جواب سؤال: المستجدات السياسية على الساحة الليبية
June 04, 2014

جواب سؤال: المستجدات السياسية على الساحة الليبية

جواب سؤال

المستجدات السياسية على الساحة الليبية

السؤال:

أعلن أمس 2014/6/2 أن رئيس الوزراء المتنازع على شرعيته أحمد معيتيق قد تمكن من دخول مقر رئاسة الوزراء بالعاصمة طرابلس، وسط تعزيزات عسكرية مشددة تابعة لدرع المنطقة الوسطى "مصراتة"...، وكان المؤتمر الوطني العام قد عقد في 2014/5/25 جلسة في طرابلس أقر خلالها منح الثقة لرئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق، بينما رفض عبد الله الثني رئيس الوزراء السابق تسليم الحكومة للجديد، وفي 2014/5/29 عقد السابق اجتماعا لحكومته في مقرها وعقد الجديد اجتماعا لحكومته في أحد الفنادق. وأعلن عن موعد الانتخابات البرلمانية في 2014/6/25. وقد أعلن الضابط المتقاعد خليفة حفتر في 2014/5/16 تمرده على المؤتمر ورافضا للحكومة ومطالبا بحل البرلمان وتأجيل الانتخابات. وقد لوحظ تحرك أمريكي وأوروبي فيما يتعلق بما يجري على الساحة في ليبيا. فما علاقة هذا التحرك بما يجري هناك؟ وما علاقته بتمرد هذا الضابط المتقاعد وإلى ماذا يهدف؟


الجواب:


1- إنه من المعروف أن ليبيا بلد إسلامي عريق منذ الفتح الإسلامي على عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجميع أهلها مسلمون، وبقيت تنعم في ظل الخلافة وحكم الإسلام بالأمن والأمان والرخاء والاستقرار طوال 13 قرنا، إلى أن جاء المستعمرون الطليان عام 1912 وبسطوا نفوذهم عليها، وقد قاومهم أهلها المسلمون المجاهدون. وبعد هزيمة إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية دخلتها بريطانيا وسيطرت عليها، وأقامت فيها نظاما ملكيا في نهاية عام 1951 عندما منحتها الاستقلال الشكلي. وعندما رأت بريطانيا أن نفوذها في ليبيا أصبح مهددا من قبل أمريكا عن طريق عبد الناصر في مصر أوعزت لعميلها القذافي ومعه مجموعة من الضباط بالقيام بعملية انقلابية عام 1969 متسترين بستارة الناصرية في محاولة منهم خداع الناس والاحتماء من تسلط أمريكا على النظام التابع للإنجليز في ليبيا، وبذلك حافظ الإنجليز على نفوذهم في ليبيا.


2- حاولت أمريكا لعقود طويلة كسب نفوذ في ليبيا فلم تنجح، وذلك لأن القذافي كان مخلصاً لبريطانيا حريصا على استمرار نفوذها في ليبيا. وقد تعرفت بريطانيا عليه وهو طالب في ساندهيرست ثم رعته وحمته لعقود عدة، واستمر يحفظ لها مصالحها في أفريقيا...


وهكذا فإنه حتى حصول الانتفاضة في ليبيا في عام 2011 لم يكن لدى الولايات المتحدة أي نفوذ في ليبيا، وظل القذافي عميلاً مخلصاً لبريطانيا. وبمجيء الربيع العربي وإسقاط حسني مبارك وزين العابدين بن علي في تونس، امتدت الانتفاضة بسرعة كبيرة عبر الحدود إلى ليبيا. وبإحساس بريطانيا بقرب نهاية القذافي لأن الأمة تريد التغيير، قررت التخلي عنه، وإعداد البديل... فشرعت بريطانيا مع فرنسا بإيجاد القيادة السياسية الجديدة. فأنشأت المجلس الوطني الانتقالي (NTC) في شهر فبراير 2011، وفي 2011/3/5 تم اختيار وزير العدل المنشق عن نظام القذافي مصطفى عبد الجليل رئيساً لهذا المجلس، وقد توالى على رئاسة الحكومة محمود جبريل ثم عبد الرحيم الكيب... واستمر المجلس إلى أن تشكل المؤتمر الوطني العام في تموز/يوليو 2012 واستلم المهام رسمياً من المجلس الوطني في 2012/8/8، ثم انتخب علي زيدان رئيساً للوزراء إلى أن أقاله المؤتمر الذي يرأسه نوري أبو سهمين، وكلف المؤتمر عبد الله الثني رئيساً مؤقتاً للوزارة ثم أقاله وانتخب معيتيق، ولم تحسم الناحية الرسمية بين الثني ومعيتيق حتى تاريخه... وكان الثوار الليبيون والفصائل المسلحة التي انتشرت في طول البلاد وعرضها لهم تأثير في هذه المجالس والمؤتمرات والحكومات، فيزول مجلس ويخلفه مجلس، وتزول حكومة وتخلفها حكومة...


لقد كان تشكيل المؤتمر الوطني لوضع دستور والتحضير لانتخابات عامة في غضون 18 شهراً، وإذا حُسبت هذه بعد استلام المجلس مهمامه في 2012/8/8 فهذا يعني أن ولاية المؤتمر يفترض أن تنتهي في 2014/2/7، ولكنه مدد لنفسه ليبقى حتى 2014/12/24، وانقسم الناس بين موافق على التمديد ومعارض... وتشكلت حكومة مؤقتة تدير الأعمال، وانتهى المطاف بأن قررت مفوضية الانتخابات إجراء انتخابات عامة في 2014/6/25 لإيجاد شرعية للوضع الجديد: رئاسة وبرلمان وحكومة...


3- إن أمريكا تدرك أن الوسط السياسي في ليبيا هو صناعة بريطانية مع بعض النتوءات الفرنسية التي تقوي الوسط السياسي الموالي لبريطانيا في ليبيا، ما يعني أن أي انتخابات قادمة سيكون الصاعدون فيها رجال أوروبا مع نزر يسير من "المستقلين"، ومن ثم يستقر الوضع وتذهب أطماع أمريكا التي كانت تريد استغلال تأثيرها العسكري الفعلي في إنهاء حكم القذافي، استغلال ذلك في أن يكون نصيبها من النفوذ هو الأكثر والأوفر، وهذا لا يتأتى لها بإجراء الانتخابات في هذه الأجواء التي لا زالت أجواء أوروبية، فكان أن فكرت في خلط الأوراق عسكرياً وإعادة ترتيب الأجواء في ليبيا لإنشاء طبقة سياسية جديدة موالية لها ثم بعد ذلك إجراء الانتخابات. وكانت الخطوة الأولى أن تكلف رجلاً عسكريا بالتحرك بما يشبه الانقلاب ضد الوضع القائم الذي يهيمن عليه المؤتمر الوطني حيث الغالبية فيه لرجال أوروبا... وذلك لخلط الأوراق وتأجيل الانتخابات إلى ظروف أفضل لأمريكا، فإن لم تكن خالصة، فتكون بالمشاركة مع أوروبا، فلا تخلو الساحة لها. وهكذا تحرك حفتر وسيرة حياته تنطق بولائه لأمريكا... فبعد أن خذله القذافي في حرب تشاد وأنكره، ومن ثم أُسر حفتر هو ونحو 300 من الجنود الليبيين في آذار 1987، بعد ذلك قامت أمريكا بوساطة مع تشاد، وفاوضت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية عام 1990 للإفراج عنه، وتولت طائرات أمريكية نقل حفتر ومجموعته إلى زائير ثم إلى أمريكا ومنحوه اللجوء السياسي في الولايات المتحدة، حيث انضم إلى حركة المعارضة الليبية في الخارج. وهكذا أمضى حفتر السنوات الـ 20 التالية في ولاية فرجينيا الأمريكية، حيث تدرب على حرب العصابات من قبل وكالة المخابرات المركزية، ولم يعد إلى ليبيا، إلا بعد ثورة 17 شباط (فبراير) 2011، التي لعب دوراً فيها خصوصاً في مدينة بنغازي. وفي نهاية عام 2011، اتفق القادة العسكريون الجدد في ليبيا على اختيار حفتر رئيساً جديداً لأركان الجيش الوطني، الذي تم إنشاؤه خلفاً لجيش النظام السابق، وبعد انتقادات من العديد من المعارضين الذين أبدوا شكوكا واضحة تجاه مشاركته بسبب تاريخه في تشاد واتصالاته بالأمريكيين... بعد هذه الانتقادات أُبعد عن هذا الجيش وتم إسناد رئاسة أركانه لوزير الداخلية السابق عبد الفتاح يونس العبيدي.


4- تحرك حفتر في 2014/2/14 معلنا سيطرة قوات تابعة له على مواقع عسكرية وحيوية في ليبيا وأعلن في بيان له عن تجميد عمل المؤتمر الوطني (البرلمان) والحكومة، وأطلق ما أسماها خارطة الطريق لمستقبل ليبيا السياسي. وقال: "ما قمنا به ليس انقلابا ولا نسعى لحكم عسكري، وإنما انسجاما مع مطالب الشارع التي خرجت تطالب برحيل المؤتمر العام". وبذلك كانت هذه أول محاولة لحفتر للقيام بعملية للضغط على الحكم في ليبيا لتحقيق مآرب سياسية له حسبما رسم من خارطة طريق حتى يصل إلى الحكم أو يسقط الحكم القائم في ليبيا. ومن ثم استأنف حفتر حركته في 2014/5/16 فشن هجوما على مجموعات مسلحة وصفها بالإرهابية في بنغازي باسم عملية عسكرية أطلق عليها اسم كرامة ليبيا. ومن ثم انتقلت العملية إلى العاصمة طرابلس. ويقدم نفسه باعتباره قائد الجيش الوطني ومنقذ ليبيا من الجماعات الإرهابية. وقد اقتحمت قوات تابعة له في 2014/5/17 البرلمان وسيطرت على محيطه لمدة وجيزة ومن ثم انسحبت. فأعلن محمد حجازي المتحدث باسم الجيش الوطني التابع لحفتر لوكالة رويترز "أن من قاموا بالهجوم هم تابعون للجيش الوطني الذي يشن هجوما على من يصفهم مجموعات إرهابية". وباقتراب موعد انتخابات جديدة في 25 حزيران/يونيو عام 2014، وقعت ليبيا في مزيد من الاضطراب عندما قام خليفة حفتر وقواته بمهاجمة العاصمة طرابلس والبرلمان. وقد قام قبل أسبوع من ذلك بعملية ضد قاعدة لواء شهداء 17 فبراير في بنغازي. ويعتبر هذا اللواء الموالي للحكومة واحداً من أكبر وأفضل الجماعات المسلحة في ليبيا، ثم أعلن قادة القاعدة الجوية الليبية الشرقية في طبرق دعمهم لحفتر يوم 19 أيار/مايو. وأعلن الولاء له بعد ذلك مباشرة مجموعة من الجيش المنشقين وشخصيات من الشرطة الوطنية. ونتيجة لذلك استطاعت بعض قوات حفتر الاستفادة من بعض القوات الجوية في البلاد، وذلك باستخدام طائرات ومروحيات في محاولته لبناء وجود له في بنغازي. وقد تحالفت الآن أيضاً جماعات الزنتان المسلحة مع حفتر؛ وهكذا نمت قوته إلى حد ما.


لقد أراد حفتر أن يقلد ما حدث في مصر من التركيز على محاربة جماعة الإخوان المسلمين وعلى الإرهاب. ففي 2014/5/20 نشرت صحيفة الشرق الأوسط مقابلة معه أشار فيها إلى تأثره بالأسلوب التي اتبعته أمريكا في مصر قائلا: "نتأثر بما يحصل في مصر"، وقال أنه أخذ تفويضا من الشعب على شاكلة ما فعل السيسي في مصر، فقد صرح العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم اللواء المتقاعد خليفة حفتر قائلا: "حفتر سيسير على خطى السيسي، إذا طالبه الشعب الليبي بالترشح، خاصة أن السيسي نجح في مهمة صعبة مماثلة، وهي استعادة مصر من الإخوان المسلمين". (وكالة الأناضول 2014/5/30).


5- سارع بعد ذلك المؤتمر الوطني الليبي العام للاجتماع يوم الأحد 2014/05/25م، وذلك رغم تهديدات خليفة حفتر. وصوّت البرلمان على إعطاء الثقة لحكومة رئيس الوزراء الجديد أحمد معيتيق. ونالت حكومة أحمد معيتيق ثقة المؤتمر الوطني بأكثرية 83 صوتاً من أصل 94 نائباً حضروا الجلسة. وكان الإصرار واضحا على عقد الجلسة فقد كانت رئاسة المؤتمر قد حثت النواب، في رسالة قصيرة، على المشاركة في الاجتماع، مشيرة إلى أنه ربما "يكون الأخير". وتأخر انعقاد الجلسة، التي كان من المفترض أن تنعقد في الساعة 11:00 (09:00 بتوقيت غرينيتش)، إلى المساء، بسبب عدم توافر النصاب، كما يظهر الإصرار على عقد الجلسة من أن النواب اجتمعوا في قصر ولي العهد بطرابلس (قصر من العهد الملكي)، لأن مبنى المؤتمر أغلق بعد هجوم المسلحين الموالين لحفتر عليه. وتولى جنود من إحدى كتائب طرابلس حراسة القصر...


لكن حفتر أعلن رفضه لتنصيب رئيس الوزراء الجديد داعيا إلى تأجيل الانتخابات، فقال "إن رئيس الوزراء الجديد لن يستطيع إعادة الاستقرار إلى البلاد ودعا إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في حزيران". (أ ف ب 2014/5/26) وقد طالب حفتر "مجلس القضاء الأعلى" في 2014/5/21 باسم "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" بتكليف "مجلس أعلى لرئاسة الدولة يكون مدنيا ويكون من مهامه تكليف حكومة طوارئ والإشراف على الانتخابات البرلمانية القادمة. وأن المجلس الرئاسي سيسلم السلطة للبرلمان المنتخب". وقال "إن الجيش اتخذ هذه القرارات بعد رفض المؤتمر الوطني العام (البرلمان) تعليق أعماله كما يطالب الشعب". وقال: "إن المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيتولى الأمن خلال المرحلة الانتقالية وما يليها". (أ ف ب 2014/5/22) وقد رد "مجلس القضاء الأعلى" على ذلك في 2014/5/26 حيث أعلن عن "إنشاء لجنة اجتماعية بهدف تحقيق الوفاق بين جميع الأطراف تتكون من رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور ورئيس رابطة العلماء ورئيس هيئة تقصي الحقائق والمصالحة ورئيس لجنة مراجعة التشريعات ورئيس المجلس الوطني الانتقالي ورئيس مجلس الحكماء والشورى ورئيس لجنة فبراير. وأن من مهام هذه اللجنة الاتصال بجميع الأطراف". (الجزيرة 2014/5/26) "ولم يوضح رئيس هذا المجلس ما إذا كانت مبادرة إنشاء اللجنة رفضا لمبادرة حفتر الأخيرة؟ عندما سألته الجزيرة عن ذلك". ولكن يظهر أن مجلس القضاء الأعلى لم يتجاوب مع دعوة حفتر ولم يعلن رفضه لها مباشرة، وإنما يعلن عن تشكيل لجنة لتحقيق الوفاق بين الأطراف. ما يعني أن حفتر لم ينل تأييد القضاء.


6- أما الموقف الأمريكي فقد كان واضحاً أنه وراء ما يقوم به حفتر، وأمريكا هي المحرك له... فعلاوة على سيرة حياة حفتر منذ نقلته أمريكا من سجون تشاد، وتربيته في أحضان أمريكا نحو عشرين سنة عاشها في ولاية فرجينيا... إلا أن دلائل أخرى تشير إلى ذلك:


أ- تصرحيات المسئولين الأمريكان التي تشير إلى ذلك منطوقاً ومفهوماً ومنها:


- خلال هذه الأحداث، وخلال الفترة ما بين بدء حفتر أعماله العسكرية في 2014/2/14، واستئنافه تلك الأعمال في 2014/5/16 أرسلت أمريكا إلى ليبيا نائب وزير الخارجية الأمريكي وليام بيرنز، وقد صرح أثناء زيارته قائلا: "إن تزايد التطرف المصحوب بالعنف تحد هائل لليبيا في المقام الأول وأيضا للشركاء الدوليين". وأضاف: "إن إعادة بناء الأمن أمر حيوي لنجاح ليبيا ووعد بزيادة المساعدات الأمريكية في مواجهة عنف المتطرفين". وقال: "إن الولايات المتحدة ستواصل مع شركاء آخرين تدريب الجيش وقوات الأمن". (رويترز 2014/4/24) أي أنها ستستخدم ورقة محاربة التطرف والإرهاب لإحكام سيطرتها على ليبيا. ولذلك قام عميلها خليفة حفتر باستخدام هذه الورقة بعدما قدمها له الأمريكان.


- ولم تنف أمريكا اتصالها بحفتر. فقد صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية جنيفر ساكي في مؤتمر صحفي يوم 2014/5/20 "لم نجر اتصالا مع خليفة حفتر في الآونة الأخيرة، منذ ما يزيد عن ثلاثة أسابيع، نحن لا ندين ولا ندعم الحراك في ليبيا على الأرض..." ورفضت أن تصف عملية حفتر بالانقلاب العسكري عندما سئلت عن ذلك وقد أشارت المتحدثة الأمريكية في مؤتمرها إلى "عودة السفير السابق ديفيد ساترفيلد من ليبيا مؤخرا. وأن بلادها تراقب الأحداث الليبية عن كثب في اليومين الأخيرين...". فهي لم تنف الاتصال به بل نفت في الآونة الأخيرة... فكاد المريب أن يقول خذوني! ومن اللافت هنا أن الحياة ذكرت يوم السبت 24 أيار/مايو 2014 أن السفيرة الأمريكية لدى ليبيا ديبورا جونز قالت "إن اللواء المتقاعد حفتر يقوم بقتال مجموعات محظورة بالنسبة إلينا".


ب - ثم إن المقابلات معه تحمل دلالة الدعم الأمريكي والتأييد.


أجرت واشنطن بوست مقابلة مع حفتر يوم 20 أيار/مايو عام 2014، حيث قال: "لقد بدأنا الهجوم للقضاء على الحركة الإرهابية الموجودة في ليبيا، وبدأنا منذ حوالي أسبوع مع جميع وحدات الجيش النظامي، ونسير الآن بهذه المهمة قدماً ونحن نرى أن المواجهة هي الحل، أما ماذا عن التنسيق مع الزنتان؟ أنا أقول لك نحن وحدة واحدة"


ج- وكذلك فالإعلانات المتكررة بتحرك القوات الأمريكية إلى صقلية تؤدي هذا الغرض، وذلك لمحاولة إخافة الداخل في ليبيا ولدعم عميلها حفتر بتقوية معنوياته، وإظهار استعدادها لمساعدته:


- أعلن الناطق باسم البنتاجون جون كيربي الثلاثاء 2014/5/20م تمركز قوات تابعة لمشاة البحرية الأمريكية (مارينز) في جزيرة صقلية. وعلل كيربي هذا بمهام أخرى كإجلاء الرعايا الأمريكيين والعاملين في السفارة الأمريكية في طرابلس.


- نقلت الشرق الأوسط في 2014/5/21 (أكد مسؤول كبير بوزارة الدفاع الأميركية أمس وجود طائرات في إيطاليا على أهبة الاستعداد لإجلاء الأميركيين من السفارة الأميركية في طرابلس مع تزايد الاضطرابات في ليبيا، مشيرا إلى أن مسؤولي البنتاغون يتابعون الوضع «دقيقة بدقيقة وساعة بساعة»). وجاء في الصحيفة كذلك نقلاً عن مسئولين أمريكيين (إن الولايات المتحدة زادت عدد مشاة البحرية والطائرات التي ترابط في صقلية، والتي يمكن استدعاؤها لإجلاء الأميركيين... وأن نحو 60 جنديا آخرين من مشاة البحرية وأربع طائرات أخرى من طراز «أوسبري V - 22» يجري إرسالهم إلى القاعدة البحرية الجوية سيجونيلا في صقلية من قاعدتهم في إسبانيا. وقال المسؤولان اللذان طلبا ألا ننشر اسميهما إنه بذلك يصل العدد الإجمالي لمشاة البحرية المنشورين في صقلية على سبيل الاحتياط إلى نحو 250. ويجعلهم وجودهم في إيطاليا قريبين من ليبيا ويساعد على تسريع الاستجابة.).


- نقلت فرانس برس عن مسؤول أمريكي في 2014/5/27 "أن بارجة أمريكية هجومية سوف تصل خلال أيام إلى السواحل الليبية وعلى متنها ألف جندي من مشاة البحرية للمشاركة في إجلاء متوقع لعاملين في السفارة الأمريكية بطرابلس". وطلبت وزارة الخارجية الأمريكية من المواطنين الأمريكيين في ليبيا مغادرتها قائلة: "تحذر وزارة الخارجية المواطنين الأمريكيين من السفر مطلقا إلى ليبيا وتوصي المواطنين الأمريكيين الموجودين حاليا بالرحيل على الفور"، وقالت: "الوضع الأمني في ليبيا يبقى لا يمكن التنبؤ بتداعياته وغير مستقر".(رويترز 2014/5/28).


7- وهكذا فإن أمريكا تعمل على تأجيل الانتخابات في ليبيا بواسطة حركة حفتر، وتريد أن تستنسخ تجربتها في مالي بالرغم من فشلها فيها، حيث قادت انقلاباً هناك عن طريق أحد الضباط في 2012/3/22 وذلك قبل موعد الانتخابات المقرر بنحو شهر خشية منها أن الانتخابات إذا حدثت فإن الطبقة السياسية الموالية لفرنسا ستفوز في الانتخابات، فأرادت أمريكا عدم عقد هذه الانتخابات في الأجواء تلك إلا بعد تغييرها عن طريق الانقلاب، ولكنها لم تنجح في استمرار ذلك، بل استطاعت فرنسا أن تنهي موضوع الانقلاب وأجرت انتخابات بعد أقل من سنة ونصف على ذلك الانقلاب، وأفرزت الانتخابات رئيساً جديداً لمالي من أتباع فرنسا "أبو بكر كيتا" وتم تنصيبه في 2013/9/19، ويبدو أن أمريكا تتوقع أن حظها في ليبيا أفضل من حظها في مالي..!


ثم إنها حاولت استنساخ تجربة السيسي... ولكن الواقع مختلف بين الحالة في مصر والحالة في ليبيا، فالسيسي كان قائد الجيش، فالقوة العسكرية راجحة في جانبه، وأما حفتر فقوته أشبه بفصيل عسكري شأنه شأن أي فصيل عسكري آخر في ليبيا، وقد يزيد قليلاً مع ما تبعه من قوى، ولكن الفرق ليس كبيراً، فهو يختلف كلياً عن واقع الجيش المصري بقيادة السيسي حينذاك، فالقوى المسلحة في ليبيا موزعة بين حفتر وبين المؤتمر الوطني، فمثلاً: أعلنت كتائب الزنتان "الصواعق والقعقاع" انضمامها لمساعي حفتر، وأما درع المنطقة الوسطى "مصراتة" فأقرب إلى المؤتمر الوطني ضد حفتر... وهكذا بالنسبة للقوى العسكرية من فصائل ووحدات عسكرية، فهي مختلفة التوجه إلى هنا وهناك، ومن ثم فإن تقليد حفتر للسيسي ليس على سواء، فإن الواقع العسكري مختلف، فالسيسي كان قائد الجيش ومعه القوة الفاعلة، وقد عطل البرلمان وعزل الرئيس والحكومة، لأنه كان في موقع قوة لكونه قائدا للجيش. ولكن حفتر ليبيا هو عبارة عن عسكري متقاعد يقود تمردا بدعم أمريكي، ولم يتمكن من عزل الحكومة ولا حل البرلمان ولا تعطيل مؤسسات الدولة، وهناك قوى ليست بالبسيطة تواجهه. ولهذا فإن حفتر الذي هدد المعيتيق إذا اجتمع في مجلس الوزراء بالاعتقال ونحوه قد فشل في منع هذا الاجتماع، وتحركت قوات عسكرية تابعة لدرع المنطقة الوسطى "مصراتة"، وقامت بمرافقة مدير مكتب رئيس الوزراء المتنازع على شرعيته أحمد معيتيق وهاجمت مقر رئاسة الوزراء واستولت على الوثائق...

وتمكَّن رئيس الحكومة الليبية الجديد، أحمد معيتيق مساء 2014/6/2 من دخول مقر رئاسة الوزراء بالعاصمة طرابلس، وسط تعزيزات عسكرية مشددة تابعة لدرع المنطقة الوسطى "مصراتة"، وقد دخل مقر الحكومة قبل أن يتسلم المهام من رئيس حكومة تسيير الأعمال عبد الله الثني، ودون أن يعبأ بتهديدات حفتر! وإذا جرت الانتخابات في موعدها فمن غير المحتمل أن يفوز فيها عملاء أمريكا. ويبقى رهان أمريكا على إثارة الفوضى والاضطرابات بواسطة حفتر وغيره بدعوى محاربة الإرهاب، وربما تشن غارات معينة على حركات إسلامية مسلحة معينة لتزيد الفوضى والاضطرابات في البلد حتى تتمكن من تعطيل الانتخابات أو تأجيلها لتجد فرصة أخرى لتعزيز نفوذها بتقوية عملائها وكسب المزيد منهم. ولهذا فإنه من المنتظر أن تستمر أمريكا في دعمها لعملية حفتر حتى يتحقق لها ذلك. وإذا رأت أن ذلك غير مجدٍ ولا يحقق النتيجة المرجوة وأن الانتخابات ستجري فإنها ستعمل على الاتفاق مع الأوروبيين أصحاب النفوذ الأقوى هناك على صيغة معينة.


8- هذا من ناحية القوة العسكرية، ومن ناحية أخرى فإن الوضع في ليبيا يختلف عن الوضع في مصر، فإن الأوروبيين وخاصة الإنكليز لهم جذور في ليبيا وهم أصحاب النفوذ فيها منذ الحرب العالمية الثانية حتى سقوط القذافي، فبإمكانهم أن ينبتوا العملاء ويمسكوا بزمام الأمور بمساعدة فرنسا لهم وغيرهم من الأوروبيين بالإضافة إلى الأنظمة العميلة لهم في المنطقة. وأما في مصر فإن الأمريكان قد ضربوا جذورهم فيها منذ انقلاب 23 تموز/يوليو عام 1952 بواسطة عبد الناصر ومن معه من الضباط، فبقيت مسيطرة على المشهد المصري حتى اليوم. وهكذا فإن الواقع مختلف، والنفوذ الأوروبي هو الأقوى في الوسط السياسي الليبي، والمتوقع أن تبذل بريطانيا الوسع بدعم من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، مستعينة بعملائها في قطر ودول الجوار في شمال أفريقيا، وذلك لاستمرار هذا النفوذ، وبخاصة وأن ليبيا بسبب موقعها هي منطلق ما يسمى الهجرة غير المشروعة التي تخشاها أوروبا، وتخشى أن تتولى النفوذ في ليبيا غيرها، وستتمسك بهذا الأمر إلى آخر رمق، ويشجعها في ذلك أن الوسط السياسي لا زال الغالب عليه الولاء لأوروبا "بريطانيا"، وأمريكا تدرك ذلك، وتدرك هذا الحرص القوي من أوروبا وبخاصة بريطانيا، ولذلك فإن أمريكا تتصرف بخط رجعة أي دون القطيعة مع أوروبا في موضوع ليبيا، فهي في الوقت الذي تحرك فيه حفتر لإثارة القلاقل بالعمل العسكري فهي كذلك تشارك أوروبا في الاهتمام بليبيا... فقد أصدرت دول أوروبية مع أمريكا بيانا مشتركا في 2014/5/23 (رويترز) يتعلق بالوضع في ليبيا ورد فيه: "يشعر الاتحاد الأوروبي وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة بقلق بالغ من أعمال العنف المستمرة وتدعو كل الأطراف إلى عدم استخدام القوة وتسوية الخلافات بالسبل السياسية". وقال البيان: "العملية التي تقود إلى نقل سلمي للسلطة يجب أن تقوم على توافق واسع وتجنب أي أعمال تستهدف تقويض هذه العملية". وأضافت رويترز تعليقا قالت فيه: "وتخشى قوى غربية من أن تؤدي الحملة التي يقودها حفتر إلى تقسيم الجيش الليبي وإحداث مزيد من الاضطراب في البلاد". وهذا يعكس مدى تأثير الدول الأوروبية في ليبيا وإلا لما اشتركت أمريكا مع هذه الدول في إصدار بيان مشترك.


9- وهكذا فليس من المتوقع نجاح أمريكا وأداتها حفتر في إزالة النفوذ الأوروبي في ليبيا، ولكنهم سيوجدون قلقاً واضطرابا، ويوجهون رسالة قوية للوسط السياسي الأوروبي وبخاصة البريطاني يقصدون بها أن زمن استفراد بريطانيا بليبيا قد ولى، وأن أمريكا يجب أن تكون في الصورة بقوة... ومع ذلك فإن النار ستستمر قابلة للاشتعال ما دام الصراع الأوروبي والأمريكي قد دخل البيت الليبي بأدوات ليبية، والكفار المستعمرون لا يؤثر فيهم أن يستحر القتل في المسلمين وتسيل دماؤهم، بل هذا يسرهم وينعشهم... فبسط النفوذ هو هدف دول الغرب، والنفط الليبي هو غرضهم... وهم يختلفون باختلاف مصالحهم ولكنهم يجتمعون في عداوتهم للإسلام والمسلمين.


وهكذا وقعت ليبيا في دوامة الصراع الدولي، وجعلت هذه الدول ليبيا حلبة صراع بينها على بسط النفوذ والاستحواذ على أكبر قسط من الغنائم. ولذلك لم تهدأ الأمور ولم تستتب الأوضاع ولم يحقق الشعب أهدافه من الثورة بسبب هذا التدخل الدولي وبسبب عدم وضوح الرؤية لدى الكثير من القائمين على العمل والمتصدرين له من أهل البلد الذين انتفضوا ضد القذافي الذي كان يمثل الغرب وخاصة الأوروبيون ويحقق لهم مصالحهم على حساب الشعب... فكيف يقع الناس مرة أخرى في أحابيل الدول الغربية ويصبحون أدوات للصراع بين هذه القوى الغربية؟!


10- وخلاصة ما يجري في داخل ليبيا هو أن بريطانيا وأوروبا من خلفها تحاول جاهدة أن تستبق الأحداث، فهي في سباق مع الزمن للخروج من المأزق الحالي بإرساء القواعد لحكومة منتخبة تضفي عليها صبغة الشرعية بإجراء انتخابات في أقرب وقت ممكن، بحيث تعيد إنتاج ذات النظام السياسي القديم ولكن بوجه جديد من الموالين لها، فلا تخرج ليبيا عن دائرة نفوذها، لذلك باشرت بالسعي لعقد انتخابات في أقرب فرصة، وحددت مفوضية الانتخابات الليبية 25 حزيران/يونيو موعدا لانتخاب برلمان جديد في ليبيا يحل محل المؤتمر الوطني العام الذي يزداد الجدل بشأنه، كما ذكرت وكالة الأنباء الليبية الرسمية.


وقد انتبهت أمريكا وأتباعها لهذا الأمر فحاولت عرقلته، ومنع تشكيل حكومة جديدة تشرف على المرحلة الحالية لتنظيم الانتخابات كما حددت مفوضية الانتخابات الليبية الموعد في 25 حزيران/يونيو، وكان حفتر هو أداة أمريكا في ذلك، فأعلن يوم الأحد 2014/5/25م، في بيان قرأه متحدث باسم الجيش الليبي الوطني الذي يقوده حفتر بأن "أي انعقاد للمؤتمر الوطني العام سيكون هدفاً للمنع والاعتقال"، كما اعتبر الجيش أن "أي اجتماع للمؤتمر في أي مكان يعد عملاً غير مشروع ويقع تحت طائلة المساءلة القانونية". وأضاف في وقت متأخر من يوم السبت 2014/05/24، أنه إذا أراد أعضاء البرلمان الاجتماع غداً فسيكونون هدفاً شرعياً للاعتقال. وتهدف أمريكا من وراء ذلك إلى الإبقاء على حالة الصراع وعدم الاستقرار قائمة، ما سيمكِّنها لاحقا من فرض عملائها على الخارطة السياسية الليبية والوسط السياسي الفاعل في ليبيا، إن استطاعت، أو على الأقل تكون شريكاً فاعلاً في ليبيا مع أوروبا وبخاصة بريطانيا.


وهكذا فإن بريطانيا وتدعمها أوروبا تبذل الوسع لاستمرار نفوذها في ليبيا بإجراء الانتخابات في ظل الأوساط السياسية الحالية الموالية لهم، وأمريكا تريد تأجيل الانتخابات لتخترق صفوف الوسط السياسي الحالي لتغييره لصالحها أو على الأقل لتطعيمه برجالها وبعد ذلك تكون الانتخابات، وغرضها من هذا الأمر أن يكون لها حظ "وافر" من النفوذ في ليبيا.


11- وفي الختام، فإنه لمن المؤلم أن بلاد المسلمين التي كانت منطلق الفتوحات ونشر الإسلام الذي يحمل العدل والخير لربوع العالم... أصبحت هذه البلاد ميدان قتال يتسابق فيه الكفار المستعمرون على قتلنا ونهب ثرواتنا... يضحكون بملء أفواههم عند كل قطرة دم تسيل منا، ليس بأيديهم فحسب، بل كذلك بأيدي عملائهم من أبناء جلدتنا!


إن الكفار المستعمرين هم أعداؤنا فليس غريباً أن يبذلوا الوسع في قتلنا، أما أن يصطف معهم فرقاء ليبيون، يوالي بعضهم أمريكا، وبعضهم يوالي أوروبا، ثم يقتتلون فيما بينهم، قتالاً ليس من أجل الإسلام وإعلاء كلمة الله، بل لمصالح الكفار المستعمرين... فإنها لإحدى الكبر، فاقتتال المسلمين فيما بينهم جريمة كبرى في الإسلام، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»، وفي الحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن ابْن عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا»، وفي الحديث الذي أخرجه النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ».


وخاتمة الختام فإن ليبيا لا تخلو من فريق ثالث، صادق مخلص، همه أن يعيد الخير والعدل إلى ليبيا بتحكيم الإسلام في الحياة والدولة والمجتمع، ونحن نأمل من هذا الفريق أن يقف في وجه أتباع أوروبا وأمريكا، فيردهم إلى جادة الصواب، ويوقف اقتتالهم فيما بينهم، وأن تتوجه أسلحتهم معاً إلى نحور أعداء الإسلام والمسلمين، فتتطهر ليبيا من كل كافر مستعمر ومن كل خائن عميل... وتعود ليبيا إلى أصلها وفصلها: منطلق الفاتحين، وبلد حفظة القرآن الكريم... قلعة إسلامية محروسة بالإسلام، وحارسة له بحول الله وقوته ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م