جواب سؤال : المفاوضات بين أمريكا وطالبان
February 06, 2019

جواب سؤال : المفاوضات بين أمريكا وطالبان

جواب سؤال

المفاوضات بين أمريكا وطالبان

السؤال:

تحدثت مصادر حركة طالبان الأفغانية عن تقدم مهم في مفاوضاتها التي استمرت ستة أيام مع المبعوث الأمريكي زلماي خليل زاد في الدوحة، وأن أمريكا ستسحب قواتها في غضون 18 شهراً بعد إتمام الاتفاق، وعلى الرغم من أن اتفاق الدوحة يبقى مسودة تنطق بها التصريحات من هنا وهناك، وليست ملزمة حتى الآن، وأن جولة أخرى من المفاوضات ستعقد في 25 من هذا الشهر 2019/2 كما ذكرت رويترز في 2019/1/27 ... إلا أن السؤال المركزي يبقى: هل وقعت حركة طالبان بعد هذه السنوات الطويلة من الجهاد في الفخ الأمريكي؟ وكيف حصل ذلك؟ وإلى أين تسير الأمور؟ وجزاك الله خيراً.

الجواب:

في البداية أُذكِّر بجواب السؤال السابق بعنوان (استراتيجية أمريكا في أفغانستان) بتاريخ 2017/8/16 حيث بيَّنا فيه أن أمريكا مع حلفائها الأطلسيين قد عجزت عن تحقيق النصر العسكري في أفغانستان، وأن الكثير من المناطق الأفغانية قد باتت فعلاً تحت سيطرة حركة طالبان، وبينّا عجز الحكومة الأفغانية العميلة عن خوض تلك الحرب الأمريكية وأنها بصعوبة تسيطر على العاصمة وبعض المناطق الأخرى، وذكرنا في جواب السؤال أيضاً أن أمريكا - ترامب تراجع سياساتها في أفغانستان (تسير هذه المراجعة باتجاه تبريد كبير للساحة الأفغانية، وحصر الوجود الأمريكي في قواعد عسكرية واستخدامها عند الخطر، وإظهار مهمتها وكأنها ضد "تنظيم الدولة"...) وأضفنا: (ولتسهيل إغراء طالبان بالقبول فإن أمريكا ستعود إلى تنشيط الدور الباكستاني بأن تُظهر القيادة العسكرية الجديدة في باكستان مزيداً من اللين والتعاطف مع طالبان لدفعها للجلوس والمفاوضات مع الحكومة العميلة في كابول وإشراكها في النظام السياسي الأمريكي في أفغانستان... فبعد أن أدركت أمريكا ضيق خياراتها في أفغانستان، وإفلاس الخيار الهندي، لجأت إلى مفاوضة حركة طالبان على أمل إدماجها في الحكم الأمريكي في أفغانستان، واستخدمت عملاءها في الحكم في باكستان لجر قادة حركة طالبان إلى التفاوض... ومع ذلك فقد فشلت كل تلك المحاولات، فلم تنجح أمريكا عسكرياً ولا سياسياً في موضوع أفغانستان). انتهى الاقتباس من جواب السؤال. ولكن أمريكا لم تيأس من تحقيق هذا الأمر معتمدة على عملائها في المنطقة، وخاصة أن معاناة أمريكا في أفغانستان عسكرياً ومالياً أصبحت تقض مضاجعها... وباستعراض أزمة أمريكا في أفغانستان يتبين ما يلي:

أولاً: إن أمريكا تعاني من مديونية ضخمة تهدد اقتصادها الذي تعرض لأزمة عام 2008 وما زالت تداعياته مستمرة، وترى أنها أنفقت على الحروب في الشرق الأوسط أي في البلاد الإسلامية ما يعادل سبعة تريليونات ولم تحصل منها شيئا كما قال رئيسها ترامب، فقد كتب على حسابه في تويتر يوم 2017/1/22 قائلا: "بعد أن أنفقنا بحماقة سبعة تريليونات دولار في الشرق الأوسط حان الوقت للبدء بإعادة بناء بلدنا". وقد نقلت بي بي سي يوم 2016/1/9 عن مجلة فوربس الأمريكية أن (الحرب في أفغانستان كلفت أمريكا حتى الآن نحو تريليون و70 مليار دولار إضافة إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أمريكي وإصابة عشرات الآلاف بجراح وتشوهات وإعاقات دائمة، ورغم هذه الخسائر البشرية والمالية الكبيرة فقد فشلت أمريكا في القضاء على الحركة...).

ثانياً: بعد فشل أمريكا في القضاء على الحركة عسكرياً رأت أن لا سبيل أمامها إلا جر حركة طالبان إلى المفاوضات باعتباره الخيار الأمريكي الوحيد للخروج من الحرب الأفغانية دون أن تظهر عليها الهزيمة... وأصبح هذا الخيار هو الاستراتيجية الأمريكية المعمول بها في أفغانستان، وما يؤكد حيوية هذا الخيار لأمريكا أن الخارجية الأمريكية قد عيّنت 2018/9/5 زلماي خليل زادة مبعوثاً لها إلى أفغانستان بمهمة محددة هي: (ولخصت الخارجية الأمريكية في بيان سابق مهمة "خليل زادة"، بتنسيق وتوجيه الجهود الأمريكية التي تهدف إلى ضمان جلوس "طالبان" على طاولة المفاوضات... وكالة الأناضول التركية 2019/1/12). لذلك فإن أمريكا قد سارت بخيار وحيد، هو دفع حركة طالبان والضغط عليها للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهذه الرؤية الأمريكية للخروج من الحرب الأفغانية ليست جديدة، فقد حاولت أمريكا في البداية أن توجد خط تفاوض بين طالبان والنظام ولكن تلك المحاولات فشلت... وهكذا انتقل التفاوض ليكون مع أمريكا بعد أن كانت تريده بين حركة طالبان والنظام الأفغاني الذي أسَّسته لكن الحركة كانت ترفض، وذلك لأنها كانت ترى الحكومة دمية متحركة بيد أمريكا... ثم وافقت على التفاوض مع أمريكا مع أنها هي مؤسِّس ذلك النظام!

ثالثاً: ومن الجدير بالملاحظة والتدبُّر هو أن أمريكا وفي سبيل إقناع حركة طالبان بالدخول في مفاوضات سلمية قد قامت بتهيئة المناخ لذلك على طريقتها الخبيثة، فقامت بأعمال داخلية في أفغانستان وأخرى إقليمية من طرف عملائها وغير عملائها حول أفغانستان:

1- تركيز الغارات الأمريكية على قادة حركة طالبان، خاصة الرافضين للمفاوضات: (قال مسؤولون أمريكيون إن الولايات المتحدة شنت هجوما بطائرة بلا طيار أمس السبت ضد زعيم حركة طالبان الأفغانية أختر منصور... ووصفت وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاجون" أختر منصور بأنه "عقبة أمام السلام والمصالحة بين الحكومة الأفغانية وطالبان"... دنيا الوطن 2016/5/22). أي أن استهدافه كان لرفضه المفاوضات، وكان هذا إبان إدارة أوباما، واستمرت أمريكا بالسياق نفسه خلال إدارة ترامب (قالت بعثة حلف شمال الأطلسي "الدعم الحازم" في بيان صحفي مساء اليوم الأربعاء: "قتل قائدان من طالبان  في مقاطعة كابيسا في غارة أمريكية لدعم قوات الأمن الخاصة الأفغانية في مقاطعة تاجاب يوم 22 تموز/يوليو". وكالة سبوتنيك الروسية 2018/7/25)، وحادثة أخرى بعد ذلك قتل فيها قيادي آخر بطالبان (قال الكولونيل ديف بتلر، الناطق باسم القوات الأمريكية في أفغانستان، إنه "يمكننا أن نؤكد غارة جوية أمريكية أجريت أمس أسفرت عن مقتل القيادي بطالبان، الملا مانان"، مضيفاً: "نحن نقود نحو حل سياسي... CNN عربي 2018/12/2)

2- مدَّت إيران يدها لحركة طالبان، فظنَّت الأخيرة أنها في مأمن ظناً منها أن إيران "دولة معادية لأمريكا"، فلجأ إليها بعض قادتها، ولم تتعظ بأن عملية اغتيال قائدها الملا أختر منصور وهو عائد من إيران، وعلى حدودها كان على الأرجح بتنسيق أمريكي-إيراني، واستمرت تثق بإيران... وإيران لم تدفعها إلا في اتجاه الحل السياسي الأمريكي، (قالت إيران إن ممثلين عن حركة طالبان الأفغانية أجروا مفاوضات مع مسؤولين إيرانيين في طهران أمس الأحد فيما تسعى الجمهورية الإسلامية إلى دفع محادثات السلام في الدولة المجاورة لكبح تأثير جماعات إسلامية أخرى. وذكر بهرام قاسمي المتحدث باسم وزارة الخارجية اليوم الاثنين أن المحادثات جرت بعلم الرئيس الأفغاني أشرف غاني وتهدف إلى رسم معالم مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية... يورو نيوز 2018/12/31).

3- فتحت قطر مكتباً لحركة طالبان في الدوحة، فظنت الأخيرة أن اعتراف قطر بها يقويها، لكن قطر قد صرحت علناً بأن هذا المكتب إنما فتح بالتنسيق مع أمريكا من أجل المفاوضات مع حركة طالبان، فقد قالت قطر أثناء أزمتها مع دول "الحصار" (إن تصريحات المدير السابق للسي آي أيـه ديفيد بترايوس كافية عندما ذكر أن اجتماع طالبان وحماس بالدوحة تم بناءً على طلب الحكومة الأمريكية، وهذا في حد ذاته يثبت أن قطر لم تقترف شيئاً تخفيه، وهذا كان بعلم الجميع وليس من وراء ظهورهم... كما أن وجود حماس وطالبان في الدوحة كان بطلب من الولايات المتحدة الأمريكية لإيجاد مخرج للقضية الفلسطينية ولطـالبان) جريدة الشرق القطرية 2017/7/4. فقطر توهم طالبان بأنها في صفها وتدعمها وتعترف بها، فسقطت الأخيرة في هذا الفخ... ولما اشتد الخطب على قطر من دول "الحصار"، وأصبحت تستجدي إدارة ترامب وتدفع أموالها حتى تحمي نظامها فقد زادت قطر، وهي عميلة الإنجليز، زادت في مسايرتها لأمريكا لدفع حركة طالبان إلى المفاوضات، على أمل أن تخفف عنها إدارة ترامب من المخاطر السعودية... وهكذا جعلت أمريكا مسألة خدمتها بدفع طالبان إلى مفاوضات السلام، جعلتها موضع تنافس بين الدويلات المتناحرة فيما بينها في الخليج، فدولة الإمارات تنافس قطر بجر المفاوضات إلى مدينة أبو ظبي، والسعودية تجرها إلى جدة... ونقلت كذلك "رويترز" عن قائد عسكري في طالبان مشارك بالمفاوضات، طلب عدم نشر اسمه: (في الحقيقة، لقد دمرت الخلافات بين السعودية وقطر عملية السلام تماما". وتابع قائلا: "يضغط علينا السعوديون بلا داع، من أجل إعلان وقف إطلاق النار... وكالة سبوتنيك الروسية 2019/1/14)، وبهذا الشد الذي ظاهره التناقض والاختلاف فقد وجدت حركة طالبان نفسها مشدودةً بثلاثة حبال خليجية، ظاهرها التناقض، ولكن باتجاه واحد، هو المفاوضات مع أمريكا، فيتنافس عملاء أمريكا في السعودية مع عملاء بريطانيا في الإمارات وقطر أي منهما يسبق لخدمة أمريكا وينال رضاها، ولكن أثناء هذه المنافسة في الباطل يجري الإيقاع بحركة طالبان وتوحيد توجهها للمفاوضات الأمريكية والحل السياسي. وبريطانيا لا تعارض توجه قطر هذا باعتباره دفاعاً عن نظام قطر، وأما الإمارات فقد وضعتها بريطانيا في الخطوط الأمامية مع عملاء أمريكا لأغراض أخرى.

4- أما باكستان، وهي بيضة القبان لدى طالبان، فبعد تخليها عن الحركة والمعارك الضارية التي فتحها جيشها ضد طالبان باكستان، فقد أخذت تلطف الأجواء مع الحركة وتزيد معها الاتصالات، وبقدوم عمران خان رئيساً لوزراء باكستان 2018/7/25، وإطلاقه التصريحات التي يظهر فيها التقرب من حركة طالبان الأفغانية، فقد تهيأت المزيد من الظروف لثقة حركة طالبان به دون أن تدرك أن ذلك فخاً ينصب لإيقاعها في المفاوضات الأمريكية... وهكذا وقعت طالبان، "أو أوقعت نفسها" في أن تلدغ من الجحر مرتين، جحر الحكومة الباكستانية التي لا تنفذ إلا السياسة الأمريكية: دعمتها سنة 1996 لتحكم طالبان أفغانستان، ثم تخلت عنها أمام هجمة بوش الصغير سنة 2001 وما بعدها، بل وشاركت أمريكا هجومها بملاحقة طالبان داخل باكستان... والآن لما فشلت أمريكا في القضاء على حركة طالبان وقررت العودة للمفاوضات باعتباره خياراً وحيداً لها للحل والحفاظ على نفوذها في باكستان فقد عادت إسلام أباد تبني جسورها القديمة مع حركة طالبان، ولكن بهدف وحيد، وهو تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية الجديدة والحفاظ على النفوذ الأمريكي في أفغانستان، فوقعت طالبان في الجحر مرة أخرى! مع أن الأمور واضحة دون خفاء: (كشف رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، اليوم الاثنين، أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، طلب مساعدته في عملية السلام الأفغانية. ونقلت قناة "جيو تي في" الباكستانية عن خان قوله إنه "تسلم خطابا من الرئيس الأمريكي في وقت سابق من اليوم، طلب فيه من باكستان لعب دور في محادثات السلام الأفغانية، والمساعدة في جلب حركة طالبان إلى طاولة المفاوضات"... سبوتنيك الروسية 3/12/2018)، ومن ثم يلتقي رئيس الوزراء الباكستاني بعد يومين بالمبعوث الأمريكي الخاص خليل زاد في إسلام أباد مؤكداً سير باكستان في الخطة الأمريكية في أفغانستان (ومن جانبه قال عمران إن "باكستان تريد تسوية سياسية من أجل السلام والمصالحة الأفغانية"... مصراوي 2018/12/5)، وقد أكد رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان اليوم الثلاثاء، (أن بلاده ستفعل كل ما في وسعها لتعزيز عملية السلام الأفغانية، مشيرا إلى أن بلاده ساهمت في الحوار بين حركة طالبان والولايات المتحدة الأمريكية في أبو ظبي مؤخرا... اليوم السابع 2018/12/18). وكان عمران قد كشف نفسه على حسابه بموقع تويتر يوم 2018/11/19 وهو يدافع عن خدمات الباكستان لأمريكا فقال: "... باكستان اختارت المشاركة في الحرب الأمريكية على الإرهاب، تكبدت باكستان 75 ألفا من الضحايا في هذه الحرب، وخسرت من اقتصادها أكثر من 123 مليار دولار، فيما كانت المساعدات الأمريكية 20 مليار دولار فقط..." وكذلك أكد وزير الدفاع الباكستاني السابق خواجة آصف خيانة حكام الباكستان وهو منهم إذ كتب يوم 2018/11/19 على حسابه بموقع تويتر "إن الباكستان ما زالت تبذل دماء من أجل أمريكا بسبب خوضنا حروبا ليست حروبنا. أهدرنا قيم ديننا لجعله يتناسب مع المصالح الأمريكية ودمرنا روحنا السمحة واستبدلنا بها التعصب وعدم التسامح". فلا يوجد أكثر صراحة من هذا الكلام: خاضت الباكستان حربا ليست حربها... وأراقت دماء من أبناء المسلمين لأجل أمريكا... وأهدرت قيم دينها الإسلامي من أجل خدمة المصالح الأمريكية... إن دور الباكستان في أفغانستان يشبه دور تركيا وحاكمها أردوغان في سوريا، وخدماته لأمريكا بضغوطه على الفصائل المسلحة وإخضاعها للحلول الأمريكية، رغم إهانة أمريكا له مرات!

5- هذه هي الظروف المحلية داخل أفغانستان والتحركات الإقليمية من عملاء أمريكا وغير عملائها التي كانت أمريكا تستخدمها لتدفع بحركة طالبان باتجاه صارم صوب المفاوضات والحلول السياسية، فكانت حركة طالبان وحيثما ولّت وجهها إلى باكستان أو إيران أو السعودية أو قطر أو الإمارات تجد نفسها تسير على سكة المفاوضات الأمريكية للحفاظ على النفوذ الأمريكي في أفغانستان! ومع ذلك فإن طالبان لو تدبرت تهالك أمريكا على التفاوض معها ومدى ضغطها على عملائها ليبذلوا الوسع في استعمال الأساليب الملتوية الخبيثة في إقناع طالبان بقبول المفاوضات... ولو تدبروا عمق المأزق الذي تعاني منه أمريكا عسكرياً ومالياً خلال 17 عاماً من الجهاد البطولي لطالبان... ولو تدبروا إلحاح أمريكا على التفاوض مع طالبان وهي كانت تعدُّهم إرهابيين كعادتها باتهام كل من يقاوم إرهابها وغطرستها بأنه إرهابي... لو تدبروا كل ذلك لرأوه إعلانَ هزيمة أمريكا في أفغانستان بصورة غير رسمية، فهي تريد أن تخرج قبل أن تطيح بها هذه الهزائم، فتنفضح وينكشف عوارها بأنها دولة عظمى تتهاوى... وكان الواجب استغلال ذلك والضغط عليه بشدة فتخرج أمريكا مذمومة مدحورة لا أن تمكنها طالبان من استراحة المحارب بالمفاوضات فأمريكا لا يؤمن جانبها ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾، فإنها لا ترضى بتنازلات طالبان مهما كانت من خلال المفاوضات إلا أن يبقى نفوذ أمريكا في أفغانستان حتى وإن ابتسم ممثلو أمريكا في وجه طالبان، فما تخفي صدورهم أكبر!!

6- لكل ذلك فإنه من المؤلم أن تصبح مفاوضات الدوحة التي استمرت ستة أيام فاتحةً للتقدم في المفاوضات بشهادة حركة طالبان نفسها:

أ- (وفي حديث للأناضول، قال القيادي في "طالبان"، وحيد موجدا، إن الطرفين تفاهما إلى حد كبير بشأن انسحاب القوات الأجنبية، وألا تشكل أفغانستان تهديداً لأي بقعة من العالم. وأوضح أنّ الحركة تسعى من جانبها إلى ضمان تمتع عملية السلام المقترحة بحماية دولية. وأضاف: "لم يتم الانتهاء من الاتفاق في الدوحة بسبب بعض القضايا الفنية وصياغة الاتفاق"... وكالة الأناضول 2019/1/26).

ب- ونقلت وكالة رويترز يوم 2019/1/26 عن مسؤولين في طالبان: "إنهم اتفقوا على بعض البنود مع واشنطن لضمها إلى الاتفاق النهائي، ويؤكد أحد هذه البنود وجوب انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان في غضون 18 شهراً من توقيع الاتفاق مقابل ضمانات من حركة طالبان بعدم السماح لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة باستخدام الأراضي الأفغانية ضد أمريكا..." وواضح من النص على عدم السماح للقاعدة وتنظيم الدولة... أن أمريكا تريد أن تعطي لطالبان مكانة في النظام حيث تطلب منها ضمانات لتقف في وجه التنظيمات الأخرى، فتريد أن تستخدمها لهذه الغاية أيضا.

7- وكذلك فقد جاءت تصريحات المسئولين الأمريكيين تؤكد ما جاء في تصريحات المسئولين من طالبان:

أ- (... وكتب زلماي خليل زادة الممثل الأمريكي الخاص على تويتر بعد ستة أيام من المحادثات مع طالبان في قطر "الاجتماعات

التي جرت هنا كانت مثمرة أكثر مما كانت في السابق. لقد أحرزنا تقدماً كبيراً بشأن قضايا حيوية". دوتشيه فيليه عربي 2019/1/26).

ب- وقال وزير الدفاع الأمريكي بالوكالة باتريك شاناهان يوم 2019/1/28 حول محادثات السلام مع طالبان ("أود أن أقول إن الاستنتاجات التي تم استخلاصها مشجعة"... الحرة الأمريكية 2019/1/28).

8- وبهذا فإن مسودة اتفاق الدوحة تعتبر خرقاً كبيراً في جدار طالبان الذي كان صلباً، ثم أخذت الحكومات العميلة بتليينه، وعلى الرغم من بعض التصريحات المتحفظة من حركة طالبان بأنها لن تفاوض حكومة كابل، والتصريحات الأمريكية الشبيهة بأن الاتفاق يجب أن يكون على كل شيء وإلا فلا شيء، على الرغم من ذلك فإن اندفاع الطرفين لجولات أخرى من المفاوضات مبني على الزخم الذي وفرته مفاوضات الدوحة والدفع الصارم من العملاء، لذلك يمكن القول إن أمريكا أخيراً وبعد 17 عاماً من الحرب قد صارت ترى ضوءاً في نهاية النفق للخروج من ورطتها في أفغانستان... إلا أنْ يهب تيار المخلصين داخل طالبان فيعصف بهذا الاتفاق ويجعله أدراج الرياح، ويطفئ ذلك الضوء الذي رأت فيه أمريكا طريقاً آمناً للخروج من الحرب الأفغانية.

9- ولهذا فإنه يجب على حركة طالبان وعلى كل المجاهدين المقاومين للاحتلال الصليبي الأمريكي والأطلسي ألا يتنازلوا لأمريكا وللنظام التابع لها، وألا ينخرطوا فيه، ويبقوا على مقاومتهم حتى تضطر أمريكا للخروج ذليلة مكسورة، والحرب صبر ساعة، فأمريكا لم تقبل بالمفاوضات إلا بعد عجزها عن كسر إرادة المجاهدين. وليحذروا السقوط في مستنقع المفاوضات الذي يعني لدى الأمريكان والغربيين تنازلاً من الطرف الآخر ليكسبوا بالمفاوضات ما لم يستطيعوه بالحرب، أي هزيمة الخصم على الطاولة من دون إراقة قطرة دم أو إنفاق أي فلس! هذا حسب مفاهيمهم السياسية البرغماتية... إن أمريكا معتدية مجرمة يجب أن تحاسب على عدوانها وعلى جرائمها فقد قتلت وجرحت وتركت معاقين وهجرت الملايين من أهل أفغانستان ودمرت البلاد، فجرائمها لا تعد ولا تحصى وتضاهي جرائم الاتحاد السوفياتي البائد في أفغانستان وتزيد... وكما طرد الاتحاد السوفياتي ذليلاً منكسراً، فيمكن أن يكون كذلك مصير أمريكا إذا ما ثبتت حركة طالبان على ما خرجت من أجله في قتال أمريكا والصبر عليه، فالله وعد الصابرين والثابتين بالنصر حتى وإن كانوا أقل من العدو قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ويجب ألا يقبلوا الاشتراك في النظام العميل القائم في أفغانستان، بل بهدمه، وإقامة حكم الإسلام، الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي بشر بقدومها رسول الله r «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.

الأول من جمادى الآخرة 1440هـ

2019/2/6م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م