جواب سؤال:  الاشتباكات الحدودية بين باكستان وأفغانستان
August 28, 2024

جواب سؤال: الاشتباكات الحدودية بين باكستان وأفغانستان

جواب سؤال

الاشتباكات الحدودية بين باكستان وأفغانستان

السؤال: نشرت العربية نت في 2024/8/13: (اتهمت حكومة طالبان اليوم الثلاثاء القوات الباكستانية بقتل ثلاثة مدنيين هم امرأة وطفلان خلال اشتباكات على الحدود بين البلدين.. وقال مسؤول على الحدود من الجانب الباكستاني في تورخام إن ثلاثة جنود باكستانيين أُصيبوا في الاشتباك...) وكان قبل ذلك قد (وقّع صندوق النقد الدولي، الجمعة، اتفاقا مع الحكومة الباكستانية لوضع برنامج مساعدات بقيمة سبعة مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات. سكاي نيوز عربية، 2024/7/13)، فما وراء هذه الاشتباكات، علماً بأن اشتباكات سبقتها كذلك؟ وهل من علاقة بين مساعدات الصندوق الذي تتحكم فيه أمريكا وبين إشغال باكستان بحرب مع أفغانستان بعيداً عن الهند لتتفرغ لمواجهة الصين تحقيقاً للرغبات الأمريكية بمضايقة الصين؟ أم هناك أسباب أخرى؟

الجواب: للإجابة على التساؤلات أعلاه نستعرض الأمور التالية:

1- قلنا في جواب سؤال بتاريخ 28 كانون الثاني/يناير 2023 حول الحدود التي أقامها الاستعمار البريطاني بين باكستان وأفغانستان ما يلي: (في 1893م عقدت اتفاقية بين وزير الخارجية البريطاني آنذاك السير مورتيمر دوراند وشاه أفغانستان الأمير عبد الرحمن خان برسم خط الحدود البرية الذي سمي (خط دوراند) بطول 2640 كيلومتراً بين أفغانستان وباكستان الممتدة من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي. هذه الحدود اعتمدت كحدود رسمية لباكستان وأفغانستان، وقد قسمت قبائل البشتون إلى قسمين على جانبي الخط. علماً أن منطقة الحدود بينهما يقطنها مسلمون ينتمون بأكثريتهم إلى البشتون الذين يعتبرون أكثر الشعوب عددا في أفغانستان حيث يشكلون نحو 40% من السكان، وكل حكام أفغانستان على مدى قرنين كانوا منهم. ويعتبر البشتون الأكثرية الثانية في الباكستان بعد البنجابيين. على كل لقد رفضت أفغانستان الاعتراف بهذا الخط، وخاصة أن إنجلترا في ذلك الوقت لم تأخذ في الاعتبار البنية الديموغرافية والعرقية والقبلية للمنطقة في خط دوراند الذي تم رسمه بشكل مصطنع من خلال مراعاة مصالح إنجلترا الاستعمارية وذلك في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1893. وقد كافح البريطانيون مثل كثيرين من قبلهم للسيطرة على المناطق الحدودية.. وقد تلقت بريطانيا هزيمة عسكرية منكرة في أفغانستان أثناء عدوانها عليها بين عامي 1839 و1842. ثم قامت مرة أخرى بشن عدوان عليها عام 1878 إلا أنها انسحبت منها بعد عامين، ولكنه صار لها نفوذ سياسي عن طريق حكام أفغانستان الذين وقعوا اتفاقية جاندماك عام 1879 وبموجبها فقدت أفغانستان أراضي شاسعة لحساب الاستعمار البريطاني الذي كان يحكم شبه جزيرة الهند الإسلامية... ولما أصبحت حركة طالبان هي الحاكمة في كابول بعد انسحاب أمريكا في آب/أغسطس 2021 بموجب اتفاق الدوحة، فقد أخذت ترفض بصوت أعلى الإجراءات الحدودية التي تقوم بها باكستان، وأصبحت الاستفزازات الحدودية سيدة الموقف بين الطرفين على جانبي خط الحدود الفعلي. وكانت هذه الحدود تسخن حيناً مع التضييق الشديد على اللاجئين الأفغان والعائلات البشتونية التي كانت تتنقل بسهولة عبر الحدود دون أن يعترضها أحد في السابق، إلى غليان تصحبه اشتباكات توقع ضحايا...) انتهى الاقتباس من الجواب.

2- وكان هذا الخط الحدودي (خط دوراند) يجعل الصراع بين البلدين يخبو خلال الأوقات العصيبة التي مرت بها أفغانستان بعد تكالب الدول الكبرى عليها من الاتحاد السوفييتي سنة 1979 والاحتلال الأمريكي سنة 2001، ولكنه اليوم عاد ليطفو على السطح من جديد وفق متطلبات السياسة الأمريكية بعد انسحابها المهين من أفغانستان سنة 2021، وما يجب أن يكون معلوماً أن تلك الحدود كانت رخوةً إبان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وقد سهل ذلك عبور المجاهدين الذين يتلقون التدريب في باكستان لقتال السوفييت في أفغانستان، وكانت رخاوة الحدود تلك استمراراً لواقع ديمغرافي يفرض نفسه في العلاقات بين الأسر البشتونية على جانبي الحدود من ناحية، ومن ناحية ثانية فقد كان ذلك يتوافق مع السياسة الأمريكية المناهضة للوجود السوفييتي في أفغانستان، ولكن وبعد الاحتلال الأمريكي لأفغانستان فقد تبدلت السياسة الأمريكية وصارت تطالب باكستان بتشديد الحدود ومنع المجاهدين المناهضين لاحتلالها لأفغانستان من عبور الحدود، فقام الجيش الباكستاني بحرب شرسة في تلك المناطق الحدودية داخل باكستان.

3- وفي أيار 2018 قامت باكستان بضم المناطق القبلية الحدودية المتاخمة لأفغانستان إلى إقليم خيبر بختونخوا فأنهت بذلك فترة من الضبابية وعدم خضوع تلك المناطق للقوانين وسلطة الشرطة والقضاء الباكستانية، وفيما تعتبر باكستان بأن المسألة الحدودية بينها وبين أفغانستان منتهية (وقد أكد ذلك رئيس الوزراء الباكستاني المؤقت أنوار الحق كاكر أخيرا في مقابلة له مع شبكة "طلوع نيوز" الأفغانية حيث قال إن "خط دوراند هو الحدود الرسمية الدولية بين باكستان وأفغانستان، قضية الحدود مع أفغانستان بالنسبة لنا وجميع دول العالم منتهية". الجزيرة نت، 2024/3/14)، إلا أن جميع الحكومات الأفغانية عبر التاريخ وبغض النظر عن انتماءاتها السياسية والفكرية ظلت ترفض الاعتراف بخط دوراند كحدود دولية رسمية بين البلدين، وآخر تصريح في هذا الصدد وفق المصدر السابق نفسه جاء على لسان الملا نور الدين ترابي، وهو وزير الحدود والقبائل في حكومة طالبان، حيث قال "لا توجد حدود رسمية لأفغانستان مع باكستان". وقد اشتد النزاع بين البلدين على طول تلك الحدود والتي تزيد عن 2600 كيلومتر، وقلنا في جواب السؤال السابق 2023/1/28: (ثم زادت باكستان بالتضييق وفرضت تأشيرة دخول على الأفغان للمرة الأولى في التاريخ، وقد زاد من هذا التوتر إقامة باكستان سياجاً حدودياً بارتفاع 3 أمتار وأنفقت على إنشاء مئات الكيلومترات منه مئات الملايين من الدولارات، وكل ذلك تحت ذرائع ضبط حركة البضائع والأشخاص والحماية من "الإرهابيين". وهكذا كان السياج أحد أسباب توتر الأوضاع وحصول اشتباكات في المنطقة الحدودية بين البلدين. ومن ثم منعت حكومة طالبان القوات الباكستانية من الاستمرار في نصبه على طول الحدود بين البلدين لنحو 2700 كلم بعد أن تم إنجاز نحو 90% منه. وكانت حكومة أشرف غني قد وافقت على نصبه قبل سقوطها. وقد تصدت حكومة طالبان للقوات الباكستانية كلما حاولت الأخيرة استكمال نصب السياج ما أدى إلى حصول اشتباكات بين الطرفين في مناطق حدودية مختلفة ما أوقع قتلى وجرحى في صفوف الطرفين... وهكذا تأزمت الأمور بين البلدين وبخاصة عندما وجهت باكستان الاتهام لحركة طالبان الحاكمة بأنها لا تمنع حركة طالبان-باكستان من مهاجمة الجيش الباكستاني، ثم قامت باكستان بقصف مواقع داخل أفغانستان بادعاء أنها لمقاتلي حركة طالبان-باكستان...) انتهى

4- وهكذا أصبحت المناوشات والاشتباكات بين الجيش الباكستاني وقوات طالبان حقيقةً جديدة في العلاقات بين البلدين، وتشتد هذه المناوشات والاشتباكات بسبب مسألة الحدود وبسبب الهجمات بين "طالبان الباكستانية" وبين الجيش الباكستاني، (وشهد العام الماضي ارتفاع عدد الضحايا إلى أعلى مستوى له منذ 6 سنوات، إذ قُتل أكثر من 1500 شخص من المدنيين ومن أفراد القوات الأمنية والمسلحين، وفقا لمركز الأبحاث والدراسات الأمنية الذي يتخذ من إسلام آباد مقرّا. الجزيرة نت، 2024/7/17)، ومع الاتهامات التي يوجهها الجيش الباكستاني لأفغانستان بإيواء طالبان-باكستان فإن إسلام أباد تقوم بمزيد من التضييق على أفغانستان: (وقال قاري يوسف أحمدي، المتحدث باسم لجنة طالبان لمساعدة العائدين وإعادة توطينهم في مناطقهم الأصلية: "قامت الدولتان المجاورتان - باكستان وإيران - بترحيل أكثر من 400 ألف لاجئ قسراً منذ بداية عام 2024، وكانت باكستان مسؤولة عن 75 بالمئة من عمليات الترحيل". الحرة، 2024/6/11).

5- وبهذا كله يتضح بأن حكومة باكستان، وهي موالية لأمريكا، تقوم بمضايقة واستفزاز حركة طالبان في أفغانستان، فتمنع الأفغان من التنقل بحرية عبر الحدود وتطالبهم بتأشيرة لزيارة أقاربهم عبر الحدود، وتقيم السياج الحدودي وتفرضه كأمر واقع، بل وتقوم بتحريك خط الحدود إلى داخل أفغانستان، وتقوم بالتضييق على اللاجئين الأفغان الذين يزيد عددهم عن مليوني لاجئ منهم 600 ألف هربوا مع الانسحاب الأمريكي سنة 2021 (الحرة، 2023/11/1) وتطردهم بالجملة من باكستان، وسهلت سنة 2022 مرور الطائرات الأمريكية وتنفيذ قصف داخل أفغانستان قتل خلاله أمير تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، وتقوم مخابرات باكستان بعمليات اغتيال في المدن الحدودية الأفغانية تستهدف البارزين في تنظيم طالبان-باكستان.

6- وكل هذه الأعمال التي تقوم بها باكستان تندرج في إطار السياسة الأمريكية القاضية بالتضييق على حركة طالبان في أفغانستان حتى يتم إخضاعها بالكامل، وتندرج أيضاً في إطار رغبات واشنطن بدفع الجيش الباكستاني للحرب الأهلية والحرب مع أفغانستان لتسهيل انسياق الهند مع أمريكا ضد الصين، بل وتندرج أيضاً في محاولة أمريكا منع الصين من استغلال الثروات المعدنية في أفغانستان، وذلك أن العداء الظاهر عبر ما يزيد عن عقدين من الزمن بين أمريكا وحركة طالبان في أفغانستان قد رفع من آمال الصين التي تحتاج صناعاتها لكافة أنواع الخامات باستغلال أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي منها سنة 2021، والنزاع بين باكستان وأفغانستان في مسألة الحدود يعيق تحقيق أحلام الصين التي أنفقت مليارات كثيرة على الممر الاقتصادي في باكستان.

هذا هو الإطار العام للسياسة الباكستانية تجاه أفغانستان، ومنها يتضح بأن أمريكا هي محرك الصراع الرئيسي بينهما، وهذا الإطار العام يشمل إثارة العداء، ويشمل النزاع الحدودي المسلح، ويشمل زيادة التوتر في كافة المجالات، ويشمل هجمات جوية لباكستان داخل أفغانستان، (وأعلن وزير الدفاع الأفغاني أن مقاتلات سلاح الجو الباكستاني هاجمت مناطق مكتظة بالسكان في ولايتي "خوست" و"بكتيكا" على الحدود مع باكستان، ما أسفر عن مقتل أطفال ونساء أبرياء، وفق زعمه. ولم يعلق الجيش الباكستاني أو الحكومة على الأمر. وتأتي الضربات بعد مقتل 6 جنود باكستانيين في هجومين انتحاريين ضد نقطة تفتيش عسكرية بمناطق الحدود الباكستانية - الأفغانية. وأتت الضربات الجوية بعد مقتل 7 عسكريين السبت في هجوم بشمال غربي باكستان في إقليم وزيرستان الشمالي قرب الحدود مع أفغانستان. الشرق الأوسط، 2024/3/18).

7- وهذه العلاقة المتأزمة بين البلدين منذ 2021 تسير في اتجاه التصعيد، لأن أسبابها (الأمريكية) قائمةً، وهي ثابتة باتجاه التصعيد سواء أخذت باكستان القروض من صندوق النقد الدولي أم لم تأخذ، وإذا كانت الشروط الرسمية لصندوق النقد الدولي واتفاقيات القروض والتي تشمل مسائل النقد المحلي وسعر الصرف والتجارة والطاقة والضرائب ولا تشمل "رسمياً" علاقات باكستان مع أفغانستان، إلا أنه لا يمكن استثناء أن السياسة الأمريكية الخبيثة تسيل لعاب العملاء في حكومة باكستان بهذه القروض الموعودة حتى يشتد اندفاعهم في تحقيق مصالحها بما في ذلك زيادة التوتر مع أفغانستان، وقد حصلت باكستان في صيف 2023 على قرض من صندوق النقد الدولي الذي تهيمن عليه أمريكا بقيمة 3 مليار دولار، وهي موعودة اليوم بالحصول على المزيد، (وقع صندوق النقد الدولي، الجمعة، اتفاقا مع الحكومة الباكستانية لوضع برنامج مساعدات بقيمة سبعة مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات. سكاي نيوز عربية، 2024/7/13)، الأمر الذي يزيد في اندفاعها لتحقيق الرغبات الأمريكية.

8- ولكل ذلك فإن تصريحات الحكومة الباكستانية الحالية، الموالية لأمريكا، يظهر فيها رفع مستوى التوتر بين البلدين، وكان ذلك واضحاً في الحادثة التي قتل فيها جنود باكستانيون منتصف تموز 2024:

أ- (قال وزير الدفاع الباكستاني لبي بي سي إن باكستان ستواصل شن هجمات ضد أفغانستان في إطار عملية عسكرية جديدة تهدف إلى مكافحة الإرهاب... BBC English، 2024/7/2) ووفق المصدر نفسه (وقالت حركة طالبان إن البيان "غير مسؤول"، محذرة باكستان من أن الهجمات عبر الحدود ستكون لها "عواقب").

ب- استدعاء السفير: (استدعت وزارة الخارجية الباكستانية نائب رئيس بعثة الحكومة الأفغانية التي تقودها حركة طالبان اليوم الأربعاء، وحثت الحركة على اتخاذ إجراءات ضد جماعات مسلحة متمركزة في أفغانستان تقول إسلام آباد إنها شنّت هجوما على قاعدة عسكرية هذا الأسبوع. الجزيرة نت، 2024/7/17)

ج- (طالبت باكستان الحكومة الأفغانية باتخاذ إجراءات "فورية وفعالة" ضد منفذي الهجوم الذي أودى بحياة 8 جنود الثلاثاء، في اشتباكات مع "إرهابيين" بمقاطعة خيبر بختونخوا... وأشار البيان إلى أن الهجوم نفذته جماعة "حافظ جول بهادر" التابعة لحركة طالبان الباكستانية المتمركزة في أفغانستان وأودى بحياة 8 جنود. وكالة الأناضول، 2024/7/17).

د- نشرت العربية نت في 2024/8/13: (اتهمت حكومة طالبان اليوم الثلاثاء القوات الباكستانية بقتل ثلاثة مدنيين هم امرأة وطفلان خلال اشتباكات على الحدود بين البلدين.. وقال مسؤول على الحدود من الجانب الباكستاني في تورخام إن ثلاثة جنود باكستانيين أُصيبوا في الاشتباك).

9- والخلاصة: إن الخلافات الحدودية والتوتر حول مسألة اللاجئين الأفغان في باكستان، وكذلك السيل المتواصل من اتهامات باكستان لحكومة أفغانستان بإيواء المقاتلين من حركة طالبان-باكستان وأن الهجمات تنطلق من أفغانستان، كل ذلك يرفع من مستوى التوتر بين الجانبين ويوجد الأسباب للمناوشات والاشتباكات الحدودية والقصف الباكستاني داخل مدن وأرياف المناطق الحدودية في أفغانستان، والراجح أن هذا المنحنى قد أخذ طريقاً ثابتاً نحو الزيادة منذ 2021 حين انسحبت إدارة بايدن من أفغانستان، وأن أسباب هذا التوتر أمريكية بالدرجة الأولى كما بينّا... فأمريكا تدفع باتجاهه والزيادة فيه لتحقيق أهدافها في المنطقة ومع الصين، وعلى الرغم من أن شروط صندوق النقد الدولي لا تشمل ذلك صراحةً إلا أن أمريكا تعتبر القروض جزرتها الممدودة لعملائها في باكستان لتحقيق المزيد من التوتر والنزاع والمناوشات بين باكستان وأفغانستان، وفي ظل المنافسة الأمريكية حامية الوطيس بين الديمقراطيين والجمهوريين في الانتخابات الرئاسية واتهام مرشح الجمهوريين ترامب لإدارة بايدن الديمقراطية بتنفيذ انسحاب مهين سنة 2021 من أفغانستان فإن إدارة بايدن قد تدفع بباكستان إلى معارك قوية مع حركة طالبان في أفغانستان لتقول للأمريكيين بأنها أوكلت باكستان نيابةً عنها في حرب حركة طالبان... لكل ذلك فإن تصريحات عملاء أمريكا في باكستان صريحة بالتصعيد والوعيد والتهديد، أي أن المناوشات المتقطعة قد تتطور إلى معارك عبر الحدود، ولكن يستبعد أن تتطور إلى حرب شاملة خاصة وأن الطرف الأقوى - باكستان - ليست له مطالب أرضية من أفغانستان...

10- هذا هو حال المسلمين في ظل غياب أحكام الإسلام التي تقتضي هدم الحدود بين المسلمين وتوحيد بلادهم تحت ظل خليفةٍ واحد، وهو حال مستمر ما دامت الأمة وبخاصةٍ أهل القوة فيها لم تغضب غضبةً لربها وأمتها ولم تهب للإطاحة بهؤلاء الحكام العملاء، الذين ما غربت شمس إلا وباتوا على أمتهم متآمرين، وما أشرقت إلا وهم ينفذون تلك المؤامرات وذلك لإرضاء أعداء الله، أمريكا وغيرها... إن أمر المسلمين لا يصلح إلا بما صلح به أوله: حكم بما أنزل الله في خلافة على منهاج النبوة تشرد بالكافرين من خلفهم ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾... خلافة دستورها الإسلام من كتاب الله وسنة رسوله وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي، وليس دستوراً وضعياً، سواء أكان دستور 1964 في عهد محمد ظاهر شاه أفغانستان الذي انتهى حكمه في 1973 حيث أعلنت طالبان الأخذ به في إعلان وزير العدل 2021/9/28، (الجزيرة والأناضول 2021/9/28)، أم كان من الدساتير الوضعية المعمول بها في بلاد المسلمين الأخرى، فكل هذا خلاف ما أمر الله به ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾، وحري بأفغانستان وباكستان أن يدركا أنهما بلدان مسلمان يحرم الاقتتال بينهما... حري بهما أن يزيدا من تعميق علاقات الأخوة الإسلامية بينهما، وقطع أي صلة بالكفار المستعمرين وعلى رأسهم أمريكا، وأن يستجيبا لنصرة حزب التحرير العامل لإقامة الخلافة، فيعز المسلمون، ويذل الكافرون ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثاني والعشرين من صفر الخير 1446هـ

2024/8/27م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م