جواب سؤال: الصيغة الأخيرة حول سوريا
July 29, 2018

جواب سؤال: الصيغة الأخيرة حول سوريا

جواب سؤال

الصيغة الأخيرة حول سوريا

السؤال: إن ما حصل في درعا من دخول سريع للنظام إلى منطقة استعصت عليه سنين وقد تبعتها القنيطرة وقبلها الغوطة ومن قبل حلب وأخواتها والأنظار تتجه الآن نحو إدلب، ليدل على أن هناك أمورا تستأهل دراستها ومعرفتها، ولقد رأينا دور أمريكا وتلاعبها ودور الأطراف الداعمة وتلاعبها وموافقتها الضمنية من الدول الضامنة لتخفيض التصعيد كتركيا أو مشاركتها الفعلية كروسيا، فما الذي حدث ويحدث؟ وكيف تمكنت هذه الدول أن تلعب في الثورة السورية بهذا الشكل؟ وما هي الأدوار التي قامت بها؟ وماذا بعد؟

الجواب:

1- بعد انطلاقها سنة 2011 وتهديدها بخلع بشار عميل أمريكا، وانتشار الحالة الإسلامية فيها بشكل عميق، وتهديدها بتغيير وجه المنطقة نحو الإسلام، كانت الثورة السورية بكل ذلك حدثاً مفصلياً من زاويتين بالغتي الأهمية؛ فمن زاوية أبرزت قوى محليةً صلبةً لا توالي أمريكا ولا أوروبا، فكانت بذلك وللمرة الأولى بهذا الحجم قوةً فريدة من نوعها نبتت في الأمة دون أن يكون للكفار عليها سلطان، ومن زاوية ثانية فقد عجزت أمريكا، القوة المهيمنة في سوريا والعالم، عجزت عن علاجها، وكانت هذه أشبه بالمعجزة! فليس في سوريا صراع دولي، بل الصراع هو بين أمريكا وأتباعها وعملائها من جهة، وبين أهل سوريا من جهة أخرى، فليس لأوروبا نفوذ في سوريا كاليمن وليبيا مثلاً، بل أمريكا هي المتحكمة في النظام والأتباع والعملاء، فالصراع هو بين أمريكا وملحقاتها وبين المخلصين من أهل سوريا، ومع ذلك فقد بقيت الثورة السورية تقض مضاجع أمريكا حتى إن الرئيس السابق أوباما قد ذكر بأنها شيبت شعره "أنا واثق من أن القسم الأكبر من الشيب في رأسي بسبب الاجتماعات التي عقدتها بشأن سوريا" رأي اليوم 2016/8/5...

2- لقد سلكت أمريكا طريقين مختلفين لتحقيق الهدف الأعلى لأمريكا في المنطقة، وهو القضاء على الثورة السورية، واستمرار الحكم العميل:

أ- أما الطريق الأول، فهو توفير كل سبل الدعم المالي والعسكري للنظام في دمشق حتى لا ينهار، ومن ذلك دفع إيران ومليشياتها إلى سوريا والقتال بجانب بشار، ثم الدفع بروسيا إلى الطريق نفسه، فالرئيس الروسي بوتين قد أعلن التدخل الروسي في سوريا نهاية أيلول 2015 مباشرة بعد اجتماعه مع الرئيس الأمريكي السابق أوباما في نيويورك. ومنعت أمريكا كل الهيئات والمؤسسات الدولية من أي إدانة ذات مغزى لنظام بشار رغم شدة الجرائم التي وصلت حد استعمال السلاح الكيماوي، ومع أن أمريكا هددت النظام إذا استخدم السلاح الكيماوي لكنها لم تنفذ تهديدها خشية على النظام، وهذا ما حدث، فعندما قام النظام واستخدم السلاح الكيماوي في الغوطة يوم 2013/8/21 أرسلت بوارجها لتوجه ضربة للنظام، ولكنها تراجعت حتى لا تؤثر هذه الضربات في نفسية النظام! فيسقط قبل نضج العميل البديل، وذلك لأنها لم تر في الائتلاف الوطني السوري الذي أسسته قدرة على أن يملأ الفراغ، وبخاصة وأنه مكشوف بعلاقاته مع أمريكا وعملائها، ولهذا تراجعت أمريكا، وكان تراجعها دليلاً واضحاً لكل ذي عينين على محافظة أمريكا على النظام رغم أن الضربة الكيماوية من النظام كانت فظيعة بشكل وحشي... ومع ذلك فقد بقيت الثورة في سوريا صامدةً، بل وتحرز التقدم على الأرض.

ب- وأما الطريق الثاني، وهو الأخطر، فهو الاحتواء، فأعلنت أمريكا أنها مع الثورة السورية، مخادعة لتلك الفصائل لأنها لا تقاتله علناً ولو فقهوا لعلموا أنها توكل غيرها! وقد سبق أن ذكرنا ذلك في نشرة أصدرناها بتاريخ 2015/10/11م، وقد جاء فيها (... وهنا كانت الطامة فأمريكا تُظهر نفسها مع الثوار وصعب عليها قتالهم علناً، وهم قد ألحقوا ضرراً بالنظام، ولم ينضج البديل الأمريكي بعد، فكانت تلك اللعبة النارية القذرة بأن تقوم روسيا بالمهمة، فدورها دعم النظام علناً وضد الثوار علناً، والحرب عليهم عندها مبررة، والنظام جاهز لاستدعاء روسيا بأمر من أمريكا وهذا ما كان... فقد وافقت روسيا على لعب هذا الدور الشرير القذر في سوريا خدمة لأمريكا!...)، وهكذا كانت أمريكا تصرح أنها تدعم المعارضة بالمال والسلاح ولكنه كان جعجعة دون طحن! لأن أمريكا تمنع وصول أي سلاح فعّال للثورة عن طريق تركيا أو الأردن، وكانت ترسل بعض المساعدات من قبيل السترات الواقية من الرصاص فقط لترسيخ فكرة أنها مع الثورة، وكانت تعلن عن دعم وتدريب لا يستفيد منه إلا بضعة أشخاص، لم يتجاوزوا الخمسة أحياناً، وكان الهدف من وراء ذلك دفع الفصائل باتجاهها. وكانت أمريكا تتوقع أن ادعاءها هذا سينكشف عاجلاً أو آجلاً لذلك استعانت بأتباعها في المنطقة وبخاصة تركيا والسعودية في عهد الملك سلمان مطلع 2015، فكانت هاتان الدولتان مكلّفتين باحتواء الثورة، وأخذ ولاء قيادات الفصائل، وتمييع الحالة الإسلامية للثورة، فاستخدمت هاتان الدولتان في سبيل ذلك أدواتهما المخابراتية، والدعم المالي القذر، ومشايخ السوء، وتقدمان الإيواء وتوفران الملاذ الآمن، والمنبر الإعلامي، والأموال المسمومة.

3- ولأن الثورة في سوريا كانت ذلك الوقت صلبة في أهدافها وإسلامها، فكان لا بد من كثافة استخدام تلك الأدوات للنفوذ الأمريكي، حتى إن بعض المصادر قد ذكرت أن بعض الفصائل في سوريا تلقت ما يقارب المليار دولار! وعبر الدعم المالي وكثافته، وتوفير المنبر الإعلامي وأهميته، والملاذ الآمن وخطورته، فقد أصبح لأتباع أمريكا "السعودية وتركيا" نفوذ على المعارضة والفصائل العسكرية التي ربطت بمخابرات تلك الدول، حتى تمكنت الدولتان خاصةً عبر عناصر القوة المالية والإعلامية أن تُبرز قيادات وتُعليها، فتسيطر عن طريقها على تلك الفصائل! وكانت أمريكا وباستخدام كامل لعملائها وأدواتها في المنطقة تريد حرف الثورة السورية وتشتيت أهدافها، فأعلنت أن مهمتها في سوريا هي وتحالفها الدولي هو محاربة (الإرهاب)، أي محاربة فصائل الثورة السورية، ورغم انخراطها في الحرب السورية منذ سنة 2014 فقد كان قصفها يقتصر على ضرب الفصائل التي تسميها (إرهابية)، ولا تضرب قوات بشار، وتنسق مع روسيا، إلا أن كثيراً من قادة الفصائل المسلحة قد وثقوا بها، وأخذوا ينسقون عملياتهم مع غرفها المخابراتية الموم والموك، بل وانخرطوا في طريقها الذي تسميه "مكافحة الإرهاب"، فكان الاقتتال الداخلي والانخراط في الدم المحرم ما أربك الثورة السورية التي صارت تقاتل على جبهتين، الجبهة الأمريكية ضد "الإرهاب" التي أضيفت إلى الجبهة الأصلية "إسقاط النظام"، وكانت الفصائل تتعرض إلى ضغط تركي وسعودي يضافان إلى الضغط الدولي لمزيد من الانخراط في الجبهة الأمريكية، وإبعادها عن الجبهة الأصلية! وكان التدخل التركي "درع الفرات" تتويجاً لهذا التوجه، حيث طلبت تركيا من الفصائل التابعة لها الانسحاب من معارك حلب والتوجه شمالاً لقتال تنظيم الدولة، وهكذا كان حتى تمكنت قوات بشار وأحلافها روسيا وإيران من احتلال مدينة حلب نهاية 2016 بعملية أشبه بتسليم تركيا حلب للروس ومن ثم للنظام! لقد كانت استجابة الفصائل المسلحة لتركيا وانسحابها من معارك حلب وانخراطها في الجبهة الأمريكية ضد "الإرهاب" مؤشراً بالغ الخطورة، إذ أشار ذلك بوضوح إلى أن قيادات الفصائل التي رضعت ملايين الدولارات قد صار لها تأثير قوي في فصائلها، وأن أمريكا وبعد طول انتظار يمكنها أن تفتح صفحةً فيها أمل للقضاء على الثورة السورية، وأخذت السياسة الأمريكية توجه الساحة السورية في اتجاه تصفية الثورة، ذلك الهدف الذي رأته أمريكا ممكناً بعد أن نجحت وأتباعها في أخذ ولاء كثير من قادة الفصائل العسكرية... ثم كرر أردوغان موضوع درع الفرات فقد افتعل غصن الزيتون لتسهيل دخول النظام إلى إدلب، فإن النظام السوري وهو يتقدم نحو إدلب ويطوق مطار أبو الضهور قام أردوغان بتحريك القتال نحو عفرين! ويشترك فيه نحو 25 ألفاً من المعارضة كما أكد القيادي العسكري في "فيلق الشام"، ياسر عبد الرحيم، (أن نحو 25 ألف مسلح من "الجيش السوري الحر" يشاركون في العملية العسكرية التركية في عفرين... روسيا اليوم: 2018/01/23م)، وكان ذلك بعلم أمريكا وموافقتها، فقد صرح وزير خارجية تركيا مولود جاووش أوغلو أنه "بحث الأزمة السورية ومسألة الوحدات الأمنية الحدودية مع وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس مساء الاثنين (2018/1/15) في كندا،"... وكالة الأناضول 2018/1/17) ويؤكد ذلك ما تردد من تصريحات أمريكية يفهم منها أن غصن الزيتون وموضوع عفرين وتحركات الجيش التركي والجيش الحر كله برضا تام من أمريكا ومن روسيا بالتنسيق مع أمريكا، ومن هذه التصريحات: (قالت القيادة المركزية بالجيش الأمريكي، إن تركيا أطلعتهم على العملية العسكرية بمدينة "عفرين" السورية،... قدس برس: 2018/01/21م)

4- لقد أصبحت الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية في سوريا بعد تسليم حلب على النحو التالي:

أ- تبريد الساحة السورية: وكان العنوان الأبرز لهذا الهدف هو مسار أستانة الذي حملت تركيا الفصائل المسلحة التابعة لها إليه حملاً لمفاوضة بشار وإيران وروسيا على وقف إطلاق النار. وقد تُوِّج هذا التوجه بما يسمى اتفاقات "خفض التصعيد" التي أخذت تتنقل من منطقة إلى أخرى، فوصلت الجنوب الذي لم تكن فصائله قد شاركت قبل ذلك في مفاوضات أستانة، ولكنها شاركت أخيراً! وخلال سنتين من هذه المفاوضات فقد برزت تركيا كدولة ضامنة للاتفاق إلى جانب روسيا وإيران. وكانت صلابة الثورة في سنواتها الأولى قد منعت أي وقف لإطلاق النار، فكان هدفاً بعيد المنال لإدارة أوباما، إلا أنه أخذ يتحقق مع نهاية تلك الإدارة في 2016 ثم مجيء إدارة ترامب. وكان تبريد الساحة السورية يعني أمريكياً إفساح المجال للمفاوضات من دون تهديد مباشر بخلع نظام بشار عسكرياً، وإنما في مفاوضات تؤكد شرعية النظام ولذلك لم يتضمن أي قرار الإشارة إلى إزالة بشار حيث استخدمت أمريكا الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي تتحكم فيه وأرسلت أتباعها المبعوثين من السود والخضر والبيض من كوفي عنان إلى الأخضر الإبراهيمي إلى دي ميستورا، وعقدت مؤتمرات جنيف لجمع المعارضة مع النظام، اعتبارا من مؤتمر جنيف1 الذي عقد يوم 2012/6/30، وفي كل ذلك إقرار للنظام وللحفاظ عليه. وكذلك عقدت مؤتمرات فينّا1 و2 عام 2015، ومن أهم بنود مؤتمر فينّا2 المحافظة على الهوية العلمانية للدولة السورية وعلى مؤسساتها، واستصدرت القرارات الدولية وآخرها القرار الذي تقدمت به أمريكا نفسها يوم 2015/12/18 وقبله المجلس بالإجماع وهو القرار الذي يلخص كل القرارات ونتائج مؤتمرات جنيف وفينا المتعلقة بسوريا، فيلخصها في قرار واحد يحمل رقم 2254. وأصبح هذا القرار المرجعية للحل السياسي في سوريا، وأصبحت جميع الدول تنادي بتطبيقه حتى الفصائل المسلحة بتأثير الدول الداعمة نادت به، وهذا القرار لا يدعو إلى إزالة بشار! ما يؤكد حماية أمريكا له ولنظامه. هكذا كان حتى تسليم حلب، وبعد ذلك أصبح إلزام الفصائل المسلحة بعدم فتح الجبهات أمراً وارداً، ثم الضغط عليها لتحقيقه والالتزام التام بوقف إطلاق النار، وترك النظام ومعه روسيا وإيران (الضامنان الآخران لخفض التصعيد) يستفردون بمناطق الثوار واحدة تلو الأخرى! أما الضامن الثالث تركيا فلم يحرك ساكناً تجاه تلك الخروقات! فقد أخذ النظام بضرب منطقة وادي بردى ولم يجف بعد حبر أول اتفاق لخفض التصعيد مطلع 2017، على مرأى ومسمع من هذا الضامن! بل بلغ من تواطئها عندما أشعل النظام معارك الغوطة الشرقية أن مخابراتها شاركت بنفسها في عمليات "مكافحة الإرهاب" في الغوطة، (وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم قالن خلال مؤتمر صحفي اليوم الأربعاء لقناة (تي.آر.تي) الإخبارية الرسمية إن تركيا لا تريد وجود منظمة متشددة في الغوطة الشرقية.) رويترز 2018/3/15. يقول هذا والنظام وروسيا وإيران والأتباع يقصفون الغوطة قصفاً وحشياً وكأن تركيا أردوغان تبرر لهم ذلك!

ب- الانخراط في السياسة الأمريكية باسم "مكافحة الإرهاب": بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عزمه التخلص من تنظيم الدولة، وامتداداً لمعركة الموصل سارت أمريكا في هذه السياسة على أربع جبهات:

- أما الجبهة الأولى فقد قاد الجيش الأمريكي الفصائل الكردية المدعومة أمريكياً لإخراج تنظيم الدولة من الرقة، وقاد كذلك فصائل أخرى شرق سوريا لحرب تنظيم الدولة، وأصبح للأكراد شأن كبير في الشمال السوري وبالتحديد المناطق الكردية في سوريا، وأبرز القوات الكردية فيها هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وكانت قد استعادت بدعم أمريكي كبير أهم المناطق من سيطرة داعش، وسيطرت في كل شرق الفرات؛ أي على 28 في المائة من المساحة السورية، لكنها المنطقة الأغنى بثروات النفط والغاز وكذلك بالثروات المائية والزراعية، ومن كوباني إلى الرقة وناحية البوكمال ودير الزور... ولم يكن هذا ليؤثر في النظام، فالقوات الكردية تتحرك بأمر أمريكا ومن ثم فلا تقف في وجه النظام، وقد تداولت العديد من الوسائل الإعلامية في الآونة الأخيرة، أنباء تسليم وحدات حماية الشعب، المكوّن الأكبر لقوات سوريا الديمقراطية، بأمر من أمريكا مناطق عدة للنظام السوري، بموجب اتفاقيات جرت في دمشق والقامشلي. (وكشف القيادي في "المجلس الوطني الكردي" في سوريا فؤاد عليكو، عن الأسباب والمتغيرات التي دفعت بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي "PYD" إلى عقد اتفاق غير معلن مع النظام السوري، وتسلم الأخير بموجب بنوده مناطق كانت تحت سيطرة القوات الكردية، من بينها حي النشوة بالحسكة، ومناطق أخرى شرق نهر الفرات.) (2018/07/16 https://arabi21.com) ونقل موقع «هيرابوليس» عن مصدر خاص لم يكشف عنه، أن اجتماعاً جرى يوم السبت الماضي "بين شخصيات تابعة لمليشيا قسد تمثل مجلس منبج العسكري التابع لها، ومسؤولين تابعين لنظام الأسد في مقر شعبة حزب البعث في مدينة حلب". وأضاف أنه تمت مناقشة "عملية تسليم المربع الأمني في مدينة منبج لمليشيات النظام بالإضافة لسد الشهداء (سد تشرين) جنوب شرق المدينة" (2018/07/11 www.qasioun-news.com)، وقيادات الجماعات الكردية شمالي سوريا باتت رهن أمريكا، فإذا ما أرادت لهم أمريكا العودة إلى حضن عميلها بشار فلن يرفضوا، وهناك بوادر لذلك، فقد نقل موقع صحيفة رأي اليوم 2018/6/7 عن القيادي الكردي البارز صالح مسلم حول الهرولة لمفاوضة النظام قال: (أبوابنا كانت دوما مفتوحة للجميع ووجدنا تغيرا في حديث الأسد مؤخرا، فقبل شهرين كان يصفنا بالإرهابيين، والآن يتحدث عن التفاوض، وهذا تقدم... ومثلما يفكر الجميع بمصالحه سنفكر نحن أيضا)، وقد سبق أن صرح وزير خارجية النظام السوري وليد المعلم ونقلته صحيفة العرب اللندنية 2017/9/27 (إن السوريين الأكراد "يريدون شكلا من أشكال الإدارة الذاتية ضمن حدود الجمهورية العربية السورية. وهذا الموضوع قابل للتفاوض والحوار"). إن النظام والأكراد ورقة أمريكية لا تمثل أي عقبة للحل السياسي، فما تريده أمريكا لهم لا يرفضونه ولا يرفضه النظام، سواء أبقوا كما كانوا قبل 2011 أو بحكم ذاتي ضمن سوريا...

- وأما الجبهة الثانية فقد قادتها تركيا في معركة درع الفرات شمالي حلب في 2016/08/24م ومن ثم غصن الزيتون في 2018/01/20م، فسهل دخول النظام حلب وجنوب إدلب، وذلك أن تلك الفصائل بأمر تركيا تركت معاركها مع النظام وانخرطت في الاقتتال في الدرع والغصن فضاعت حلب وجنوب إدلب أو كادت! وكانت تركيا قبل ذلك، وهي مستمرة حتى اليوم بإيعاز من أمريكا، كانت تمارس دوراً آخر في إدلب فدخلت المنطقة بوحدات استطلاع اعتبارا من يوم 2017/10/7 ومن ثم بنشر قواتها وإقامة نقاط مراقبة ضمن اتفاق خفض التصعيد مع روسيا وإيران... وجاء ذلك بعد اجتماع أردوغان مع الرئيس الأمريكي ترامب يوم 2017/9/21 بنيويورك، وصرح يومها ترامب "أن أردوغان أصبح صديقا لي". (الأناضول 2017/9/21) وكان الحديث بينهما منصبا حول الوضع في سوريا. وقد وافق ترامب على دخول تركيا إلى إدلب، (بدأ الجيش التركي عملية استطلاع في محافظة إدلب السورية بهدف إقامة منطقة خفض التوتر بموجب اتفاق أستانة... سكاي نيوز عربية 2017/10/09م) ونشر موقع "عنب بلدي" في 2018/05/13م أن العملية التركية ما زالت مستمرة فقال: (تستكمل تركيا الخطوات التي بدأتها في محافظة إدلب وتسير فيها باتجاهين الأول نشر نقاط المراقبة المتفق عليها في اتفاق تخفيف التوتر في أستانة، والآخر تنظيم الهيكلية العسكرية للفصائل العاملة فيها دون تفاهم حتى اليوم مع الفصائل الإسلامية...)، وأضاف موقع عنب بلدي (منذ مطلع العام الحالي انتشرت نقاط المراقبة التركية في إدلب على الحدود الشرقية لجيب إدلب دون الشريط الغربي ما طرح تساؤلات عن الأسباب التي حصرت النقاط من الشرق فقط!... وبحسب المصادر لم تتلق الفصائل الدعم التركي إلا مرة واحدة... ورغم التحركات التركية تبقى الغارات الجوية الروسية الملف الشائك الأبرز في المشهد اليومي لإدلب... وبحسب مراسلي عنب بلدي في إدلب وريفها يستهدف الطيران الروسي ريف إدلب الجنوبي بصواريخ شديدة الانفجار يسمع صداها في جميع أرجاء إدلب).

- وأما الجبهة الثالثة فقد حركت أمريكا النظام السعودي الذي شاركها في التحالف الدولي وكان يعلن أنه مستعد لإرسال قوات برية إلى سوريا لحساب أمريكا وبقيادتها، وقد لعب هذا النظام دورا قذرا كالنظام التركي بأن وضع الفصائل المسلحة التي تسممت بأمواله تحت تأثيره ومنع هذه الفصائل من التقدم نحو قلب العاصمة دمشق مع أنها كما يقال على مرمى البصر منه وبعضها على مرمى الحجر! وهو الذي أخضعها للقبول بالمفاوضات مع النظام، فجعل الفصائل التي وقعت تحت تأثير تمويله تأتي إلى الرياض وتقبل بالمشاركة في المفاوضات فكان لقاء الرياض1 يوم 2015/12/11 وصدر بيان الرياض ومؤتمر الرياض2 يومي 22-2017/11/24 وشكلت وفدا مشتركا للتفاوض مع النظام في جنيف وفي فينا بإيعاز وتخطيط أمريكي. ولا زال النظام السعودي مستعدا لتقديم الخدمات لأمريكا، وقال ولي العهد السعودي ابن سلمان بعد لقائه لأسياده في أمريكا ليعلن عما أوعزوا إليه أن يقوله لمجلة التايم الأمريكية، فقد نقلت عنه يوم 2018/4/6: "أعتقد أن بشار أسد باق في الوقت الحالي. لا أعتقد أن بشار سيرحل دون حرب ولا أعتقد أنه يوجد أحد يريد أن يبدأ هذه الحرب".

- وأما الجبهة الرابعة فكانت لقوات بشار وإيران وروسيا بعد أن ضمنت لها تركيا "خفض التصعيد" في المناطق الأساسية، إذ خاضت قوات تلك الجبهة المعارك في تدمر ووصلت إلى دير الزور وكل ذلك بتواطؤ تركيا والسعودية وتأثيرها على الفصائل فصرفتها عن مجابهة الطاغية إلى جبهات أخرى بحجة مكافحة (الإرهاب)، وهكذا تنفس النظام الصعداء وأزال عن نفسه غبار الهزائم الكثيرة التي مُني بها خلال سنوات الثورة، فظهر بمظهر القوة في جولات المفاوضات في جنيف وكذلك أستانة حيث صار يتحدث من موقع قوة وينسحب من المفاوضات، وصارت الفصائل تطلب من الدول الضغط عليه ليقبل بالحل السلمي بعد أن كان مطلباً له ليقيه الانهيار!

ج- إبعاد جهات التشويش: فضلاً عن إبعاد أمريكا للدول الأوروبية عن المشهد السوري، وحصره بينها وبين روسيا دولياً، مع أن روسيا ليست جهةً منفصلة عن أمريكا في سوريا، إلا أن أمريكا استخدمت روسيا ووقوفها إلى جانب بشار كواجهة للتفاوض معها دولياً بشأن سوريا، ومنع الدول الأوروبية من التدخل، وما لا يقل أهميةً عن ذلك أن سعت أمريكا للحد من جهات التشويش الإقليمية "قطر والأردن": – أما قطر فقد قامت أمريكا بإثارة السعودية ومصر ضد قطر وفرض المقاطعة عليها منتصف 2017 واتهامها بدعم "الإرهاب" في سوريا، وهكذا وجد النظام في قطر نفسه تحت تهديد مباشر من عملاء أمريكا، فأحجم عن الاستمرار في التشويش في سوريا، وانتهى دوره الفاعل. – وأما الأردن فقد كان هو ومخابراته يقيم العلاقات القوية مع فصائل الجنوب في سوريا، وكان ذلك لصالح بريطانيا على أمل الولوج بشيء من النفوذ إلى سوريا... وللحد من هذا فقد بادرت أمريكا بنفسها إلى فتح المفاوضات مع روسيا حول خدعة "خفض التصعيد" جنوبي سوريا، وهكذا مكنت النظام من السيطرة شبه الكاملة على الجنوب ومن ثم انتهى التأثير الفاعل للأردن أو كاد...

5- وبالتدقيق في السياسة الأمريكية وسياسة أتباعها خاصة تركيا والسعودية وتلحق بهم مصر بدرجة أقل بسبب مشاكلها الداخلية، نجد أن أمريكا تسير في آن واحد في كل الخطوط العريضة التي رسمتها لسوريا والمذكورة أعلاه، فهي تترك الباب مفتوحاً على مصراعيه لجهود النظام وروسيا وإيران لضرب المعارضة عسكرياً، وتزيل أي شكوك لدى المعارضة بأن أمريكا قد تهب لنجدتها، فعندما بدأ النظام بشن حملته على درعا والمنطقة الجنوبية مدعوما بالطيران الروسي وجهت أمريكا رسالة للفصائل في الجيش الحر عبر سفارتها في الأردن يوم 2018/6/23 قالت فيها "نفهم أنكم يجب أن تتخذوا قراركم حسب مصالحكم ومصالح أهليكم وفصيلكم كما ترونها، وينبغي ألا تسندوا قراركم على افتراض أو توقع بتدخل عسكري من قبلنا" (موقع عنب بلدي 2018/6/23). أي أن أمريكا تقطع أي أمل للفصائل المتعاونة معها بأنها قد تهب لنجدتها! وكأن بعضهم، كما نقلت بعض وسائل الإعلام، قد صحا من غفلته فقال إن أمريكا قد خدعتهم! آلآن؟

وهكذا فإن أمريكا تسير فعلياً في سياسة استئصال الفصائل المسلحة في سوريا عن طريق النظام وإيران وروسيا، ولا تضع أمام ذلك أي عراقيل، ولكن قبل ذلك وبعده المساهمة الفعالة من تركيا والسعودية! وأما الدعم الأمريكي للفصائل فكان يقف عند حدود التصريحات أو الأموال التي تدفع للقادة لقاء الولاء، وما كان يصل من سلاح أمريكي فهو بسيط وقليل وغير فعال وذو طبيعة دفاعية (أي غير فتاك)، وكان ذلك في الماضي بهدف إقناع الثوار بأن أمريكا معهم وتدعمهم ليوالوها، أما اليوم وبعد أن رجحت كفة بشار العسكرية فإن ذلك الكلام قد انتهى، وانتهت معه التصريحات الأمريكية بهذا الخصوص، وأصبح هذا الملف مقفلاً من أمريكا وكذا من أتباعها تركيا والسعودية.

6- وأما مسار المفاوضات السياسية فقد كانت أمريكا تؤجله إلى أن يُقضى على الثورة ومن ثم يقف بشار على قدميه، ولذلك كانت تشغل أتباعها وعملاءها لتهيئة الأوضاع في محادثات جانبية إلى أن تنضج ظروف الحل السياسي فيكون المقعد الرئيس لها... ولذلك فإنه خلال مسار المفاوضات السياسية الذي استمر لسنوات كان عملاء أمريكا وأتباعها في السعودية وتركيا ينشطون في تنظيم الاجتماعات والمؤتمرات للمعارضة السورية وكانوا يبرزون قيادات في المشهد السياسي ويبعدون قيادات، وكل ذلك في أخذ ورد إلى أن يقف النظام على قدميه فتتولى أمريكا الحل السياسي بدور لروسيا أو دون دور... ولكن بعد الإنجازات العسكرية الكبيرة لبشار وحلفائه في مدينة حلب، ثم وادي بردى والقلمون، ثم الغوطة الشرقية وإزالة المخاطر من حول دمشق العاصمة، ثم أرياف حمص وحماة، واليوم في درعا، وربما بعد ذلك في إدلب وما تبقى من ريف حلب، فهذه الإنجازات الكبيرة توحي بأن الحل السياسي الأمريكي يقترب، لكن ذلك مؤجل لما بعد إدلب. ويبدو أنهم يعدون لذلك، فقد أكملوا تنفيذ اتفاقية الفوعة الزبداني وأبرم اتفاق نهائي بين روسيا وتركيا يوم 2018/7/17 نص على إجلاء سكان بلدتي الفوعة وكفريا المواليتين للنظام في محافظة إدلب حيث كانتا محاصرتين من قبل الفصائل، لئلا تبقى أية أوراق ضغط بيد الفصائل وكي لا يكون النظام في حرج إذا هاجم المنطقة وارتكب المجازر... ومن ثم لم تبق دون الحل السياسي الأمريكي إلا إدلب ومعها ريف حلب الغربي، وهي منطقة مهمة وفيها تجمع كبير للثوار، لكن لتركيا سبيلاً كبيراً على الكثير من الفصائل المسلحة فيها، والراجح أن تضغط تركيا عليها لتسليم السلاح الثقيل للنظام والصلح معه، وهذا أشد خطورة من حرب النظام وروسيا وإيران مع أن كليهما خطر وضرر... فإذا ما نزعت القوة العسكرية من الثورة السورية فإن الحل السياسي الأمريكي يكون قيد الإعداد والتنفيذ... والراجح أن أمريكا تريد الإبقاء على بشار لفترة "انتقالية" تكون جزءاً من حلها السياسي، وتتأكد خلال تلك الفترة من تصفية المعارضين، ومن ثم تأتي بعميل مثل بشار يواصل الحفاظ على نفوذها في سوريا، وكذلك حفظ أمن ربيبتها دولة يهود المغتصبة لفلسطين، فهذه تريد في سوريا عميلاً مثل بشار يحفظ لها أمنها فلا تطلق عليها طلقة، فقد صرح نتنياهو للصحفيين قبل مغادرته موسكو يوم الخميس 2018/07/12م "لم تكن لدينا مشكلة مع أنظمة الأسد (الوالد والولد) على مدار أربعين عاما لم تطلق رصاصة واحدة من هضبة الجولان. نحن لا نعارض استقرار الرئيس السوري بشار أسد لكننا سنعمل على حماية حدودنا". (هآرتس اليهودية 2018/7/12).

7- والقوة العسكرية التي يمتلكها النظام السوري ضعيفة وغير كافية للسيطرة على سوريا بعد الحل السياسي، فقد أصبح جيش بشار منهكاً بشكل كبير. وعلى الرغم من المدد الذي لا ينقطع بالأسلحة التي توفرها له القنوات الأمريكية المختلفة سواء عبر روسيا أو إيران أو غيرها إلا أن القوى البشرية تبقى مشكلته الرئيسية. لذلك فإنه من المتوقع أن أي حل سياسي أمريكي لا بد أن يرتكز على قوة قادرة على صونه، وقد تسلك أمريكا أحد الطريقين التاليين أو كليهما معاً، وهما:

أ- استمرار الاعتماد على إيران وحزبها ومليشياتها الأخرى من إيرانيين وأفغان وباكستانيين... إلخ، وهذا يلزمه إسكانهم وتجنيسهم، الأمر الذي تشير بعض الأخبار إلى قيام النظام السوري به اليوم، فقد قدّر أحد الخبراء لوكالة DW الألمانية 2018/4/30 عدد تلك المليشيات بـ45 وعدد عناصرها يقترب من 40 ألفاً، وذكر الخبير (في اعتقادي أن هذه المليشيات ستبقى في سوريا... وشاهدنا عملية توطين في حزام دمشق فالمليشيات الشيعية موجودة في حي السيدة زينب وغيرها من المناطق... وأعتقد أن إيران تحاول، كما هو الحال بالنسبة للحشد الشعبي، تجنيس هؤلاء أو سلك سبل أخرى تساعدهم على البقاء في المنطقة).

وعلى الرغم من أن النظام يجبر أبناء المناطق التي يخضعها من جديد لسيطرته للخدمة الإلزامية في الجيش، إلا أن شكوك الولاء تجعله يعتمد على تلك المليشيات التي قاتلت إلى جنبه أثناء سنوات الثورة.

ب- الاعتماد على قوى إقليمية "لحفظ السلام"، وقد تستقدم قوات مصرية وسعودية وتركية لهذا الغرض. وهذا الكلام ليس جديداً، فقد نقلت الجزيرة نت عن صحيفة أمريكية 2016/4/8 (أشارت مجلة ذا ناشونال إنترست الأمريكية إلى الحرب التي تعصف بسوريا منذ سنوات، وقالت إن البلاد التي انزلقت في المستنقع بحاجة لقوات حفظ سلام، بغض النظر عن أي شكل ينتهي به الصراع.) ولم ينته هذا التصور الأمريكي للحل في سوريا والقاضي باستجلاب قوات من الخارج رغم الإنجازات العسكرية لبشار فقد نقلت الجزيرة نت 2018/4/17 (قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تخطط لإحلال قوات عربية محل القوات الأمريكية في سوريا لحفظ الاستقرار في شمال شرق البلاد بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية. وأفادت الصحيفة بأن مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون اتصل بمدير المخابرات المصري بالوكالة عباس كامل لمعرفة موقف القاهرة من هذا المسعى. وأضافت أن التواصل جرى مع دول خليجية أيضا من أجل المشاركة في هذه القوات وتقديم الدعم المالي لها، وتوقع مسؤولون في الإدارة أن تستجيب الدول العربية لطلب ترامب خصوصا فيما يتعلق بالدعم المالي).

8- هذا هو ما تدل عليه الوقائع التي جرت وتجري حول السياسة الأمريكية في سوريا... وبتدبره يتبين أن استمرار النظام وعدم سقوطه لم يكن في الدرجة الأولى بقوة النظام ولا بقوة أمريكا وأتباعها روسيا وإيران ومليشياتها، ولا بقوة الأتباع والعملاء تركيا والسعودية حتى وإن كان لكل ذلك تأثير، وإنما كان السبب الأكبر هو في الخيانة أو المخادعة والتواطؤ من كثير من رؤساء الفصائل لثقتهم بأمريكا بأنها معهم ونسوا أنها عدو للإسلام والمسلمين في كل أعمالها... وكذلك الثقة بأتباعها وعملائها تركيا والسعودية، ونسوا كيف كان تسليم حلب بفتح جبهة درع الفرات وسحب المقاتلين منها، ومن ثم غصن الزيتون حيث وجهت المقاتلين هناك وتركت جنوب إدلب لقمة سائغة لروسيا والنظام... وأما السعودية فنسيت تلك الفصائل كيف هيأتها للمفاوضة مع نظام الطاغية في اجتماعات ومفاوضات تقر النظام أكثر من إزالته، وها هو ولي عهد السعودية يكشف ما كان مستوراً فيصرح بأن بشار باق... ثم الأدهى والأمر أن روسيا تقصفهم بحممها بشكل وحشي ومع ذلك يتفاوضون معها ويسلمونها أسلحتهم الثقيلة والمتوسطة! وإنه لمنظر مؤلم أن تستلم روسيا دباباتهم ومدافعهم وهم أقرب إلى الذل والخنوع... كل ذلك هو السبب الأساس فيما حدث، فقد مكثوا سنوات طوالاً يقاتلون النظام ويتقدمون في مناطقه، ولكنهم في بضعة أيام خرجوا من حلب بتواطؤ من تركيا، وفي خلال أقل من ذلك خرجوا من جنوب سوريا وخاصة درعا بتواطؤ من السعودية، وفي الحالتين كانت مخازن أسلحتهم زاخرة بالسلاح الذي غنموه من جيش النظام... إنه لأمر محزن حقاً أن يصمدوا سنوات أمام البراميل المتفجرة والصواريخ المدمرة والأسلحة الفتاكة من النظام وروسيا وإيران ومليشياتها، ولكنهم في أيام بالتواطؤ والخيانة يسلمون أماكنهم دون قتال، بل وأسلحتهم الثقيلة والمتوسطة! ويتركون ديارهم مهجرين!! إن المتدبر لذلك يرى أن السبب الأساس هو ثقة الفصائل في أعداء الإسلام والمسلمين، وثقتهم في العملاء والأتباع، سواء أكان قادة الفصائل أولئك يعلمون أم كانوا جاهلين، وسواء أكانوا عامدين متعمدين أم كانوا من باب الخطأ مخطئين، فكلاهما مرّ... وقد يسأل سائل وحق له أن يسأل فيقول ما دام حزب التحرير على هذه الدرجة من الوعي والبصر والبصيرة ويدرك مجريات الأمور فلماذا لم ينصح الفصائل ويبصرهم فلا يقعوا فيما وقعوا فيه؟ إني أقول لمن يسأل هذا السؤال لقد حفيت ألسنتنا ونحن ننصحهم ونعظهم ونبين لهم واقع الأمر بالأدلة والبراهين... وقد كلَّت أقدامنا من السير إليهم لنصحهم وإرشادهم حيث إن بعض المسالك إليهم كان من الصعب على السيارات أن تسلكها فنسير فيها راجلين حتى إننا لكثرة تواصلنا معهم ظنَّنا بعضُهم أننا منهم!! ولو اطَّلع من يسأل هذا السؤال على إصداراتنا وأجوبة أسئلتنا، وما أكثرها، لعلم أننا بذلنا الوسع في هذا الأمر بل فوق الوسع، ولكن كثيراً من أولئك القادة لا يرعوون ولا يتقون، بل كانوا يقولون عندما نحذرهم من المال القذر الذي يأخذونه من تلك الدول الخائنة: "ومن أين لنا أموال إذن؟ فحزب التحرير لا يعطينا أموالاً"، فيزينون لأنفسهم أخذ المال من الكفار والخونة! فإذا قلنا لهم إنكم ستكونون بذلك رهائن عندهم يقولون لا! فضاع ما ضاع وهم في غفلتهم يعمهون... وإذا قلنا لهم إنكم تغنمون من النظام سلاحاً كثيراً وافراً فلماذا تُذلُّون أنفسكم على أبواب أولئك الخونة لأخذ شيء من شيء من السلاح؟ فيقولون ومن أين نأخذ السلاح وحزب التحرير لا يعطينا السلاح؟ فإن قلنا لهم إن أعناقكم تكون مرهونة عندهم بهذا السلاح قالوا لنا نأخذ من العدو ونقاتل العدو! ثم تبيَّن لهم بعد فوات الأوان أن السلاح مُنع عنهم وهم في أشد الحاجة إليه، بل وسلموا أسلحتهم بفعل تواطؤ أولئك الخونة... وهكذا فقد نصحناهم ولكن لا يحبون الناصحين! وكمثال أذكر بعض ما جاء في إصدارنا في 2018/04/05م:

(... ومع أن الحزب لم يدّخر جهداً في توعية تلك الفصائل، وتبصيرها بما يجري ويدور، إلا أنهم كانوا يبررون سيرهم خلف أولئك بأنهم يدعمونهم بالمال والسلاح، وأن الحزب لا يستطيع ذلك، بل فقط يدعمهم بالنصح... ويضيفون إن ذلك النصح لا يغني من ضرب السيوف شيئاً! ولم يدركوا أن السيف بيد حامله، ذو حدين، فهو في يد الواعي المبصر يكون درعاً يقيه شر خصمه، ووسيلة قوية لهزيمة عدوه... ولكنه بيد المخدوع الراكض وراء دعم المجرمين يكون درعاً ممزقاً، تبرز أسلاكه من خلاله، فيقتل من هو في يده قبل أن يقتله خصمه!

وإننا نتوجه لتلك الفصائل التي كانت ترفض توعيتنا لهم، وتبصيرنا لهم... فقد كانوا يقولون هذا كلام لا يغني من الحرب شيئاً، بل يريدون الدعم بالمال والسلاح الذي يجدونه عند خونة المسلمين، عرباً وتركاً وفرساً، بل بعضهم يضيف حتى ولو من مجرمي الروس والأمريكان، ظناً منهم بأن أخذهم المال القذر من أولئك، لن يمنعهم من القتال عن الشام... نقول لكل هؤلاء: ها أنتم ترون نتيجة أفعالكم وأقوالكم، فقد أصبحتم مهجرين مطرودين حتى من دياركم وأبنائكم!)

9- وفي الختام نقول: إنه لم يبق من الأماكن إلا إدلب، وقد يكون في جعبة أردوغان دروع أخرى وأغصان تُضيع إدلب وما حولها وهو ساكن لا يبدي حراكاً... فنقول للفصائل ونتوجه إليهم أن لا ينخدعوا بتحركات أردوغان ولا يخلوا إدلب للنظام... ولا ينسوا ما أصابهم في حلب، وليتذكروا حديث رسول ﷺ الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»، فكيف إذا كان مرات ومرات؟! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

وخاتمة الختام، فإننا نؤكد ما سبق أن قلناه: إن الأيام دول، ولقد ابتليت هذه الأمة بمثل ذلك وأشد، من الصليبيين والتتار، ثم عادت فنهضت، واقتلعت جذورهم، وسادت العالم من جديد... صحيح أن حكم الإسلام كان هو النافذ في تلك الأيام، وأن الخلافة كانت موجودة حتى وإن كانت ضعيفة، فكان للأمة رأس يجمعها لقتال عدوها، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، ومن ثم هزمت عدوها ونهضت من جديد... واليوم ليس هناك حكم بالإسلام، وليست هناك خلافة، وإذن من الذي يجمع المسلمين للقتال؟ قد يقول قائل مثل هذا القول، وهو وصف للواقع صحيح، ولكن العمل للخلافة مستمر بقوة بإذن الله، وقد أصبحت مطلباً رئيساً للمسلمين في بلدانهم، وهم يرقبون ذلك بالقول والفعل، وينطلقون لقلب تلك الأيام السود 26، 27، 28 رجب 1342هـ، التي كانت مسرح التآمر والجريمة في إلغاء الخلافة، ينطلقون لإزالة تلك الأيام السود، ويعيدونها مشرقة بالخلافة من جديد في يوم قدره الله، وما ذلك على الله بعزيز، وعندها سيعلم الذين ظلموا وخانوا وأجرموا أي منقلب ينقلبون... وعلى المسلمين أن لا ييأسوا من رحمة الله، فالشام ستبقى الشام، فهي عقر دار الإسلام: أخرج نعيم بن حماد في الفتن، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عُقْرُ دَارِ الْإِسْلَامِ بِالشَّامِ».

والحزب مطمئن بنصر الله، ليس فقط للأنبياء والمرسلين، بل كذلك للمؤمنين الصادقين، وليس فقط في الآخرة، بل في الدنيا كذلك، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ويصيب الذين أجرموا صغار في الدنيا، وعذاب أليم في الآخرة، والله منتقم جبار، عزيز حكيم.

السادس عشر من ذي القعدة 1439هـ

2018/7/29م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م