جـواب سـؤال:  الصراع الساخن في تركيا بين علمانيي الإنجليز الكماليين وعلمانيي أمريكا الليبراليين
June 08, 2007

جـواب سـؤال: الصراع الساخن في تركيا بين علمانيي الإنجليز الكماليين وعلمانيي أمريكا الليبراليين

جـواب سـؤال

الصراع الساخن في تركيا بين علمانيي الإنجليز الكماليين وعلمانيي أمريكا الليبراليين


السؤال: ما هذا الذي يجري في تركيا؟ انتخاب رئاسة في البرلمان، ثم انتخاب من الشعب، ثم انتخابات برلمانية، وتحركات لافتة للنظر في أوساط الجيش والحكومة، وبيانات وبيانات مضادة، ودخول المحكمة الدستورية على الخط، وموافقة رئيس الجمهورية وعدم موافقته ... وما دور الصراع الأمريكي البريطاني في الموضوع؟ وهل للحزب الكردستاني دور وبخاصة وقد لوحظت أعمال من تفجير وخلافه نسبت إليه خلال هذه المعمعة، ونحن نعلم أن أمريكا هي التي أنشأته؟ وأخيراً كيف هي موازين القوى للأحزاب التركية في انتخابات البرلمان الشهر القادم؟

الجواب:


حتى تتضح الصورة يلزم الرجوع إلى تاريخ نشوء تركيا العلمانية:


أولاً: منذ أن نفّذ المجرم مصطفى كمال مخططات الإنجليز بهدم الخـلافة بعد الحرب العالمية الأولى، سار ضد الإسلامِِ: أفكارِِه ومشاعرِِه، وسار في خط (علماني) أكثر من العلمانيين حقداً على الإسلام والمسلمين، كما أنه حَرَصَ هو وزمرته على جعل تركيا ركيزةً لبريطانيا في المنطقة. أي أنه سار في خطين جعلهما منهجَه:


محاربة الإسلام، والولاء لبريطانيا.

واستمر هكذا حتى خرجت أمريكا إلى العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وهي تستغل انتصارها لتكون هي الدولة الأولى المهيمنة التي تحل محل الاستعمار السابق (بريطانيا وفرنسا) في مستعمراتهما، ومن ثَمَّ كان اجتماع سفراء أمريكا في الشرق الأوسط في اسطنبول سنة 1950.

لقد حاولت أمريكا بجد النفاذ إلى تركيا باختراق الجيش الذي تراه القوة الفاعلة الممسكة بزمام البلد، فلم تستطع، فهو مشبع بنهج مصطفى كمال (الإنجليزي)، فرأت أن الوسيلة الوحيدة أمامها هي أن تلجأ إلى التقرب من مشاعر المسلمين الناقمين على الجيش والعلمانيين، وهكذا كان في الخمسينات حيث عدنان مندريس، وفي الثمانينات حيث أوزال، وبينهما في السبعينات ثم في التسعينات ديميرال، مع أنه في أواخر عهده أصبح يتقن لعبة شد الحبل بين أمريكا والإنجليز. على كلٍّ، لقد كانت أمريكا في كل مرة تصطدم بانقلاب الجيش على الحكم إذا تجاوز عملاء أمريكا ليس الخطوط الحمر بل حتى إذا تجاوزوا الخطوط الصفر أو اقتربوا منها! وهكذا قام الجيش بانقلابات 1960، 1971، 1980، 1997 وحجتهم في كل مرة المحافظة على النظام العلماني الإنجليزي).

لقد كانت أمريكا تتعلم من كل انقلاب شيئاً جديداً، فقد اقتنعت بعدم إمكان اختراق الجيش، فحاولت في عهد أوزال أن توجد قوةً موازيةً فبدأ أوزال بتسليح الشرطة تسليحاً قوياً، علماً بأنه كان ذا مشاعر إسلامية واضحة عليه فهو على الطريقة النقشبندية ما جعله محبوباً لعامة المسلمين، لكنه لم يكتفِ برئاسة الوزارة في 1983، بل أصبح رئيساً للجمهورية في 1989، وهذا مركز حساس عند العلمانيين والجيش، ولا يقبلون وصول غيرهم إليه، والذي زاد الطين بِلةً أنه استقبل في بداية وصوله لرئاسة الجمهورية طالباتٍ محتجاتٍ على منعهن من دخول الجامعة بسبب لبس الخمار فتعاطف معهن ... فعجَّل كلُّ هذا نقمةَ العلمانيين والجيش.

كان أوزال قد أنشأ حزب الوطن الأم وكسب رأياً عامّاً لأنه بدا للناس، وبخاصة أهل القرى، واقفاً في صف الإسلام الذي يدينون به في مواجهة العلمانية التي يحملها رجال الجيش، وصار يعمل بحنكة بمساعدة أمريكا، وكاد ينجح في إضعاف سلطة الجيش بإيجاد قوىً عسكرية موازية، لكنه مات أو قُتل بمؤامرة عليه من العلمانيين صنائعِ الإنجليز كما تسربت بعض الأخبار في حينه.

ثانياً: بعد ذلك أصبح الحكم غيرَ مستقرٍّ لطَرَف، فرجال الإنجليز يعملون في الوسط السياسي وكذلك الأمريكان. وقد بدأ الجيش في ترتيب وضع حزب الوطن الأم (حزب أوزال)، فأوصلوا مسعود يلماز إلى رئاسته، وأصبح الحزب موالياً للإنجليز لأن مسعود يلماز من رجالهم. وقام بإخراج جماعة أوزال من الحزب. وفي المقابل انضمت العناصر التي تم طردها من حزب الوطن الأم. لولائهم لأوزال وأمريكا، انضموا إلى حزب الرفاه، لميولهم الإسلامية، وأصبح لهم تأثير قوى في حزب أربكان، ورجحت كفة أمريكا فيه رغم أن أربكان كان أقرب إلى رجال الإنجليز، وهذا ما جعل حكومة الائتلاف في التسعينات - من حزب الطريق القويم (تشيلر) الموالي لأمريكا، وحزب الرفاه (أربكان) الذي تأثر بدخول عناصر أوزال إليه - تبدو وكأنها تُسيَّر من أمريكا، وخشي الجيش على عودة أمريكا إلى الإمساك بالسلطة كما كانت في عهد أوزال، لذلك تدخل الجيش وأنهى حكومة الائتلاف واستولى على السلطة. وكان ذلك في 28 شباط 1997، ودخلت هذه الحادثة التاريخ باسم حركة 28 شباط، وكان من أوائل أعمالها أن عمدت إلى حزب الرفاه فحلَّته، وأُعيد تشكيله باسم حزب الفضيلة بعد أن أخرجت منه كل جماعة أمريكا سواء الذين انضموا إليه من حزب أوزال أو الذين كانوا أصلاً فيه ولكنهم ساروا مع أمريكا مثل عبد الله غل وأردوغان. بعد انهيار حكومة الائتلاف أَوْكَلَ الجيش إلى بولنت أجاويد تشكيل الحكومة، وهو أحد أساطين السياسة الإنجليزية في تركيا، وزوجته من يهود الدونمة، فشكّل حكومة ائتلاف مع حزب مسعود يلماز زعيم حزب الوطن الأم الذي أصبح سائراً مع الإنجليز. وهكذا عاد علمانيو الإنجليز للإمساك بالحكم بعد حادثة 28 شباط.

ثالثاً: لقد تبين لأمريكا أن التصدي المباشر للجيش أمر صعب، وإيجاد قوة موازية أمر محفوف بالمخاطر، فرأت أسلوباً آخر بأن تعمل على إقصاء الجيش عن طريق (الديمقراطية) بأن توصل أحد رجالها للحكم بأغلبية برلمانية بحيث يستطيع تشريع القوانين التي تحد من سلطة الجيش. وهكذا كان، فقد وقع اختيارها على أردوغان وغل وهما كانا قد أُخرِجا من حزب الفضيلة بعد حادثة 28 شباط وبدءا العمل مع أوساطهم، وشكلوا حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، وهو يتمتع بصفات مشابهة لأوزال، فأردوغان صوفي الطريقة، وتظهر عليه المشاعر الإسلامية رغم أنه علماني، ومن رجال أمريكا المخلصين لها، فقد سار معها منذ رئاسته لبلدية استانبول. وعلى الرغم من ملاحقته قضائياً من الجيش بسبب قصيدته الشعرية التي نظمها، ومضايقته سياسياً إلا أنه بقي ينشط في ولائه لأمريكا والعمل في هذا الاتجاه.

بعد ذلك بدأت تهيئة المسرح لوصول أردوغان، فقد قامت أمريكا بسحب (5-7) بليون دولار من البنك المركزي التركي عام 2001، ذلك أن الامتيازات الاقتصادية التي وضعت أساساتها في فترة أوزال مكنت أمريكا من القيام بهذه العملية بيسر وسهولة، فأوجدت هزةً اقتصاديةً، وبدأ تذمر الناس لأن القوة الشرائية لليرة انخفضت انخفاضا شديداً، وازدادت نقمة الناس على أجاويد وحكومته.

في هذه الأثناء تمكنت أمريكا من النفاذ إلى حزب صغير كان مؤتلفاً مع حزب يلماز وحزب أجاويد وهو حزب الحركة القومي برئاسة دولت بهشالي، وأوعزت إليه بطلب إجراء انتخابات مبكرة، وأن يهدد بالاستقالة إن لَم تتم الانتخابات، وهكذا أعلنت انتخابات مبكرة في 3/11/2002. ولما لم يستطع علمانيو الإنجليز تأجيل الانتخابات، حركوا مجموعة جيم أوزان التجارية، وهي إحدى ركائز العلمانيين (الإنجليز) المالية، للقيام بحملة مكثفة سلبية بالنسبة إلى انتخاب حزب العدالة، وقد صرف أوزان خلالها ملايين الدولارات في فترة قصيرة نسبياً، ومع ذلك فاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات فوزاً ساحقاً، وبخاصة وأنه كان في دعايته الانتخابية يمزج بين العلمانية وبين شيء قليل من مسحة إسلامية، ولكنها على قلتها كانت تجذب إليه أصوات عامة المسلمين لما لاقوْه من عداء علمانيي الجيش والكماليين الاستفزازي للإسلام، وهكذا فاز وضَمِنَ الأغلبية البرلمانية، فشكَّل الحكومة وحده، وقد كان حزب المعارضة تجاهه في البرلمان قسم انشق عن أجاويد باسم (حزب الشعب الجمهوري - دينـز بايكال)، وبقي حزب أجاويد تحت اسم الحزب الديمقراطي اليساري. ولما وصل أردوغان للسلطة قام بتوجيه ضربة قاضية لمجموعة أوزان التي عملت جهدها لعدم فوز حزب العدالة، متهماً المجموعة بالفساد ... وأصبحت كافة ممتلكاتهم في دائرة القضاء.

رابعاً: بدأ أردوغان بتنفيذ الخطة المرسومة بتقوية الروابط مع أمريكا وإضعاف نفوذ الإنجليز وبخاصة الجيش، وكان من باكورة أعماله أن عرض على البرلمان قانوناً بتقليص صلاحية تدخل مجلس الأمن القومي في الحكم، وكذلك جعل المجلس مختلطاً من أعضاء عسكريين ومدنيين. وقد تضايق الجيش من ذلك حتى إن بعض الأخبار تسربت أن تفجيرات استانبول أواخر 2003م كان وراءها (العسكر) لإيجاد خلخلة أمنية يستغلونها للتدخل مثل حركة شباط السابقة، لكنهم لَم ينجحوا في ذلك. ثم كانت الخطوة التالية بتوقيع وثيقة الرؤية المشتركة بين الحكومة التركية وحكومة الولايات المتحدة التي وقعها عبد الله غل مع رايس في 05/07/2006، وقد جاءت خطوطها العريضة، كما ظهرت في البيان الصحفي الذي نشر في 05/07/2006 على الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية، مبدوءةً بمقدمة جاء فيها «إننا مشتركون في القيم والأفكار المتعلقة بالأهداف الإقليمية والعالمية: تطور السلام، الديمقراطية، الحريات، الرفاه»، وبعد المقدمة ذكرت الخطوط العريضة، ونحن هنا نثبت عناوين تلك الخطوط:

((الولايات المتحدة وتركيا تتعهدان بالعمل سوية في كافة المسائل التالية:


- "تطوير السلام والاستقرار من خلال الطريق الديمقراطي في الشرق الأوسط الموسع".
- "دعم المساعي العالمية الرامية لإحلال حل دائم للصراع العربي-’الإسرائيلي‘، والمساعي العالمية الرامية لإحلال حل دائم للصراع الفلسطيني-’الإسرائيلي‘ قائم على أساس الدولتين".
- "دعم تطوير الاستقرار والديمقراطية والرفاه في العراق الموحد".
- "دعم المساعي الدبلوماسية تجاه البرنامج النووي الإيراني و(5P+1)".
- "المساهمة في إحلال الاستقرار والديمقراطية والرفاه في منطقة البحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى وأفغانستان".
- "دعم الحل النهائي المتكامل الشامل والْمُرضي لكلا الطرفين تحت رعاية الأمم المتحدة فيما يتعلق بالقضية القبرصية، وإنهاء المقاطعة المفروضة على قبرص الشمالية التركية".
- "رفع المستوى الأمني حول مصادر الطاقة من خلال تنويع المصادر والخطوط، بما فيها الخطوط القادمة من بحر قزوين".
- "تقوية العلاقات مع منطقة المحيط الأطلسي (عبر المحيط الأطلسي) والتغيرات في حلف الناتو".
- "محاربة الإرهاب وتوابعه، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني".
- "منع انتشار أسلحة الدمار الشامل".
- "حظر تهريب: الناس، السلاح، المخدرات".
- "رفع مستوى التفاهم والاحترام والتقدير بين الأديان والثقافات وداخلها".
- "تطوير ودعم الأعمال المستمرة والمؤثرة والمشتركة التي تصب لإيجاد حلول للأزمات التي تشكل قلقاً مشتركاً، وللتحديات الدولية".

خامساً: أما حزب العمال الكردستاني ودوره مع الجيش والحكومة:


1 - أُسِّس الحزب في 1979، ولكنه برز فعلاً بتوجيه من أمريكا سنة 1984 في عهد أوزال (1983 - 1993) حيث قام بأولى عملياته ضد الجيش في سيرت (مدينة كردية شرق تركيا)، وكان مقصوداً منه التضييق على الجيش أمنياً بشكل متزامن مع تضييق أوزال على الجيش عسكرياً بإنشاء (شرطة مسلحة تسليحاً قوياً ثقيلاً) حيث استمرت في عهد أوزال إلى انتهاء عهده، فقام الجيش بمصادرة الأسلحة الثقيلة الخاصة بأجهزة الأمن.

استمر وضع حزب العمال على هذا النحو - سلاحاً أمنياً في يد أمريكا في وجه الجيش التركي - إلى أواخر سنة 1997 وأوائل سنة 1998، حيث ظهر عاملان:

الأول: حركة 28 شباط 1997 التي أعادت للحكم أجاويد رجل إنجلترا المخضرم فأصبح رئيساً للوزراء، وجاء معلناً في برنامجه القضاء على حزب العمال الكردستاني بشكل حاسم.

والثاني: التهديدات التركية لسوريا بإعلان الحرب عليها قائلةً (إن سوريا تشن حرباً غير معلنة على تركيا وذلك عن طريق دعمهم لحزب العمال). ثم أعلنت تركيا أنها سترد على هذه الحرب السورية غير المعلنة، وقد صرح أحد جنرالات تركيا: (بمقدورنا دخول سوريا من جهة والخروج من جهتها الأخرى)، وتأزمت المسألة بشكل جدي، فقررت أمريكا: حفاظاً على بقاء سوريا تحت نفوذها هذا أولاً، وإدراكاً منها بفشل الأسلوب الأمني في النفاذ إلى تركيا ثانياً، ووجوب تغيير هذا الأسلوب إلى العمل السياسي بمفاهيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان ... في تركيا ثالثاً، قررت أن تعقد صفقةً مع الجيش التركي عن طريق الحكومة التركية الجديدة، حيث أصبحت السلطة السياسية والعسكرية في تركيا من جنس واحد، بالتخلي عن حزب العمال الكردستاني كمنظمة (عسكرية) وإنهاء الأزمة مع سوريا. وهكذا كان حيث انعكس هذا على سوريا فجرت محادثات تهدئة بين تركيا وسوريا تُوِّجَتْ بعقد اتفاقية أضنة في تشرين الأول 1998. ووفقاً للاتفاقية قبلت سوريا بإيقاف دعمها لحزب العمال الكردستاني وطرد عبد الله أوجلان وتسليم عدد من القادة الآخرين في سوريا إلى تركيا.

وخرج أوجلان من سوريا إلى روسيا فرفضت لجوءه، فغادرها إلى اليونان فإيطاليا ثم استقر به المقام في كينيا حيث قامت وحدة من القوات الخاصة في الجيش التركي بالذهاب إلى كينيا واستلامه بترتيب من المخابرات الأمريكية.

وبعدها نشطت أمريكا بالعمل السياسي والشعبي والديمقراطي ... إلى أن نجحت في إيصال أردوغان وحزبه إلى الحكم في 2002 كما بيَّـنَّا سابقاً.

أما حزب العمال الكردستاني فقد انقسم: قسم سار حسب نهج العمل الأمريكي الجديد أي إلى العمل السياسي بقيادة عثمان أوجلان، وقسم استحوذ عليه الإنجليز ومعظم زعمائه من أصل يهودي، وأصـبح هـذا القسم تحت جناح الجيش التركي. وهذا القسم بزعامة زبير إيدار، فصار يُستغل في إيجاد القلاقل ضد حكومة أردوغان الموالية لأمريكا، وفي الوقت نفسه لإيجاد مبرر للجيش لفرض وجـوده كلما لزم بحجة القضاء على القلاقل. وهكذا فإن السياسة الأمريكية بالنسبة لحزب العمال، وبخاصة في عهد حكومة حزب العدالة، هي أن تكون قضية الأكراد قضيةً سياسيةً، وأما السياسة الإنجليزية بالنسبة لحزب العمال، وبخاصة في عهد حكومة حزب العدالة، فهي أن تكون قضية الأكراد قضية أمنية أي عكس ما كانت عليه الحال قبل اتفاقية أضنة. وهذا يفسر الأعمال المسلحة التي يشنها في الوقت الحالي حزب العمال الكردستاني الجناح الإنجليزي.

سادساً: لقد استطاعت أمريكا بالأعمال (الديمقراطية) التي قام بها حزب العدالة أن تتجاوز الخطوط الحمر التي لا يسكت عليها العلمانيون الكماليون.

فإن الجيش، الذي يَعُدُّ نفسه حامي العلمانية الكمالية، يمسك بزمام الأمور في البلد بواسطة أمور أربعة في مؤسسات الدولة لا يسمح باختراقها:

الأول: منصب رئاسة الجمهورية، فهو وإن كان حالياً أقرب للرمز المعنوي للدولة إلا أنهم يعتبرونه الصبغة (الأتاتوركية) للدولة.


الثاني: المحكمة الدستورية فهم يمسكون بواسطتها التبرير القانوني للتدخل العسكري ولإبطال القوانين التي يعُدُّونها تخرق الدستور وفق مصالحهم.


الثالث: مؤسسة التعليم فهي مهمة لديهم للتحكم في ثقافة الأجيال.


الرابع: مجلس الأمن القومي الذي يمسكون بواسطته التبرير الأمني للتدخل العسكري.

والذي حدث أن حكومة حزب العدالة والتنمية باستعمال الوسائل الديمقراطية وتشريع القوانين في مجلس النواب، استطاعت أن تخترق المحكمة الدستورية باثنين من رجالها حالياً، فقضاة المحكمة عددهم (11)، اثنان منهم من غير مناصري الجيش، والحكومة مستمرة في هذا المجال.

ومجلس الأمن القومي استطاعت أن تدخل فيه ما يقرب من المناصفة بين العسكريين والمدنيين.

وهي حاولت، ولا زالت تحاول، بالنسبة لمؤسسة التعليم العالي (YOK)، وهي وإن لم تسطتع اختراقها بشكل له وزن حتى الآن ولكنها مستمرة في ذلك.

وقد كانت حكومة حزب العدالة حتى الآن تكتفي بالعمل في المجالات الثلاثة السابقة، لكنها اليوم امتدت إلى رئاسة الجمهورية، وهذا الرمز مهم وحساس عند الجيش حماةِ النظام العلماني، فحاولت الحكومة بالأساليب الديمقراطية حيث الأغلبية في البرلمان لهم أن توصل عبد الله غل إلى الرئاسة. إلا أن الجيش اعتبر هذا الأمر تجاوزاً لأكبر الخطوط الحمر، فقام بقوة في وجه ذلك مستعملاً أساليب التهديد والوعيد جنباً إلى جنب مع الأساليب الديمقراطية ... لذلك حشد جماهيره من كل مكان لتحريك الرأي العام العلماني، وفي الوقت نفسه أصدر بياناً باسم رئاسة الأركان في الساعة 23:15 من ليلة يوم الجمعة 27/04/2007 - الذي اجتمع فيه البرلمان التركي لعقد الجلسة الأولى لانتخاب عبد الله غُل رئيساً للجمهورية، ولم يتوفر فيها الثلثان، ما دفع حزب الشعب الجمهوري للاعتراض على الجلسة ورفع دعوى إلى المحكمة الدستورية- أصدر بياناً يحمل طابع المذكرة العسكرية عبر موقع رئاسة الأركان الرسمي على شبكة الإنترنت، وكان البيان قد أُعلن بصورة مستغربة لم يحدث مثلها في أي وقت سابق، حيث تم إبلاغ الأوساط الإعلامية مطالعة موقع رئاسة الأركان العامة على شبكة الإنترنت، وأهم ما ركز عليه البيان: "إن المشكلة التي ظهرت أولويتها في الأيام الأخيرة حول رئاسة الجمهورية تتمحور في جعل العلمانية موضع نقاش، إن هذا الوضع نُظِر إليه من قبل القوات المسلحة التركية بقلق بالغ، ويجب أن لا يُنسى أن القوات المسلحة التركية هي حامية العلمانية وهي ضد هذا النقاش وهذه الملاحظات السلبية، لذا فإن القوات المسلحة التركية ستضع ثقلها ومنهجها في الوقت المناسب بصورة واضحة بيِّنة، وهذا ما لا يجوز لأحد أن يشك فيه" وجاء في الفقرة الأخيرة من البيان تهديد علني بالتلميح إلى انقلاب عسكري: "والخلاصة، كل من يقف في وجه شعار ’’كم هو سعيد من يقول أنا تركي‘‘ الذي خطه لنا مؤسس الجمهورية أتاتورك الموقر فهو عدو للجمهورية التركية وسيبقى كذلك. إن القوات المسلحة التركية محافظة على تصميمها (قرارها) الذي لا يتزعزع في تنفيذ مهامها المعلنة الممنوحة لها قانونياً فيما يتعلق بالمحافظة على هذه الصفات (صفات الجمهورية والأسس التي تقوم عليها) وارتباطها واعتقادها بهذا التصميم مقطوع به".

إن هذا البيان كان للعلمانيين المتذمرين من وجود حزب العدالة والتنمية في الحكم، حيث عدم قدرتهم على فعل أي شيء سوى المراقبة، كان لهم بمثابة عامل ثقة بأن الجيش يستطيع التهديد وليس فقط المراقبة والوقوف متفرجاً. لذا فبعد أن صدر البيان/المذكرة ظهر للعيان مدى (الغرور) والقوة التي انتابت الأوساط العلمانية.

ولولا أن أمريكا والحكومة قد شحنوا الأجواء بـ«الديمقراطية» و«نبذ الانقلابات»، واستغلال أجواء مباحثات الاتحاد الأوروبي والحريات وحقوق الإنسان ... ما ساعد في جعل الظروف تمنع أو تحد من الانقلابات العسكرية، لولا ذلك لقام الجيش بانقلاب كالمعتاد في السابق.

ونظراً لإدراك الحكومة ذلك، فإنها لم تترك بيان رئاسة الأركان يمر بسلام، بل في الساعة 15:00 من يوم 28/04/2007 قامت بإصدار بيان صحفي شديد اللهجة ترد فيه على ما جاء في البيان/المذكرة العسكرية، وقد جاء في بيانها الصحفي عبارات لافتة للنظر مثل "رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة التركية من الناحية التشريعية هو تحت أمر/سلطة رئيس الوزراء"، ونحو ذلك. لقد أرادت الحكومة أن تفسد على الجيش (غروره) الوارد في بيانه العسكري، وتُشعره بان تهديده هو تهديد معنوي وليس تهديداً فعلياً، فهو لا يملك القدرة على القيام بانقلاب عسكري كالأيام السابقة. كما أن بيان الحكومة كان بمثابة رسالة رد اعتبار لقواعد الحزب التي اهتزت عقب صدور بيان/مذكرة الجيش، فأوحت إلى هذه القواعد بأن الحكومة لازالت قادرة على الوقوف. ومع ذلك فإن الحكومة كانت تدرك أن قرار المحكمة الدستورية سيكون بجانب طلب الجيش إبطال الجلسة، حيث إن المحكمة مكوَّنة من رجال الإنجليز باستثناء اثنين، وهكذا كان فإن الدعوة التي رفعها حزب الشعب الجمهوري قد صدر قرار المحكمة بشأنها في 01 أيار/مايو 2007 بإبطال الجولة الأولى من انتخابات رئيس الجمهورية، وتم إقرار شرط وجوب حضور ثلثي النواب في كل جولة من الجولات الانتخابية الثلاث.

وكان أردوغان ومن حوله قد صرحوا بدايةً أنهم يحترمون قرار المحكمة الدستورية، إلا أنهم بعد أن درسوا واقع الحال أظهروا حنقهم على القرار بعد أن لمسوا شدة الصفعة التي وجهت لهم. وأبرز ما في ذلك كان ما صرح به أردوغان عندما وصف القرار بأنه: "رصاصة أطلقت على الديمقراطية"، ولم تخفف من أثر التصريح محاولة أردوغان التراجع بقوله إن تصريحه لم يكن موجهاً للمحكمة الدستورية بل لرئيس حزب الشعب الجمهوري دنيز بيكال الذي كان يسعى لإثارة المحكمة!

ومع ذلك فإن أردوغان لم (يستسلم)، بل أدلى بتصريح في 01/05 عقب الإعلان عن قرار المحكمة، أعلن فيه أنه سيتقدم بمشروع قرار إلى مجلس النواب بانتخاب رئيس الجمهورية مباشرةً من الشعب، مفصلاً ذلك على النحو التالي:

- إجراء تعديلات دستورية تمكن الشعب من انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً وليس كما هو حاصل الآن حيث يتم عن طريق البرلمان.


- إجراء تغييرات على فترة رئاسة الجمهورية من فترة واحدة مدتها سبع سنوات إلى فترتين مدة كل فترة خمس سنوات.


- إجراء تغييرات تتعلق بالانتخابات العامة لتصبح مرة كل أربع سنوات، وليس كما هو حاصل الآن بأن تجرى الانتخابات العامة كل خمس سنوات.


- إجراء تغييرات في عمر النائب بحيث تجوز نيابته إذا بلغ 25 سنةً بدل 30 سنةً المعمول به حالياً.


- تخفيض عدد النواب الذين يجب حضورهم لكافة جلسات البرلمان بما فيها جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من الثلثين إلى الأغلبية فقط.

إن أهم المواد التي وردت ضمن الإصلاحات/التغييرات الدستورية التي صرح عنها أردوغان هي تمكين الشعب من انتخاب رئيس الجمهورية انتخاباً مباشراً، بالإضافة إلى خفض عدد النواب الذين يجب حضورهم لكافة جلسات البرلمان من الثلثين إلى الأغلبية.

وهكذا قدَّم أردوغان مشروعاً إلى البرلمان بهذه المقترحات، ولأن إقرارها في البرلمان يحتاج إلى الثلثين أي (367) نائباً في حين أن حزب العدالة يملك الأغلبية لكنه لا يملك الثلثين، لذلك بدأ البحث لتأمين هذا العدد، فاتجه نحو حزب الوطن الأم الذي يملك عشرين نائباً، وبالاتفاق معه يوفر الثلثين.

وحزب الوطن الأم هو الذي أسَّسه أوزال، لكن بعد حادثة قتله قام الجيش بحملة تمزيق للحزب والتخلص من عناصره المناوئة، وجعل رئاسته إلى مسعود يلماز حيث الولاء للجيش (الإنجليز). ولما هُزم الحزب في انتخابات 2002م التي فاز فيها حزب العدالة استقال مسعود يلماز من رئاسة الحزب بسبب هزيمته. بعد ذلك دخل حزب الوطن الأم في أزمة رئاسة إلى أن رَأَسه (إركان مومجوا) العضو المشهور السابق في حزب الوطن الأم في عهد مسعود يلماز، وكان قد استقال منه ودخل انتخابات عام 2002 تحت اسم حزب العدالة والتنمية وليس تحت اسم حزب الوطن الأم، وهكذا أصبح عضواً برلمانياً عن حزب العدالة ومن ثم شغل منصب وزير السياحة. فلما استفحلت أزمة الرئاسة في حزب الوطن الأم، وبناءً على مفاوضات معه برئاسة الحزب استقال من عضوية حزب العدالة وعاد أدراجه لحزب الوطن الأم رئيساً. ورغم دخوله السابق للانتخابات على قوائم حزب العدالة، إلا أنه لم يستطع تأييد حزب العدالة في جلسة التصويت لانتخاب غل للرئاسة، وذلك بسبب ضغط مجموعة مسعود يلماز في الوطن الأم لخلفية هذه المجموعة الإنجليزية، ولو فعل بنوابه العشرين لحصل نصاب الثلثين في انتخاب غل للرئاسة.

على أثر ذلك نقمت عليه الأوساط التي انتخبته عندما ترشح على قوائم حزب العدالة، وعدَّت تصرفه بعدم المشاركة في التصويت طعنةً في الظهر، ولأن الانتخابات النيابية أصبحت على الأبواب (22 تموز 2007)، لذلك استعمل صلاحياته كرئيس للحزب وأقنع إدارة الحزب على التصويت لصالح مشروع حزب العدالة في انتخابات الرئيس من الشعب حرصاً على الفوز في الانتخابات القادمة، وترضيةً لجمهور حزب العدالة الذي انتخبه سابقاً. وهكذا فاز في البرلمان مشروع حزب العدالة لانتخاب الرئيس من الشعب بتأمين نصاب الثلثين، وذلك في تصويت البرلمان بتاريخ 10/5/2007.

وكانت هذه محاولة أخرى لمضايقة الجيش وعلمانيي الإنجليز، وذلك لأن الجمهورية العلمانية منذ أن تأسست في تركيا لم تستطع تسويق نفسها للشعب المسلم الذي ما انفك يرفض تبني نهجها الذي تسير عليه. وعلى الرغم من استعمال كافة أنواع الشدة والقمع بقبضة حديدية لجعل الشعب يقبل هذا النظام ويتبناه، وعلى الرغم من قيامها بأربعة انقلابات عسكرية خلال ما يقارب خمسين عاماً منذ الانفتاح السياسي عقب الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، بالرغم من ذلك، فإنها لم تتمكن من جعل هذا الشعب المسلم يحتضنها ويتبناها ولا بشكل من الأشكال. ولهذا فإن الجيش وعلمانيي الإنجليز لا يقبلون أن يُنتخب الرئيس من الشعب، ولا أن تُقر تلك التعديلات الدستورية في هذا الوقت. لهذا لجأوا إلى خط دفاعهم الأخير وهو حاجة القانون الذي صدر من البرلمان بالثلثين، إلى توقيع سيزار ليكون نافذاً، ومعلوم أن سيزار الذي وصل إلى رئاسة الجمهورية في سنة 2000م جاء من المحكمة الدستورية فقد كان رئيسها، ولذلك فهم يتوقعون أن يستغل هذه الصلاحية المعطاة له (التوقيع) بأكبر قدر ممكن: إما لعدم تمرير القانون، وإما لتعديله. ومع أن الرئيس لا يملك حق الاعتراض إلا مرتين، لكنه يملك وسائل أخرى للتعطيل كأن يعيد الموضوع للمحكمة الدستورية بترتيبات قانونية يستطيع المحامون بـ(ألاعيبهم) أن يوجـِدوا لها مداخل أو مخارج، أو إذا ضاقت عليه الأمور فقد يلجأ الجيش إلى حزب العمال الجناح الإنجليزي لإيجاد تصعيد أمني يستغله الجيش في إيجاد حالة طوارئ عسكرية تؤثر على مجريات الانتخابات الرئاسية من الشعب مباشرةً أو بالعودة ثانيةً إلى مجلس النواب إن فشل مشروع إصلاحات أردوغان ... وفي المقابل فإن مساعي الحكومة وأمريكا لن تسكت عن فرصة قانونية أتيحت لها ...، أي أن الصراع هو صراع ساخن يستعمل فيه كل فريق أقصى ما عنده من أسلحة.

سابعاً: بعد ذلك سارت الأمور على النحو التالي:


1 - رفع قرار مجلس النواب حول الإصلاحات وانتخاب الرئيس من الشعب مباشرةً، رفع إلى رئيس الجمهورية، فرفضه الرئيس وأعاده للبرلمان بعد خمسة عشر يوماً وهي الفترة المسموحة له بموجب القانون.

2 - اجتمع البرلمان في 29/5/2007 وعاد فأقر المشروع للمرة الثانية ونال (369) صوتاً حيث صوت الوطن الأم معه، أي نال أغلبية الثلثين المطلوبة للمرة الثانية.

3 - ثم اعيد المشروع إلى رئيس الجمهورية، والآن وبعد هذه المرة الثانية فإن رئيس الجمهورية لا يستطيع رفضه وإعادته، بل إما أن يوافق عليه وإما أن يلجأ إلى الاستفتاء عليه ولكن بطرق (ملتوية) حتى يضمن إفشال الاستفتاء، وإما أن يلجأ إلى مخرج من المحكمة الدستورية وإما أن يوجد حالة طوارئ عسكرية بافتعال أعمال عسكرية باستغلال أعمال الجناح الإنجليزي في حزب العمال وبخاصة الذين يستندون إلى مسعود البرزاني في العراق ذي الخلفية الإنجليزية.

وقد بدت بوادر التحركات العسكرية التي تناقلتها الأنباء مؤخراً ضمن هذا السياق فقد حدثت تفجيرات في شرق أنقرة بتاريخ 22/5/2007 نسبها الجيش إلى حزب العمال الكردستاني تسببت في قتل سبعة أشخاص، ثم حشد نحو 60 ألف جندي بأسلحة ثقيلة تشمل الدبابات، وهي في تصاعد، متوجهة إلى الحدود مع العراق (كردستان)، وضخَّم الجيش الأمر للتأثير على أجواء الانتخابات القادمة وبخاصة قيامه بمناورات عسكرية في إقليم سيرناك التركي المجاور في 7/6/2007 باستعمال قذائف الدبابات، غير أن موقف الحكومة كان يحاول التهدئة لتمرير الانتخابات في جو هادئ، أي أن الجيش والحكومة في مناورة ساخنة: الجيش يحاول التصعيد العسكري وتضخيم خطورة حزب العمال على كيان الدولة، يحاول بذلك إحراج الحكومة لإيجاد غطاء سياسي لحالة عسكرية متوترة ما يجعل الانتخابات البرلمانية والرئاسية تتأخر أولوياتها وتبقى الأوضاع الراهنة في يد الجيش. والحكومة تحاول التخفيف من غلواء الجيش، وتهبيط سقف خطر حزب العمال، وفي الوقت نفسه تحاول أن لا تظهر بأنها غير مهتمة بأمن البلد، وهكذا دواليك. أما أمريكا فهي من جانب آخر تشدد على عدم تدخل الجيش التركي في كردستان، بل فوق ذلك اجتازت طائراتها الحدود التركية وهي تراقب حشود الجيش التركي، وكان موقفها (مُنَفِّساً) للعمل العسكري للجيش التركي، ما جعل رئيس الأركان التركي يشار بيوك أنيت يغتاظ من هذا الموقف ويصرح في 31/5/2007 قائلاً: [(بعض حلفاء) بلادنا يقدمون مساعدات إلى المتمردين الأكراد في منطقة الأناضول]. مضيفاً خلال ندوة في اسطنبول (الذين يعطوننا دروساً في حقوق الإنسان يدعمون «الإرهاب»)، كما نقلت ذلك وكالة الأنباء الفرنسية، وكما بثته قناة إن تي في التلفزيونية التركية. وقد رد وزير الدفاع الأمريكي على ذلك بطريقة غير مباشرة في كلمة له ألقاها في مؤتمر أمني عقد في سنغافورة بتاريخ 3/6/2007 لافتاً نظر الجيش التركي إلى عدم القيام بأي عمل عسكري على الحدود العراقية.

وإن المتوقع هو أن يحاول سيزار بكل الوسائل التي يستطيعها هو والجيش عدم تمرير قانون انتخاب الرئيس من الشعب للأسباب التي ذكرناها سابقاً.

وقد تبقى الأزمة تراوح بين أخذ ورد إلى أن تجرى الانتخابات البرلمانية، فإن استطاع حزب العدالة الفوز بالثلثين، فإنه يستطيع عندها انتخاب الرئيس في البرلمان، وإن لم يستطع أخذ الثلثين فقد تستمر تركيا فترةً دون استقرار (رئاسي) وقد يلجأ الطرفان إلى حل توافقي:

أن يتنازل الجيش عن فرض الرئيس الذي يريد.


وأن تتنازل الحكومة عن انتخاب الرئيس من الشعب.


ولن يكون هذا الحل سوى مهدئ فقط، فإن الجيش لن يقبل بسهولة أن لا ينصِّب الرئيس الذي يريد، وحيث إن الانقلاب صعب حالياً فقد يفتعل أعمالاً عسكرية للتأثير على مجريات الأمور.


وكذلك فإن الحكومة لن تترك فرصة أتيحت لها أن تمر دون استفادة.


وهذا يعني أن الوصول إلى أزمة سياسية أمر متوقع ما لم يحصل حزب العدالة على الثلثين وحده في الانتخابات البرلمانية القادمة في 22 تموز.

ثامناً: أما ميزان القوى في الانتخابات القادمة فكما يلي:


إن الراجح أن ثلاثة أحزاب ستتمكن من الدخول إلى البرلمان أي تحصل على نسبة العشرة بالمائة المقررة فما فوق: وهي حزب العدالة والتنمية (AKP)، حزب الشعب الجمهوري (CHP)، الحزب الديمقراطي (DP) الذي أعلَن عن تشكيله حزبا الطريق القويم (ANAP) والوطن الأم (DYP) بإيجاد اتحاد بينهما.

أما حزب العدالة فسيفوز بالأغلبية وقد يحصل على الثلثين إذا استطاع أن يظهر نفسه للناس بأنه (مظلوم) وأن العلمانيين الإنجليز لم يمكِّنوه من انتخاب رئيس الجمهورية بأغلبيته في البرلمان، وكذلك رفضوا (رفض سيزار توقيع انتخاب الرئيس من الشعب، مع العلم بأن القانون صدر من النواب بالثلثين، وأنه وأنه ... بالإضافة إلى الأعمال السياسية والاقتصادية التي تدعمه بها أمريكا ...، ثم إذا استطاع معالجة انكشافه أمام الوسط الإسلامي الذي انتخبه في المرة الأولى حيث تبين لهذا الوسط أن حزب العدالة لم يصنع لهم شيئاً إسلامياً، حتى الخمار لم يستطع أن يزيل المنع عنه ...، أقول إذا استطاع أن يتقن هذه الأساليب فقد يفوز بالثلثين. لكن ما ظهر مؤخراً من إخراج ذوي التوجه الإسلامي من قوائم المرشحين لإرضاء العلمانيين، فإنه سيؤثر على نسبة فوز الحزب.

أما حزب الشعب الجمهوري فلن يواجه مشكلةً في اجتياز السقف الانتخابي (10%) لدخول البرلمان، إلا أن عدد المقاعد التي سيتمكن من حيازتها في البرلمان ستتوقف على استطاعته بناء تحالف انتخابي (كما يريد الجيش) مع الحزب الديمقراطي اليساري (DSP) وباقي الأحزاب اليسارية الأخرى، أي يعود حزب الشعب كما كان سابقاً قبل انشقاق دنيز بايكال عن أجاويد، غير أن التي تعيق ذلك هي رهشان أجاويد (زوجة بولند أجاويد والرئيسة المعنوية للحزب الديمقراطي اليساري)، إلا أن الراجح هو أنها تهدف إلى تأخير الاتفاق لا الحيلولة دونه، وهدفها من ذلك هو تحريك الرأي العام تجاه الحزب الديمقراطي اليساري من باب الدعاية له، وكذلك حتى تتمكن من مساومة حزب الشعب الجمهوري من مركز قوة حول اقتسام المقاعد التي يحوزها الاتحاد في الانتخابات. وعلى الرغم من أن حزب الشعب الجمهوري وافق على إعطاء الحزب الديمقراطي اليساري عشرين مقعداً برلمانياً إلا أن هنالك ستين مسئولاً حزبياً في الحزب الديمقراطي اليساري يتطلعون لأن يكونوا نواباً برلمانيين! وعلى كل، فإن استطاع الجيش إعادة اللحمة بين الجناحين المنشقين عن بعضهما فإن حظهما سيكون كبيراً نسبياً، وسيكون على حساب الثلثين اللتين يأمل حزب العدالة بنيلهما.

وأما الاتحاد الجديد لحزبي الطريق القويم والوطن الأم تحت اسم الحزب الديمقراطي، وهو اسم حزب عدنان مندريس السابق حيث اختاروه اسماً لهما من باب التكتيك الدراماتيكي لدغدغة مشاعر الناس، فهذا الاتحاد لن يتجاوز في الغالب التحالف الانتخابي، فهو أشبه بالأحزاب التي تقوم على أساس المناسبات الطارئة، وهذا الاتحاد يتوقع له اجتياز النسبة المطلوبة وبالتالي دخول البرلمان. هذا إن بقي اتحاد هذين الحزبين قائماً (وقد ظهر مؤخراً تصدع في هذا الاتحاد وهو في بداية سيره، وعليه فإن أصبح التصدع انفصالاً فإن فرصة كل حزب على حدة ستضعف بشكل لافت للنظر).

يأتي بعد ذلك أحزاب أخرى أقل احتمالاً:


حزب الحركة القومية (MHP)، فمن المتوقع أن يصل السقف الانتخابي وأن يكون رابع الأحزاب السياسية التي ستتمكن من دخول البرلمان، وذلك إذا استطاع توظيف عمليات حزب العمال الكردستاني لمصلحة تحريك المشاعر القومية والوطنية لدى الناس، وإلا فقد لا يصل إلى النسبة التي تمكِّنه من دخول البرلمان.

حزب الأكراد المسمى بحزب المجتمع الديمقراطي (DTP)، وهذا من المستبعد أن يصل إلى النسبة المطلوبة لأن أنصاره والمصوتين له لا يتجاوزون 7% وفق تقديرات المطلعين. ولأنه يدرك ذلك فهو يحاول المشاركة في الانتخابات عن طريق مرشحين مستقلين.

حزب الاتحاد الكبير (BBP) وحزب أربكان حزب السعادة (SP) اللذان يخاطبان الوسط الإسلامي، فما لم يتحالفا فيما بينهما فإنه يُستبعد حصول أي منهما على النسبة المقررة.

ومن الجدير ذكره أن أية مستجدات عسكرية، أمنية، اقتصادية أو سياسية تحدث فإنها ستغير المعطيات المذكورة أعلاه.

ومهما يكن من أمر فإن العلمانيين الكماليين الإنجليز، والعلمانيين الأمريكان الذين يغلفون علمانيتهم بشيء من (رتوش) إسلامية، كلهم الآن في دوامة صراع فعلي. وهذه طبيعة الدول التي تتحكم فيها سلطة عسكرية وسلطة سياسية مختلفتان في الولاء، حيث إن هذه الدول تواجه نوعين من الأزمات السياسية:

1 - أزمة الحكومات الائتلافية: وفي هذه الحالة إما ان تكون الأزمة بين شركاء الائتلاف بسبب اختلاف أو أكثر بينهم، وإما أن تكون هناك أزمة عدم تفاهم بين الحكومة الائتلافية والجيش. فإن كانت بين شركاء الائتلاف ولا يمكن تلافيها، فإن الحكومة تتبعثر وتسقط، وتنتهي الأزمة ببناء حكومة جديدة أو بالتوجه إلى صناديق الاقتراع لإجراء انتخابات مبكرة. وإن كانت بين الحكومة الائتلافية والجيش ولم يمكن تلافيها فإن انقلاباً أو تدخلاً عسكرياً يحدث، كما حدث في الانقلاب العسكري الأبيض في 28 شباط 1997، وفيما سبقه من انقلابات عسكرية في 1960، 1971، 1980.

2 - أزمة حكومة الحزب الواحد: وفي هذه الحالة إما أن يكون الحزب الحاكم يحوي أزمةً داخليةً تظهر في انقسام داخل الحزب، وإما أن تكون الأزمة بين حكومة الحزب الواحد والجيش. فإن كانت ناجمةً عن داخل الحزب ولم يمكن تلافيها فإن الأزمة تنتهي بإنهاء العوامل السلبية داخل الحزب او عن طريق انقسام الحزب على نفسه بحيث يقوم القسم الأقوى بتشكيل حكومة جديدة أو التوجه لإجراء انتخابات مبكرة. وإن كانت بين حكومة الحزب الواحد والجيش فهذه من أخطر الأزمات، وسيصحبها صراع ساخن يؤدي إلى انقلاب عسكري إن لم تَحُلْ دون ذلك ظروف ضاغطة على الجيش محليةً ودولية. وهذه هي الأزمة الحالية لكونها بين حكومة الحزب الواحد (حزب العدالة والتنمية) وبين الجيش وأتباعه. وهذه الأزمة ستبقى تتفاعل بحرارة لغاية ظهور ميزان قوى جديد أو تكريس ميزان القوى الحالي وفق قدرة الجيش على المناورة العسكرية لإيجاد ظروف طوارئ، أو قدرة الحكومة على استغلال الظروف الدولية لإحباط ظروف الطوارئ العسكرية التي يحاول الجيش إيجادها.

والخلاصة:


1 - إن واقع ما يجري هو صراع ساخن بين علمانيي الإنجليز الكماليين، وعلى رأسهم الجيش للمحافظة على مركز الرئيس بيدهم، ومحاولةِ إعادة الإمساك بمجلس الأمن القومي، والمحافظة على عدم اختراق المحكمة الدستورية، وبين علمانيي أمريكا المغلِّفين علمانيتهم بشيء من (رتوش) إسلامية لجذب عامة المسلمين، نظراً لعداء علمانيي الإنجليز للإسلام بشكل مستفِز لمشاعر المسلمين، وذلك لإضعاف تحكم الجيش (الإنجليز) في مفاصل القوة في تركيا، والاستمرار في توسيع تدخل الحكومة في مجلس الأمن القومي، ومن ثَمَّ إيجاد منافذ ولو ضيقة للدخول إلى (حصن) الإنجليز في الجيش، مع توسيع حجم رجال الحكومة في المحكمة الدستورية، وإقصاء تحكم الجيش في الإمساك برئيس الجمهورية.

2 - إن حزب العمال الكردستاني منشق إلى جناحين: جناح إنجليزي يُستغل من الجيش لتسخين الأجواء أمنيّاً عندما يحتاج الجيش إلى إيجاد وضع طوارئ عسكري نتيجة حشره سياسياً في الزاوية من قبل الحكومة، وذلك لنقل القضية إلى الناحية العسكرية، كما هو حادث الآن في حشد الجيش التركي باتجاه الحدود العراقية.

وأما الجناح الثاني فهو مع أمريكا وخطه العـريض الحالي هو أن تبقى القضية سياسيةً منسجمةً مع الخط الأمريكي لسير الحكومة.

3 - إن موضوع رئاسة الدولة سيبقى عالقاً على الأرجح إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية المبكرة في 22/7/2007، وعلى ضوء نتائجها سيُحسم موضوع الانتخابات الرئاسية.

في 22 من جُمادى الأولى 1428هـ.
08/06/2007م.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م