطقة أكساي تشين والبالغة مساحتها 38 ألف كيلومتر مربع، وهي منطقة شبه صحراوية قليلة السكان، الأمر الذي ترفضه الصين، بل هي تطالب بالمزيد من السيادة في إقليم كشمير، فتتركز المطالب الصينية اليوم عند الحدود الغربية على جزء من منطقة لاداخ الكشميرية المحاذية لمنطقة أكساي تشين، وكانت جزءاً من طرق تجارة الصين القديمة "طريق الحرير".


ثالثاً: منطقة لاداخ التي حصلت فيها المناوشات الهندية الصينية الأخيرة هي منطقة إسلامية وجزء لا يتجزأ من كشمير حكمها الإسلام لقرون، وكانت ضمن ولاية جامو وكشمير إلى أن بترت منها في 2019/10/31م بقانون! وهي منطقة ذات كثافة سكانية منخفضة ولكنها ذات قيمة استراتيجية عالية، فهي أعلى هضبة في الهند وتضم وادي نهر إندوس العلوي، وتقع بين خط السيطرة الصيني الفعلي (LAC) إلى الشرق، وخط السيطرة الباكستاني (LoC) إلى الغرب، وأما من الشمال فيقع ممر كاراكوروم. كما أن آخر مستوطنة هندية قبل ممر كاراكوروم هي (دولات بيك أولدي) وللعلم فهذه تعني حرفياً باللغة التركية "المكان الذي مات فيه الرجل العظيم والغني"، ويقال إنه يشير إلى السلطان سعيد خان حاكم الياركند الذي جاء في حملة للفتوحات في عام 938 هجري، خريف عام 1531 ميلادي، من أجل فتح لاداخ وكشمير للإسلام، وعند عودته إلى ياركند في نهاية عام 939 هجري أصيب بمرض شديد ويقال إنه توفي في هذا المكان، فهي بلاد إسلامية والآن تسيطر عليها الهند ضمن مناطق سيطرتها في إقليم كشمير، ذلك الإقليم الذي تتعدد جراحه، فكما تسيطر الهند على جامو ووادي كشمير ولاداخ تسيطر الصين على منطقة أكساي تشين وترانس كاراكورام تراكت، وكلها مناطق إسلامية في إقليم كشمير فيما لا تسيطر باكستان إلا فقط على منطقة أزاد كشمير وجيلجيت-بالتيستان، وهي ربما أقل من ثلث مساحة الإقليم، وتحاذي أزاد كشمير مناطق الإقليم الواقعة تحت الاحتلال الهندي فيما تحاذي جلجيت المناطق الأخرى من الإقليم الواقعة تحت سيطرة الدولتين الصين والهند. وفي ظل حالة الضعف الحالية للبلاد الإسلامية، وبشكل خاص باكستان، فإن الهند تدعي بحقها في المناطق المتنازع عليها في لاداخ على اعتبار أنها جزء من إقليم جامو وكشمير، فيما ترد الصين وتدعي حقها في تلك المناطق لأنها جزء من إقليم شينجيانغ، أي تركستان الشرقية، فالبلدان يتنازعان الحقوق في هذه المناطق الإسلامية فيما تهيم باكستان على عمالتها لأمريكا ويسكت بقية المسلمين!!


رابعاً: تنظر الصين إلى منطقة لاداخ الواقعة تحت سيطرة الهند نظرة خاصة، ففضلاً عن وجود البوذيين في هذه المنطقة، فهي تحوي طريقين تجاريين قديمين يصلان إلى آسيا الوسطى، ولهذا الواقع أهمية كبيرة في استراتيجية الصين الجديدة "طريق الحرير". وعلى الرغم من توفر طرق أخرى للصين للوصول إلى آسيا الوسطى إلا أن الطريق عبر لاداخ أقصر في الوصول إلى مراكز الثقل السكاني والأسواق في آسيا الوسطى. والذي يزيد من هذا الاعتبار أيضاً أن هذه الطرق التجارية القديمة من شأنها أن تقرب كثيراً من المسافات لإيصال البضائع الصينية من مراكزها الصناعية شرقي الصين إلى شمالي باكستان في طريقها إلى ميناء جوادر على اعتبار أن هذا المشروع هو ممر اقتصادي مهم استثمرت فيه الصين عشرات مليارات الدولارات في الأعوام الأخيرة، لذلك فإن هذا النزاع لا يخلو من هذا البعد في العقلية الصينية. ولو أرادت الصين فتح النزاع الحدودي الآخر بينها وبين الهند (الحدود الشرقية) حول ولاية أورناشال برديشت لما تحققت لها فوائد "الممرات الاقتصادية" التي تسعى لها في إطار استراتيجية "طريق الحرير" التي تجنبها المرور بمناطق سيطرة البحرية الأمريكية خاصة خليج مَلَقَة. والذي يزيد من الشكوك الصينية أن الهند تنخرط في السياسة الأمريكية لكبح صعود الصين الأمور التالية:


1- بعد أزمة وباء كورونا وجدت أمريكا حجة جديدة للنيل من الصين تحت ذرائع مختلفة، فواشنطن تتحدث كثيراً عن ضرورة أن تتحمل بكين المسؤولية عن انتشار الفيروس، وتجر معها دولاً أخرى من ضمنها الهند في اتجاه المطالبة بتحقيق خاصة في معهد ووهان للفيروسات، ومن جانب آخر فإن انقطاع بعض التوريدات من الصين حين ضربها الفيروس أولاً وتأثر الإنتاج في الكثير من المصانع الأوروبية والعالمية نتيجة انقطاع سلسلة توريد القطع من الصين أوجد مطالب بضرورة التخلي عن سلاسل التوريد التي تمر عبر الصين، وبسبب هذا التوجه الذي يضاف إلى جهود الرئيس الأمريكي لإعادة الشركات الأمريكية العاملة في الصين، أو بالأحرى إخراجها من الصين، فإن بكين تشعر اليوم كما لم يكن في أي وقت مضى بأن اقتصادها قد أصبح تحت التهديد والضغط الفعليين.


2- وما يشير أيضاً إلى إنخراط الهند في السياسة الأمريكية هو محاولتها إضعاف الاقتصاد الصيني: (الجنرال فينود بهاتيا، المدير العام السابق للعمليات العسكرية في الهند، يقول للأناضول، إن الصين، وعلى الصعيد العالمي، باتت تفقد "نفوذها اعتقادا بأنها سبب وباء كورونا". وأضاف: "الشركات الصناعية تتطلع لترك الصين؛ وهذا يجبر بكين على المحاولة لتشتيت الانتباه عن أزمة كورونا". ونوه إلى أن عالم ما بعد كورونا "سيكون فرصة كبيرة للهند..." الأناضول التركية، 2020/6/9م). ويبدو أن الفرصة التي يتحدث عنها الهنود هي انتقال الشركات الأجنبية خاصة الأمريكية من الصين إلى الهند. إن الصين تشاهد بأن أمريكا تقف وراء تطوير القدرات الهندية لتمكينها من مواجهة الصين، فدعمت برنامجها النووي حتى أصبحت الهند دولة نووية، وتعطيها مكانة متميزة وأولوية في العلاقات التجارية والاقتصادية، وكذلك أجبرت باكستان على تخفيف التوتر مع الهند بما يسمح للهند بتحريك قطاعات عسكرية كبيرة كانت ترابط على مدار عقود على الحدود مع باكستان وإعادة نشرها على الحدود مع الصين، وهذه السياسة ليست بالجديدة للولايات المتحدة تجاه الهند، بل ممتدة عبر سنوات طويلة، واليوم تضيف الولايات المتحدة إليها إشراك الهند في إخراج الشركات الأجنبية الكبيرة من الصين، وجعل الهند بديلاً لها، أي إشراكها في ضرب الاقتصاد الصيني.


3- ومن الجدير ذكره أنه من الناحية العسكرية فإن الصين تمكنت من تطوير جيشها بشكل كبير، وأصبحت الدولة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة في الإنفاق العسكري بميزانية عسكرية قدرها 261 مليار دولار للعام 2019م، بل إنها تنفق ما يزيد عما تنفقه روسيا وبريطانيا وفرنسا مجتمعات. وعلى الرغم من أن الهند أصبحت في العام 2019م الدولة الثالثة بعد الصين من حيث الإنفاق العسكري بميزانية بلغت وللمرة الأولى 72 مليار دولار إلا أن قدرات جيشها لا تزال صغيرةً قياساً بالقدرات العسكرية للجيش الوطني الصيني. وهذا الواقع من القدرات العسكرية للجيشين يجعل الهند تحسب ألف حساب لخوض معارك واسعة مع الصين، بخلاف ما كان عليه الواقع سنة 1962م، كل ذلك على الرغم من أن للهند أفضلية كبيرة في الأسلحة التقليدية في منطقة النزاع الأخيرة في لاداخ، خاصة وأن الكثير من قطاعات جيشها ترابط على الحدود مع باكستان، أي على مقربة من منطقة النزاع، بخلاف الصين التي لا تركز جيوشها حتى الآن في تلك المنطقة، وهذا الواقع من حيث القدرات العسكرية التقليدية لكلا البلدين في منطقة النزاع قد أكدته دراسة قامت بإعدادها جامعة هارفارد الأمريكية... عربي بوست، 2020/5/31م). لكن الملاحظ بعد تلك المناوشات أن الصين قد أخذت تحشد قوات إضافية في المنطقة وتزيد من قدراتها العسكرية في مواجهة الهند عند الحدود الغربية.


4- وإذا كان النزاع الهندي سنة 2017م عند الحدود الشرقية قد تم نزع فتيله بلقاء جمع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جين بينغ سنة 2018م (وعقد الزعيمان أول قمة غير رسمية بينهما في ووهان في نيسان/أبريل 2018 وخلال هذا اللقاء قبل شي دعوة مودي لزيارة الهند لعقد اجتماع ثان. يورو نيوز عربي، 2019/12/9م)، إلا أن النزاع الحالي يتزامن مع جهود أمريكية مضاعفة للنيل من الصين، الأمر الذي يخلق تعقيدات إضافية تجعل نزع فتيل النزاع أمراً أصعب. وهذه التعقيدات الجديدة التي تعمل إدارة ترامب على خلقها حول الصين مفهومة بشكل كامل في بكين، لذلك (قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، اليوم الثلاثاء، إن "بكين ستكثف استعداداتها للقتال المسلح وستعمل على تحسين قدراتها على تنفيذ المهام العسكرية، وذلك في ظل تأثير جائحة كورونا الكبير على الأمن القومي". سبوتنيك الروسية، 2020/5/26م) وهذا التصريح الصيني وإن لم يقصد الهند تحديداً، إلا أن بكين التي تشعر بمخاطر كبيرة تحيط بها بعد مشاهدتها للنوايا الأمريكية لتحميلها المسؤولية عن انتشار فيروس كورونا، لذلك ربما تفكر الصين وتخطط لإظهار قدراتها العسكرية من باب ردع أي مخطط عسكري أمريكي ضدها يضم حلفاء لأمريكا في المنطقة بمن فيهم الهند. وكأنها توجه رسالة لأعدائها القريبين بعدم التعاون مع أمريكا وإلا فإن الجيش الصيني قادر على إلحاق ضرر كبير بهم. ولعل التقرير المخابراتي الذي أصدرته وزارة أمن الدولة في الصين مطلع نيسان 2020م والذي طالب بكين بالاستعداد لمواجهة عسكرية يكشف عن خطورة المخططات الأمريكية ضد الصين، ولعل القفزات في الإنفاق العسكري الهندي وبلوغها مستوى 72 مليار دولار للمرة الأولى سنة 2019م وصفقات السلاح الضخمة التي يعقدها الجيش الهندي، كل ذلك يشكل تهديداً مباشراً للصين، ويوجد القناعة لديها بأنها، أي الهند، إنما تمثل رأس حربة أمريكا ضدها، ومشاريع البنية التحتية التي تقوم بها الهند في المناطق الحدودية المتنازع عليها مع الصين مقرونة مع تسارع تسلحها توجد المزيد من الهواجس في الصين بشأن مستقبل علاقاتها مع الهند.


خامساً: وأما الموقف الأمريكي من النزاع الأخير بين الهند والصين فقد كان بالتأكيد داعماً للهند، فقد انتقدت السفيرة أليس ويلز، كبيرة المسؤولين المعنيين بشؤون جنوب آسيا في الخارجية الأمريكية، التصرفات الصينية في لاداخ وربطتها باستفزازات بكين في بحر الصين الجنوبي. (NEWS 18، 2020/5/21م)، وكذلك أصدر النائب إليوت إنغل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بياناً قال فيه: "إنني قلق للغاية من العدوان الصيني المستمر على طول خط السيطرة الفعلية على الحدود بين الهند والصين. وتثبت الصين مرة أخرى أنها على استعداد للتنمر على جيرانها بدلا من حل النزاعات وفقا للقانون الدولي...، إنني أحث الصين بقوة على احترام المعايير واستخدام الدبلوماسية والآليات القائمة لحل المسائل الحدودية مع الهند". (فورين أفيرز الأمريكية، 2020/6/1م)، هذا بالإضافة إلى أن أمريكا تحاول أن تستغل هذه الخلافات الحدودية وتوظفها لتكون ورقة رابحة في يدها ضد الصين للضغط عليها فيما يتعلق بسياستها تجاهها للحد من تغلغل نفوذها في المنطقة وتجعلها مشغولة في هذه المناوشات ولابتزازها في الحرب التجارية والتدخل في شؤون الصين. ولهذا قام رئيسها ترامب وعرض الوساطة بين الهند والصين بعد نشوب النزاع الأخير بينهما، وذلك ليتحكم في الحلول بين الطرفين لمصلحته فكتب يوم 2020/5/27م على صفحته في موقع تويتر: "أبلغنا الهند والصين بأن الولايات المتحدة جاهزة ومستعدة وقادرة على القيام بوساطة أو لعب دور الحكم في الخلاف الحدودي المشتعل حاليا بينهما". الحرة، 2020/5/27م) الأمر الذي رفضته الصين، (حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية زهاو ليجيان، إن البلدين لا يريدان "تدخل" طرف ثالث لحل خلافاتهما. الأناضول التركية، 2020/6/9م).


سادساً: ومع ذلك فلم تهدأ أمريكا بل استمر نشاطها في المنطقة التي تعتبر بالنسبة لها من أهم المناطق في العالم، وتوالت أعمالها في التصدي للصين من تحجيمها إلى احتوائها إلى محاولات مجابهتها مباشرة وغير مباشرة في بحر الصين الجنوبي. ولكن أمريكا لم تعد تستطيع القيام بحروب في كل مكان وتحافظ على نفوذها الممتد في كثير من مناطق العالم إلا بالاعتماد على قوى إقليمية ومحلية تكسبها لتعمل لصالحها، وجاءت أزمة كورونا لتفضح أمريكا في أنها ليست الدولة التي تستطيع أن تدير الأزمات التي تعصف بها بنجاح بل ظهر أنها فاشلة وعاجزة أمام فيروس! وتصاعد ذلك بعد أن تفجرت مسألة التمييز العنصري المستفحل فيها بخنق رجل شرطة أمريكي أبيض لمواطن أمريكي أسود ليعريها دولياً... هذا في الوقت الذي تشكل فيه الصين قوة كبرى إقليميا. ولذلك أصبحت أمريكا تعتمد على استخدام الدول الأخرى اعتمادا أكثر من السابق لتحقيق مصالحها والمحافظة على نفوذها... ومن ثم عملت أمريكا على إيصال عملائها في الهند إلى الحكم، حتى تكون الهند طوع بنانها، وحتى تضمن أمريكا أن تكون النتائج دائما لصالحها وسير العملاء منضبطا معها، فقد عملت بكل قواها لإيصال حزب بهاراتيا جاناتا الموالي لها إلى الحكم فوصل هذا الحزب الموالي لأمريكا لأول مرة برئاسة فاجبايي إلى الحكم في الهند عام 1998م حتى عام 2004م حيث جرت الانتخابات في هذه السنة فخسرها أمام حزب المؤتمر، وليعود من جديد ويكسبها عام 2014م وما زال في الحكم، فبدأت أمريكا تستغل الهند ضد الصين، وحتى تمكن الهند من القيام بهذا الدور قامت أمريكا بتحييد الباكستان وجعلها تبتعد عن النزاع مع الهند لتتفرغ الأخيرة في النزاع مع الصين، حتى ظهر التخاذل من حكام الباكستان إلى أبعد الحدود عندما أعلنت الهند العام الماضي يوم 2019/8/5م أن كشمير المحتلة أصبحت جزءا من الهند، وقد ذكرنا في جواب سؤال بتاريخ 2019/8/18م ("لقد رأت أمريكا أن التوترات بشأن كشمير بين الهند وباكستان تؤثر في إضعاف مواجهة شبه القارة الهندية ضد الصين... وللتغلب على هذه التوترات، بدأت الولايات المتحدة بعملية التطبيع بين الهند وباكستان، وكان الهدف من التطبيع هو تحييد القوات الهندية والباكستانية من قتال بعضها بعضاً بسبب كشمير، وتوجيه الجهود نحو التعاون مع الولايات المتحدة في نهاية المطاف لتقييد صعود الصين. وكانت تظن أمريكا أن ضم كشمير للهند وضغط أمريكا على النظام في باكستان لمنعه من إرجاعها عسكرياً ونقل الموضوع للحوار سيميت القضية ويمنع النزاع العسكري بينهما كما هو حال سلطة عباس في فلسطين والدول العربية حولها دون نزاع عسكري مع دولة يهود في الوقت الذي هم فيه يحتلون ويضمون ما شاءوا من فلسطين!...") والتزم حكام الباكستان بذلك فصرحوا كما جاء على لسان رئيس الوزراء عمران خان إذ قال: "إن حكومته ستقوم بالرد المناسب على حكومة الهند حال شنها هجوم على الباكستان"... الأناضول 2019/8/30م) أي ليس لتحرير كشمير! وبعد نحو شهر قال ("إن قائد الجيش باجوا طمأنه بأن الجيش الباكستاني مستعد لمواجهة الهند، في حال شنها هجوما على كشمير المحررة..." قناة جيو نيوز الباكستانية 2019/12/26م) أي على أزاد كشمير وليس لتحرير جامو وكشمير من سيطرة الهند!


سابعاً: وأما باكستان التي تحتفظ بعلاقات وطيدة مع الصين فإنها لا تطالب على الإطلاق بأي حقوق في منطقة أكساي تشين التي احتلتها الصين من الهند، وهي جزء من كشمير، ولا تطالب كذلك بأي حقوق في منطقة لاداخ الكشميرية الواقعة تحت السيطرة الهندية وتطالب الصين بجزء منها! وباكستان التي درجت على إظهار فرحتها بالنزاعات الهندية مع الصين على اعتبار أن الصين ستكسر أنف الهند، العدوة اللدودة لباكستان، فإنها هذه المرة قد لاذت بالصمت، وقد استغربت محطة CNN News-18 ،2020/5/26م هذا الصمت الذي شمل وسائل الإعلام الباكستانية كذلك وأنها لم تَدْلُ بدلوها في هذا النزاع على غير عادتها. وهذا لا يكون إلا بضغط أمريكي، فأمريكا تريد من الهند أن تشعر بالراحة في علاقاتها مع باكستان، ولا تشعر بأي تهديد، كأن يكون الجيش الباكستاني يتربص بها إن هي دخلت في حرب مع الصين، كل ذلك حتى تقدم الهند على نقل المزيد من جيوشها من الحدود الباكستانية إلى الحدود مع الصين، فتصبح في وضع أفضل للضغط على الصين، وتشتيت قوة الجيش الصيني بدلاً من تركيزها في منطقة بحر الصين، وهذا يضعف الصين حتى بدون حرب عندما تصبح مواردها العسكرية موزعة بين الاستعداد لمواجهة مع الهند في الجنوب الغربي، والاستعداد لمواجهة الأعداء الرئيسيين في البحار؛ البحرية الأمريكية والجيش الياباني الذي يزيد هو الآخر من حجم قوته في مواجهة الصين.


ثامناً: وبكل هذا فإن المسلمين في إقليم كشمير يشعرون بأن أراضي إقليمهم باتت موضع نزاع بين دولتين كافرتين، يريد كل منهما نهبها والسيطرة عليها، في وقت تقف فيه باكستان وباقي حكام المسلمين موقف المتفرج، بل إن باكستان قد أخذت تلاحق الجماعات المسلحة الكشميرية على أراضيها لمنعها من الإضرار بالهند، وهذا الواقع الباكستاني والنزاع الصيني الهندي يضعف المسلمين في كشمير بشكل كبير، فبعد أن كانت كشمير في مواجهة الاحتلال الهندي، وكانت مدعومة بشكل قوي من الجيش الباكستاني، فإنها اليوم تجد نفسها في مواجهة دولتين كبيرتين دون أي دعم من باكستان التي تخلي المزيد من ساحات الصراع مع الهند خضوعاً لأمريكا!!


إنه لمن المؤلم أن يكون التنازع بين الهند والصين هو على اقتسام مناطق إسلامية، وبخاصة إقليم كشمير وما حوله؛ فالهند تطالب بإعادة الأراضي التي استولت عليها الصين في حرب 1962م على الحدود الغربية، وهي منطقة أكساي تشين من منطقة كشمير الإسلامية، والصين تطالب بجزء من منطقة لاداخ الكشميرية المحاذية لمنطقة أكساي تشين، وتدعي حقها في تلك المناطق لأنها جزء من إقليم شينجيانغ، أي تركستان الشرقية الإسلامية، فالبلدان يتنازعان الحقوق في هذه المناطق الإسلامية فيما تهيم باكستان على عمالتها لأمريكا ويسكت بقية المسلمين! فحياة المسلمين في ضنك وعيشهم سقيم بما كسبت أيديهم، وصدق الله القوي العزيز ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾... فهكذا هي نجاتكم أيها المسلمون: اتباع آيات الله سبحانه وحديث رسول الله ﷺ بإقامة حكم الله، الخلافة الراشدة، فهي سبيل الرشاد وطريق الجهاد، طريق العز والمنعة والوقاية من الأشرار، وصدق رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن الرسول ﷺ قال: «الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» فاعتبروا يا أولي الأبصار...

30 من شوال 1441هـ
2020/06/21م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م