جواب سؤال
الحياة الزوجية
السؤال:
نقرأ في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحياة الزوجية الآمنة المطمئنة... ولكننا نشاهد في أيامنا هذه اختلافاً كبيرا في البلاد التي فيها نعيش (......) حتى بين الأزواج من حملة الدعوة، فيختلفان في اختيار مكان السكنى، وفي المعاملة تجاه والدي الزوج، أو صلة المرأة لوالديها، أو زيارة أقارب زوجها... وأن الحمو هو الموت... وهكذا يستمر نقاش الزوجين بأن هذا من حقه أو من حق صاحبه، وذاك واجب عليه أو واجب على صاحبه... وكل منهما يتمسك برأيه ظاناً أنه على حق وفق أحكام الشرع لا يتزحزح عنه...
فهل من كلمة للأزواج، وبخاصة إن كانوا من حملة الدعوة؟
ثم ما معنى الآية الكريمة {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}.
وجزاكم الله خيراً.
الجواب:
لقد عجبت من هذه الأسئلة، بل وانزعجت، فكيف لحملة هذه الدعوة التقية النقية، بإذن الله، كيف لهم أن يفشلوا في عيشهم، وأن تسودهم الشحناء والبغضاء بدل أن تسودهم المودة والوفاء؟
إن الحياة الزوجية ليست أرقاماً جامدة 1+1=2 ! إنها مودة ورحمة، وسكينة وطمأنينة. إن هؤلاء الذين لا يعرفون كيف يجعلون حياتهم الزوجية مودة ورحمة كما قال سبحانه {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الروم (30)، هؤلاء يحتاجون إلى درسٍ ودرس، وعظةٍ وعظة، وقد يحتاجون فوق ذلك إلى العقاب! على كلٍّ، هذه هي الأجوبة:
1- جميع أسئلة العلاقات الزوجية جوابها:
للأزواج حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»أخرجه الترمذي وابن ماجة.
وللزوجات: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا» أخرجه الترمذي. وعند ابن ماجة نحوه، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها.
وأكرر إن على الزوجين أن يدركا أن العلاقة الزوجية ليست جامدة كالمعادلة الحسابية 1+1=2 بل هي سكن وطمأنينة، ومودة ووفاء كما قال سبحانه {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} الروم (30):
فعلى المرأة طاعة زوجها وإدخال السرور إلى قلبه ولو كان على حساب راحتها، وليس هناك امرأة عاقلة تقول لزوجها، عليّ طاعتك ولا علاقة لي بوالديك، لأن العاقلة تدرك أن إحسانها لوالديه هو مبعث سرور للزوج الذي أُمرتْ بإدخال السرور إلى قلبه... يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:«مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» أخرجه ابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه. وأخرج أبو داود عن ابن عباس نحوه.
وعلى الزوج أن يحسن معاملة زوجته، ويُحسن عشرتها }وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}النساء (19)، ويعطيها حقها من حسن العِشرة، وفي الوقت نفسه يعطي والديه حقهما عليه المفروض لهما، دون أن يقصر في إحسان عشرة زوجته، ولا في فرض والديه عليه، فقد قال سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} الإسراء(23).
{وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا}العنكبوت (8).
- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أخرجه البخاري.
وليس هناك رجل عاقل يمنع زوجته من صلة والديها وأرحامها، بل يُكرم أهلها، ويديم العلاقة معهم بالحسنى ففي ذلك تقوية لأواصر المصاهرة ودوام لحسن العشرة بين الزوجين، فقد قرن الله سبحانه الصهر بالنسب في تعداد آياته للناس ليتدبروها، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا...}الفرقان (45) إلى أن قال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا} الفرقان(53-54)، فاقتران النسب والصهر في معرض ذكر آيات الله فيه دلالة على أن لكل منهما الاعتبار والاحترام، وأن كلا منهما موضع تدبر وتفكير في عظمة الخالق وقدرته.
ويكفي هذا الإجمال لكل زوجين عاقلين {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} ق (37)، ومن لا يكفيه الإجمال لا ينفعه مزيد شرح أو تفصيل.
2- أما الأسئلة الأخرى التي ليست من صلب العلاقة الزوجية وإنما ذات علاقة:
أ- موضوع الحمو وأنه الموت كما ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ».
هذا إن لم يكن مع المرأة زوجها أو محرم... وإنما كانت خلوة مع الحمو، والحمو هو قرابة الزوج من غير محارم الزوجة أي أخو الزوج وابن عمه... وأما أبو الزوج، فهو وإن كان لغةً من الأحماء لكنه ليس داخلاً في الحديث لأنه من محارم الزوجة. ودخول الأحماء على النساء في خلوة هو كالموت الوارد في الحديث مبالغة في التحريم.
وأما مع وجود الزوج أو محرم للمرأة فلا شيء في ذلك فيما أجازه الشرع مثل صلة الأرحام، والاجتماع على الطعام، فالمنهي عنه هو الخلوة، يقول ابن حجر في فتح الباري عند شرحه لحديث «الحمو الموت» المار:
"... قَوْله ( أَفَرَأَيْت الْحَمْو )، زَادَ اِبْن وَهْب فِي رِوَايَته عِنْد مُسْلِم "سَمِعْت اللَّيْث يَقُول الْحَمْو أَخُو الزَّوْج وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِب الزَّوْج اِبْن الْعَمّ وَنَحْوه" وَوَقَعَ عِنْد التِّرْمِذِيّ بَعْد تَخْرِيج الْحَدِيث "قَالَ التِّرْمِذِيّ: يُقَال هُوَ أَخُو الزَّوْج... قَالَ: وَمَعْنَى الْحَدِيث عَلَى نَحْو مَا رُوِيَ لَا يَخْلُوَنّ رَجُل بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثهمَا الشَّيْطَان" انتهى.
ومثل هذا حديث المغيبات الذي أخرجه أحمد والترمذي عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ». وَالْمُغِيبَةُ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَكُونُ زَوْجُهَا غَائِبًا وَالْمُغِيبَاتُ جَمع الْمُغِيبَةِ.
فموضوع الحمو والنهي عن دخوله هو عندما تكون خلوة أي لا زوج عندها ولا محرم، وهكذا الدخول على التي يكون زوجها غائباً، فالموضوع هو في الخلوة. أما مع وجود الزوج أو محرم فيجوز زيارة أقارب زوجها، فإن تقوية الصلة بين الرجل وأهل زوجته، وبين المرأة وأهل زوجها... كل ذلك جائز ما دام وفق أحكام الشرع.
ب- سكنى المرأة هي تبع لزوجها، فحيث يسكن زوجها يجب عليها أن تسكن معه ما دام السكن يحقق لها عيشاً كريماً بحسب وسع الزوج وطاقته، ولا يجوز لها أن تفرض عليه موقع البيت الذي يسكنه، بل لها أن تتفاهم معه بالحسنى لتحديد مكان السكن، لكن الرأي النهائي له فعليها أن تسكن معه حيث يسكن {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} الطلاق (6)، والآية في حق المطلقات خلال العدة، وهي تبيّن حق المطلقة خلال العدة في السكنى حيث يُسكنها زوجها الذي طلَّقها، ومن باب أولى هي في حق الزوجات كذلك، أي حق السكنى. ومعنى من حيث سكنتم أي في المكان الذي تسكنون فيه، فإن "حيث" هي ظرف مكان، و"من وجدكم" أي وسعكم وطاقتكم.
وطلبها منه الطلاق إذا لم يُسكنها حيث تريد هو أمر مخالف للشرع، ما دام مكان السكنى ملائماً، وآمناً، ولا مخالفات شرعية فيه... ووفق وسع الزوج وطاقته...
جـ- يحرم على الزوج أن يمنع زوجته عن صلة والديها، لأن صلة الوالدين فرض على الرجل والمرأة، وليست فرضاً على الرجل فحسب، لأن الخطاب عام للرجل والمرأة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» أخرجه مسلم من طريق جبير بن مطعم. و"قاطع رحم" نكرة في سياق النفي «لا يدخل» فهي لفظ عام أي تشمل الرجل والمرأة، وعليه فكما أن صلة الرجل والديه فرض، فكذلك صلة المرأة والديها فرض. لذلك فإن الزوج إذا منع زوجته من صلة والديها فهو آثم، وإذا تحققنا من ذلك فنتخذ عقوبة إدارية بحقه.
فعلى الزوج أن ييسر الصلة بين المرأة ووالديها، بشكل لا يتعارض مع اهتمامها بزوجها وبيتها وهو أمر ميسور للأزواج العقلاء، الأتقياء الأنقياء... أما الأزواج الذي يجعلون من صلة الأرحام مشكلة فهم ليسوا من جنس هذه الدعوة المخلصة لله سبحانه الصادقة مع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم...
د- أما الآية الكريمة: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} طه (132)، أي وأقبِل أنت مع أهلك على عبادة الله والصلاة؛ ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة ، فنحن رازقوك، ولا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، فاهتم بطاعة الله وأمر أهلك بذلك، واعلم أن حسن العاقبة هي لأهل التقوى.
أخرج مالك في موطئه عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ يَقُولُ لَهُمْ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}.
وقد ذكر الله سبحانه في الآية {وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} وهي ذات دلالة أشد من "واصبر عليها" لأن الزيادة في المبنى "واصطبر" هي زيادة في المعنى، وهذا يعني الجد والاجتهاد في هذا الأمر، والصبر الشديد على ما يلاقيه المرء من صعوبات في إصلاح أهله ونفسه بالبعد عن النار وعما يقرب لها من عمل، والله يتولى الصالحين.
ويحسن بهذه المناسبة تذكُّر الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} التحريم (6):
{ قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} أي باعدوا أنفسكم وأهليكم "أزواجكم وأولادكم..." من النار بأن تطيعوا الله سبحانه وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتتعلموا أحكام دينكم وتعلموها إلى أهليكم، وتحسنوا تربيتهم وتأديبهم وفق أحكام الشرع، فتأمروهم بالصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر الأحكام...