جواب سؤال: المأزق الأمريكي الروسي الإيراني في سوريا!
June 30, 2016

جواب سؤال: المأزق الأمريكي الروسي الإيراني في سوريا!

  جواب سؤال

 المأزق الأمريكي الروسي الإيراني في سوريا!

السؤال: قال رئيس هيئة الأركان الروسية الجنرال فاليري غيراسيموف "إن صبر روسيا حيال ما يحدث في سوريا هو الذي نفد وليس صبر الولايات المتحدة" (الجزيرة، 2016/06/21م)، وذلك إشارة إلى تصريح كيري بأن صبر أمريكا قد نفد حيث قال "على روسيا أن تفهم أن صبر واشنطن "محدود جدا" على صعيد التزام وقف إطلاق النار". (الجزيرة نت، 2016/6/15)، وكان قد رد عليه وزير الخارجية الروسي لافروف خلال مشاركته في منتدى بطرسبورغ الدولي يوم الخميس 16 حزيران/يونيو قائلاً: "قرأت توضيحا أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية حول تصريحات كيري. وعليهم أن يتحلوا بصبر أكبر". (روسيا اليوم، 2016/6/16)، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فقبل ذلك وبطلب من إيران اجتمع وزراء دفاع روسيا وسوريا وإيران في طهران يوم الخميس 2016/6/9 لتنسيق الأعمال العسكرية في سوريا... والسؤال هو: هل يعني هذا أن هناك مأزقاً أمريكياً روسياً إيرانياً بالنسبة للمشاريع الأمريكية السابقة للحل (المفاوضات، جنيف، وفد الرياض) وإن كان، فهل التدخل العسكري البري أصبح وارداً وأنه على الأبواب؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب: أما أن هناك مأزقاً أمريكياً روسياً إيرانياً في سوريا فهذا صحيح، والصحيح أيضاً أنه في الدرجة الأولى مأزق أمريكي لأن روسيا وإيران هي عوامل مساعدة للسياسة الأمريكية في سوريا... أما إن كان هذا يعني أن التدخل البري على الأبواب ففي هذا نظر يتوقف على الوجهة التي تتجه إليها الأحداث... ولفهم حقيقة ما يجري لا بد من الإشارة إلى النقاط التالية:

1- توقفت آخر جولة للمفاوضات في جنيف 2016/4/22 بانسحاب المعارضة منها بسبب عدم جديتها وفقاً للمعارضة، ثم (استقال "كبير المفاوضين" محمد علوش 2016/5/30، العربية نت)، وقد تراجع دي ميستورا عن إعلان بدء الجولة الجديدة من المفاوضات، فبعد أن "قال ستافان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة لسوريا إنه سيتم الإعلان عن موعد بدء جولة جديدة من المحادثات السورية في وقت لاحق اليوم الخميس "26 أيار/مايو 2016"، بعد التشاور مع مجلس الأمن الدولي وذلك على الرغم من استمرار أعمال العنف الميدانية" (موقع الوسط، 2016/5/26)، بعد ذلك عاد يوم 2016/6/9 و"قال ستيفان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، اليوم الخميس، إن المنظمة الدولية لن تعقد جولة جديدة من محادثات السلام السورية في جنيف حتى يتفق المسؤولون من كل الأطراف على معايير اتفاق الانتقال السياسي الذي تنتهي مهلة التوصل إليه في الأول من آب/أغسطس. وقال دي ميستورا للصحفيين "الوقت لم يحن بعد لجولة ثالثة رسمية من المحادثات السورية". (Baladi-news 2016/6/9).

2- على غير العادة، فقد أعلنت أمريكا عن البدء بقصف داخل سوريا انطلاقاً من البحر المتوسط، وهي المرة الأولى التي تنفذ فيها أمريكا مثل هذا القصف في المنطقة انطلاقاً من المتوسط منذ احتلال العراق سنة 2003. فقد نقلت روسيا اليوم 2016/6/9 عن صحيفة أمريكية "وذكرت صحيفة وال ستريت جورنال أن حاملة الطائرات الأمريكية "هاري ترومان" قامت بمناورتها المفاجئة الأسبوع الماضي، وأبحرت من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، ووفقا للصحيفة فإن الغرض من هذه المناورة هو استعراض لقوتها العسكرية أمام روسيا...".

3- وقّع 51 دبلوماسياً ومسؤولاً في وزارة الخارجية الأمريكية وثيقة، تم تسليمها للرئيس أوباما تدعوه للعمل العسكري في سوريا، فقد ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في نسختها الصادرة، الخميس 16 حزيران/يونيو، "أن 51 موظفا من وزارة الخارجية الأمريكية وقعوا على رسالة دعوا فيها أوباما إلى إجراء عملية عسكرية في سوريا..." (روسيا اليوم، 2016/6/17).

4- وأخيراً زيارة ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان واجتماعه مع الرئيس أوباما 2016/6/17 في البيت الأبيض، وهو إجراء نادر لغير رؤساء الدول، وكذلك زيارة وزير خارجية السعودية الجبير لأمريكا وبحث الأزمة السورية خاصةً مع المسؤولين الأمريكان...

5- إن إنعام النظر في مجموع هذه الزيارات والاجتماعات والتصريحات يبين ما يلي:

أ- أن أمريكا تشعر بفشل كبير في سوريا، فالمفاوضات فقدت زخمها، وتساقط بعض قادتها، وأمريكا لم تجد البديل للأسد، والثورة في سوريا لم تفقد حيويتها، وهي ضاغطة ضد المفاوضين. وبمراجعة ما حققته أمريكا من تقدم على الساحة السورية يتبين أن أهمَّهُ كان انخراط الجماعات المسلحة في العملية السياسية (وفد الرياض، وجنيف)، وكان إعلان وقف الأعمال العدائية 2016/2/27 هو الأمل الأمريكي الكبير بزج الثورة السورية في أتون ودهاليز العملية السياسية لصناعة البديل عن الأسد، من دون ضغط ميداني من الثورة. ومع ارتفاع أصوات لافتة للنظر داخل الحركات المسلحة التي شاركت في وفد الرياض، هذه الأصوات كانت ضد العملية السياسية وقد شكلت عوامل ضاغطة على هذه الحركات المسلحة وفصائل أخرى بالإضافة إلى استياء الناس من سير بعض الحركات في العملية السياسية ما شكل رأياً عاما ضاغطاً... كل هذا أوجد نشاطا مسلحا مكثفا ضد النظام، سواء أكان صادقاً أم كان مؤقتاً لكسب ثقة الناس من جديد، ما ترتب عليه استعادة مناطق استراتيجية جنوب حلب على مراحل عدة (معارك العيس، ثم خان طومان، وما بعدها)، كل هذا قد قصم ظهر الإعلان الأمريكي الروسي بوقف العمليات العدائية، فلم يعد هناك من جدوى لاستمرار مفاوضات جنيف في ظل تفجر الأوضاع الميدانية التي شكلت رصاصة تكاد تكون قاتلة للمسيرة السياسية... وهكذا فإن أمريكا في مأزق.

ب- كانت معارك جنوب حلب من زاوية ميدانية تمثل هزيمة كبيرة للحشود الإيرانية وأشياعها، فصارت إيران مطالبة بالمزيد من القوات البرية في سوريا، ومع الخسائر وقلة الانتصارات، يضاف إليها بعض المعوقات في تخفيف الحظر الاقتصادي عليها بعد توقيع جنيف إيران النووي ما يؤدي إلى تناقص المخصصات المالية للعمل العسكري الإيراني في سوريا، وهكذا فإن إيران قد تكون استُنزفت فعلاً في مساعداتها العسكرية للأسد، لذلك طلبت إيران بإيعاز من أمريكا النجدة من روسيا فكان اجتماع وزراء الدفاع في طهران... أي أن إيران هي الأخرى في مأزق.

ج- وأما روسيا فإن عوامل عدة قد استجدت، فجعلتها غير قادرة، أو فاقدة للإرادة في استجابتها القذرة للمطالب الأمريكية، فأمريكا تريد من روسيا المزيد من الأعمال العسكرية لوقف الثوار عند حدود سيطرتهم الحالية، أي قطع الأمل بالتقدم الميداني، وهو ما كانت تقوم به روسيا منذ تدخلها في سوريا في 2015/9/30 وحتى وقت غير بعيد، فقد تبجح وزير الخارجية الأمريكي كيري في 2016/2/11 في قمة المانحين لسوريا في لندن "بأن روسيا ستقتلع الجماعات المسلحة في سوريا خلال ثلاثة أشهر"، فهذا الهدف هو ما كانت تطمح أمريكا لإنجازه بالتدخل الروسي. أما ما هي العوامل التي استجدت وجعلت التدخل الروسي غير حاسم، فهي كالتالي:

* بالاضافة إلى شدة عدائها للإسلام، وتخوفها الكبير من الحالة الإسلامية للثورة السورية، فإن روسيا كانت ترى في تدخلها في سوريا فرصة لإبراز العظمة الروسية المفقودة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، وحرصت على إبراز قواتها الجوية والفضائية وصواريخ كاليبر وقدرتها على القصف في سوريا من بحر قزوين، والبحر المتوسط، وكانت تتوقع أن هذه الهجمات الوحشية ستحقق الغرض الأمريكي فتجبر أهل سوريا على التفاوض مع النظام بالشروط الأمريكية لكنها فشلت.

* كانت روسيا تريد أيضاً فك العزلة الدولية والعقوبات المفروضة عليها بعد ضمها لجزيرة القرم وإشعالها لشرق أوكرانيا. وهذا لم يتم لها أبداً، بل ازدادت نقمة الدول عليها، وتوسعت الهوة بشكل خطر بينها وبين الاتحاد الأوروبي، الذي لم يبرح يكيل لها الاتهامات، بل والتلميح بمحكمة الجنايات الدولية، وكانت بريطانيا أشد الدول الأوروبية نقمةً على روسيا، ثم ألمانيا التي صارت تدرج روسيا "كخصم"، أي عدو في كتابها "الأبيض"، فرفضت المستشارة الألمانية أثناء اجتماع قمة السبع الكبار في اليابان في 2016/5/26 مجرد البحث في تخفيف العقوبات عن روسيا.

* روسيا دولة ضعيفة اقتصادياً، ولا يمكنها الاستمرار في الإنفاق على حرب بعيدة عن حدودها، وبخاصة وهي ترزح تحت العقوبات الغربية، وقد أضناها سعر النفط المتردي، فإن نزيف نفقاتها في سوريا لا يمكن تحمله لفترة طويلة. ويلحق بالإنفاق الروسي التزامات مالية لاحقة للمحاربين الروس في سوريا، والبالغ عددهم 25 ألف شخص بحسب وزارة الدفاع الروسية: "شارك 25 ألف عسكري ومدني روسي منذ أيلول/سبتمبر 2015، في الحرب الدائرة في سوريا، بحسب ما أوضح قانون أقره النواب الروس، الثلاثاء، بشأن إقرار وضع "محارب قديم" لهذه الحرب". (سكاي نيوز عربية، 2016/06/21م).

* تتخوف روسيا بقوة من مستقبل اتفاقها مع أمريكا في سوريا، وذلك عندما تتبدل الإدارة الأمريكية بعد انتخابات تشرين الثاني 2016 الرئاسية، لذلك فروسيا تأمل بإنهاء مهمتها الحربية في سوريا قبل رحيل إدارة أوباما، أو أن يكون تدخلها باتفاق علني مع أمريكا. لذلك تطالب روسيا وبشكل مستمر بإخراج تنسيقها مع أمريكا في سوريا إلى العلن، الأمر الذي تشيح أمريكا بوجهها عنه... فقد طالبت بغارات مشتركة أمريكية-روسية ضد الجماعات التي تنتهك "وقف الأعمال العدائية"، فرفضت أمريكا...

* ومن غرابة سوء الفهم الروسي أنها تعتبر نفسها شريكاً لأمريكا على الأقل في المسألة السورية، فتريد ترجمة اجتماعات لافروف-كيري، أي القرارات في الأزمة السورية، إلى حلف عسكري علني في سوريا، فروسيا لا تفهم أن ثنائي لافروف-كيري قد أخرجته أمريكا لمنع الدول الأوروبية من التدخل في الأزمة السورية، وهي لا تفهم بذلك أنها مجرد حجر شطرنج، وإن كان كبيراً على الطاولة الأمريكية. فمن أجل الدفاع عن النفوذ الأمريكي في سوريا، ومواجهة بروز الإسلام في الثورة السورية، تستخدم أمريكا إيران وأشياعها تارةً، وتستخدم روسيا تارة أخرى، لكن روسيا المندفعة بهوس البحث عن العظمة تظن أنها شريكة لأمريكا في سوريا. وهذا ما يفسر تصريحات كيري بأن صبر أمريكا محدود جداً بخصوص روسيا في سوريا، أي يطالبها بالاندفاع وبسرعة لنجدة قوات الأسد المنهارة خاصة جنوب حلب، وهذا ما يفسر أيضاً استغراب لافروف من تصريحات كيري، ودعوته لأمريكا للتحلي بالصبر، فأمريكا ترى روسيا حجر شطرنج بيدها، وروسيا ترى تدخلها في سوريا نموذجاً للشراكة الدولية مع أمريكا!... لكل هذه العوامل فإن روسيا هي كذلك في مأزق.

6- وهكذا فإن أمريكا في مأزق وروسيا في مأزق وإيران في مأزق، وكما قلنا آنفاً فهو مأزق أمريكي في الدرجة الأولى، ولهذا شكل هذا الوضع حرجاً كبيراً لأمريكا في ظل النزيف الكبير لقوات الأسد وإيران وأشياعها، والظاهر أن أمريكا رأت أن إيران قد استُنزفت بشكل غير بسيط في سوريا، وأن تدخل إيران العسكري، وإن أطال من عمر النظام في دمشق، إلا أنه لا يساهم في الحل في سوريا، وفي ظل فشل روسيا في حسم الموقف في سوريا بإجبار أهل سوريا على الخنوع أمام نظام الطاغية رغم القصف الوحشي واستعمال القذائف الحارقة، في ظل هذا الفشل، فإن خيارات أمريكا في سوريا قد أصبحت حرجة للغاية، وبخاصة وأنها في فترة انتخابات وأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي يستغلون هذه الفترة في إظهار مساوئ بعضهم بعضا، هذا بالإضافة إلى مذكرة

الدبلوماسيين الذين يرون تدخل أمريكا بنفسها... ولذلك فإن أمريكا تُظهر أنها مهتمة ببحث التدخل... وترسل حاملة الطائرات هاري ترومان من الخليج إلى البحر المتوسط... وتقصف من البحر المتوسط إلى داخل سوريا... وتستدعي وزير الدفاع السعودي محمد بن سلمان، ويجتمع مع الرئيس أوباما في المكتب البيضاوي، وهو أمر نادر لغير رؤساء الدول، ليبدو للمتابع أن الغرض عسكري بامتياز!

7- ومع ذلك فإن سياسة الإدارة الأمريكية الحالية كما تدل عليها تصريحات مسئوليها هي أن يكون التدخل العسكري أولاً بأيدي الأتباع والأشياع والعملاء... فقد أعلن الناطق باسم الخارجية الأمريكية كيربي بأن أمريكا لم تغير سياستها بخصوص سوريا، وقال كيربي، تعليقا على احتمال تغيير سياسة واشنطن حول سوريا: "ما زلنا نؤمن بأن التسوية السياسية في سوريا هي الحل الأفضل". وأكد كيربي أيضا أن إدارة الرئيس الأمريكي الحالي، باراك أوباما، ستبقى مركزة على إيجاد حل سلمي للأزمة السورية حتى انتهاء فترة ولايته. (روسيا اليوم، 2016/6/17)... وأما بالنسبة لمذكرة الدبلوماسيين فعلى الأرجح أنها ستعالجها سياسياً وليس عسكرياً، فقد نقلت الجزيرة نت في 2016/6/18 عن صحيفة واشنطن تايمز، "أن البيت الأبيض يناضل لاحتواء تداعيات مذكرة الدبلوماسيين، ونسبت إلى المتحدثة في البيت الأبيض جنيفر فريدمان القول إن إدارة أوباما منفتحة لسماع أي أفكار مختلفة بشأن التحديات في سوريا، لكن الرئيس أوباما لا يرى حلا عسكريا للأزمة السورية. وأضافت الصحيفة أن هذه المذكرة تعد الأحدث عبر سنوات طوال من الإحباط بشأن سياسة أوباما إزاء الأزمة السورية بين مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، وكثير من الذين عملوا داخل إدارة أوباما نفسها".

والخلاصة:

1- إن أمريكا في مأزق هذا صحيح... أما عن التدخل العسكري الأمريكي البري، فإن المرجح أنه مؤجل إلى حين، فالإدارة الأمريكية الحالية تعمل على أن يقوم بالاقتتال البري الأتباع والعملاء والأشياع وقد يستمر هذا إلى نهاية فترة أوباما... إلا إذا استجدت أمور خارج السياق.

2- لكن الأمر اللافت للنظر هو أنه على الرغم من عدم وجود صراع دولي في سوريا على النحو الموجود في ليبيا واليمن بل إن "المصارع" الدولي الوحيد هو أمريكا ويستخدم معه روسيا وإيران والنظام والأتباع والأشياع بجرائم وحشية متنوعة... ومع ذلك فقد فشلت أمريكا وأتباعها في إخضاع أهل سوريا حتى اليوم لتنفيذ مشاريع أمريكا ومشاركة نظام الطاغية في الحكم مع أن الطرف الذي تصارعه أمريكا هو أهل سوريا بإمكانياتهم المادية التي لا تقارن بحال بإمكانيات تلك الدول، ومع ذلك ما زالت الشام عصية على أطماع تلك الدول والأتباع والأشياع! إن السبب في كل ذلك هو الإسلام العظيم الذي يحرك أهل الشام في مقاومة الكفر وأهله والظلم وأعوانه... الإسلام العظيم الذي يملأ قلوب الصادقين المخلصين... حتى وإن كان الإسلام يتحرك في قلوب بعض الناس مشاعرياً دون مصاحبة فكرية موازية... وحتى وإن كان يتحرك في قلوب آخرين لغرض غير مستقيم... لكن المشاعر الإسلامية هي الصبغة الغالبة في الأجواء والأفكار الإسلامية يصدع بها الكثيرون... هذا هو الذي أفشل أمريكا حتى اليوم: شعاع الإسلام في الشام مع أنه لم يتجسد بعد في دولة تجمع الأمة، فكيف لو كانت؟ على كل إن لهذا الأمر ما بعده

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

22 من رمضان 1437هـ

2016/06/27م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م