جواب سؤال: الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني والمشروع الثلاثي الإيراني الهندي الأفغاني
July 23, 2016

جواب سؤال: الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني والمشروع الثلاثي الإيراني الهندي الأفغاني

 جواب سؤال

الممر الاقتصادي الباكستاني الصيني والمشروع الثلاثي الإيراني الهندي الأفغاني

السؤال:"وقعت إيران على اتفاقية ثلاثية مع الهند وأفغانستان للتعاون المشترك في مجال الترانزيت عبر ميناء تشابهار، المطل على بحر عمان، جنوب إيران... وتم التوقيع على هذا الاتفاق الاستراتيجي الذي يهدف إلى إيجاد ممر دولي للنقل بين البلدان الثلاثة... ويبعد تشابهار 100 كيلومتر (60 ميلا) عن ميناء جوادار البحري الذي تقوم الصين بتطويره في إطار مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني البالغة تكلفته 46 مليار دولار." (العربية 2016/05/24م). وكانت قبل ذلك بنحو سنة في 2015/4/20 قد اتفقت الصين وباكستان على إطلاق مشروع الممر الاقتصادي... والسؤال هو: هل هذه المشاريع هي فقط مشاريع اقتصادية على ضخامتها أم هي مختلطة بدوافع سياسية؟ ثم إن الدول في هذه المشاريع مرتبطة مع أمريكا باستثناء الصين، فهل يعني هذا أن من وراء هذه المشاريع مكيدة للصين لإشغالها بعيداً عن بحر الصين الجنوبي، وإرهاقها اقتصادياً في ممر على أهميته لكن المردود الاقتصادي لا يتناسب مع الكلفة "46" مليار دولار؟ وأخيراً هل تتجاوز أهداف هذه المشاريع الدولَ الموقعة عليها إلى دول أخرى مثل دول آسيا الوسطى؟ وجزاك الله خيراً، والمعذرة على طول السؤال.

الجواب: لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

أولاً: علاقة أمريكا بالدول المشاركة في المشروعين الواردين في السؤال:

1- عندما أصبح الولاء في الهند أمريكياً على عهد حكومة حزب بهاراتيا جاناتا الذي وصل إلى الحكم عام 1998 وسقط عام 2004 ومن ثم عاد إلى الحكم مرة أخرى بعد عشر سنين أي عام 2014 برئاسة مودي، عند ذلك أصبح الدعم الأمريكي واضحاً فتصاعدت الاتفاقيات بين أمريكا والهند في مختلف المجالات وخاصة النووي، وكان واضحاً أن ذلك موجه ضد الصين. أما في الباكستان فقد بقي الولاء على حاله لأمريكا منذ عهد حكومات نواز شريف في التسعينات من القرن الماضي مرورا بحكم برويز مشرف ومن ثم آصف زرداري إلى حكومة نواز شريف الحالية. لقد أصبح بين الهند والباكستان تقارب بسبب ولائهما المشترك لأمريكا، وقد تنازلت الباكستان لصالح الهند عن أمور مهمة بناء على إملاءات أمريكا لتقوية عملائها في الهند ومواقفهم تجاه الصين، وقد حددت أمريكا للباكستان مهمة محاربة الحركات الإسلامية في الداخل وفي المنطقة وهو ما يطلق عليه الحرب على الإرهاب والتطرف. لقد ورد في جواب سؤال 2016/6/9 "فإنه على الرغم من أن النظام في الهند موالٍ لأمريكا كما هو النظام في باكستان موالٍ لأمريكا أيضاً إلا أن هدف أمريكا من الدولتين مختلف، فالهدف بالنسبة للهند أن تشكل رأس حربة في مواجهة الصين، وأما بالنسبة لباكستان فالهدف هو أن تقف في وجه المقاومة الباكستانية والأفغانية ضد أمريكا...".

2- وبالنسبة لإيران فإنها توالي كذلك أمريكا وقد اعترفت بتعاونها مع أمريكا في احتلالها لأفغانستان ومساعدتها في الاستقرار هناك ودعمها للحكومات العميلة التابعة لأمريكا مثل حكومة كرزاي سابقا وحكومة أشرف غاني الحالية. ومؤخرا فقد نقلت "أخبار العالم" التركية يوم 2016/6/29 (مقابلة جريدة "إيران" مع علي أكبر ولايتي وزير خارجية إيران السابق والذي يعمل حاليا على رأس مستشاري مرشد الجمهورية علي خامنئي، اعترف فيها بالعلاقة والتعاون بين إيران وأمريكا، فقال: "إن إيران أجرت محادثات مع أمريكا بشأن أفغانستان... وفي تلك المحادثات كان ممثلنا الدائم في الأمم المتحدة وهو حاليا وزير الخارجية محمد جواد ظريف... وكان القسم الأكبر من أفغانستان بيد طالبان. وفي تلك الظروف لو لم تكن إيران لما تمكن الأمريكان من دخول أفغانستان..." وقال: "وحصل ما يشبه ذلك في موضوع العراق، حيث اتفقت إيران وأمريكا، فقد جرت محادثات بهدف المشاركة في تأمين الأمن في العراق بعد سقوط صدام...". ونقلت اعترافات مشابهة لهاشمي رفسنجاني رئيس الجمهورية الإيرانية السابق وأن كل ذلك بإذن المرجعية حيث قال "إن المحادثات التي تجري الآن بين أمريكا وإيران تستند إلى إذن مسبق من مقام المرشدية الأعلى. وقد بدأت المفاوضات مع أمريكا بوساطة قابوس سلطان عُمان قبل مجيء حكومة حسن روحاني بخمسة إلى ستة أشهر"...) فكلها تؤكد علاقة إيران بأمريكا وأن أمريكا مقابل ذلك قد أسندت لإيران دورا في العراق وأفغانستان... وقد ورد في جواب سؤال في 2014/6/11 ("ومن جانب آخر فيظهر أن أمريكا تعطي دورا للهند في أفغانستان وتعمل على تقوية العلاقات بين هذين البلدين حتى لا تبقى محتاجة لباكستان لتعزيز الاستقرار فيها. فأول رئيس اجتمع به مودي في حفل تنصيبه كان كرزاي أفغانستان. فأمريكا تثق بالهند عندما يكون الحكم مواليا لها كحالته الآن أكثر مما تثق بباكستان بالرغم من أن الحكم في باكستان مُوالٍ لها، ولكنها تخشى أن يحدث في هذا البلد الإسلامي أي تغيير في أية لحظة، فهو غير مأمون بالنسبة لها على المدى البعيد، وأهله في حراك للتغيير... وهكذا ستقوم الهند في عهد مودي الموالي لأمريكا بلعب دور فعال من الناحية الأمنية في أفغانستان لصالح النظام الموالي لأمريكا فيها"). والآن أضيف إليه التعاون الاقتصادي حتى يعزز التعاون الأمني ويحمي النفوذ الأمريكي في أفغانستان.

ثانياً: مشروع إيران والهند وأفغانستان:

1- ناقشت الهند وإيران فكرة منفذ هنديّ إلى تشابهار أول مرة في 2003، عندما اتفقتا على التطوير المشترك للميناء. وفي 2004 وقّع ائتلاف من الشركات الهندية مذكّرة تفاهم (MoU) مع منظمة الموانئ والشحن الإيرانية لتطوير المنشأة. لكن هذا لم يتحقّق. لكن في أيار 2015، قبل شهرين من خطة العمل الشاملة المشتركة حول برنامج إيران النووي، زار وزير النقل الهندي، نيتين جادكاري، إيران لتوقيع مذكّرة تفاهم حول تشابهار. وبعد ذلك مباشرة اجتمع ممثلون من إيران، وأفغانستان، والهند في نيودلهي لإتمام مسوّدة اتفاقية تشابهار. وقد تم التوقيع بين هؤلاء الثلاثة في 2016/5/23 وذلك لتطوير مرفأ تشابهار في أقصى شرق إيران وتحويله ممراً تجاريا على المحيط الهندي بهدف زيادة التبادل التجاري بين الدول الثلاث ويأتي هذا بعد رفع العقوبات عن إيران على أثر توقيع اتفاقية البرنامج النووي، وقال رئيس الوزراء الهندي مودي في طهران: "إن بلاده ستخصص خطا ائتمانيا بقيمة 500 مليون دولار لتطوير مرفأ تشابهار... نريد الاتصال بالعالم، لكن الاتصال فيما بيننا الدول الثلاث أولوية... إنه ممر للسلام والرخاء... سيؤثر على العلاقة الاقتصادية". وقال الرئيس الإيراني روحاني: "إن الاتفاق ليس اقتصاديا فحسب بل سياسي وإقليمي ولكنه ليس موجها ضد أي بلد وقد يساهم في استقرار المنطقة وإرساء السلام". ووقع مع مودي 12 مذكرة تفاهم يتوجب على الهند دفع 6,5 مليار دولار لطهران التي لم تكن تستطيع استردادها بسبب العقوبات الدولية (وكالة فرانس برس 2016/5/25)". وأضافت الوكالة الفرنسية تعليقها بقولها: "يتيح لأفغانستان ميناء على البحر لأنها لا تطل على بحار ويشمل إنشاء سكك حديدية وطريق عبر إيران إلى أفغانستان ويعتبر نصرا استراتيجيا للهند ضد الصين. تريد الهند منافسة الصين التي تستثمر في ميناء جوادار على بعد 100 كلم من تشابهار". فهذا ظاهر بصريح العبارة، تفوه بها الرئيس الإيراني، بأن هذه المشاريع ليست اقتصادية فحسب، بل هي سياسية ولها علاقة بالوضع الإقليمي في المنطقة المجاورة للصين، وإن قال الرئيس الإيراني أنها غير موجهة لأحد، ولكن ظاهرها ومفهومها أنها موجهة ضد أحد! والرئيس الإيراني أقر بأنها ليست اقتصادية فحسب، بل سياسية وإقليمية. ورئيس الوزراء الهندي أشار إلى أولوية تقوية الاتصال بين الدول الثلاث أي تعزيز العلاقات بينها وذلك لغايات تتعلق بهذه الدول الثلاث.

2- وقد أُعلن أنه يُقصد من هذه المشاريع الهندية الإيرانية أيضا النفاذ إلى جمهوريات آسيا الوسطى فقد دعا وزير خارجية إيران جواد ظريف إلى "الإسراع في تنفيذ المشروع الاستراتيجي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والهند لتطوير ميناء تشابهار لدوره في تقوية طرق المواصلات السككية والبرية والتجارة العابرة بين منطقة آسيا الوسطى والصين" (صفحة العالم الإيرانية، 2016/4/17). وكذلك فطبقا لوزارة الشؤون الخارجية الهندية، فإن الاتفاقية "ستحسّن بشكل ملحوظ استخدام ميناء تشابهار للمساهمة في النمو الاقتصادي لأفغانستان وتهيئ ربطاً إقليمياً أفضل، يشمل الهند واتصالات بأفغانستان ووسط آسيا." (الدبلوماسي، 18 نيسان 2016). وتصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني في مؤتمر صحفي في 24 أيار 2016 واضح في ذلك حيث قال: "باستثماراتنا المشتركة في تشابهار، يمكننا أن نربط الهند من خلال طريق موثوق بأفغانستان وبلدان في آسيا الوسطى." (كوارتز الهند، 24 أيار 2016). وقد "أقرت الحكومة الهندية أخيرا مشروعا ينص على الاستثمار في ميناء تشابهار بقيمة 100 مليون دولار" (العالم الإيرانية، 2016/6/2) ويذكر أن ميناء تشابهار له موقع استراتيجي على بحر عمان والمحيط الهندي وهو أسهل الطرق لدول آسيا الوسطى وأفغانستان.

ثالثاً: المشروع الصيني الباكستاني:

1- قام الرئيس الصيني شي جي بينغ في 2015/4/20 (رويترز) بزيارة الباكستان ووقع اتفاقيات معها للقيام بمشاريع تبلغ قيمتها 46 مليار دولار تشمل شبكة طرق إلى نحو 3 آلاف كيلومتر بين جوادار في باكستان إلى إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية) في غرب الصين بالإضافة إلى سكك حديدية ومد خطوط أنابيب وستوفر المشاريع مدخلا للصين على المحيط الهندي وما وراءه. ونقلت رويترز عن "مشاهد حسين سيد" رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الباكستاني قوله: "باكستان بالنسبة للصين الآن ذات أهمية محورية. وينبغي أن ينجح هذا ونراه ناجحا". وقال مراسلون "هذا يمثل تقدما كبيرا في طموحات الصين لتعزيز تأثيرها الاقتصادي في وسط آسيا وجنوبها وهو ما يفوق ما تنفقه الولايات المتحدة في باكستان". وقال يومئذ إحسان إقبال الوزير الباكستاني على الخطة لفرانس برس "إن تلك الاستثمارات مشاريع ضخمة وحقيقية سيكون لها تأثير كبير على الاقتصاد الباكستاني"، وقال الرئيس الصيني لوسائل الإعلام الباكستانية "إن الصين والباكستان في حاجة إلى توحيد العمل بشأن المخاوف الأمنية لتعزيز التعاون الأمني". وقعت 50 اتفاقية بشأن الاستثمارات الصينية في الباكستان منها 30 اتفاقية تتعلق بالممر الاقتصادي. وقال نواز شريف "إن زيارة شي للباكستان تمثل نقطة تحول في تاريخ العلاقات بين البلدين والصداقة مع الصين هي حجر الزاوية في السياسة الخارجية لباكستان". وقال رئيس الباكستان حسين ممنون "إن ما يقارب من 3 مليارات من البشر سيستفيدون من المشروع، منحت الباكستان الصين الحقوق الحصرية لتشغيل ميناء جوادار على مدى السنوات الأربعين القادمة". وأنشأت فرقة من الجيش قوامها 13000 من القوات الجديدة لحماية الممر الاقتصادي الناشئ. والصين تقدم المساعدة النووية السرية والصواريخ لباكستان وكذلك الصواريخ البالستية ذات القدرة النووية تصل مداها إلى 2750 كلم. وقال رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف مؤخرا إنه "يشرف شخصيا على الممر الاقتصادي الصيني الذي لديه إمكانية لتغيير حظ الملايين من سكان المنطقة، وإن الممر الاقتصادي سيربط جميع المنطقة عبر شبكة الطرق السريعة والسكك الحديدية..." (وكالة الأنباء الباكستانية الرسمية، 2016/7/12).

2- هذا العمل الاقتصادي يجر الصين إلى الاهتمام بعلاقتها مع الباكستان حيث تتحمس الأخيرة لذلك وتعمل على إغراء الصين بهذه المشاريع الاقتصادية فتجعلها تنفق أموالا طائلة فيها وتتلهى في هذه الزاوية، وبذلك تقدم الباكستان خدمة لسيدتها أمريكا التي تعمل على تطويق الصين ومحاصرتها لتمنعها من منافستها وتعمل على إشغالها بعيداً ما أمكن ذلك عن السيطرة على بحر الصين الجنوبي. إن هذا الأمر مهم لأمريكا، فهي تبذل الوسع في عرقلة محاولات الصين للسيطرة على بحر الصين الجنوبي حيث تقوم الصين بتوسيع الجزر وبناء مطارات وموانئ عليها ومن ثم تصبح سيطرتها على أرخبيل الجزر طبيعية عندما تصبح الجزر تابعة لها علماً بأن أرخبيل الجزر يمتد إلى نحو 250 جزيرة. إن أمريكا تريد أن تبعد أنظار الصين عن الاشتغال بذلك للتوجه إلى مشاريع تغريها بها لترى أنها أكثر فائدة لها من جزر لا قيمة لها! ولذلك فإن مشاريع باكستان مع الصين المتجهة إلى ميناء جوادار الباكستاني في مقابل مشاريع الهند وإيران وأفغانستان المتجهة إلى ميناء بهارتا الهندي، والميناءان متقاربان بمسافة نحو 60 ميلاً، هذا الأمر سيوجد انشغالاً للصين في تلك المنطقة... ومن المعروف أن ميناء جوادار في باكستان وميناء تشابهار في إيران لهما أهمية جغرافية استراتيجية وجغرافية سياسية للمنطقة، وكذلك فإن لكل منهما أهمية بالنسبة للنقل البحري الدولي وتجارة النفط... وقد أبرز خبير حول جنوب آسيا، آدم في لاركي، الطبيعة السياسية لصفقة المشاريع المذكورة فقال: "ليست هناك مقارنة، فيما يتعلق بحجم وغرض دور الصين في جوادار ودور الهند في تشابهار؛ لكن الأمريكيين مسرورون في صدّ الهند للفكر التوسّعي الصيني." (الولايات المتّحدة تدعم صفقة ميناء تشابهار بين الهند وإيران، لأنها تطوّق مشروع جوادار بين الصين وباكستان.Firstpost.com,  26 أيار 2016) وهكذا فإن أمريكا تريد أن تؤثر في الصين عبر هذا المشروع مع باكستان، لأنه إذا انتهي مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني البالغة تكلفته 46 مليار دولار فإنه سيكون بمثابة قلب الصين، ما يعني أن الصين لن تتخلى عن هذا المشروع بسهولة، فتنشغل به عن مناطق أخرى أكثر أهمية كبحر الصين الجنوبي...

كما تقوم أمريكا بتحريض دول المنطقة على الصين ومنها الفلبين التي احتكمت للمحكمة الدولية حيث حكمت هذه المحكمة لصالح الفلبين في حقها في الجزر المتنازعة عليها مع الصين. فقد أصدرت محكمة التحكيم الدولية الدائمة في لاهاي بهولندا قرارا يوم 2016/7/12 أعلنت فيه أنه: "لا أساس قانونيا لمطالبة الصين بحقوق تاريخية على الموارد في المنطقة البحرية داخل خط النقاط التسع" التي تستند إليها الصين في مطالبها. وأن "الصين انتهكت الحقوق السيادية للفلبين في منطقتها الاقتصادية الحصرية من خلال التدخل في أعمال الصيد واستخراج النفط الفلبينية وبناء جزر اصطناعية، وعدم منع الصيادين الصينيين من الصيد في تلك المنطقة". فسارعت الصين في ساعة الإعلان فورا عبر وكالتها الرسمية (شينخوا) إلى "تأكيد أن الصين لا تقبل ولا تعترف بقرار المحكمة" وأعلنت خارجيتها عقب ذلك "بأن هذا الحكم باطل ولاغ وليس له أي قوة ملزمة" بل قالت: "إن الهدف خبيث وليس لحل النزاع مع الصين ولا الحفاظ على السلام والاستقرار في بحر الصين الجنوبي". ومن ثم أعلن رئيسها شي جين بينغ أن "بلاده لن تقبل أي اقتراح أو تصرف يستند إلى حكم المحكمة الدولية". فقامت أمريكا وأعلنت تأييدها لقرار المحكمة، واعتبرته كما ورد على لسان متحدثها الرسمي في الخارجية جون كيربي أنه: "نهائي وملزم من الناحية القانونية للصين وللفلبين، ويمثل إسهاما كبيرا في الهدف المشترك بالتوصل إلى حل سلمي للخلافات في بحر الصين الجنوبي" ودعت "جميع الأطراف إلى الالتزام بالقرار وتجنب الإدلاء بالتصريحات الاستفزازية أو القيام بأعمال استفزازية" (د ب أ، أ ف ب، 2016/7/12).

رابعاً: يتبين مما سبق أجوبة المسائل الواردة في السؤال على النحو التالي:

أ- إن الأعمال الاقتصادية التي حصلت بين دول المنطقة بين الهند وإيران وأفغانستان وبين الباكستان والصين ليست اقتصادية بحتة وإنما لها أهداف سياسية، وخاصة أن هذه الدول كلها عدا الصين تتبع السياسة الأمريكية.

ب- لقد أعطت أمريكا دورا للهند لمواجهة الصين، فكما عملت على تعزيز قدراتها النووية فهي تعمل على تعزيز اقتصادها حتى تتمكن من لعب هذا الدور، وتسندها بإيران وتفتح لها مجال الاستثمار فيها. كما تعمل على تقوية اقتصاد إيران حتى لا تنهار وتبقى تلعب لها الدور المنوط بها من قبلها في المنطقة. وقد أناطت أمريكا للهند دورا في أفغانستان لحماية النفوذ الأمريكي فيها، كما أن إيران تدعم النفوذ الأمريكي في أفغانستان، ولذلك تحركت الهند وإيران لدعم اقتصاد أفغانستان المحتلة أمريكياً وفتح الطريق أمامها لتصل إلى ميناء على البحر.

ج- إن أمريكا تشجع الباكستان على تقوية العلاقات مع الصين حتى تغريها بمشاريع تبعدها عن الاشتغال بتوسيع أعمالها للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، في الوقت الذي تحرض دول حوض البحر هذا ضد الصين وتخلق لها المشاكل والمتاعب، وآخرها استصدار قرار مسيس من قبل محكمة التحكيم الدولية في لاهاي بهولندا.

د- وتستهدف أمريكا منطقة آسيا الوسطى حيث تعمل على جلبها للعمل مع باكستان وتوجِد لها مصالح بالوصول إلى ميناء على البحر عبر الممر الاقتصادي الذي تبنيه الصين. وبذلك تتمكن أمريكا من ربط حكام المنطقة بمصالح مع عميلتها باكستان ومن ثم تتمكن من التواصل معهم بحكم علاقاتهم مع باكستان ووجود مصالح لهم هناك، فتتم عملية شرائهم... هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن من أهداف المشروع الثلاثي (إيران، الهند، أفغانستان) هو كذلك الوصول إلى آسيا الوسطى كما جاء في تصريحات المسئولين الإيرانيين والهنود، والوصول إلى آسيا الوسطى بفعل هذه الدول الموالية لأمريكا هو بلا شك خدمة لمصالح أمريكا، وبذلك تركز نفوذها في المنطقة مزاحمة النفوذ الروسي فيها.

خامساً: وفي الختام فإن هذه المنطقة كانت على مدى مئات السنين تحت حكم الإسلام على عهد الخلافة الإسلامية، فطريق الحرير وكافة الطرق التجارية في المنطقة والموانئ تحت إشراف دولة الخلافة، والتجار كان أغلبهم من المسلمين يحملون البضائع من هنا وهناك كما يحملون الدعوة إلى الإسلام حتى أسلم الملايين وقد تكاثروا وأصبحوا مئات الملايين. وسوف تعود مرة أخرى قريبا كما كانت وأفضل بإذن الله، فحينها لا يبقى عملاء يأتمرون بأمر أمريكا يخدمونها مقابل أن يبقوا في الحكم ويحافظوا على أنظمتهم البالية الفاسدة ومصالحهم القومية الضيقة وإن غداً لناظره قريب ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

السادس عشر من شوال 1437هـ

2016/7/21م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م