جواب سؤال: الاتفاق النووي بين إيران والغرب
July 22, 2015

جواب سؤال: الاتفاق النووي بين إيران والغرب

جواب سؤال
الاتفاق النووي بين إيران والغرب


السؤال:

صادق مجلس الأمن يوم الاثنين 2015/7/20م على الاتفاق النووي الذي تم التوقيع النهائي عليه يوم ‏‏2015/7/14 في فينا بالنمسا بين إيران ومجموعة دول 5+1 بعدما مُدِّد مرتين من تاريخ توقيعه المقرر يوم 2015/6/30 حسب ‏الاتفاق الإطاري الذي وقع في لوزان بسويسرا يوم 2015/4/2. فما فحوى هذا الاتفاق، وما هي نتائجه وانعكاساته على أوضاع ‏المنطقة؟ وفي مصلحة من هذا الاتفاق؟ وجزاك الله خيرا.‏

الجواب:

لا بد من استعراض تصريحات الدول المؤثرة ومواقفها لكي يتضح الجواب:‏


‏1- قام الرئيس الأمريكي عقب توقيع الاتفاق في فينا بإلقاء خطاب متلفز قال فيه: "إن الاتفاق يقطع أي طريق أمام إيران ‏للحصول على أسلحة نووية... إن الاتفاق ينص على رفع ثلثي أجهزة الطرد المركزي التي نصبت في إيران وخزنها تحت إشراف دولي، ‏والتخلص من 98% من اليورانيوم المخصب لديها، وقبول عودة العقوبات سريعا إذا حدث أي خرق للاتفاق، وإعطاء وكالة الطاقة ‏الذرية الدولية مدخلا بشكل دائم لتفتيش المواقع أينما وحيثما كان ذلك ضروريا" (بي بي سي 2015/7/14).‏


وقال وزير الخارجية الأمريكي جون كيري: "إن تطبيق الاتفاق النووي مع إيران سيتم على مراحل وسيبدأ في غضون 90 يوما ‏بعد صدور قرار دولي من قبل مجلس الأمن الدولي بدعمه، وإن سريان بعض البنود سيستغرق 15 عاما فيما ستبقى بنود أخرى سارية ‏المفعول لمدة 25 عاما". (روسيا اليوم 2015/7/14 )...‏


وقال الأمين العام للمنظمة الدولية - الذي يعبر عن رأي أمريكا - قال في بيان "آمل وأعتقد فعلا أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى ‏مزيد من التفاهم والتعاون حول العديد من التحديات الأمنية الخطيرة في الشرق الأوسط". وأضاف أنه "على هذا النحو، فيمكنه، أي ‏الاتفاق، أن يكون بمثابة مساهمة حيوية للسلام والاستقرار في كل المنطقة وخارجها" (إيلاف 2015/07/14)‏


‏2- وأما أوروبا بشُعَبها الثلاث المشتركة في مجموعة الست، أي فرنسا وبريطانيا وألمانيا ومعهم كافة الأوروبيين، فقد أيدوا ‏الاتفاق، فصرحت مسؤولة العلاقات الأوروبية موغيريني قائلة: "إن الاتفاق حدث تاريخي وصفقة جيدة، وهو ينص على سلمية ‏البرنامج النووي الإيراني وعلى حزمة من التدابير التي تضمن ألا تسعى إيران إلى إجراء بحوث أو تطوير برامج تمكنها من الحصول على ‏سلاح نووي، وإنه ليس نهاية، بل هو بداية العمل لمرحلة من التعاون المشترك بين إيران والأطراف الدولية". (روسيا اليوم ‏‏2015/7/14)‏


ورحب الرئيس الفرنسي بالاتفاق النووي الذي أبرم بين إيران والدول الكبرى، وصرح في كلمة متلفزة بمناسبة العيد الوطني: ‏‏"الاتفاق الذي وقعناه في غاية الأهمية والعالم يمضي قدماً"... وقال وزير خارجية بريطانيا فيليب هاموند مشيداً بـ"الاتفاق التاريخي" ‏الذي أبرم الثلاثاء حول البرنامج النووي الإيراني معتبرا أنه "يشكل تغييرا مهما في العلاقات بين إيران والدول المجاورة والأسرة ‏الدولية..." (إيلاف 2015/07/14)... وقال وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير: "إن الاتفاق سيسهم في نشر الأمن ‏بالشرق الأوسط... هذا اتفاق مسؤول وعلى إسرائيل أن تنظر إليه بعناية ولا تنتقد الاتفاق". (تلفزيون إي آر دي الألماني ‏‏2015/7/14)‏


‏3- وأما روسيا والصين فلم يفرضا شروطا ولم يقفا في وجه تلك الشروط الغربية ووافقوا على كل ما حصل:‏


أما روسيا فقد "ابتهج" الرئيس الروسي بوتين باتصال الرئيس الأمريكي به هاتفيا عقب التوقيع على الاتفاق النهائي ليعطي ‏روسيا بعض الاعتبار كرد للجميل على موقفها الذي وقفته والذي كان مسانداً لأمريكا، بل إن أمريكا أخذت موافقة روسيا على كل ‏شيء من قبل فيما يتعلق بإيران وببرنامجها النووي. فقد صرح وزير خارجية أمريكا كيري أثناء زيارته لروسيا ولقائه رئيسها بوتين ونظيره ‏لافروف يوم 2015/5/12 في سوتشي بروسيا مشيراً إلى المحادثات الجارية حول الاتفاق النووي، صرح قائلاً: "إن الوحدة بين ‏موسكو وواشنطن في هذا الموضوع تعد مفتاحا لتوقيع الاتفاق النهائي"، ولذلك فقد رحّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالاتفاق ‏حول البرنامج النووي الإيراني وقال إن الأسرة الدولية تلقته "بارتياح كبير" بعد مفاوضات استمرت سنوات طويلة... من جهته وعد ‏وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في فينا بأن روسيا "ستساهم في خطوات عملية من أجل تطبيق الاتفاق". (إيلاف ‏‏2015/07/14).‏


وأما مندوب الصين فقد قال: "يجب على الجميع التحلي بروح الإيجابية في تنفيذ الاتفاق النووي مشيراً إلى أن تنفيذ الاتفاق ‏النووي مع إيران خلال السنوات العشر الأولى يحظى بأهمية كبيرة." (موقع الوفاق 2015/07/20)، وكذلك فإن "أوباما شكر ‏الرئيس الصيني على دوره في المحادثات مع إيران" (فضائية العربية 2015/07/21).‏


‏4- وأما إيران فكان ابتهاجها بالاتفاق يفوق الوصف! ونسيت، بل تناست، الشيطان الأكبر والأصغر، فقد نقل التلفزيون ‏الإيراني كلمة الرئيس الأمريكي أوباما التي ألقاها بعد الاتفاق مرحباً به، وهي المرة الثانية خلال 36 عاما التي ينقل فيها التلفزيون ‏الإيراني خطابا لرئيس أمريكي مباشرة، علماً بأن العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين منذ 1980! ثم تكلم الرئيس الإيراني بعد ‏أوباما بدقائق واعتبر الاتفاق "نقطة انطلاق" لبناء الثقة بين بلاده والغرب. وقال "إذا تم تطبيق هذا الاتفاق بالشكل السليم... يمكننا ‏أن نزيل انعدام الثقة بشكل تدريجي...". (موقع إيلاف 2015/07/14)‏


‏5- وهكذا فإن جميع القوى الدولية المتفاوضة، (5+1) قد رأت في الاتفاق "عملاً تاريخياً"، وتبعت أمريكا في ذلك، ولكن ‏جهتين عارضتاه ليس لأنه في غير مصلحة أمريكا بل لأغراض أخرى، وهاتان الجهتان هما الحزب الجمهوري في أمريكا وكيان يهود...‏


‏- أما الحزب الجمهوري فهو يدرك أن الاتفاق هو في مصلحة أمريكا بشكل مميز، ولكن كعادة الحزب الجمهوري فهو يحارب ‏بشراسة لمنع نجاح الحزب الديمقراطي في أن يُنسب له مشروع حيوي مميز لمصلحة أمريكا، وبخاصة إذا اقتربت الانتخابات، وهذا الأمر ‏ليس جديداً، ونحن نذكر أزمة الرهائن الأمريكيين التي استمرت من 1979/11/04 وحتى 1981/01/20، حيث بذل الجمهوريون ‏الوسع في إفشال مساعي كارتر الرئيس الديمقراطي آنذاك لحل أزمة الرهائن إلا أن تكون في عهد الجمهوريين وهكذا كان، فقد اتصل ‏مسئولون بارزون في الحزب الجمهوري مع مسئولين بارزين في حكومة الخميني واتفقوا على تعطيل الإفراج عن الرهائن في زمن إدارة كارتر ‏وتأجيله إلى ولاية ريغان بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية، وحصول إيران على أسلحه أمريكية والإفراج عن ودائع إيرانية، بالإضافة إلى ‏اتفاقيات أخرى... وبالفعل تم ذلك، فما إن أدى ريغان الجمهوري قسم التنصيب الرئاسي في (1981/01/20م)، إلا وتم الإفراج عن ‏الرهائن الأمريكيين بعد القسم بعشرين دقيقة وأقلتهم طائرة إلى واشنطن خلال ساعات، وانطلق أنصار ريغان يتحدثون عن هذه ‏المعجزة وانتهاء هذه الأزمة بمجرد وصول ريغان إلى السلطة الرئاسية...!‏


والأمر الآن كذلك فهو صراع انتخابي حزبي، وليس خلافاً على مصلحة أمريكا، والحزبان يدركان أن الاتفاق النووي كان فوزاً ‏لأمريكا، لكن الجمهوريين لا يريدون أن يفوز الديمقراطيون بمشروع حيوي ينسب لهم، وبخاصة وأن الانتخابات الرئاسية قد اقتربت، ‏ومن هذا الباب دخلت المعارضة الجمهورية، فمن المعلوم أن الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون قام بمعارضة التوقيع على الاتفاق ‏لأن للكونغرس حسابات حزبية تتعلق بالانتخابات الرئاسية التي ستجري في بداية شهر 2016/11. فالحزب الجمهوري يعمل على ‏ألا يبرز الحزب الديمقراطي الذي تمثله الإدارة الحالية برئاسة أوباما بأنه حقق نجاحا باهراً يتمكن من خلاله كسب الانتخابات ‏الرئاسية. إن أوباما يدرك ذلك ولهذا فقد هدد بالفيتو إذا سار الجمهوريون في شوط المعارضة إلى مداه وعطلوا الاتفاق في الكونغرس...‏


‏- وأما كيان يهود، فهو لا شك يدرك أنه لم يكن يحلم بمثل هذا الاتفاق، فقد جعل هذا الكيان يتصدر المنطقة بملكية السلاح ‏النووي وحده دون منازع... لكنه أظهر المعارضة لأمور ثلاثة: الأول: يتوقع الكيان أن يفوز الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية، ‏فيقوم بمساندته في حملاته التمهيدية للانتخابات، ومن ثم ينال "حظوة" عند الحزب الجمهوري عند نجاحه... الثاني: يتوقع الكيان أن ‏يقوم أوباما بشيء من الترضية لهذا الكيان لحاجة الديمقراطيين لأصوات اللوبي اليهودي فيكون الاعتراض وسيلة للابتزاز... والثالث: ‏وهو الأهم فإن هذا الكيان يدرك أن الحكام في إيران وفي بلاد المسلمين الأخرى الذين يُفرِّطون في حقوق الأمة وسلاحها لن يستمروا ‏طويلاً، ثم لن يتأخر ذلك اليوم الذي تعود فيه الأمة الإسلامية إلى دينها وينهض علماؤها بصناعتها الحيوية من جديد... إن كيان ‏يهود يدرك ذلك ولهذا يُظهر أن هذا الاتفاق غير كاف لتهيئة الضغوط لتتوجه بعد ملاحقة السلاح النووي في إيران وغيرها من بلاد ‏المسلمين إلى ملاحقة علماء الذرة في بلاد المسلمين...‏


لهذه الأسباب أظهر الكيان معارضته، وإلا فهو يدرك أن الجمهوريين والديمقراطيين يتعهدون بحفظ أمن ذلك الكيان، وإنه لا ‏يستطيع الاستغناء عن مظلة أمريكا لحفظ أمنه، فلا تقوم لليهود قائمة إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وقد قطعوا حبل الله منذ عهد ‏سحيق، والآن هم ممسكون بحبل من الناس، وأمنهم قائم على عامل خارجي، ومثل هذا الاتفاق ركن في حفظ أمنهم، فمعارضتهم ‏للاتفاق غير حقيقية، ولذلك فإن كارتر وزير دفاع أوباما - في الوقت الذي يعارض فيه نتانياهو أوباما - يحل في دولة يهود باستقبال ‏كبير ويقول: "إن إسرائيل دعامة سياستنا في الشرق الأوسط، ولن نسمح لطهران بالحصول على سلاح نووي، وملتزمون بالأمن ‏والدفاع عن حلفائنا في المنطقة." (القدس المحتلة - وكالة قدس نت للأنباء 2015/07/20)‏


‏6- من خلال هذه التصريحات والمواقف يتبين ما يلي:‏


أ- الحرص الشديد للإدارة الأمريكية على توقيع هذا الاتفاق! فتعاملت معه كأنه قضية مصيرية لها وليس لإيران أو لأوروبا أو ‏لأي دولة أخرى... فكان الرئيس الأمريكي يدير المفاوضات عن بعد، وباتصال مباشر واهتمام بالغ بعقد هذا الاتفاق، وأشغل وزير ‏خارجيته به ثلاثة أسابيع متواصلة عدا الاتصالات السابقة، ما يدل على مدى أهمية هذا الاتفاق لأمريكا ومصالحها ومصالح إدارة ‏أوباما، فقد قيّد إيران لعشرات السنين وأبعدها عن صناعة أي سلاح نووي. وإذا ربطنا هذا بالتصريحات السابقة للرئيس الأمريكي ‏ولغيره من المسؤولين الأمريكيين عن أهمية دور إيران الاستراتيجي في المنطقة والاستعداد للعمل معها، بل والعمل معها فعلا كما هو ‏ظاهر، وكذلك تصريحات المسؤولين الإيرانيين الذين أعلنوا فيها تعاونهم مع أمريكا في العراق وأفغانستان واستعدادهم للعمل معها في ‏محاربة الإرهاب والتطرف، وما يشاهد فعلا من موافقة أمريكا الضمنية على ما تفعله إيران وحزبها في سوريا، وكذلك ما حدث في اليمن ‏حيث أعطت لإيران دورا مهما لتمد الحوثيين بالسلاح والعتاد لتلعب دوراً هناك حتى تتمكن أمريكا من بسط النفوذ في اليمن... كل ‏ذلك يشير إلى أن أمريكا تهدف من وراء هذا الاتفاق إلى تسهيل الأمور على إيران برفع العقوبات وإرساء العلاقات العلنية معها حتى ‏تستمر في لعب الدور الذي من شأنه أن يسهل على أمريكا عملها ويخفف عنها الأعباء ويغطي على ألاعيبها مع الدول والشعوب في ‏المنطقة. فتقوم إيران بتنفيذ السياسة الأمريكية فعلا كما هو حاصل في العراق وسوريا واليمن، ولكن بدل أن يكون التنفيذ من وراء ‏ستار يحجب الرؤية كما كان، فإنه يكون من وراء ستار شفاف أو دون ستار!‏


ب- ومن جانب آخر فقد لوحظ أن الدول الأوروبية الثلاث كانت على هامش المفاوضات! وكان الذي يجري يكاد يكون ‏ترتيبات تُعدُّها أمريكا مع إيران حول رفع العقوبات والاتفاق النووي وتنشيط إيران في خدمة المشاريع الأمريكية في المنطقة، ولا شك أن ‏أوروبا كانت تدرك ذلك فأكثر الاجتماعات السرية، بل والمعلنة الحاسمة، كانت تدور بين الممثلين الأمريكان والإيرانيين... وهكذا ‏فقد كان واضحاً لأوروبا أن الاتفاق الذي أعدته أمريكا سيُعتمد، لذلك تراجع الاعتراضُ الأوروبي وخاصة الفرنسي وتم التوقيع... ‏ورأت أوروبا أن تكسب شيئاً من هذا الاتفاق الأمريكي وخاصة من رفع العقوبات، فاندفعت تلك الدول تجاه الساحة الإيرانية، ‏فأعلنت بريطانيا أنها سوف تفتح سفارتها هناك... وأعلنت فرنسا أن وزير خارجيتها سيتوجه إلى طهران... واستعدت الشركات ‏الألمانية للتحرك فوراً نحو إيران، بل إنها منذ فترة وهي ترسم البرامج المستقبلية في إيران والمشاريع التي ستنفذها هناك، فظهر ذلك عبر ‏وسائل الإعلام الألمانية، وكأن الألمان منذ فترة وهم واثقون أن الاتفاق سيوقع ويشعرون أن إيران سوف تتنازل ويدركون أنها رهن إشارة ‏أمريكا... وهكذا فلم يبق أمام الأوروبيين، وقد أدركوا أنهم لا يستطيعون منع الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني، أو التأثير في النفوذ ‏الأمريكي، لم يبق أمامهم إلا أن يتحركوا نحو إيران ليحصلوا على المغانم بكسب الاستثمارات والمشاريع فيها حيث إنهم يعانون من ‏ضائقة مالية، ومن خلالها يمكنهم أن يعملوا داخل إيران على المدى البعيد لاستعادة النفوذ الأوروبي أو بعضه هناك بجانب النفوذ ‏الأمريكي...‏


ج- وأما روسيا والصين، فهم لا يطمعون في نفوذ لهم في إيران... وأن تُسهِّل لهم أمريكا علاقاتهم التجارية مع إيران برفع ‏العقوبات فهو يكفيهم، فإن أضيف إليه، كما ذكرنا آنفاً، اتصال شكر من أوباما على عدم معارضتهم الاتفاق فإنه يكون عندهم ‏أمراً حسناً!‏


د- وأما إيران فقد كان كل ما يهمها رفع العقوبات عنها وظهورها بمظهر المنتصر حتى لو سلخ عنها سلاح العزة للإسلام ‏والمسلمين، وحتى لو كان مقابل ذلك التنفيذ المتسارع المتصاعد للمشاريع الأمريكية في المنطقة بوتيرة أكثر مما هي عليه الآن! وقد ‏أظهرت فرحتها بالاتفاق وتأييده على الصعيد الرسمي والشعبي لأنه يلغي العقوبات وسكتوا عن المقابل لذلك... فقد ألقى الرئيس ‏الإيراني حسن روحاني عبر التلفزيون الإيراني خطابا فور التوقيع، ولكنه انتظر انتهاء الرئيس الأمريكي من خطابه! فأشاد روحاني ‏بالاتفاق وأنه حقق ما تطمح له إيران وقال: "إن جميع العقوبات المفروضة على إيران ستزول في اليوم الذي يدخل الاتفاق حيز ‏التنفيذ...".‏


لقد كان مقابل رفع العقوبات تنازلات لا يقبلها نظامٌ حُرٌ فضلاً عن أن يكون نظاماً يرفع شعار الإسلام، وأي عاقل يُنعم النظر ‏في تلك التنازلات ويتدبرها سيصاب بالدهشة البالغة لفظاعتها، فقد نشرت صفحة "روسيا اليوم" عقب الإعلان عن الاتفاق يوم ‏‏2015/7/14 أهم بنوده ومنها:‏


فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني طويلة المدى مع استمرار تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67%... خفض أجهزة الطرد ‏المركزي بمقدار الثلثين إلى 5060 جهاز طرد... التخلص من 98% من اليورانيوم المخصب... عدم تصدير الوقود الذري خلال ‏السنوات المقبلة وعدم بناء مفاعلات تعمل بالماء الثقيل وعدم نقل المعدات من منشأة نووية إلى أخرى لمدة 15 عاما... السماح ‏بدخول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لكل المواقع المشتبه بها ومنها المواقع العسكرية لكن بعد التشاور مع طهران... الإبقاء على ‏حظر استيراد الأسلحة 5 سنوات إضافية و8 سنوات للصواريخ البالستية... الإفراج عن أرصدة وأصول إيران المجمدة والمقدرة بمليارات ‏الدولارات... رفع العقوبات المفروضة من قبل أوروبا والولايات المتحدة عن إيران...‏
وأضافت الصفحة أن إيران وقعت مع الوكالة الدولية على "خطة طريق" ومما جاء فيها:‏


الإبقاء على القيود المفروضة على إيران في المجال النووي لمدة 8 سنوات... امتناع إيران عن إجراء بحوث علمية بشأن معالجة ‏الوقود النووي لمدة 15 عاما... يجب ألا يزيد احتياطي اليورانيوم منخفض التخصيب في إيران خلال 15 سنة عن 300 كيلوغرام... ‏تلتزم إيران حتى 15 تشرين الأول/أكتوبر بتوضيح القضايا ذات التوجه العسكري المحتمل في الحوار مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.‏


وقالت وكالة فارس الإيرانية يوم 2015/7/14 "إن مسودة الاتفاق تنص على تفتيش جميع المواقع الإيرانية بما فيها العسكرية ‏وعلى زيارة واحدة لموقع بارشين العسكري".‏
يضاف إلى ذلك ما جاء في خطاب أوباما بعد الاتفاق: "...وقبول عودة العقوبات سريعا إذا حدث أي خرق للاتفاق..."‏


إن من يتدبر هذه التنازلات سيصاب بالدهشة البالغة لفظاعتها كما قلنا آنفاً... والغريب العجيب أن النظام يروج لهذه ‏التنازلات بأنها انتصارات! إن هناك من يخطئون ولكنهم يعترفون بخطئهم ويعالجونه أو يسعون لمعالجته وهؤلاء من الناس الذين يمكن ‏للمرء أن يتفهم خطأهم ورجوعهم عنه، ولكن أن يقدم أناس على مآس فظيعة في مصير أمة عامدين متعمدين ثم يعدوها انتصاراً وفوزاً ‏فتلك ظلمة قاتلة قد يخفف شيئاً من ظلمتها ذلك الضوء الذي بدأ يظهر من بعض الواعين في إيران الذين لم


ينخدعوا بذلك الترويج للنصر الزائف بل رأوه هزيمة رأي العين، فقد انتقد موقع رجا في إيران الاحتفاء بالاتفاق وقال: "إنه ليس ‏انتصارا وإنما هزيمة ماحقة لأنه أغلق قسما كبيرا من تكنولوجيا إيران النووية" (موقع إيلاف، 14 تموز/يوليو)... حتى خامنئي أدرك أن ‏سلاح الترويج للنصر هو سلاح خاسر وبخاصة بعد أن بث التلفزيون الإيراني خطاب أوباما قبل خطاب رئيسه! فعاد "مرشد الثورة" ‏يحاول إصلاح الخسران بوصف أمريكا بالمتغطرسة... وأن سياستها تختلف عن سياسته... وأنه لا يتفاوض معها... ولكن متى؟! بعد ‏أن شبع مفاوضةً... وبعد أن أصاب المشروع النووي الأمريكي من إيران مقتلا... حتى رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الذي حاول ‏النظام أن يبرر بهما هذه التنازلات لا تقوم بهما حجة، وتكرار ذلك في خطابات روحاني: "إن تلك العقوبات تسببت في مشاكل ‏كثيرة في المجتمع الإيراني 2015/6/23" وكرر ذلك مرة أخرى في خطابه الذي ألقاه عقب توقيع الاتفاق وأذاعه التلفزيون الإيراني ‏فقال: "إن العقوبات تركت آثاراً على الشعب الإيراني" 2015/7/14... كل ذلك من باب الخداع لأن آثار العقوبات لا تُمحى ‏بالتنازلات المهينة، بل بتطبيق أحكام الإسلام بصدق وإخلاص وبخاصة النظام الاقتصادي في أحكام الملكية العامة وملكية الدولة، ‏وأن يقوم على التطبيق رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فيحسنوا استغلال الثروات الهائلة في إيران، في باطن الأرض وظاهرها، وهذا ‏النظام مسطور في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ‏ يدركه كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد... كل ذلك يُحيي ‏الناس وينهض بهم من ضنك العيش، ويرتد تأثير العقوبات على صانعها وليس على المصنوعة له. وأما الإفراج عن الأموال فلو حسبت ‏تكاليف الأسلحة التي تتخلى عنها إيران مقابل ذلك لما كان الفرق كبيراً! فكيف إذا أضيفت القيمة المعنوية التي تخسرها الأمة بنزع ‏جزء مهم من سلاحها؟!‏


هكذا تعالج العقوبات، وليس بالتنازلات المهينة...

﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾‏.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م