جواب سؤال : الصراع بين أمريكا وأوروبا في السودان
September 23, 2019

جواب سؤال : الصراع بين أمريكا وأوروبا في السودان


جواب سؤال

الصراع بين أمريكا وأوروبا في السودان

السؤال: يلاحظ تقاطر المسئولين الأوروبيين على السودان والتصريح بدعم حكومة حمدوك، فقد وصل في 2019/9/16 إلى الخرطوم وزير خارجية فرنسا والتقى حمدوك رئيس وزراء السودان وصرح بدعم السودان بمبلغ 60 مليون يورو وسيعمل من أجل إزالة السودان من قائمة الإرهاب، وكذلك وصل وزير خارجية ألمانيا وصرح بمثل هذا عن قائمة الإرهاب... فهل هذا التواصل والدعم هو لشد أزر الحرية والتغيير في مواجهة الجيش؟ أو لأمور أخرى؟ وكذلك فقد أعلن رئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك في 2019/9/5 تشكيل أول حكومة منذ الإطاحة بالبشير في نيسان/أبريل (وستعمل الحكومة بموجب اتفاق لتقاسم السلطة مدته ثلاث سنين تم توقيعه الشهر الماضي بين الجيش والمدنيين... فرانس 24 في 5/9/2019)، فهل يتوقع استقرار اتفاق تقاسم السلطة أم يعود التوتر من جديد؟

الجواب: لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- لقد استطاعت قوى الحرية والتغيير بمساعدة بريطانيا وإعلامها وعملائها في المنطقة أن تخطف الثورة من الناس الذين ثاروا على الظلم والجوع والحرمان والفساد، وتسلقت هذه القوى على ظهورهم، ولم تضع أي حل جذري لمعالجة هذه الأوضاع، بل هي عرضت حلولاً من جنس الواقع الفاسد. فأصبحت المفاوضات تجري بين المجلس العسكري المؤيَّد من أمريكا وعملائها، وبين الحرية والتغيير المؤيَّدة أوروبياً، ثم كان الاتفاق بينهما على الوثيقة الدستورية في 2019/8/17... وهكذا ذهبت تضحيات الناس الثائرين هباءً منثوراً. فكان الاتفاق استمراراً للواقع الفاسد على الأسس الغربية العلمانية المعادية للإسلام وأحكامه! وقد تضمن الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تشكيل مجلس سيادي من 11 عضوا مناصفة 5+5 بالإضافة إلى شخص مدني مستقل يتم الاتفاق عليه بين الطرفين، وذلك خلال فترة انتقالية 39 شهراً... كما نص الاتفاق على أن يتولى المجلس العسكري فترة الرئاسة الأولى لمدة 21 شهرا، وأن تتولى قوى الحرية والتغيير بعد ذلك لمدة 18 شهرا، ويعقب الفترة الانتقالية انتخابات عامة وتأسيس مجلس تشريعي. ونص الاتفاق على أن يكون اختيار وزيري الدفاع والداخلية من صلاحيات القسم العسكري في مجلس السيادة، أي أن هذا القسم سيحتفظ لنفسه بالهيمنة بواسطة الجيش والأمن والمخابرات بجانب ترؤسه للمجلس السيادي في الفترة الأولى...

2- وهكذا فإن صلاحيات الجيش في السلطة تشمل عناصر قوة، ففي المجلس خمسة من الجيش، ثم في مجلس الوزراء اثنان من الجيش (وزيرا الداخلية والدفاع)، وأحدهما وهو الجنرال جمال الدين عمر وزير الدفاع في الحكومة الانتقالية من أقدم ضباط القوات المسلحة الموجودين في الخدمة العسكرية في الوقت الحالي. وهو أي الجنرال جمال الدين عمر كان صديقاً مقرباً لوزير الدفاع السابق عوض بن عوف بحكم عملهما سوياً لفترة طويلة في هيئة الاستخبارات العسكرية، وزامله في الكلية الحربية عبد الفتاح البرهان، ومدير المخابرات العامة أبو بكر دمبلاب، وعمر زين العابدين... وكل هذا يعني أن النظام القديم سيكون حاضراً وبقوة في الفترة الانتقالية، وسيضع كثيراً من المعوقات والمتاريس أمام تحقيق أهداف الحكومة المدنية العميلة لأوروبا "بريطانيا"... وهكذا تبقى كفة عملاء أمريكا راجحة.

3- لقد تم تعيين عبد الله حمدوك الحائز على شهادة الماجستير والدكتوراة في علم الاقتصاد من جامعة مانشستر البريطانية والذي رشحته قوى الحرية والتغيير رئيساً للوزراء يوم 2019/8/20 وجُعل لمجلس الوزراء صلاحيات تنفيذية مؤثِّرة كذلك... ومن ثم قام وأعلن يوم 2019/9/5 عن تشكيل الحكومة التي من المفترض أن تقود المرحلة الانتقالية لمدة 39 شهرا. وهكذا يكون رئيس الوزراء من الموالين لبريطانيا وأوروبا، وسيقوم بالعمل في الاتجاه الأوروبي، عكس رئيس المجلس السيادي وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد بن حمدان دقلو ومن معهما من العساكر الموالين لأمريكا الذين سيقومون بالعمل في الاتجاه الأمريكي...

4- إن الحكم في السودان وفق الوثيقة الدستورية يكاد يكون مُشكَّلاً من فريقين بصلاحيات متفاوتة وبولاءات خارجية متصارعة وسينعكس هذا الأمر على عملهما في حل مشاكل الناس وسلامة عيشهم، وسيكون هَمّ كل منهما خدمة الاتجاه الذي يواليه، ومن ثم يتربص أحدهما بالآخر ليُقصيه بوسائل داخلية وخارجية... والمعروف عن إنشاء مثل هذه المجالس في السودان أنها لم تكن تُنشأ إلا مرتبطة بالفترات الانتقالية والأزمات... وذلك إلى أن يتمكن الجيش من ترتيب أوراق الدولة وحل المجلس وفرض رئيس للبلاد من ضباط الجيش... وهذا واضح منذ أول مجلس سيادة في 1955/12/26 الذي تسلَّم السلطة عند (استقلال) السودان في 1956/1/1، واستمرّ حتى 1958/11/17حيث انقلب الفريق إبراهيم عبود عليه... وإلى انقلاب النميري في 1969، ثم انقلاب عمر البشير يوم 30 حزيران/يونيو عام 1989... ثم إلى الإطاحة بالبشير وتشكيل المجلس السيادي... وكانت هذه المجالس دائماً مرتبطة بجولات الصراع بين أمريكا وبريطانيا، وكانت كل واحدة منهما تحرص على تشكيل الحكم وحدها فإذا لم تستطع هادنت الأخرى إلى أن تتمكن من إقصائها كما كان سابقاً عندما سكتت أمريكا عن رئاسة الصادق المهدي الموالي للإنجليز للوزارة، وذلك امتصاصاً لتحركات الناس الشعبية ثم لما تمكنت من ترتيب رجالها في الجيش جاءت بانقلاب البشير في 1989، ولما لم يستطع البشير ضبط التحركات الشعبية، أزاحته كما فعلت بأشياعه من قبل النميري ومبارك وغيرهم دون أن تعبأ بخدماتهم لها! وبعد البشير جاءت بالمجلس العسكري... والآن تتكرر اللعبة مرة أخرى في المجلس السيادي الحالي، فيضطر العسكر الموالون لأمريكا إلى الاتفاق مع عملاء الإنجليز في الحرية والتغيير، لامتصاص غضب الناس الذي استطاعت الحرية والتغيير ركوب موجته، فوافقوا على إشراك الحرية والتغيير في الحكم، ولكن هذه المرة ليست كالمرة السابقة، فإن الجيش لم يسلِّم الحكم كاملا كما فعل وقت الصادق المهدي، بل بقي على رأسه باسم المجلس السيادي، وأمسك ببعض المراكز الحساسة والمهمة في الحكومة، حتى وإن أُعطيت صلاحيات أخرى مؤثِّرة للحكومة. فالمجلس السيادي الذي يقود البلاد نصفه من الجيش ويقوده قائد الجيش البرهان لمدة 21 شهرا، ويتم اختيار وزيري الدفاع والداخلية من الجيش ليضمن الهيمنة من حيث السلطة العسكرية والأمنية.

5- أما المتوقع فإن أمريكا وبريطانيا لن تتعايشا معاً بهدوء، فمصالحهما مختلفة وأدواتهما المحلية تبع لهما، ولذلك فسيعمل كل من الطرفين لإجهاض تحركات الآخر! ومن متابعة الأحداث الجارية وتدبُّر متعلقاتها وتمحيص التصريحات خارجياً ومحلياً، وخاصة المسئولين الأمريكان والأوروبيين... فإنه يمكن ترجيح الوسائل التي سيستعملها كل من الطرفين لمضايقة خصمه والتمكن منه ثم إقصائه عن الحكم كما يلي:

أما الفريق العسكري فسيعمد لمضايقة الحكومة في الجانب الاقتصادي، فمن الأسباب المهمة لتحرك الناس على البشير كانت سوء الوضع الاقتصادي، والحكومة الحالية وعدت الناس بتحسين الوضع الاقتصادي، فإذا فشلت في ذلك تحرك الناس من جديد وكانت فرصة للعسكر بإقصاء الحرية والتغيير أي إقصاء الدور الأوروبي عن السودان... وعوامل التحكم في الاقتصاد هي في يد أمريكا كما يلي:

أ- صرح حمدوك في مؤتمر صحفي مع وزير خارجية ألمانيا: ("التحدي الاقتصادي للسودان هو تحد كبير... موضوع التضخم ومعالجة سعر الصرف للعملة الوطنية وإعادة الثقة للنظام المصرفي" وأضاف: "ما لم يتم التوصل لتفاهمات مع واشنطن حول رفع السودان من لائحة الإرهاب فستبقى هناك صعوبات"... الأناضول، رويترز 2019/9/3) وقال حمدوك: ("إن تطبيع علاقاتنا مع واشنطن هو أولى أولويتنا بعد زوال العوائق بزوال النظام السابق"... الأناضول 2019/9/8) ولذلك فإن الحكومة بحاجة لأمريكا في موضوع رفع العقوبات...

ب- إن أمريكا بدأت بالتلويح بالتشدُّد في رفع العقوبات فبعد توقيع الوثيقة الدستورية التي اضطر عملاؤها لتوقيعها لتهدئة الشارع فقد أخذت أمريكا تتراجع عن دعم السودان، فأبلغ القائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم المنتهية ولايته، أبلغ شخصيات سودانية رفيعة بأن مسألة رفع العقوبات عن السودان لن تُحسم قريباً لأن القرار بيد الكونغرس وليس إدارة ترامب وذلك بحسب صحيفة إيلاف الصادرة الأربعاء 2019/09/04، أي أن أمريكا تشدَّدت لتستعمل العقوبات ورقة ضغط على حكومة حمدوك مع أن أمريكا كانت وعدت برهان في البداية بقرب رفع العقوبات، فقد صرح البرهان حينذاك ("هناك إجراءات مستمرة حول ملف العقوبات منذ النظام السابق، وقد ابتعثنا قانونيين لبحث هذا الأمر مع الإدارة الأمريكية، وهي قد وعدت بإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بعد استكمال العملية السلمية ونرى أن الوقت أصبح مناسباً" وقال "ربما يتم التوقيع على الاتفاق نهاية هذا الأسبوع بعد الانتهاء من صياغة وثيقة هياكل الحكم الانتقالية... الشرق الأوسط 2019/7/7) وأشار القائم بأعمال السفارة الأمريكية في الخرطوم ستيفن كوتيسيس يوم 2019/7/7 إلى أن (مسألة رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب أصبحت وشيكة... الخليج أونلاين في 2019/7/7).

ج- لا يمكن لمؤسسات النقد الدولي (صندوق النقد والبنك الدوليين) أن تُقدم القروض للسودان إلا بإذن أمريكا وهذه وسيلة ضغط أخرى بيد أمريكا ومن ثم بيد فريقها في الداخل... وكذلك فلأن اسم السودان ما زال مدرجاً على قوائم الإرهاب الأمريكية، فهذا يحرمه من استخدام نظام التحويلات الدولية الأمريكي... وهو من أكبر معوقات تجارة السودان الدولية، حيث لا تنفصل معاملاتها عن الدولار.

أما أوروبا "ومن ثم الحرية والتغيير" فالمتوقع أنها ستسير على خطين: الأول الاستعانة بأوروبا في معالجة "موضوع العقوبات ومماطلة أمريكا في رفع العقوبات"، ومن ثم الضغط الاقتصادي نتيجة ذلك... والثاني مضايقة الجيش والقوات الأمنية في مخصصات الميزانية المالية...

- فالأول: إن أوروبا "ومن ثم الحرية والتغيير" تدرك التأثير الكبير للعقوبات على اقتصاد السودان، وتدرك كذلك أن أمريكا ستماطل في ذلك للضغط، ولذلك هي تعمل على دعم الحكومة السودانية في الأمم المتحدة وبالدعم المالي... فاستعدت ألمانيا لمساعدتها فقال وزير خارجيتها هايكو ماس إن ("بلاده ستتطرق إلى موضوع رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي ستعقد الشهر الجاري"... الأناضول 2019/9/8) وقام وزير خارجية فرنسا (لودريان) بزيارة الخرطوم يوم 2019/9/16، والتقى مع رئيسها عبد الله حمدوك، وصرح قائلا: ("قلت لرئيس الوزراء سنعمل مع شركائنا الأوروبيين من أجل إزالة السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب" وقال "إن فرنسا ستقدم الدعم للسودان بمبلغ قيمته 60 مليون يورو. يتم دفع 15 مليون يورو فوراً للتحويل في هذه الفترة"... صفحة راكوبة السودانية 2019/9/16) ويتضح من كل ذلك الدعم للحرية والتغيير وحكومة حمدوك.

- والثاني‏ فيشمل أمرين: تخفيض مخصصات ميزانية الجيش، وإصلاح الأجهزة الأمنية، وتصريحات حمدوك تدل على ذلك بشكل واضح:

- فبالنسبة للميزانية فقد دعا حمدوك إلى (خفض الإنفاق العسكري بشكل حاد... وأضاف "إن الإنفاق العسكري يستهلك ما يصل إلى 80٪ من ميزانية الدولة"... عربي بوست 2019/8/26)، ويتذرع حمدوك بأن توقيع اتفاقيات سلام مع الحركات المسلحة المنتشرة في البلاد يجب أن يؤدي إلى تحقيق "عائد من السلام"، أي رفع الكثير من النفقات العسكرية عن كاهل الميزانية السودانية للجيش والأمن.

- وأما بالنسبة لإصلاح الأجهزة الأمنية، فإن البُنية الحالية لأجهزة الأمن والجيش في السودان، خاصة وضع قوات الدعم السريع، هي من تصميم نظام البشير، وقد أذاقت السودانيين المنتفضين الويلات... وهكذا فقد توفر المبرر لـ"قوى الحرية والتغيير" للمطالبة بإعادة هيكلة هذه الأجهزة بما يضمن رقابة الدولة عليها وإخضاعها للقانون، (وكشف حمدوك أن قوات الدعم السريع ستُدمج في الأجهزة الأمنية ضمن عملية إعادة هيكلتها، وسيتم تأسيس جيش وطني للبلاد. وأضاف أن حكومته عازمة على إعادة هيكلة الجهاز الأمني، ويدخل في ذلك الدعم السريع وجيوش الحركات المسلحة كلها، وذلك من أجل بناء جيش وطني قوي. الجزيرة نت 2019/9/11).

6- ويبدو أن حظوظ محاولات أوروبا المبذولة لدعم الحرية والتغيير هي أقل نجاحاً من محاولات أمريكا وأتباعها المضادة وذلك لما يلي:

- بالنسبة للدعم الأوروبي فهو لا يحل المشكلة، فإذا لم تَرفع أمريكا اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب فإنها سوف تعاني الصعوبات كما ذكر رئيس الحكومة نفسه حيث تعتمد على المساعدات الخارجية أي على القروض الربوية التي تنهش من جسم البلاد وعلى المستثمرين، ولا تستطيع أن تحدث انقلاباً صناعياً ولا أن تطور مصادرها الاقتصادية، حيث إنها من جنس الواقع الفاسد وبعيدة عن المبدئية وعن دين الأمة الحنيف الذي ينبثق منه نظام يعالج مشاكل الحياة كلها، ومنه النظام الاقتصادي الإسلامي، وينهض بالبلاد. والناحية الاقتصادية كانت من أهم أسباب الانتفاضة على حكم البشير إذ يعاني الكثير من الناس الفقر والحرمان والبطالة وغلاء الأسعار.

- أما بالنسبة لتخفيض الميزانية للجيش، فقد درج الجيش عبر عقود على نيل حصة الأسد من ميزانية السودان، والمتوقع أنه سيقاوم التخفيض بقوة بأساليب مختلفة تبرر له الاحتفاظ بالقدر الأكبر من النفقات... ثم إن الفساد المالي لا يخلو منه الطرفان، فكيف لأي منهما أن يُعالجه؟! فالفساد المالي لا يعالجه إلا رجال يخشون الله ويحكمون بالإسلام في كل أحكامه وليس في ظل الأحكام الوضعية.

- وأما الأجهزة الأمنية فإن أمريكا تركز على شخص محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع، والذي صار يكثر من تصريحاته الإعلامية وزياراته الخارجية لمصر والسعودية خاصة، فيبدو وكأنه خيار أمريكا الأول لمستقبل السودان، فإن "حميدتي" وهو نائب رئيس مجلس السيادة سيبدي مقاومة عنيدة لأي تغيير يطال قوات الدعم السريع التي تتمتع وفق بعض المصادر بما يقارب 25% من ميزانية الجيش، لذلك فإن جهود حكومة حمدوك لإعادة هيكلة قوى الأمن في السودان تصطدم مباشرةً برجل أمريكا القوي في السودان حميدتي!

7- وعليه فليس من المتوقع استقرار الوضع السياسي أو الاقتصادي في السودان خلال المرحلة الانتقالية:

- أما عدم الاستقرار السياسي فلا يكون في أي بلد ما دام فيه صراع دولي سلاحه أدواته المحلية، وهذا ماثل للعيان من تحركات المبعوثين الدوليين وسفرائهم في السودان، ومن تصريحاتهم القولية وتصرفاتهم الفعلية ولقاءاتهم مع المسئولين المحليين كما بيناه أعلاه، فالاستقرار ينعدم والحال هذه، ولا يستبعد أن يترتب على عدم الاستقرار انقلاب عسكري خلال المرحلة الانتقالية بدعم من أمريكا، إلا إذا أدرك أهل السودان هذا الواقع ونصروا الله باجتثاث الكفار المستعمرين من جذورهم أنى كانوا، هم وأعوانهم... ثم أقاموا حكم الإسلام، الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ومن ثم يعزون ويستقرون آمنين في ديارهم ويعودون كما أراد الله لهم أن يكونوا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.

- وأما عدم الاستقرار الاقتصادي، فهو نتيجة حتمية للتدخل الاستعماري في البلاد، فإنك لا تجني من الشوك العنب! وشواهد ذلك تنطق به، فجنوب السودان فصل وضاعت الثروة النفطية بأمر أمريكا للحاكم الذي خان الأمة في ذلك، والسودان بعد أن كانت توصف بسلة غذاء أفريقيا أصبح أهلها في فقر مدقع لأن الاعتماد صار على القروض الربوية، وتُركت الأرض دون مساعدة المزارعين وتسويق مزروعاتهم فتركوها، والثروة المعدنية تُركت لاستثمار الأجنبي وهكذا... ثم وهو الأهم أُقصي الإسلام عن الحكم وتُرك النظام الاقتصادي في الإسلام الذي شرعه الله وطُبِّق النظام الوضعي الفاسد، فكيف إذن يكون استقرار اقتصادي؟ بل الذي يكون هو ضنك العيش، وصدق الله العزيز الحكيم في آياته المحكمات: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾.

 الرابع والعشرون من محرم الحرام 1441هـ

2019/09/23م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م