جواب سؤال:  القمة الرئاسية بين أمريكا وكوريا الشمالية
June 17, 2018

جواب سؤال: القمة الرئاسية بين أمريكا وكوريا الشمالية

جواب سؤال

القمة الرئاسية بين أمريكا وكوريا الشمالية

السؤال: عقدت قمة رئاسية بين أمريكا وكوريا الشمالية باجتماع رئيسيهما ترامب وكيم يوم 2018/6/12 في سنغافورة، ووقعا على وثيقة مشتركة في ختام القمة. وحصل الاتفاق سريعا علما أن التوتر بينهما وصل ذروته العام الماضي بأن هدد كلاهما بضرب الآخر بالسلاح النووي. فكيف حصل الاتفاق بمثل هذه السرعة؟ وما هي مضامينه ونتائجه؟

الجواب: لكي نتبين حقيقة الأمر نستعرض الأمور التالية:

1- حاولت أمريكا بالتهديدات المتكررة والمتصاعدة أن تجعل كوريا الشمالية توافق على التخلي عن سلاحها النووي، ولكن هذه التهديدات لم تجد نفعاً ولم تخضع كوريا الشمالية لها فلم تتخل عن برنامجها وسلاحها النووي... عند ذلك لجأت أمريكا إلى أساليب أخرى، وهي الأساليب الدبلوماسية والسياسية والضغوطات الاقتصادية، وكان من هذه الأساليب أن تبذل أمريكا الوسع لجعل الصين تضغط على كوريا الشمالية. لقد ذكرنا في جواب سؤال بتاريخ 2017/4/23: (لكل ذلك فأمريكا ليست جاهزة للحرب في كوريا الشمالية الآن، وليس لديها حلول أخرى مناسبة وهي بانتظار أن تقوم الصين بالضغط، وتحاول تسريع ذلك، وكأنها تهدد الصين بوجوب الانصياع لأمريكا والانخراط في الضغط على بيونغ يانغ لنزع أسلحتها النووية.)... وأعلنت أمريكا يومها بوضوح على لسان مساعدة وزير خارجيتها بالوكالة لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ سوزان ثورنتون بأنها (تريد حل هذه المشكلة مع كوريا الشمالية من خلال نزع السلاح النووي سلميا في شبه الجزيرة الكورية). (روسيا اليوم، 2017/04/17م). فبدأت الاتصالات الدبلوماسية بين الطرفين عبر الصين وبضغطها. وقد مورست الضغوطات من خلال فرض العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي بالعمل على عزلها دوليا وإثارة الدعايات ضدها لإجبارها على الخضوع والاستعداد لنزع سلاحها النووي. وأضافت إلى ذلك الإغراءات بالوعود باقتصاد مزدهر مباشرة وعن طريق كوريا الجنوبية التي بدأت في التقارب مع كوريا الشمالية والانفتاح الدولي عليها.

2- لقد بدأت الاتصالات الدبلوماسية السرية عبر الصين حيث قام وزير خارجيتها الأسبق تيلرسون بالاتصال بالكوريين الشماليين عبر الصين في تموز 2017، وأظهر اعتراضه على أسلوب ترامب المتهور الذي كان يهدد بإزالة كوريا الشمالية عن وجه الأرض في الوقت الذي كان فيه تيلرسون يتباحث مع الكوريين الشماليين سرا في الصين! فلما سمع الكوريون الشماليون تهديدات ترامب تركوا المباحثات وغادروا الصين إلى بلادهم... ومن ثم غضب تيلرسون ووصف رئيسه بالأحمق يوم 2017/7/20 كما كشفت فيما بعد قناة إن بي سي الأمريكية يوم 2017/10/4 عندما نقلت ذلك عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين. وكان ترامب قد كتب في تغريدة على تويتر غداة إعلان تيلرسون أن لأمريكا قنوات اتصال مباشرة مع كوريا الشمالية، كتب "لقد قلت لريكس تيلرسون وزير خارجيتنا الرائع إنه يضيع وقته في محاولة التفاوض مع رجل الصواريخ الصغير". وحدث مثل هذا، أي استعمال التهديد أثناء المباحثات عندما حاول نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس أن يلتقي بالكوريين الشماليين في كوريا الجنوبية خلال مجيئه إلى هناك بذريعة الاشتراك في الألعاب الأولمبية الشتوية، ومهد لذلك بقوله في 2018/2/7 أثناء كلمة أمام قوات بلاده الموجودة في قاعدة يوكوتا الجوية باليابان إن "بلاده ستسعى دائما للسلام وسنعمل أكثر من أي وقت مضى من أجل مستقبل أفضل..." (رويترز 2018/2/7) قال ذلك وهو يتأهب للذهاب إلى كوريا الجنوبية في محاولة للقاء مسؤولين من كوريا الشمالية تحت غطاء حضور افتتاح الألعاب الأولمبية الشتوية في بيونغ تشانغ التي تبعد نحو 80 كلم عن الحدود مع كوريا الشمالية... لكن بنس بعد ذلك بثلاثة أيام في 2018/2/10 صرح قائلاً: (من الضروري الاستمرار في عزل كوريا الشمالية اقتصاديا ودبلوماسيا إلى حين تخليها عن برنامجيها النووي والباليستي). (العربية، 2018/2/10) وهذا ما دفع كوريا الشمالية إلى إلغاء اللقاء مع بنس، وكل ذلك يدل على أن الأسلوب السياسي الأمريكي الذي اتخذه ترامب هو استعمال التهديدات للضغط على الخصم أثناء المباحثات والاتصالات الدبلوماسية ليجعل الخصم يخضع لما تريده أمريكا. ويؤكد ذلك أيضاً ما قاله مايك بومبيو أثناء توليه لرئاسة وكالة المخابرات الأمريكية سي آي إيه (إن الرئيس ترامب يركز على حل دبلوماسي للأزمة مع كوريا الشمالية، لكن سي آي إيه تعمل على تزويده بمجموعة أخرى من الخيارات). (رويترز، 2018/1/23)، وهكذا تمزج مع الحل الدبلوماسي خيارات أخرى موحية بالتهديد. ويبدو أن هذا الأسلوب، أي التهديد خلال مباحثات الحل الدبلوماسي، لم يعجب تيلرسون لأن فيه إحراجاً له كوزير للخارجية، فقام ترامب بعزله...

3- وهكذا فلم ينفع هذا الأسلوب مع كوريا الشمالية، فكانوا يقطعون التفاوض إن كان هناك نوع من التهديد، ولولا تدخل الصين لما عقدت القمة، ولهذا قام ترامب عقب القمة مع كيم أثناء مؤتمره الصحفي في سنغافورة ووجه "شكره للرئيس الصيني شي جين بينغ الذي بذل جهودا في الشهور الماضية على تسهيل هذه القمة التاريخية" (فرانس برس، 2018/6/12). وكانت الصين قد مارست الضغوطات على كوريا الشمالية لتقديم التنازلات. فقد ذكرت وكالة أنباء الصين "شينخوا" الرسمية يوم 2018/3/28 أن "زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون قام بزيارة غير رسمية للصين من يوم الأحد (2018/3/25) إلى يوم الأربعاء (2018/3/28) حيث ناقشا بشكل شامل الوضع في العالم وشبه الجزيرة الكورية، وأن الرئيس الصيني شي جين بينغ أبلغ نظيره الكوري الشمالي أن الصين ملتزمة بهدف نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية وضمان وجود السلام والاستقرار وكذلك حل المشكلة من خلال الحوار والمفاوضات". ونقلت وكالة أنباء كوريا الشمالية أن "زعيمها كيم جونغ أون قام بزيارة الصين ليهنئ شخصيا شي جين بينغ بمناسبة إعادة انتخابه رئيسا للصين ما يتوافق مع التقاليد الودية بين البلدين... وأنه "أعرب عن أمله بأن تساهم زيارته الأولى للصين في إقامة السلام والاستقرار بشبه الجزيرة الكورية معلنا استعداده لإجراء حوار مع أمريكا وكوريا الجنوبية فضلا عن عقد اجتماعات مع قادتهم"، وأنه أضاف قائلا: "إن نزع السلاح النووي في كوريا ممكن حال اتخذت واشنطن وسيئول إجراءات متسقة ومتضافرة لتحقيق السلام". ولهذا أعلن ترامب في حسابه على تويتر يوم 2018/3/28 مبتهجا بما تحقق من تلك الزيارة "تلقيت رسالة البارحة من الرئيس الصيني مفادها أن اجتماعه مع كيم سار بشكل جيد للغاية وأن كيم يتطلع إلى لقاء معي". فقدمت الصين كوريا الشمالية قربانا لأمريكا في سبيل مصالحها، فمارست الضغوطات على كوريا الشمالية حتى جعلت رئيسها يستعد لتقديم التنازلات ولقاء المتغطرس ترامب. لا سيما وأن الصين قد شاركت فعلا في الضغوطات السياسية وفي اتخاذ القرارات في مجلس الأمن ووضع العقوبات على كوريا الشمالية، فكان ذلك عاملا مؤثرا في جعل كوريا الشمالية تستعد لتقديم التنازلات بالنسبة لبرنامجها النووي. فهي ترى أنها إذا فقدت تأييد الصين ودعمها لها ومن ثم عملت الصين على محاصرتها والتضييق عليها، فإن كوريا الشمالية ستذوق الأمرَّين! ولذلك قدمت كوريا الشمالية تنازلات! وقد كشفت الخارجية الصينية عن دورها المؤثر في قرار كوريا الشمالية فأعلنت أن "بكين أدت دورا إيجابيا في شبه الجزيرة الكورية" (رويترز، أ ف ب، 2018/5/23) فأظهرت الصين أنها تحرص على تحقيق مصالحها التجارية مع أمريكا أكثر مما تحرص على حليف لها لا تحقق مرابح تجارية منه، بل ربما تتضرر تجاريا بسببه ولو كان رفيقا شيوعيا، فباتت حسابات الدولة الشيوعية الكبرى مرابح تجارية وليس حماية دول شيوعية أخرى حليفة لها! وكأن الصين لا تدرك أن أمريكا وهي تسعى لنزع سلاح كوريا الشمالية إنما تستخدم هذه المسألة لتطويق الصين ومنع سيطرتها على منطقة بحري الصين الشرقي والجنوبي!

4- وما يؤكد ذلك إعلان الصين ترحيبها بالقمة وبإعلان حليفتها كوريا الشمالية تنازلها عن سلاحها النووي لحساب أمريكا. فقال كبير الدبلوماسيين الصينيين وعضو مجلس الدولة الصيني وانغ بي عقب القمة: "إن بكين ترحب بالقمة بين الرئيس الأمريكي ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وتدعمها وتأمل أن يتوصل البلدان لتوافق أساسي تجاه تحقيق نزع السلاح النووي". وأضاف: "في الوقت ذاته هناك حاجة إلى آلية سلام لشبه الجزيرة الكورية لتبديد المخاوف الأمنية الكورية الشمالية المنطقية". (رويترز 2018/6/12) فالصين لو كان عندها الوعي السياسي الكافي والإرادة السياسية القوية لما ضغطت على كوريا الشمالية وهي حليفتها بهذا الشكل! ولكن أثبتت أن أفقها ووعيها السياسي على السياسة الدولية ما زالا ضيقين وإرادتها السياسية ما زالت ضعيفة، فاكتفت بالحرص على أن تكون علاقاتها التجارية مع أمريكا جيدة مقابل إخضاعها لكوريا الشمالية، وهي لا تنظر إلى بعيد حول ما ستؤول إليه الأمور، فليس من المستبعد أن تعمل أمريكا على كسب كوريا الشمالية وتصبح الأخيرة أقرب لأمريكا من الصين، وقد تسعى أمريكا لإيجاد وحدة أو اتحاد بين الكوريتين فتصبح كوريا الجديدة قوة منفصلة عن تأثير الصين، ومثال فيتنام ليس ببعيد حيث أصبحت تعادي الصين بعدما وحدت أمريكا فيتنام الجنوبية مع الشمالية في اتفاقية باريس عام 1975!

5- لقد كان للصين الدور الأساس في جعل كوريا الشمالية توافق على اجتماع القمة وأن يكون نزع سلاحها النووي على طاولة البحث دون أن يوضع بجانبه نزع السلاح النووي الأمريكي حيث إن أمريكا هي الدولة الوحيدة التي استعملته ونشرت في الأرض الفساد لكن ضغوط الصين كان لها الأثر الفعال! وهكذا عقدت القمة... وكان من المتوقع أن تستمر القمة مدة يومين واختصرت بيوم واحد وتم اتفاق إطار شامل مما يدل على سرعة تجاوب كوريا الشمالية مع ما تريده أمريكا. وقامت كوريا الشمالية بتدمير موقع اختبار للتجارب النووية لتثبت استعدادها للتخلي عن برنامجها النووي، وكذلك إطلاق ثلاثة أمريكيين محتجزين لديها. وقد أبدى ترامب فرحته بما حققه قائلا: "إن القمة كانت رائعة وحققت تقدما كبيرا" بينما اعتبر كيم ذلك حدثا تاريخيا قائلا: "سيشهد العالم تغيرا كبيرا". (رويترز، 2018/6/12) وقد وقعا على بيان مشترك يتألف من أربع نقاط: الأولى: يلتزم الطرفان بإقامة علاقات جيدة وفقا لتطلع الشعبين إلى السلام والازدهار، والثانية: سيعمل الطرفان على إقامة وتعزيز سلام دائم ومستقر في شبه الجزيرة الكورية، والثالثة: تلتزم كوريا الشمالية باتخاذ إجراءات لنزع كامل الأسلحة في شبه الجزيرة الكورية، وأما النقطة الرابعة فكانت تتعلق بالناحية الإنسانية بالتعهد بإعادة رفات المفقودين والأسرى الأمريكيين منذ الحرب الكورية الأمريكية (عامي 1950 - 1953). وقد وصف ترامب الاتفاق بأنه "شامل ومهم جدا" وكيم يتعهد في البيان نحو "نزع كامل للأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية". (بي بي سي، 2018/6/12). فهذا البيان يدل على أن هناك اتفاق إطار، وليس اتفاقاً بنقاط تحدد ما اتفق عليه وكيفية تنفيذ نزع السلاح النووي وآلياته وزمنه والرقابة على التنفيذ وإلى غير ذلك من الأمور التي يستوجبها الاتفاق القابل للتنفيذ الفوري كما حدث في الاتفاق النووي مع إيران، حيث كُتبت كل تلك التفاصيل...

6- وبناء عليه فإن المتوقع أن أمريكا ستقوم بالمفاوضات والمباحثات المطولة مع كوريا الشمالية ربما تمتد لسنوات، ويظهر أن ترامب أراد أن ينجز اتفاقا أوليا سريعا ويسوي المشكلة مع كوريا الشمالية حيث قام بالتهديدات ولا يستطيع أن يتراجع عنها إلا بإنجاز شيء ما يظهر فيه أنه نجح فأخضع كوريا الشمالية، وكما قلنا آنفاً فلولا ضغوطات الصين لما أنتجت تهديدات ترامب هذه القمة وإعلان كوريا الشمالية استعدادها لنزع سلاحها النووي وتوقيعها على ذلك، ومن ثم يسجل ترامب لنفسه نصرا تاريخيا قد يسهل له النجاح في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الأمريكية عندما تجري بعد سنتين ونيف، ويغطي على كل الفضائح التي أثيرت ضده ولم تتوقف حتى الآن، والاتهامات بفشله وانتقادات الآخرين لحماقته وغبائه. وما يثبت ذلك تصريحات ترامب نفسه إذ قال: "أون أبلغني أن بلاده تعكف بالفعل على تدمير منشأة لاختبار محركات الصواريخ... سنرفع العقوبات عندما نحقق خطوات مهمة في مسألة نزع السلاح النووي... لم نتنازل عن أي شيء خلال المفاوضات... سنوقف إجراء مناورات عسكرية تستهدف كوريا الشمالية... سأدعو أون إلى البيت الأبيض في الوقت المناسب"، وقال "إنه وقع مع أون اتفاقية على نزع السلاح النووي، أعتقد أن لدينا إطار العمل اللازم للإعداد لنزع السلاح النووي لكوريا الشمالية". (الجزيرة، 2018/6/12) وهكذا أراد ترامب أن ينهي ملف التوتر مع كوريا الشمالية مظهرا أنه بذلك حقق نصراً كبيرا.

7- إن إنهاء ملف التوتر مع كوريا الشمالية أو تهدئته يساعد ترامب ليتفرغ لحربه التجارية مع حلفائه وأعدائه! فقد توترت علاقاته مع حلفائه عندما أعلن أنه فرض على صادراتهم من الصلب والألومنيوم إلى بلاده ضرائب جمركية عالية، معتبرا الاتفاقات التجارية السابقة معهم غير عادلة، فكتب على تويتر يوم 2018/6/8 وهو يتوجه إلى قمة السبع في كيبيك بكندا "أتطلع إلى تقويم الاتفاقات التجارية غير العادلة مع دول مجموعة السبع. إذا لم يحدث هذا فسنخرج في وضع أفضل لنا". وقد رفض جاستن ترودو رئيس وزراء كندا وماكرون رئيس فرنسا تلك الإجراءات في مؤتمر صحفي مشترك حيث قالا فيه: "إنهما ليسا مستعدين للقبول بكل شيء من أجل أن يصدر بيان مشترك مع أمريكا". (فرانس برس، 2018/6/6) فقام ترامب واتهم فرنسا وكندا بفرض رسوم ضخمة على السلع الأمريكية واتهم رئيس وزراء كندا ترودو بأنه "ناقم جدا". وقال مسؤول كندي للصحافيين مساء يوم 2018/6/7: "ستكون هناك بعض الخلافات الكبيرة بشأن كثير من المسائل" (رويترز، 2018/6/8) حتى إن الرئيس الفرنسي ماكرون الذي عمل على التقارب الفرنسي الأمريكي لم يعد يتحمل ضبط أعصابه ومحاولة مسايرة أمريكا والعمل على المداورة واللف والدوران الذي لا يتقنه الفرنسيون ويتقنه الإنجليز فقال ماكرون: "إن الأعضاء الستة الآخرين بمجموعة السبع قد يشكلون مجموعتهم الخاصة إذا اقتضى الأمر" وأضاف موجها انتقاده لترامب أنه: "لا زعيم يبقى إلى الأبد". (رويترز، 2018/6/8) وظهر الخبث الإنجليزي عندما أرادت بريطانيا أن تظهر أنها لا تقبل بهذه الردود لتبقي رِجلا لها عند أمريكا وهي تحرِّض الآخرين عليها فقالت رئيسة وزرائها ماي أمام الصحافيين: "إنها تريد أن يلتزم الاتحاد الأوروبي ضبط النفس في رده على الرسوم الأمريكية، وإن الرد يجب

أن يكون متناسبا وقانونيا" (رويترز، 2018/6/8) وقالت رئيسة وزراء ألمانيا في مقابلة مع التلفزيون الألماني آر دي يوم 2018/6/10 حول قرار ترامب سحب توقيعه: "هذا قاس، هذا مخيب للآمال هذه المرة، لكنها ليست نهاية"، وقال وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس في تغريدة على تويتر ردا على تغريدة ترامب "دمرت مقدارا هائلا من الثقة"، وقد توج التوتر في قمة السبع التي عقدت في كندا بالهجوم على ترامب من قبل قادة الدول الأخرى المشتركة في القمة. وقد سحب ترامب توقيعه على البيان المشترك لقمة السبع واتهم رئيس وزراء كندا الذي ترأس القمة بأنه غير نزيه وضعيف" (فرانس برس، 2018/6/10) وقد غادر القمة قبل انتهائها كما جاء إليها متأخرا. وهكذا يظهر أن هناك حربا تجارية قد اندلعت، وقد أعلنها ترامب يوم 2018/3/2 عندما كتب تغريدة على تويتر: "عندما تخسر دولة مليارات الدولارات في التجارة مع كل الدول التي تتعامل معها تقريبا، فإن الحروب التجارية جيدة، ومن السهل كسبها". وكل هذا يدل على أن ملف الحرب التجارية مهم جدا بالنسبة لأمريكا، حيث ما زالت تعاني من تداعيات الأزمة المالية التي تفجرت عام 2008 وبلغت ديونها أكثر من 20 ترليون دولار، ويعمل الرئيس ترامب صاحب العقلية التجارية على إنقاذ اقتصاد أمريكا رافعا شعاره "أمريكا أولا" مما ينذر بتفكك مؤسسات عالمية طالما استخدمتها أمريكا لفرض نفوذها عالميا وبالتالي تفكك النظام العالمي وظهور موقف دولي جديد حيث لم تعد أمريكا تضحي من أجل أن تبقى سيدة العالم بمساعدة الدول الأخرى والتسامح بجعل ميزان التجارة يميل إليها، بل أصبحت تفكر فقط في السيادة مع الربح التجاري من دون مساعدة للحلفاء لتبقيهم تحت مظلتها وتسيّرهم خلفها.

8- إن أمريكا لا تلتزم بأية اتفاقية وسرعان ما تنقضها أو تتخلى عنها إذا رأت أن مصلحتها تقتضي النكث والنكوص على عقبيها، وقد فعلت مثل ذلك مع كوريا الشمالية عام 2003 على عهد جورج بوش الابن فنقضت الاتفاقية التي وقعتها معها عام 1994 على عهد بيل كلينتون. وها هو رئيسها الحالي ترامب يوقع على بيان مشترك مع حلفائه في قمة السبع بكندا ومن ثم ينقض اتفاقه ويسحب توقيعه بعد يوم واحد، وقد نقض الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته بلاده على عهد أوباما عام 2015. فهذا الاتفاق مع كوريا الشمالية غير مضمون وستعمل على التهديد بنقضه للضغط على كوريا الشمالية لتنفيذه عندما تبدأ المفاوضات حول ذلك وكلما وجدت تمنعا منها أو رفضا لبند من البنود!

لقد أصبح النكث بالعهود والغطرسة والعنجهية وعدم الاكتراث بالآخرين والعمل على ابتزازهم سمة لا تنفك عن أمريكا، وكل هذه الأمور من عوامل السقوط عاجلاً أم آجلاً... وسوف تعود دولة الخلافة الراشدة التي ستتبوأ مقعد الدولة الأولى بإذن الله لتقيم العدل وتحافظ على العهد وتنشر الهدى وتحق الحق وتزيل الباطل لتسعد البشرية ويهنأ الناس في أمن وأمان في كافة المجالات. وقد بشر بها رسول الله e بعد هذا الملك الجبري «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، رواه أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، وما ذلك على الله بعزيز.

الثاني من شوال 1439هـ

2018/6/16م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م