February 24, 2014

جواب سؤال: المستجدات الأخيرة في أوكرانيا

جواب سؤال المستجدات الأخيرة في أوكرانيا

السؤال:


تناقلت وسائل الإعلام 2014/2/20سقوط 17 قتيلا على الأقل وجرح آخرين في تجدد الاشتباكات بين المحتجين المعارضين للحكومة وقوات الأمن الأوكرانية التي انسحبت من ميدان الاستقلال في كييف، بينما تحرك المحتجون باتجاه البرلمان الذي تم إخلاؤه وكذلك مبنى رئاسة الوزراء... وكانت السلطات الأوكرانية قد أعلنت الأربعاء 2014/2/19 بدء عملية لمكافحة "الإرهاب" تستهدف معارضين تنعتهم بالمتشددين ما تسبب عنه مقتل 26 شخصا، حتى بدت ساحة الاستقلال كأنها ساحة حرب! ولكن أمس 2014/2/21 أعلن أن الرئيس الأوكراني والمعارضة قد اتفقوا على حل توافقي... ثم هذا اليوم 2014/2/22أُعلن أن البرلمان الأوكراني صوت على عزل الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في 2014/5/25... والسؤال هو: هل هذه الأحداث محلية بين معارضة وحكومة؟ أم هي دولية لأمريكا والاتحاد الأوروبي وروسيا يد فيها، وفي تحريكها؟ وهل هي ثورة برتقالية جديدة تنزع النفوذ الروسي نهائيا من أوكرانيا لصالح النفوذ الغربي كما حدث في الثورة الأولى؟ وهل يتوقع ردة فعل روسية كما حدث في 2010؟ وجزاك الله خيرا.


الجواب:


يتضح الجواب من الأمور التالية:


1- لدى أوكرانيا تاريخ طويل من التنافس عليها بين روسيا وأوروبا. وكانت على مر التاريخ تتقاسمها دول أخرى مثل روسيا، والخلافة العثمانية وبخاصة في القرم، وبولندا... وبعد الحرب الأولى تآمر الغرب والعملاء على الدولة العثمانية فانتهت، وظهر الاتحاد السوفييتي... ثم بعد الحرب الثانية كانت أمريكا على رأس دول الحلف التي انتصرت في الحرب، وهكذا أصبحت الدول المتصارعة على أوكرانيا: الغرب، والاتحاد السوفييتي بعد أن ضم بولندا إلى جمهورياته، وضم أوكرانيا كذلك وكانت هي أهم الجمهوريات الـ 15 التي كانت سابقا أعضاء في الاتحاد السوفييتي... وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت الدول المتصارعة على أوكرانيا: روسيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي، فلكل من هذه الدول اهتمام قوي بأوكرانيا:


أما روسيا فإن أوكرانيا من أكثر البلدان أهمية لها فإذا فقدتها يصبح الغرب على حدودها مباشرة، فهي كدرعٍ واقٍ لها من جهة أوروبا، عدا أهميتها الاقتصادية حيث تمر منها أنابيب الغاز الروسية إلى الغرب. كما أن أوكرانيا من الأهمية بمكان بالنسبة لروسيا، لأن قطاعات الصناعة والزراعة والطاقة فيها تتكامل مع روسيا، كما أنها منطقة عازلة بينها وبين أوروبا. لذا فإن فقدان روسيا لأوكرانيا يضع أوروبا بالفعل على بوابة روسيا، حيث تقع أوكرانيا على بعد 300 كيلومتر فقط من موسكو. هذا هو سبب تدخّل روسيا في أوكرانيا. وهناك عامل آخر يجعل روسيا تنظر باهتمام بالغ لأوكرانيا وذلك لأن أغلبية السكان في شرق أوكرانيا تعتنق المذهب الأرثوذكسي وتتكلم الروسية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى وجود قاعدة أسطول البحر الأسود العسكرية الروسية فيها.


وأما أوروبا فإن أوكرانيا تعد بمثابة الجدار الفاصل بين روسيا وأوروبا الشرقية، يَعبر من أراضيها إلى أوروبا 80% من الغاز الطبيعي الروسي الذي يشكل ربع الاستهلاك الأوروبي، ولذلك فهي تحوز على أهمية بالغة بالنسبة لأوروبا. وبعد أن أصبحت بولندا عضواً في الاتحاد الأوروبي 2004 ثم انضمت رومانيا وبلغاريا للاتحاد 2007م، أصبحت أوكرانيا جارة لدول الاتحاد الأوروبي، وذات أهمية كبرى بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فهي من جانب تعتبر جسراً بين أوروبا وروسيا، ومن الجانب الآخر تعتبر منطقة عازلة فيما بينهما.


وأما أمريكا فإن أوكرانيا تمتاز بأهمية حيوية بالنسبة لأمريكا التي تسعى لمحاصرة منطقة النفوذ الروسي. وكذلك فإن موانئ أوكرانيا مهمة للحلف الأطلسي وبوارجه عند دخولها البحر الأسود. كما أن النفوذ الأمريكي في أوكرانيا يعني نزيفًا مستمرًّا لخاصرة روسيا ووسيلة ضغط عليها لعدم عرقلة مشاريع أمريكا في المنطقة وبخاصة الشرق الأوسط.


2- نتيجة اهتمام أمريكا بأن تكون أوكرانيا عضوا في الحلف، واهتمام أوروبا بأن تكون أوكرانيا عضوا في الاتحاد، فقد وقف الغرب بقضه وقضيضه وراء الثورة البرتقالية في 2004، وفي انتخابات 2005... ولأن روسيا لم تكن قد تخلصت بعد من فوضى مخلفات انهيار الاتحاد السوفييتي... نتيجة كل ذلك استطاع الغرب أن ينجح في توصيل الثورة البرتقالية لتحقيق أهدافها حيث أسقطت يانوكوفيتش مرشح روسيا في انتخابات 2005، ومن ثم نجاح مرشح الغرب وبخاصة أمريكا "يوشينكو" في رئاسة الجمهورية، فزال النفوذ الروسي لصالح النفوذ الغربي.


3- بدأت الأحداث تتسارع وهي تحمل وراءها مشاريع انضمام أوكرانيا للحلف والاتحاد الأوروبي، واستغلت أمريكا الفرصة، فروسيا قد فقدت الحكم الموالي لها في أوكرانيا في انتخابات 2005، وأوروبا وإن كانت مهتمة بانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي لكن الاتحاد لا زال يعاني من مشاكل دول أوروبا الشرقية التي ضُمت للاتحاد.. وهكذا فقد كانت الظروف مواتية لأمريكا للاستفادة من نتيجة انتخابات 2005 ونجاح عميلها "فيكتور يوشينكو"، ولذلك فإنها استغلت فترة حكمه لتسريع التكامل بين أوكرانيا مع الغرب، وطوال الفترة التي قضاها في منصبه، كان يوشينكو يهدد بطرد أسطول البحر الأسود الروسي من سيفاستوبول "Sevastopol" عند انتهاء عقد الإيجار العسكري الروسي هناك عام 2017م. ولم يُخف يوشينكو رغبته في دمج أوكرانيا بالكامل في مؤسسات غربية مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي. وقد دخلت كييف مفاوضات على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وطالبت بخطة عمل للعضوية في الناتو... وعليه فقد رأينا كيف بذلت أمريكا الوسع في الثورة البرتقالية التي جاءت بيوشينكو إلى الحكم، وأصبحت أوكرانيا في تلك الحقبة شريكاً استراتيجياً رئيسياً للولايات المتحدة الأمريكية، وكانت تقوم بتقديم المساعدات الاقتصادية لها، حتى إنها كانت في الدرجة الثالثة بعد (إسرائيل) ومصر في قائمة المساعدات الأمريكية، وذلك لتقطع أمريكا اعتماد أوكرانيا على روسيا اقتصادياً...


4- كان لهذه الحالة تأثير كبير على روسيا، بل استفزاز لها وضرب لمصالحها، فبعد أن وقعت الثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، توترت العلاقات مع روسيا بسبب مساعي أوكرانيا نيل العضوية في الاتحاد الأوروبي وعضوية الحلف الأطلسي، وكذلك بسبب موقف أوكرانيا من أسطول البحر الأسود الروسي المرابط في سيفاستوبول "Sevastopol"، وبسبب خلافات حول الغاز الطبيعي، ولكن روسيا لم تكن قادرة على الوقوف في وجه تلك الحالة التي نشأت نتيجة انتخابات 2005 لسببين رئيسيين: الأول: لم تكن بعدُ قد شفيت تماماً من آثار انهيار الاتحاد السوفييتي، والثاني: أن أمريكا كانت وأوروبا لا تعانيان من مشاكل صعبة في أوضاعهما السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى أنه ليس هناك خلاف كبير في اهتمامات الطرفين: فأمريكا تريد أوكرانيا في الحلف وأوروبا تريدها في الاتحاد، ولم يكن حينها كبيرُ فرقٍ بين الاهتمامين... هذان العاملان جعلا أوروبا وأمريكا يعملان معاً لإبعاد أوكرانيا عن روسيا في الوقت الذي روسيا فيه غير قادرة على المقاومة لظروفها التي كانت تعانيها...


5- غير أن الظروف تغيرت منذ أواخر 2007 وبخاصة في 2008 حيث غرقت أمريكا وأوروبا في الأزمة الاقتصادية في الوقت الذي بدأت روسيا تستقر سياسياً واقتصادياً إلى حد ما، فكان هذا الظرف مواتياً لروسيا لمضايقة الحكم الجديد في أوكرانيا بعد الثورة البرتقالية وبخاصة اقتصادياً عن طريق الغاز، وهي مطمئنة بانشغال أمريكا وأوروبا في أزماتها، ولذلك فإن روسيا بذلت جهداً كبيراً في تسخين الأجواء ضد حكم يوشينكو وبخاصة في المناطق الشرقية من أوكرانيا وبعض المناطق الأخرى الموالية لها في أوكرانيا... وأصبح رفع أسعار الغاز أو توقيفه سلاحاً مؤثراً في الحكم الموالي للغرب في أوكرانيا، هذا بالإضافة إلى تحريك الموالين لها في شرق أوكرانيا، حتى إذا جاءت انتخابات 2010 كان جمهور كبير إلى حد ما من الناس في أوكرانيا يشعر بمساوئ الحكم الموالي للغرب، فكانت نتيجة الانتخابات في صالح روسيا فقد عاد يانوكوفيتش للحكم، ومن ثم تنفست روسيا الصعداء، حيث قام يانوكوفيتش بتوقيع العديد من الاتفاقيات مع موسكو في مجال الطاقة، ووطد التعاون الاقتصادي فيما بينهما، وعمد إلى تنمية العلاقات في مجالات الصحافة والنشر والتعليم واللغة والثقافة. وقد أشار يانوكوفيتش إلى إمكانية إجراء اتفاقية جديدة تتعلق بأسطول البحر الأسود الروسي مقابل خفض أسعار الغاز الطبيعي، وهذا ما تم لاحقاً.


وهكذا فقد جاءت نتائج الانتخابات في صالح روسيا، حتى وإن لم يكن الفارق كبيراً، فقد كانت نتائج الانتخابات معبرة عن ضيق الناس من يوشينكو، فقد أظهرت نتائج الدورة الأولى نسبة متدنية له (5.33 %)، ويوليا تيموشينكو نحو (25 %)، وحصل فيكتور يانوكوفيتش على نحو 35.5% من أصوات الناخبين، فأعيدت الانتخابات في الدورة الثانية بين أكثر اثنين، فنجح يانوكوفيتش بنحو 49% بفارق 3% عن يوليا تيموشينكو مرشحة الغرب التي حصلت على 46%، وهكذا استطاعت روسيا في شباط/فبراير 2010م أن تعيد رجلها في أوكرانيا فيكتور يانوكوفيتش إلى السلطة، وهو رابع رئيس للبلاد، ومؤيد قوي لروسيا، ومن حينها بدأ النفوذ الأمريكي بالتراجع، وتوجهت أوكرانيا نحو تطبيع العلاقات مع روسيا.


ومع أن الفارق قليل إلا أن روسيا حصدت من ورائه نتائج مؤثرة، فقد التقى الرئيس يانوكوفيتش مع الرئيس الروسي ميدفيديف في خاركوف بعد أقل من شهرين من توليه منصبه في 2010/4/21، ووافق في الاجتماع على تمديد عقد إيجار أسطول البحر الأسود لـ25 سنة إضافية لتنتهي في عام 2042م، بدلا من الموعد السابق 2017، وفي المقابل، وافقت شركة غازبروم الروسية على خفض سعر الغاز الطبيعي إلى 100 دولار لكل 1,000 م3 للفترة المتبقية من عقد الغاز الذي كان قد وقع عام 2009م.


6- لقد استمر يانوكوفيتش في توجهه المتسارع نحو روسيا، ويبدو أنه لم يدرك أن هذا الفارق الضئيل في الأصوات 3% يعني أن أعوان الغرب في أوكرانيا لا زال لهم وزن كما أن أعوان روسيا لهم وزن... ثم إنه ظن أن ما يراه من تناغم بين أمريكا وروسيا في مشاكل عالمية أخرى سيحول دون تأييد أمريكا لأوروبا إذا أدار ظهره لها في الاتفاقية التجارية التي كان الحديث يجري عنها، وبطبيعة الحال فإن هذا الظن كان خطأ، وظنُّه أرْداه، فإن أمريكا وإن تناغمت مع روسيا، لكنها في الوقت نفسه يهمها أن يكون لها ليس موطئ قدم فحسب في أوكرانيا بل قاعدة للحلف الأطلسي! أي أن أمريكا حتى لو وقفت في وجه أوروبا لكي لا تضم أوكرانيا لها، فهذا لا يكون من أجل استمرار نفوذ روسيا في أوكرانيا، وإنما لتكون أوكرانيا لأمريكا! ولو كان يانوكوفيتش واعياً سياسياً لأخذ هذا في الحسبان، ولكنه لم يكن كذلك... وهكذا بدأت الأزمة.


7- وقبل البحث في بداية الأزمة ثم وقوع قتلى ثم الوصول إلى الحل التوافقي... ومن ثم قرار البرلمان بعزل الرئيس... الخ. نبيِّن مواقف الدول الثلاث المهتمة بأوكرانيا ليظهر بكل الوضوح أن هذه الدول الثلاث كان لها دور في أحداث أوكرانيا حتى وإن اختلفت شدة الدور بين دولة وأخرى وفق الظروف المتاحة لكل منها، وما تقتضيه مصلحة كل واحدة من هذه الدول. وهذه المواقف هي على النحو التالي:


أ- روسيا: انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاتحاد الأوروبي في قمة الاتحاد الأوروبي روسيا يوم 25 كانون الثاني/يناير عام 2014، فقد انتقد الاتحاد الأوروبي لإرسال وفود رفيعة المستوى إلى أوكرانيا خلال احتجاجات مناهضة للحكومة قائلا "إنه يمكن تفسيرها على أنها تدخل سياسي". وقال في ختام تلك القمة في بروكسل: "يمكنني أن أتخيل رد فعل شركائنا الأوروبيين إذا حضر، في خضم أزمة في اليونان أو أي دولة أخرى، وزيرُ خارجيتنا تجمعاً مناهضاً للاتحاد الأوروبي وحث الناس على القيام بشيءٍ ما". (ياهو الأخبار 2014/1/18)، كما نقلت إنترفاكس عن وزير الخارجية الروسي لافروف قوله: "عندما يقول جون كيري... من حق أوكرانيا أن تختار مع من تكون - مع العالم كله أو مع دولة واحدة، فإن كيري - بتجربته، وحسّه السليم - هو آخر شخص أتوقع منه مثل هذه الدعاية". وقد ورد في هيئة الإذاعة البريطانية عن الاضطرابات الأوكرانية في 2014/2/1 أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال: "ما علاقة التحريض على الاحتجاجات العنيفة في الشوارع بتعزيز الديمقراطية؟... لماذا يشجع الكثير من السياسيين الأوروبيين البارزين حقّاً مثل هذه الأعمال، ولكنهم في أوطانهم سرعان ما يعاقبون بشدة أي انتهاكات للقانون؟" وقد اعتبرت روسيا ما يحدث في أوكرانيا "محاولة انقلاب" على السلطة، وحمّل وزير خارجيتها سيرغي لافروف بعض الدول الغربية المسؤولية عن الأحداث الدامية بأوكرانيا، ودعا الغرب إلى عدم لعب دور الوسيط في الأزمة. (2014/2/19 الجزيرة). ونقلت وكالة رويترز عن غلازييف مستشار الرئيس الروسي والمسؤول عن العلاقات مع أوكرانيا في تصريحات صحفية في 2014/2/6 تأكيده أن "التدخل" الأمريكي ينتهك معاهدة أبرمت عام 1994 تضمن واشنطن وموسكو بموجبها أمن وسيادة أوكرانيا، وتلتزمان بالتدخل عندما تنشب صراعات من هذا النوع، وذلك بعدما تخلصت كييف من ترسانتها النووية التي تعود للعصر السوفييتي. واعتبر المسؤول الروسي أن "ما يقوم به الأميركيون الآن من تدخل سافر ومن جانب واحد في الشؤون الداخلية لأوكرانيا انتهاك واضح لتلك المعاهدة التي تنص على ضمانات جماعية وعمل جماعي". (رويترز، الجزيرة عن وكالات 6، 2014/2/7).


ب- الاتحاد الأوروبي: أعلن وزير خارجية بولندا رادوسلاف أنه في طريقه إلى كييف بتكليف من الاتحاد الأوروبي في محاولة لإنهاء الأزمة هناك. وأعلن بيوتر سيرافان نائب وزير خارجية بولندا أنه تم التوصل إلى توافق ضمن الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على مسؤولين في أوكرانيا. بدورها، قالت المستشارة الألمانية ميركل - خلال مؤتمر صحفي مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند - "إن على وزراء الخارجية الأوروبيين أن يبحثوا الخميس 2014/2/20 أي شكل من العقوبات التي يجب فرضها لإظهار أن أوروبا تريد عودة المسار السياسي بأوكرانيا". وقد تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم حزمة مساعدات لأوكرانيا لإنهاء الاحتجاجات المؤيدة للتقارب مع أوروبا منذ أكثر من شهرين، وذلك خلال مباحثات أجرتها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كاثرين آشتون في كييف مع الرئيس يانوكوفيتش وقادة المعارضة التي تتمسك بمطالبها الداعية لرحيل الرئيس.


من جانبه حث زعيم المعارضة فيتال كليتشكو الاتحاد الأوروبي على التوسط في الأزمة السياسية العميقة التي تشهدها بلاده. وأضاف كليتشكو أن آشتون أكدت له أن الاتحاد الأوروبي على استعداد لإرسال وسطاء رفيعي المستوى من أجل المفاوضات بين قادة المعارضة والحكومة. (2014/2/5 الجزيرة)، وكان موضوع أوكرانيا قد سيطر على قمة الأمن في ميونيخ ألمانيا في 31 كانون الثاني/يناير 2014. وقال رئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبوي: "لا يزال العرض قائماً، ونحن نعرف أن الزمن في صالحنا. مستقبل أوكرانيا يخصّ الاتحاد الأوروبي."، وقد نقلت وكالة رويترز أن وزراء خارجية ألمانيا وبولندا وفرنسا يجرون محادثات مع الرئيس الأوكراني، ولم يغادروا البلاد وفقا لما تحدثت عنه مصادر دبلوماسية، ونقلت عن مصدر دبلوماسي قوله "إنهم يجتمعون معه الآن" وذلك في محاولة منهم لإيجاد مخرج للأزمة التي تعصف بالبلاد من أشهر. (نقلاً عن رويترز 2014/2/20).

وفي سياق ذي صلة التقى أرسيني ياتسينيوك - حليف زعيمة المعارضة المعتقلة ورئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو - والمعارض البارز وبطل الملاكمة السابق فيتالي كليتشكو المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في برلين، وذكر كليتشكو أنه يتعين على ألمانيا والاتحاد الأوروبي أن يلعبا دورا قياديا في إيجاد حل للأزمة في أوكرانيا، وشدد كليتشكو على ضرورة أن يقترن الضغط الغربي على يانوكوفيتش بما أسماه برنامجا إيجابيا للشعب الأوكراني من خلال مساعدة مالية وإلغاء أو تخفيف نظام التأشيرات مع أوروبا. من جانبها، دعت ميركل كييف إلى تشكيل حكومة جديدة وإصلاح الدستور، وقالت في بيان إن "اتفاق العفو عن المتظاهرين يشكل خطوة إيجابية، وينبغي القيام بمزيد الخطوات في هذا الاتجاه". (2014/2/18 الجزيرة).


ج- أما أمريكا: فقد نقلت رويترز يوم الجمعة 2014/2/7 من واشنطن: "تكشف محادثة نشرت على موقع يوتيوب بين مسؤولة في وزارة الخارجية الأمريكية والسفير الأمريكي في أوكرانيا عن تغير صريح في الإستراتيجية الأمريكية حيال الانتقال السياسي في هذه الدولة."، وأضافت: "وفي المحادثات التي نشرت على يوتيوب يوم الثلاثاء 2014/2/4 أبلغت مساعدة وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند السفير الأمريكي في كييف جيفري بايات أنها لا تعتقد أن فيتالي كليتشكو بطل المصارعة السابق الذي تحول إلى سياسي وهو زعيم المعارضة الرئيسي يجب أن يكون في الحكومة الجديدة."، وعلى الرغم من أن كليتشكو كان موضع ترحيب في أوروبا، وبخاصة للوفد الأوروبي الذي قابل الرئيس الأوكراني والمعارضة حيث أحد زعمائها كليتشكو إلا أن مساعدة وزير الخارجية الأمريكي فيكتوريا نولاند في مكالمتها مع السفير الأمريكي لم يعجبها رأي الاتحاد الأوروبي وقالت لمحدثها "فليذهب الاتحاد الأوروبي إلى الجحيم"، وأشارت نولاند إلى إشراك الأمم المتحدة في حل سياسي للأزمة في كييف، ومع أن نولاند اعتذرت إلا أن تصريحها يكشف عن أن توجه أمريكا ليس بالضرورة مطابقاً لتوجه أوروبا.


هذا وقد أدان أوباما بشدة أعمال العنف التي تفجَّرت في أوكرانيا محملا الحكومة في كييف مسئولية قمع المتظاهرين، ومطالباً الحكومة بضبط النفس، وعدم استخدام القوة العسكرية في معالجة قضايا يجب تسويتها بالطرق المدنية، غير أن الرئيس الأمريكي أكد في الوقت نفسه أنه يتعين على المتظاهرين أن يظلوا سلميين وإدراك أن العنف ليس هو الطريق الذي يجب أن يسلكوه، يأتي ذلك في الوقت الذي كان قد أعلن فيه البيت الأبيض أنه يراقب الوضع في أوكرانيا في حين قال بن رودس أحد مستشاري الأمن القومي للرئيس الأمريكي أن الإدارة الأمريكية تجري مشاورات مع الاتحاد الأوروبي حول الخطوات القادمة التي يجب اتخاذها بما في ذلك فرض عقوبات على أوكرانيا. (البوابة نيوز عن أ ش أ الخميس 2014/2/20).


وكذلك فإن وزير الخارجية الأمريكية جون كيري قد قال: "لا يوجد مكان يكون فيه النضال من أجل مستقبل أوروبي ديمقراطي أكثر أهمية اليوم مما هو عليه في أوكرانيا. وتقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع شعب أوكرانيا في تلك المعركة." (كما ورد في هيئة الإذاعة البريطانية - الاضطرابات الأوكرانية - 2014/2/1).


• وواضح من هذه المواقف والتصريحات ما يلي:


إن روسيا تعدّ أوكرانيا قضية مصيرية لها، فتراها تبذل الوسع في دعم الرئيس اقتصادياً بقوة، فخلال الاحتجاجات عقدت روسيا مع أوكرانيا اتفاقا يوم الثلاثاء 17 كانون الأول، تحصل أوكرانيا بموجبه على خصم مقداره 33% على إمدادات الغاز الطبيعي من 400 دولار إلى 268 دولارًا لكل ألف متر مكعب، وقد وافقت موسكو أيضا على شراء ما قيمته 15 مليار دولار من الديون الأوكرانية، (ياهو الأخبار 2014/1/18). وللدلالة على الأهمية البالغة لأوكرانيا من وجهة النظر الروسية فإن ممثلها لم يحضر توقيع الاتفاق الذي تمّ الجمعة 2014/2/21 مع أنه قد تم برضاها لأن يانوكوفيتش لا يستطيع أن يبرم اتفاقاً دون رضاها، لكن روسيا أرادت من وراء انسحاب ممثلها أن تعطي صورة حاسمة بأنها لا ترى حلاً لأوكرانيا إلا أن تكون أوكرانيا لها...! بالإضافة إلى كونه أسلوبَ ترضيةٍ لأعوان روسيا في أوكرانيا الذين لم يكن يعجبهم الاتفاق...


وأما الاتحاد الأوروبي، فهو كان بيضة القبان في الموضوع، فمندوبوه يروحون ويجيئون... فأشرفوا على إدارة الاتفاق وتوقيعه، وعلاقتهم واضحة مع المعارضة حتى إن المعارضة تطلب مساعدة أوروبا بشكل واضح، بل إن سبب الاحتجاجات رفض يانوكوفيتش توقيع الاتفاق التجاري مع أوروبا.


أما أمريكا فواضح من موقفها أنها تحاول إرضاء الطرفين: أوروبا وروسيا، فهي تريد أوكرانيا أن تبقى خارج الاتحاد الأوروبي ولكن مع حلف الأطلسي الذي تديره فعلاً أمريكا، فإبقاء أوكرانيا دولة ليست في الاتحاد الأوروبي يدغدغ مشاعر روسيا، وفي الوقت نفسه تكون أوكرانيا وسيلة ضغط عند أمريكا لضمان استمرار تعاون روسيا في مشاريع أمريكا وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.


8- أما عن الأزمة وكيف بدأت، وهل هي ثورة برتقالية جديدة تطيح بالنفوذ الروسي لمصلحة الغرب كما حدث في الثورة البرتقالية 2004 - 2005 حيث هيمن الغرب على النفوذ في أوكرانيا؟ وهل يتوقع عودة النفوذ الروسي كما حدث في انتخابات 2010؟ إن هذه المسألة تفهم هكذا:


أ- كان من المقرر أن توقع أوكرانيا على اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي في قمة الشراكة الشرقية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر في فيلنيو، ليتوانيا. ولكن الحكومة الأوكرانية رفضت التوقيع على الاتفاق، واقترحت بدلاً من ذلك إنشاء لجنة تجارة ثلاثية بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي وروسيا مهمتها حل القضايا التجارية بين الأطراف. هذا الرفض هو ما أثار احتجاجات كبيرة في شوارع كييف... ثم تفجرت الأزمة الأخيرة حيث احتشد نحو 200,000 شخص في 15 كانون الأول/ديسمبر 2013 في العاصمة الأوكرانية كييف، واستمر تصاعد الأمور...


ب- ثم بدأت الاحتجاجات بالتصاعد: احتجاجات مستمرة... سيطرة ونصب خيام في ميدان الاستقلال... استيلاء على بعض مقرات حكومية... مطالبات باستقالة الرئيس أو تقليص صلاحيته... العودة إلى دستور 2004 الذي ينقل صلاحية الرئيس إلى البرلمان... الإفراج عن المعتقلين وبخاصة يوليا تيموشينكو... ثم ما حدث في أيام 18، 19، 20 من أحداث عنف وقتلى وجرحى... حيث أعلنت السلطات الأوكرانية يوم الأربعاء 2014/2/18 بدء عملية لمكافحة "الإرهاب" تستهدف معارضين تنعتهم بالمتشددين، في وقت تواصل فيه قوات الأمن اقتحام مركز الاحتجاجات بكييف حيث قتل 26 شخصا...


وكانت الحكومة قد أصدرت قانون طوارئ ثم منع التظاهر، ثم محاولة إشراك المعارضة في الحكم بعرض منصب رئيس الوزراء عليهم ضمن حكم الرئيس... ثم محاولة اقتحام ميدان الاستقلال ما ترتب عليه قتلى وجرحى إلى أن أُعلن في 2014/2/21 توصل المعارضة والحكم بالحوار إلى توقيع حل توافق يقضي بانتخابات مبكرة وتعديلات دستورية... فقد أعلنت وسائل إعلام يوم الجمعة 2014/2/21 أن ثلاثة من قادة المعارضة الأوكرانية قد وقعوا اتفاق إنهاء الأزمة مع الرئيس فيكتور يانوكوفيتش داخل القصر الرئاسي بحضور وسطاء الاتحاد الأوروبي، فيما غادر ممثل موسكو في المفاوضات أوكرانيا إلى بلاده ولم يحضر حفل توقيع الاتفاق... ثم هذا اليوم 2014/2/22 أعلن البرلمان عزل الرئيس وانتخابات مبكرة...


واللافت للنظر هو أنه على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي هو الذي أدار اجتماعات الحوار وعقدت الاتفاقات بوساطته إلا أن الاتصال الأول مع بوتين بعد توقيع الاتفاق كان من أوباما، حيث قال مسؤول كبير بوزارة الخارجية الأميركية إن الرئيسين أوباما وبوتين أجريا اتصالا هاتفيا "بناء" شددا خلاله على أهمية تنفيذ اتفاقية السلام بأوكرانيا بسرعة، وعلى ضرورة تحقيق استقرار الاقتصاد الأوكراني. وأوضح المسؤول الأمريكي للصحفيين في مؤتمر صحفي عبر الهاتف أن الطرفين اتفقا على ضرورة تنفيذ الاتفاقية التي تم التوصل إليها بسرعة، وعلى أن من المهم جدا تشجيع كل الأطراف على الامتناع عن العنف، وأن هناك فرصة حقيقية هنا للتوصل إلى نتيجة سلمية. (الجزيرة 2014/2/22 صباحا الساعة 3:03 غرينتش).


ج- أما هل هذه الاحتجاجات هي ثورة برتقالية جديدة كما حدث في 2004 - 2005؟ وهل يتوقع ردة فعل روسية كما حدث في 2010؟ فللإجابة على هذا السؤال يجب الأخذ في الحسبان أن الظروف الآن مختلفة عن 2005 و2010، فلم يعد بإمكان طرف من تلك الأطراف الثلاثة أن يمسك بالخيوط كلها ويوجد حلاً خالصاً له، وحتى تكون الصورة واضحة نعيد التذكير بما يلي:


- في وقت الثورة البرتقالية كانت روسيا تعاني من ذيول انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم تستقر بعد كدولة كبرى سياسياً ولا اقتصاديا، في الوقت الذي فيه أوروبا وأمريكا مجتمعتان معاً على دعم الثورة البرتقالية، وكان يهم أمريكا وأوروبا أن تنفلت أوكرانيا من قبضة روسيا ثم بعد ذلك تميل الكفة في أوكرانيا للطرف الأقوى "أمريكا وأوروبا"، وكانت أمريكا مطمئنة بأن عميلها يوشينكو سيرجح الكفة إليها دون منازع، ولذلك كان الصراع بين طرفين "أمريكا وأوروبا" في الجانب القوي، وروسيا في جانب ضعيف، فلم تستطع روسيا دعم الرئيس الموالي لها فكان أن هزم في انتخابات 2005 وأصبح يوشينكو رجل أمريكا هو رئيس أوكرانيا...


- وأما في 2010 فكانت روسيا قد تعافت إلى حد ما، ولوحظ فيها استقرار سياسي واقتصادي مقبول، وفي الوقت نفسه كانت أمريكا وأوروبا غارقتين في الأزمة الاقتصادية، وتكادان تلفظان نفسيهما بسببها، فاستطاعت روسيا في هذا الجو أن تغرق الحكم الموالي للغرب في أوكرانيا بالأزمات الاقتصادية وبخاصة الغاز، بالإضافة إلى التحريك الفاعل للموالين لها في أوكرانيا، ولذلك فاز رجلها في أوكرانيا يانوكوفيتش، ومع أنه فاز بفارق بسيط 3% من الأصوات إلا أنه أعاد النفوذ إلى حد ما إلى روسيا.


- أما الآن فالقوى الثلاث لديها كلها أزمات داخلية وخارجية... هذا فضلاً عن أن أمريكا لا تريد أن تكون أوكرانيا تابعة لأوروبا، بل تريدها مركزاً لنفوذها هي خارج الاتحاد الأوروبي، فتستعملها وسيلة ضغط وإغراء لروسيا لتستمر متعاونة مع أمريكا في مشاريعها وبخاصة الشرق الأوسط، فعدم ضم أوكرانيا للاتحاد الأوروبي يرضي روسيا حتى وإن كان النصيب الأكبر في أوكرانيا لأمريكا وليس لروسيا!


- ولهذا فليس متوقعاً أن يستطيع أحد الأطراف الثلاثة أن يأخذ أوكرانيا كاملة إلى جانبه، على الأقل في المدى المنظور، بل إن حلاً توافقيا هو المتوقع كأن يستقيل الرئيس الحالي "أو يقال" و/ أو تحدث انتخابات رئاسية مبكرة تنتج رئيساً توافقياً بصلاحيات مقلصة وفق دستور 2004 أو دستور معدل، ونحو ذلك من حلول على الطريقة الرأسمالية، أي الحل الوسط، وبعبارة أخرى فإنه من المستبعد أن يكون الوضع الجديد في أوكرانيا خالصا لطرف من هذه الأطراف الثلاثة، ومن ثم فإن أي رئيس سيتم تنصيبه في أوكرانيا سيكون ممسوكاً بثلاثة أحزمة من صناعة تلك الأطراف الثلاثة، على الأقل في المدى المنظور...


- غير أن هذا الحل يبقى قنبلة قابلة للانفجار في أي وقت تستجد فيه ظروف تُمكن أي طرف من هذه الثلاثة من الاستحواذ على النفوذ كاملاً في أوكرانيا، لأن هذه الأطراف الثلاثة تتبنى الرأسمالية، وهي قائمة على النفعية، فليست لديهم قيم ثابتة، بل متغيرة تكون في الجانب الأكثر منهم جمعاً والأشد خبثاً، والأعنف بطشاً.


- ولذلك فإن هذه الحلول التوافقية ليست أكثر من مسكنات أملتها الظروف الحالية للأطراف الثلاثة، وكلما تغيرت الظروف الفاعلة كلما توتَّرت الأمور من جديد، ولن يستقر الوضع في أوكرانيا إلا إذا قامت دولة خلافة للمسلمين تعيد إلى سلطانها القرم وما حوله، ومن ثم تستقر الأمور وينتشر الخير في ربوع العالم، فالإسلام رحمة للعالمين، لا يُظلم أحد تحت سلطانه ولا يجوع ولا يعرى بإذن الله، بل يبقى عزيزاً لا يهان ولا يعتدى عليه، فجميع رعايا الدولة لهم حقوقهم وعليهم واجباتهم وفق الأحكام الشرعية سواء أكانوا رعايا مسلمين أم غير مسلمين، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م