جواب سؤال: القمة الأمريكية الروسية في هلسنكي
July 22, 2018

جواب سؤال: القمة الأمريكية الروسية في هلسنكي

 جواب سؤال

القمة الأمريكية الروسية في هلسنكي

السؤال: عقد الرئيسان الأمريكي والروسي القمة بينهما في هلسنكي عاصمة فنلندا يوم الاثنين 2018/7/16 فهل يعني ذلك انتهاء التوتر بين الدولتين؟ وهل من دلالات لعقد هذه القمة بعد قمة دول الناتو 2018/7/12 والتوتر الذي طفا على السطح بين أمريكا وحليفاتها الأوروبيات؟ وهل لها تأثير على العلاقة الروسية الصينية؟ ثم هل من أثر لهذه القمة على التسوية في سوريا؟

الجواب: للإجابة على هذه الأسئلة حول القمة الأمريكية الروسية في هلسنكي نقول: بعد فترة طويلة نسبياً من التوتر في العلاقات الأمريكية الروسية بدأت سنة 2014 حين ضمت روسيا جزيرة القرم فردت أمريكا وأوروبا بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا، واشتد التوتر بين البلدين مع نهاية إدارة أوباما التي اتهمت روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية لصالح المرشح ترامب، ومنذ ذلك الحين توقفت عملياً الاجتماعات عالية المستوى بين الجانبين... وعلى الرغم من اجتماع الرئيسين مرتين قبل هذه القمة، إذ التقيا على هامش قمة العشرين في هامبورغ بألمانيا في تموز 2017، والتقيا على هامش منتدى التعاون الاقتصادي (أبيك) في فيتنام في تشرين الثاني 2017، إلا أن تلك اللقاءات لم ترتق إلى مستوى القمة، فكانت لقاءات عابرة لم تخض بما يكفي في الملفات الساخنة بينهما. وخلال فترة العام والنصف التي هي عمر إدارة ترامب سعت روسيا بشكل حثيث لعقد قمة بين الرئيسين إلا أن أمريكا كانت تؤجل ذلك، وكانت تتخذ من التأجيل وسيلة للضغط على روسيا. وظلت روسيا تنتظر مبادرة من ترامب لتحسين العلاقات بينهما، إلا أنها كانت تدرك صعوبات تحقيق ذلك نظراً لما يجتاح أمريكا من موجة معارضة كبيرة لتوجهات الرئيس ترامب، وقد ظهرت آثار ذلك في التحقيقات المفتوحة ضد روسيا، واستقالات أعضاء في فريق ترامب بسبب العلاقة المزعومة مع روسيا.

وهكذا فقد أصبح عقد لقاء مكتمل على مستوى القمة حلماً روسياً كبيراً فشلت روسيا في تحقيقه. وأصبح ذلك ممكناً فقط بعد أن قررت أمريكا ذلك (وأعلن المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، هاريت ماركويس، الخميس الماضي "2018/06/21م"، أن مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي بولتون، سيزور موسكو في نهاية الشهر الجاري وسيبحث التنظيم لعقد قمة روسية أمريكية.) وكالة سبوتنيك الروسية 2018/6/24. وعليه فإن أهم ما يجب النظر إليه في هذه القمة التي عقدت في 2018/7/16 هو لماذا قررت أمريكا (وليس روسيا) عقد القمة بين الرئيسين، وما الذي تريده من خلال ذلك؟ ولتوضيح هذا الأمر نقول:

1- كل المؤشرات تشير إلى استمرار الضغط الأمريكي على روسيا، فقبل يومين من عقد القمة اتهمت أمريكا ضباط استخبارات روسيين بالضلوع في قرصنة الانتخابات الأمريكية (اتهمت وزارة العدل الأمريكية 12 ضابطا في الاستخبارات الروسية باختراق حسابات مسؤولين في الحزب الديمقراطي إبّان انتخابات 2016 الرئاسية. وقال رود روزنشتاين، نائب وزير العدل، إن المتهمين استخدموا رسائل اختراق تعرف باسم "التصيد بالرمح" إلى جانب برمجيات خبيثة... وقال البيت الأبيض إن اللقاء المرتقب بين ترامب وبوتين الاثنين سيمضي قدما.) صحيفة الغد المصرية 2018/7/14. وكذلك وفور الانتهاء من قمة ترامب-بوتين في هلسنكي فقد نقلت قناة الجزيرة 2018/7/16 إعلان أمريكا اعتقال امرأة روسية في واشنطن بتهمة التخابر مع روسيا. وبهذه الأعمال التي نفذتها أجهزة حكومية أمريكية فإن تخفيف الضغط عن روسيا غير متوقع تحقيقه كما تريد روسيا رغم انعقاد القمة بين الرئيسين. وهذا يعني أن هناك عوامل أخرى دفعت بأمريكا للموافقة على طلب روسيا القديم الجديد بعقد القمة بين الرئيسين ترامب وبوتين وهذه العوامل توضحها ظروف انعقاد القمة...

2- انعقدت القمة الأمريكية الروسية في ظرف تخوض فيه أمريكا حرباً تجارية ضد خصمين كبيرين، هما الاتحاد الأوروبي والصين، والظاهر أن أمريكا قررت عقد القمة لتلعب بالورقة الروسية ضد الخصمين معاً!

أما على جانب الاتحاد الأوروبي، فقد اختارت أمريكا توقيت اجتماع القمة مع روسيا مباشرة بعد قمة دول الناتو التي انعقدت في بروكسل وسط خلافات كبيرة بين دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا (انطلقت في بروكسل اليوم قمة الناتو وسط توقعات بأن تكون مشحونة بالتوتر، وخاصة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين على خلفية الخلافات حول التجارة والنفقات الدفاعية واتفاق إيران النووي. وأقر الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ بوجود "خلافات وآراء مختلفة بين الحلفاء") روسيا اليوم 2018/7/11، ووصف الرئيس الأمريكي ترامب الاتحاد الأوروبي بـ"الخصم" علناً للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين ضفتي الأطلسي. وكانت القمة مع روسيا من أهم أدوات الضغط الأمريكية ضد الأوروبيين، وبيان ذلك كالتالي:

أ- هدد الرئيس الأمريكي ترامب الأوروبيين بمهادنة روسيا بخصوص أوكرانيا، فقد قال رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك (إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبلغه بأن دوافع سياسة روسيا تجاه أوكرانيا تثير اهتمامه، واعترف ترامب، أن حماسه تجاه أوكرانيا، أقل بكثير. وأضاف توسك، في حديث لقناة TVN24 البولندية: "خلال أحاديث عدة معي، لم يحاول دونالد ترامب إخفاء أنه يشعر بقدر أقل من الحماس تجاه أوكرانيا، ولديه المزيد من التفهم نحو ما فعلته روسيا في أوكرانيا".) روسيا اليوم 2018/7/15... وزاد الطين بلة أن الرئيس الأمريكي كان قد أعلن خلال قمة "مجموعة الدول السبع الكبار" في حزيران/يونيو الماضي، أعلن "أن شبه جزيرة القرم تعود لروسيا لأن غالبية سكانها من الناطقين بالروسية" روسيا اليوم 2018/7/15. وهذا أمر حساس للغاية في أوروبا، إذ ينظر الأوروبيون إلى أعمال روسيا في أوكرانيا باعتبارها عبثاً بالأمن الأوروبي برمته لا يمكن التسامح معه، وأن تصريح ترامب يعتبره الاتحاد أمراً بالغ الخطورة لأوروبا فهو يعني أن تهدم روسيا الحدود والخريطة الأوروبية من جهة الشرق!!

ب- تهديد الرئيس الأمريكي ترامب لأوروبا بإعادة روسيا إلى مجموعة السبع الكبار (دعا الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الجمعة 2018/06/08م، نظراءه في مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى إلى التفكير في إعادة روسيا إلى المجموع، وقال ترامب قبل أن يتوجه إلى كندا للمشاركة في قمة المجموعة لامالبيه في مقاطعة كيبيك "طردوا روسيا وعليهم إعادة روسيا لأنه يجب أن تكون روسيا معنا على طاولة المفاوضات" وكانت روسيا استبعدت من مجموعة الثماني بعد ضمها شبه جزيرة القرم وأصبحت المجموعة تضم سبع دول فقط.) العربية نت 2018/6/8.

ج- وقد نقلت قناة الجزيرة 2018/7/15 أي بعد انتهاء قمة الناتو (توجس القادة الأوروبيين من تقارب روسيا وأمريكا)، وما يشير إلى هذا التوجس الأوروبي الكبير تجاه التقارب الأمريكي مع روسيا ما قاله وزير الخارجية الألماني (حذر وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الإقدام على أي صفقات منفردة على حساب حلفائه الأوروبيين أثناء لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال ماس في حديثه لصحيفة "Bild": "ستلحق الصفقات المنفردة على حساب حلفائه ضررا بالولايات المتحدة أيضا. ومن يضرب حلفاءه يخاطر بخسارة اللعبة") روسيا اليوم 2018/7/15. ثم إن التقارب الأمريكي الروسي يمكن أن يلحق ضرراً بالاتحاد حيث يجعل العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا والتي تجدد كل ستة أشهر بسبب القرم وأوكرانيا، يجعلها غير فاعلة، فلا تأبه حينها روسيا بالدول الأوروبية.

د- والرئيس الأمريكي ترامب الذي يفتقد إلى الحكمة السياسية لا ينفك عن مهاجمة الاتحاد الأوروبي علناً، وخاصة ألمانيا في مسألة شراء الغاز الروسي كما ذكرنا في جواب السؤال المؤرخ في 2018/07/17م... فتارة يصفه بالـ"خصم" أي العدو، وتارة يحرض ضده كما في نصيحته لرئيسة الوزراء البريطانية أثناء اجتماع القمة بينهما في لندن (وفي مقابلة مع بي بي سي، قالت ماي ردا على سؤال بشأن نصيحة ترامب "أبلغني بأنه يجب علي أن أقاضي الاتحاد الأوروبي، وليس الدخول في مفاوضات") بي بي سي 2018/7/15. وبريطانيا، وعلى الرغم من نواياها المعلنة بالخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أنها تشارك الدول الأوروبية النظرة نفسها لروسيا، وليس من المستبعد أن يكون استفزاز روسيا من جانب بريطانيا هو للتشويش على اجتماع القمة بين روسيا وأمريكا (أفاد موقع Mil Radar، المختص بمراقبة حركة الطيران، بأن طائرة استطلاع تابعة لسلاح الجو البريطاني، نفذت تحليقات استطلاعية بالقرب من سواحل شبه جزيرة القرم الروسية.) روسيا اليوم 2018/7/15.

وهكذا، وبضغط أمريكا على أوروبا وتهديدها بإعادة روسيا إلى مجموعة السبع الكبار والتلميح بالاعتراف الأمريكي بجزيرة القرم كجزء من روسيا، وعدم الاكتراث الأمريكي بدعم أوكرانيا أمام هجوم أتباع روسيا في شرقها (مقاطعات دونيتسك ولوغانسك)، وتحسين العلاقات الأمريكية مع روسيا عبر لقاء القمة، كلها تهديدات كبيرة وإن كانت غير مباشرة لأوروبا بضرورة الانصياع للمطالب الأمريكية وزيادة النفقات الدفاعية في الناتو... أي أن أمريكا ضغطت على دول الاتحاد الأوروبي عبر تقاربها مع روسيا، وهذا هو أحد الأهداف الأمريكية الرئيسية لعقد القمة بين ترامب وبوتين.

3- وأما على الجانب الصيني فالأمر يسير على النحو التالي:

أ- انعقدت القمة الأمريكية الروسية كذلك على وقع حرب تجارية تشنها أمريكا ضد بكين. فما إن استنفدت أمريكا الخدمات الصينية بتليين موقف كوريا الشمالية ووضعها على سكة الحلول السلمية وإبعاد شبح الحرب في شبه الجزيرة الكورية، وقد تمثل ذلك بالقمة الأمريكية الكورية الشمالية في سنغافورة 2018/6/12، وتلقت الصين شكراً من الرئيس الأمريكي على جهودها في ذلك، وما إن تمت هذه الأمور حتى أخذت أمريكا بتنفيذ سياساتها التي أعلنها ترامب ضد الصين حتى قبل أن يصبح رئيساً... ففرضت أمريكا رسوماً جمركية على واردات صينية بقيمة 50 مليار دولار في السنة، فردت الصين بفرض رسوم جمركية بالقيمة نفسها على واردات أمريكية، وأعلنت أمريكا عن خطة جديدة بفرض رسوم جمركية على واردات صينية أخرى بقيمة 200 مليار دولار، الأمر الذي لا يمكن للصين أن ترد عليه بالأسلوب نفسه، وذلك لأن إجمالي وارداتها من أمريكا 130 مليار دولار، بينما تبلغ صادراتها لأمريكا 500 مليار دولار، ما يحمل الصين على التفكير في وسائل أخرى للرد على الحرب التجارية مع أمريكا.

ب- لقد كانت إحدى تلك الوسائل الصينية هي التقارب مع روسيا، فكان أن عقدت منظمة شنغهاي اجتماعها الأخير في الصين 2018/6/10 بالتزامن مع اجتماع الدول الصناعية السبع (الذي طردت منه روسيا سنة 2014) المنعقد في كندا 2018/6/9. وهذان الاجتماعان أظهرا انقساما في العالم، فالغرب يجتمع في كندا والشرق يجتمع في الصين، وهذا لا يروق لأمريكا بعد أن رسخت هيمنتها العالمية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي سنة 1991. ورأت أمريكا بلا شك أن الدولتين الفاعلتين في منظمة شنغهاي هما الصين التي تخوض واشنطن معها حرباً تجارية، وروسيا التي تفرض أمريكا عليها عقوبات قاسية ومتزايدة. ومن ناحية أخرى رأت أمريكا أن روسيا والصين يمكن أن يزداد ترابطهما في ظل السياسة الأمريكية ضدهما، واعتبارهما خصمين متمردين في التجارة والسياسة الدوليتين، وفي ظل تلك السياسة الأمريكية تجاه الصين وروسيا فقد شاهدت أمريكا أن سياستها تلك تدفع الدولتين لمزيد من التقارب والتعاون بما في ذلك الجانب العسكري. فالدولتان روسيا والصين تشعران أنهما في مواجهة خصم واحد هو الولايات المتحدة، وأن تعاونهما يعزز من قوتهما، وقد كانت رسالة وزير الدفاع الصيني بالغة التعبير عن هذا الشعور، فقد (استقبل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو نظيره الصيني وي فنغ خه الذي وصل إلى موسكو على رأس وفد عسكري للمشاركة في مؤتمر موسكو للأمن الدولي. وقال وي فنغ خه خلال اللقاء مع شويغو إنه يقوم بهذه الزيارة "لدعم الجانب الروسي في تنظيم مؤتمر موسكو للأمن الدولي. وقد وصل الوفد الصيني لكي يعرف الأمريكيون عن الروابط القوية بين القوات المسلحة الصينية والروسية، وخاصة في الوضع الحالي". وأكد الوزير الصيني: "وصلنا لدعمكم. وإن الجانب الصيني مستعد ليعبر سوية مع الجانب الروسي عن قلقنا المشترك وموقفنا الموحد بشأن القضايا الدولية المهمة") روسيا اليوم 2018/4/3.

ج- ولذلك رأت أمريكا أن فتح الأمل لروسيا بتقارب أمريكي معها سيؤدي إلى تباعد بين روسيا والصين، وفي النهاية تفكيك تحالفهما الهش قبل أن تكتمل أركانه، خاصة العسكرية. إذ إن أمريكا تعلم ما لدى روسيا من طاقات عسكرية، ووضع هذه الطاقات أو جزء منها بجانب الصين سيؤدي إلى تقويتها وحملها على رفض السياسة الأمريكية، أي عدم الخضوع لمطالب واشنطن. لقد رأت واشنطن أن هذا الأمر سهل التحقيق، فروسيا تتوجه للصين كاستراتيجية جديدة لها بسبب سوء علاقاتها مع الغرب، فإذا أظهرت أمريكا شيئاً من التقارب مع روسيا فتخفف الضغط عليها فإنها ستعدل عن مسيرتها تجاه الصين...

لكل ذلك رأت واشنطن أن تفتح لروسيا باباً للأمل بإعادة علاقاتها مع أمريكا إلى سابق عهدها عن طريق القمة بين الرئيسين، أي لإيقاف التوجه الروسي نحو الصين، وإذا كان من المبكر الحكم على تحقيق هذه الأهداف الأمريكية من القمة مع روسيا، وأن ذلك يعتمد على الخطوات اللاحقة للتقارب بين واشنطن وموسكو، إلا أن أمريكا يمكنها وبسهولة تفكيك "التحالف" الهش والغامض حتى الآن بين روسيا والصين. وأمريكا تتخذ في سبيل ذلك خطوات متعددة، تارةً على الجانب الروسي كما في عقد القمة هذه، وتارةً على الجانب الصيني، إذ إن المصالح التجارية للصين مع أمريكا أعظم أولوية في بكين من أي علاقات للصين مع روسيا.

4- وزيادة في التأثير فيما يهدف إليه ترامب من رسائل ساخنة للاتحاد الأوروبي والصين، فقد جعل القمة اجتماعاً مفتوحاً لتحريكه كلما لزم أي هو بداية لخطوات لاحقة! ولذلك أعلن عقب لقائه المغلق مع بوتين في هلسنكي بأن هذه القمة "بداية جيدة" حسب قناة روسيا اليوم 2018/7/16، وأعلن في المؤتمر الصحفي الذي بثته قناة روسيا اليوم مباشرةً عن اتفاق البلدين على فتح المفاوضات بخصوص تمديد العمل باتفاقية نزع السلاح النووي المعقودة بينهما عام 2010 والتي ينتهي العمل بها سنة 2021، وأعلن الرئيس الأمريكي ترامب بأن العلاقات مع روسيا كانت في وضع هو الأسوأ بينهما قبل أربع ساعات، وأما الآن فقد تغيّرت... وهذا كله كلام عام يتوافق تماماً مع ما كان أعلنه جون بولتون (وقال جون بولتون مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض لبرنامج "هذا الأسبوع" على شبكة أيه بي سي (طلبنا والروس وافقوا على أن "الاجتماع" سيكون مفتوحا. نحن لا نتطلع لنتائج ملموسة) وقال السفير الأمريكي لدى روسيا جون هانتسمان لشبكة إن بي سي (ليست قمة... إنه اجتماع... هذه محاولة لنرى ما إذا كان بالإمكان نزع الفتيل وتقليل الانفعالات وبصراحة بعض المخاطر في العلاقات الآن.) رويترز 2018/7/16.

5- وهذا يؤكد أن أمريكا لم تخطط بعد لتحسين علاقاتها مع روسيا، وأنها لا تزال تسير بسياسة الضغط عليها، ولكنها لأسباب متعلقة بالظرف الدولي والحرب التجارية الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي والصين رأت أن تخيف أوروبا بتقاربها مع روسيا، ورأت أن تفتح باباً للأمل في روسيا بتفكيك عزلتها الدولية وتحسين علاقاتها مع أمريكا، كل ذلك من أجل إبعادها عن التقارب مع الصين من ناحية، ومن ناحية أخرى عسى أن تستجيب روسيا للمطالب الأمريكية في قضايا دولية أخرى كما صنعت في دعم السياسة الأمريكية في سوريا بإبقاء النظام العميل لأمريكا في سوريا قائماً! وعليه فلم تكن القمة لحسم قضايا دولية محددة بل هي رسالة ساخنة موجهة نحو الصين ونحو الاتحاد الأوروبي، وما عدا ذلك فقد كان الكلام عاماً والحديث في كل شيء دون تحديد، وهو ما أكدته تصريحات الطرفين، (وقال ترامب إن محادثاته مع بوتين ستتناول" كل شيء بدءا من التجارة ومرورا بالشؤون العسكرية والصواريخ "وانتهاء" بالصين. سنتحدث قليلا عن الصين وصديقنا المشترك الرئيس شي") بينما (قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية قمتهما في هلسنكي إن الوقت قد حان للتحدث عن العلاقات بين موسكو وواشنطن. وأضاف أن عليهما أيضا مناقشة قضايا دولية معقدة متعددة الأطراف.) رويترز 2018/7/16. وكذلك ما أكده لافروف (ويشير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن قمة هلسنكي ستتناول "جميع المواضيع المعقّدة حيث تتباين مواقفنا، كي نستطيع العمل على تقريب وجهات نظرنا حول سبل حل هذه المشكلات"، مستبعدا الوصول إلى اتفاقات.) الجزيرة نت 2018/7/16. وهذا العموم يجعل المقصود من القمة ليس حسم قضايا دولية محددة، وهذا واضح من مخرجات القمة التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام، فمثلاً توافق الطرفان على أمن كيان يهود (وقال ترامب "توفير الأمن لـ(إسرائيل) شيء يود بوتين وأنا أن نراه بشكل كبير جدا".) رويترز 2018/7/16 وأن الطرفين يطالبان الجانب السوري بالعودة إلى وضع القوات المتفق عليه سنة 1974 بعد إنهاء المعارك جنوبي سوريا... وكل هذا ليس جديداً، فأمريكا وروسيا يعلنان ذلك على رؤوس الأشهاد منذ زمن، فهذا ليس شيئاً يجتمع لأجله رؤساء أمريكا وروسيا. وكذلك نزع الأسلحة النووية بينهما (اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن مشكلة نزع السلاح النووي هي المشكلة الأساسية التي ينبغي حلها بين الجانبين الروسي والأمريكي. وقال ترامب في مقابلة مع "فوكس نيوز" إن 90% من السلاح النووي في العالم يعود لروسيا والولايات المتحدة، مشيرا إلى أن سلفه الرئيس باراك أوباما كان يعتبر أن الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة هي المشكلة الأهم والتي يجب التركيز عليها.) روسيا اليوم 2018/7/17... وكل صاحب بصر وبصيرة يعلم أن أمريكا وروسيا لا يجتمعان لينزعا سلاحهما النووي باختيارهما مهما قالا وقالا ومن ثم لا يكون اجتماعهما لهذا الغرض...

6- أما عن أثر القمة على الساحة السورية، فيمكن القول بأنه لا جديد في هذه القمة بخصوص السياستين الأمريكية والروسية في سوريا. فالدولتان متفقتان تماماً على تصفية الثورة السورية، وهما ترقبان إنجاز ذلك ومتفقتان عليه، بل إنه منذ اجتماع أوباما وبوتين في 2015/9/29 وروسيا تنفذ السياسة الأمريكية في سوريا وبالتنسيق معاً، ففي الوقت الذي تقوم فيه روسيا بالأعمال العسكرية المباشرة كما في قصف درعا وما حولها، فإن أمريكا تقوم بمؤازرتها، كما في الرسالة التي أرسلت بها إلى المعارضة السورية في الجنوب، بأن "أمريكا لن توفر لهم أي دعم أمام الهجوم على درعا". فلا جديد بخصوص الجهود الروسية لتصفية الثورة السورية عسكرياً والتسهيل الأمريكي لذلك.

وأما التسوية السياسية في سوريا، فإن أمريكا قد باتت تؤجلها حتى ينجز النظام في دمشق وروسيا عملية تصفية المعارضة المسلحة، ثم تبادر أمريكا لقيادة العملية السياسية الشاملة في سوريا وفق مصالحها، بدورٍ روسي مرسوم، أو بدونه. وتلك العملية السياسية لم تتطرق إليها القمة ما يشير إلى أن أمريكا تؤجل ذلك أو لا تريد دوراً لروسيا، أو كلاهما معاً... وليس من المستبعد أن روسيا تدرك أن أهداف السياسة الأمريكية في سوريا لا تسمح أن تشاركها روسيا في ذلك، ولكن روسيا تأمل أن لا تُضيِّق أمريكا عليها الخناق في أوكرانيا وبخاصة القرم... ولقد دغدغ ترامب مشاعر روسيا بتصريحاته حول القرم كما ذكرنا أعلاه حيث أعلن خلال قمة "مجموعة الدول السبع الكبار" (وفي حزيران/يونيو الماضي، أفادت وسائل الإعلام بأن ترامب خلال قمة مجموعة الدول السبع الكبار أعلن أن شبه جزيرة القرم تعود لروسيا لأن غالبية سكانها من الناطقين بالروسية) روسيا اليوم 2018/7/15. وهذا أمر بالغ الخطورة لأوروبا التي ترى أن روسيا تهدم الحدود والخريطة الأوروبية من جهة الشرق. ولعل روسيا تقع في شر أعمالها بتصريحات ترامب، بل وقعت، فقد اسودَّ وجهها مع المسلمين بسبب جرائمها تجاههم لمصلحة أمريكا! وستبقى هذه في ذاكرة المسلمين تجاه أمريكا وروسيا والأشياع والأتباع، فالأيام دول، والجرائم لن تُبقي على أصحابها ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.

الثامن من ذي القعدة 1439هـ

2018/7/21م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م