جواب سؤال: التداعيات السياسية في إقليم كتالونيا!
October 20, 2017

جواب سؤال: التداعيات السياسية في إقليم كتالونيا!

 جواب سؤال

التداعيات السياسية في إقليم كتالونيا!

السؤال: نقلت بي بي سي هذا اليوم 2017/10/19م عن مكتب رئيس الوزراء الإسباني ماريانو راخوي: (إن الحكومة ستجتمع لتفعيل البند 155 من الدستور الذي يسمح بسيطرة الحكومة المركزية على إقليم كتالونيا... وكان رئيس حكومة كتالونيا كارلس بوجديمون قد أرسل خطابا إلى الحكومة الإسبانية مهددا بأن برلمان الإقليم سيقر الاستفتاء عن إسبانيا إذا واصلت مدريد ضغوطها ورفضت الحوار.) وكان رئيس الإقليم بعد الاستفتاء في 2017/10/01م قد أعلن يوم 2017/10/10م أمام برلمان الإقليم استقلال الإقليم عن إسبانيا، ولكنه جعل التنفيذ قابلاً للحوار... فلماذا أجرى الإقليم هذا الاستفتاء رغم معارضة الدولة الإسبانية بملكها وحكومتها ومحكمتها الدستورية؟ وما هو الموقف الدولي تجاهه؟ ثم ما مدى إمكانية تنفيذ استقلال كتالونيا؟ وجزاك الله خيراً.

الجواب: حتى تكون الصورة واضحة ويتبين الجواب الراجح في المسألة، فإننا نستعرض واقع كتالونيا، وتحركاتها السابقة للانفصال، ثم الاستفتاء الأخير... وبعد ذلك نذكر الموقف الدولي تجاهه... ومن ثم نبحث إمكانية تنفيذ هذا الاستفتاء:

أولاً: واقع كتالونيا التاريخي والجغرافي:

يقع الإقليم شمال شرق إسبانيا وتبلغ مساحته 32,1 ألف كيلو متر مربع أي 8% من مساحة إسبانيا، وعاصمته برشلونة، ويضم أربع مقاطعات هي برشلونة وجرندة ولاردة وطرخونة، وعدد سكانه 7,5 مليون نسمة أي حوالي 16% من سكان إسبانيا التي تتكون من 17 إقليماً يتمتع بحكم ذاتي في البلاد.

وقد أضاء الإسلام كتالونيا اعتباراً من عام 95هـ أثناء الفتوحات الإسلامية للأندلس، فلما انتهى الحكم الإسلامي استمر الإقليم كياناً مستقلاً، ثم ضمته إسبانيا إليها قسراً عام 1714م ولم يرض شعب الإقليم عن ذلك، وبقي يناضل للتخلص من الاحتلال الإسباني... ودارت حرب أهلية في ثلاثينات القرن الماضي بين الحكومة المركزية وحليفتها كتالونيا ذات الحكم الذاتي كطرف، وبين جيش فرانكو كطرف آخر، وبعد انتصار الأخير قام بالتنكيل بالكتالونيين، ومنع لغتهم من أن تكون لغة رسمية في الإقليم ومنع تدريسها في المدارس وأنكر الهوية الكتالونية. وبعد سقوط نظام القمع بقيادة فرانكو نُظِّم استفتاء شعبي صوَّت الشعب فيه بنسبة 30% لصالح الدستور الإسباني الذي ينص على وحدة البلاد وحق الحكم الذاتي للقوميات والأقليات والأقاليم التي تتكون منها إسبانيا. وفي عام 1979م حصل الشعب الكتالوني مرة أخرى على حق الحكم الذاتي، وترتب عليه الاعتراف باللغتين الإسبانية والكتالونية كلغتين رسميتين في الإقليم... بعد ذلك هدأت الحركة الانفصالية الكتالونية إلى أوائل هذا القرن حيث بدأت التحركات تتصاعد بالتدريج.

ثانياً: مراحل التحركات الكتالونية الحديثة للانفصال:

1- لقد بدأت هذه التحركات عام 2006م إذ أقر قانون جديد للحكم الذاتي واستفتي عليه الشعب، وذلك من أجل توسيع صلاحيات الحكم الذاتي، وتصدر القانون تعريف كتالونيا بأنها أمة. وفي 2010 قامت المحكمة الدستورية الإسبانية بإلغاء هذا القانون فأدى إلى تظاهرات تحت شعار "نحن أمة، نحن من يقرر". وفي تشرين الثاني عام 2012 أجري استفتاء رمزي شارك فيه 37% من مواطني الإقليم وصوتوا لصالح الاستقلال عن الدولة الإسبانية. وفي كانون الثاني عام 2015 أعلن رئيس حكومة كتالونيا أرتور ماس عن إجراء انتخابات مبكرة ذات طابع استفتائي في أيلول من العام نفسه، وقد جرت الانتخابات المبكرة وفاز التيار القومي الذي ينادي بالانفصال بأغلبية تمثلت في 72 مقعداً مقابل 63 لصالح الأحزاب الرافضة للاستقلال، وتمكنت الأغلبية البرلمانية في تشرين الثاني 2015 من إصدار قانون يعلن بدء "عملية تأسيس الدولة الكتالونية المستقلة"، وتقدمت الحكومة الإسبانية إلى المحكمة الدستورية للطعن في هذا القانون وقبلت المحكمة الطعن.

2- وفي 2017/6/9م، حيث أخذت هذه التحركات منحى أشدّ وأقوى، أعلن رئيس حكومة إقليم كتالونيا كارلس يوم 2017/6/9 أن "استفتاء عاما حول استقلال الإقليم عن إسبانيا سيجري يوم 2017/10/1 وأن الحكومة ستطرح في هذا الاستفتاء السؤال التالي: "هل تريدون أن تصبح كتالونيا (دولة) مستقلة بنظام الحكم الجمهوري؟" (نوفستي 2017/6/9). وفي اليوم التالي أعلنت الحكومة الإسبانية أنها ستعرقل أية محاولة لاستقلال كتالونيا. وفي 2017/9/6 أقر البرلمان الكتالوني قانونا يحدد فيه أسس الاستفتاء على الاستقلال للإقليم عن الدولة الإسبانية، فرد رئيس وزراء إسبانيا ماريانو راخوي قائلا: "إن الحكومة الإسبانية قد تستخدم الصلاحيات الدستورية لتعليق الحكم الذاتي في كتالونيا ومنع استقلال الإقليم عن إسبانيا" وردَّت المحكمة الدستورية الإسبانية في 2017/9/8 بوقف الاستفتاء حتى البت في دستوريته.

3- ومع ذلك فقد جرى الاستفتاء في موعده يوم 2017/10/1 فكانت النتيجة أن 90% من المقترعين "الذين بلغت نسبتهم 43% من السكان" يريدون الانفصال عن إسبانيا والاستقلال. فألقى ملك إسبانيا فليبي السادس خطابا يوم 2017/10/3 عقب إجراء الاستفتاء واصفا إياه بأنه "غير قانوني وغير ديمقراطي"، ولكن حاكم الإقليم قال: "إنه سيعلن الاستقلال نهاية هذا الأسبوع أو بداية الأسبوع المقبل"، وقال: "إن الملك رفض أداء دور الحكم الوسيط المهدئ للأمور الذي يمنحه له الدستور الإسباني" (بي بي سي 2017/10/3) ويظهر أن إسبانيا أصبحت محرجة، فلم تقدر أن تمنع عملية الاستفتاء وقامت بأعمال عرقلة مما أدى إلى جرح 893 شخصا جراء الصدامات بين قوات الأمن والمقترعين، مما أثار الرأي العام ضدها، ولهذا صارت تبحث عن سبل أخرى لعرقلة إعلان الاستقلال، فبدأت تستعمل الحرب الاقتصادية ضد الإقليم، حيث أعلنت شركات ومؤسسات مالية كبرى عن الخروج من كتالونيا حيث قرر ثالث أكبر بنك إسباني "كايشابنك" يوم 2017/10/6 نقل مقره من برشلونة عاصمة كتالونيا إلى خارجها. وأنزلت إسبانيا يوم 2017/10/8 إلى الشوارع مئات الآلاف في برشلونة من المناهضين للاستقلال لتوجد زخما شعبيا معارضا داخل كتالونيا.

4- وأعلن رئيس إقليم كتالونيا كارلس يوم 2017/10/10م أمام برلمان الإقليم الاستقلال ولكنه أرجأ تطبيقه فقال: "أقبل التفويض بضرورة أن تصبح كتالونيا دولة مستقلة في صورة جمهورية، أقترح إرجاء آثار إعلان الاستقلال لإجراء محادثات بهدف التوصل إلى حل متفق عليه". ولكنه لم يصل إلى حد دعم صريح من البرلمان لإعلان الاستقلال. (يورو نيوز، رويترز 2017/10/10) فمعنى ذلك أنه أراد ألا يحرج نفسه بإعلان الانفصال نهائياً، لأنه يعلم أن تحقيق ذلك ليس سهلا، وترك الباب موارباً حتى يقوم بالتفاوض مع الدولة الإسبانية ويتفادى التصادم معها. وبذلك يبقى الإقليم ضمن إسبانيا، ولكن تبقى مشكلة الإقليم حية وتُنغِّص على إسبانيا وعلى الاتحاد الأوروبي، إلى أن تتهيأ الظروف ويتمكن من تحقيق الاستقلال.

ثالثاً: الموقف الدولي من أحداث كتالونيا، وسنذكر هنا مواقف الدول المؤثرة أي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكذلك موقف الأمم المتحدة على اعتبار أنه يتأثر بقوة بالموقف الأمريكي:

1- أما الموقف الأوروبي فقد كان بوضوح ضد الاستفتاء والاستقلال لإقليم كتالونيا، فأيدت ألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي موقف الحكومة الإسبانية، فصرح نائب وزير خارجية ألمانيا مايكل روث قائلا: "إن التطورات في إقليم كتالونيا الإسباني مقلقة وإن الانفصال ليس الحل، وإن النزعة الانفصالية لا تحل أي مشكلات، على كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي احترام مبادئ وقواعد حكم القانون والديمقراطية والالتزام بها بصرامة... ويجب أن تحل الصراعات السياسية في الاتحاد الأوروبي عبر الحوار بدلا من العنف في الشوارع". (رويترز 2017/10/2). وقامت فرنسا وأعلنت موقفها على لسان الوزيرة المكلفة بالشؤون الأوروبية نتالي لوازو بأن فرنسا "لن تعترف بكتالونيا في حال إعلان الإقليم الإسباني استقلاله من جانب واحد... حتى إذا افترضنا حصول الاعتراف باستقلال المنطقة وهو أمر غير وارد فإن النتيجة الفورية ستكون كتالونيا خارج الاتحاد الأوروبي" (رويترز 2017/10/9). وأعلن رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر موقف الاتحاد حيث "طالب باحترام قرارات الحكومة الإسبانية ومحكمتها الدستورية"، بينما كتب رئيس المجلس الأوروبي دونالد توساك في حسابه على موقع تويتر يوم 2017/10/2 قائلا: "أؤيد حجج رئيس الوزراء الإسباني راخوي الدستورية، ودعوته إلى إيجاد طرق من أجل تجنب استمرار التصعيد واستخدام العنف".

2- وأما الموقف الأمريكي فيظهر أن حكومة كتالونيا ورئيسها استمدوا تشجيعاً ودعماً من أمريكا، فقد صرحت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر نويرت قائلة: "إن الولايات المتحدة تعتبر الاستفتاء شأناً داخلياً لا ترغب التدخل فيه، لتترك الأمر للحكومة والناس هناك لحل تلك القضية، بينما ستعمل مع أية حكومة أو كيان بعد حل الأزمة" (الفجر المصرية 2017/9/16) وتعتبر هذه الجملة الأخيرة تأييدا أمريكياً للاستفتاء والاستقلال. لأنها تقول "سنتعامل مع أية حكومة أو كيان بعد حل الأزمة" أي أننا سنعترف بإقليم كتالونيا إذا ما تمكن من نيل استقلاله. وذكرت صحيفة "الباييس" الإسبانية أن "رئيس إقليم كتالونيا كارلس بيجدمنت اعتبر تصريحات المتحدثة الأمريكية تعني أن أمريكا تحترم إرادة الشعب الكتالوني ونتيجة الاستفتاء". لأنه من المعلوم أن أمريكا تستهدف تمزيق الاتحاد الأوروبي كما أعلنت عن تأييدها لخروج بريطانيا من الاتحاد وتشجيع مثل ذلك في دول أوروبية أخرى، أو على الأقل تريد إشغاله في أموره الداخلية وبالحركات الانفصالية حتى لا يقوم الاتحاد أو دوله الكبرى بمنافسة أمريكا في القضايا الدولية أو التشويش عليها. فتشجيع مثل هذه الحركات الانفصالية يصب في مصلحتها. وهذا الموقف عكس موقفها من موضوع استفتاء كردستان واستقلاله فعارضت ذلك بقوة ورفضته وحركت دول المنطقة التابعة لها من العراق إلى إيران وتركيا لمعارضته ورفضه والضغط على البرزاني؛ لأن ذلك لا يصب في مصلحتها حاليا، سيما وأنها هي صاحبة النفوذ في العراق، وبريطانيا هي التي أوعزت لعميلها البرزراني للقيام بهذه الخطوة للتشويش على أمريكا ولمقايضة ذلك برفع العقوبات الأمريكية المطبقة بواسطة السعودية ومصر على قطر عميلة بريطانيا.

3- وأما موقف الأمم المتحدة المتحدة التي تهيمن عليها أمريكا، فموقفها فيما يتعلق بموضوع كتالونيا مشجِّع للاستقلال، فقد أعلن أمينها العام أنطونيوس غوتيريش عن "أمله في أن تتمكن المؤسسات الديمقراطية في إسبانيا من إيجاد حل للأزمة بين الحكومة المركزية وسلطات إقليم كتالونيا"، وقال المتحدث باسم رئيس الدورة الثانية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة: "إن حق الشعوب في تقرير مصيرها هو حق أساسي... وأشار إلى ضرورة أن يطبق هذا الحق دون مخالفة مبدأ أراضي البلاد وعبر الاتفاق بين الأطراف" (أسوشيتد برس الأمريكية 2017/10/3) مما يشير إلى أن الأمم المتحدة تشجع استقلال كتالونيا، بينما عارضت استفتاء إقليم كردستان واستقلاله بسبب الهيمنة الأمريكية على القرار في الأمم المتحدة.

يتضح من هذه المواقف أن تحركات كتالونيا الأخيرة في موضوع الاستفتاء، هذه التحركات قد لاقت تشجيعاً من أمريكا، وذلك لأن أمريكا يهمها تعكير الأجواء في أوروبا وخاصة في عهد ترامب... ويرجِّح هذا الأمر ما ذكرناه آنفاً من مواقف وتصريحات.

رابعاً: إمكانية تنفيذ هذا الانفصال:

إن هذا الأمر ليس من السهل حدوثه، على الأقل في المدى المنظور، ولا شك أن أمريكا تُدرك ذلك، وتشجيعها للتحركات الكتالونية هو لتعكير الأجواء في أوروبا وإشغالها في نفسها كخطوات تمهيدية لتفكيك الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل... ثم إن هناك أموراً أخرى تجعل إسبانيا لا تستطيع أن تقبل انفصال كتالونيا بأي حال من الأحوال، وذلك لسببين رئيسين:

1- هذا الإقليم رغم صغره إلا أنه ينتج 20% من إجمالي الناتج القومي الإسباني ويتحكم في 70% من حركة النقل والمواصلات المتعلقة بتجارة إسبانيا الخارجية وينتج ثلث الصناعة الإسبانية، ولهذا يرى سكان كتالونيا أنهم يعطون أكثر مما يأخذون، وأن الحكومة الإسبانية تفرض عليهم ضرائب كبيرة وصلت إلى 10% من ناتج الإقليم، فكل ذلك يعزز صيحات ونزعات الاستقلال. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن إسبانيا تعاني من مشاكل اقتصادية وضعف في الموازنة العامة وارتفاع عجز الميزانية وتزايد نسبة البطالة، عدا الإجراءات التقشفية التي تقوم بها، واقتصاد كتالونيا عنصر أساس في معالجة هذه المشاكل الاقتصادية.

2- وكذلك فإن انفصال كتالونيا يؤدي إلى انفصالات متلاحقة في إسبانيا وغير إسبانيا وذلك لأن استقلال كتالونيا سيكون مشجعا لإقليم الباسك الإسباني الذي سعى للاستقلال من قبل، وقد أيد إقليم الباسك خطوة كتالونيا مما يشير إلى احتمال مطالبة إقليم الباسك بالانفصال مرة أخرى فلم تَمُتْ فيه النزعات الانفصالية، فقد "أعلن إقليم الباسك بالفعل رغبته في الانفصال عن الأراضي الإسبانية بدءا من العام القادم" (سياسة بوست 2017/9/24) وهو الإقليم الذي عانى من أعمال عنف ومقتل المئات حيث كانت حركة إيتا تقود عملية الانفصال بالأعمال المسلحة لسنين طويلة إلى أن حصل وقف لإطلاق النار قبل ثلاث سنوات وتخلي الحركة عن سلاحها بعدما حققت مزيدا من الصلاحيات للإقليم، ولذلك فأيّ انفصال يحدث في أحد الأقاليم فإن غيره سيتبعه على الأرجح، وقد حذر وزير العدل الإسباني من ذلك بقوله: "أخشى بشدة من أن استقلال إقليم كتالونيا سيؤدي بالفعل إلى وضع نهاية للدولة الإسبانية، لأن استقلال كتالونيا سيكون مثل توالي سقوط قطع الدومينو عند إسقاط القطعة الأولى" (الجزيرة، 2017/10/2).

ولذلك فإنَّ إسبانيا لا يمكن أن تقبل بأي حال من الأحوال أن ينفصل إقليم كتالونيا، بل هي تهدد بتفعيل المادة 155 لمنع الحكم الذاتي للإقليم إذا لم تستطع منع الانفصال بأي وسيلة من الوسائل كما يُفهم مما نقلته بي بي سي هذا اليوم 2017/10/19م عن مكتب رئيس الوزراء الإسباني...

3- ثم إن الاتحاد الأوروبي يوشك على الانهيار إذا ما انتشرت فكرة الانفصال في جوانبه وخاصة إذا تحققت... وذلك لأن هناك حركات انفصالية في فرنسا حيث إن إقليم كتالونيا وإقليم الباسك مقسمان بين فرنسا وإسبانيا، وتوجد حركة انفصالية في جزيرة كورسيكا تسعى للاستقلال عن فرنسا وتنتظر نجاح خطوة إقليم كتالونيا، وهناك حركات انفصالية في إيطاليا وفي بلجيكا وغيرهما مما يهدد تماسك الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من الأزمات الكثيرة والتهديدات من الحركات القومية بالخروج منه كما حصل مع بريكست بريطانيا.


كل هذا يجعل احتمال تنفيذ هذا الانفصال أمراً مستبعداً وبالغ الصعوبة، فهو خطر ليس على إسبانيا فحسب بل على الاتحاد الأوروبي بمجمله.

 ويبدو أن رئيس الإقليم قد بدأ يُدرك ذلك حيث رأى نفسه شبه معزول حتى في الإقليم نفسه، فقد احتجت عليه جموعٌ من الناس... ولهذا فقد كان قرار إعلان الاستقلال ليس كاملاً، حيث أرجأ رئيس الإقليم تنفيذه حتى يقوم بالمفاوضات لتحقيق المزيد من الاستقلالية للإقليم، وكذلك لتحيُّن الفرص وانتظار الظروف المؤاتية لتحقيق الاستقلال في المستقبل، سواء أكان ذلك بالنسبة لوضع إسبانيا أم وضع الاتحاد الأوروبي... حتى إن أمريكا التي شجعته تباطأت في نصرته عندما رأت موقف إسبانيا القوي بمساندة الاتحاد الأوروبي، ولهذا قال الرئيس الأمريكي ترامب خلال لقائه راخوي رئيس وزراء إسبانيا الذي ذهب إلى أمريكا يستطلع رأيها في موضع استقلال كتالونيا، قال ترامب في مؤتمر صحفي معه: "نتعامل مع دولة كبيرة ويجب أن تبقى موحدة" (الشروق المصرية 2017/9/27)، وسيُدرك رئيس الإقليم أن ترامب كالشيطان في وعده ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ومع ذلك فستستمر أمريكا بخلخلة الاتحاد الأوروبي، وستجد من يستجيب لوعودها في أوروبا...!

خامساً: وهكذا فإن القومية تنهش أصحاب المبدأ الرأسمالي، وخاصة أوروبا، فتضعفها وتضعف اتحادها وتماسكها وعملها السياسي في الخارج، وذلك لأن المبدأ الرأسمالي لم يستطع أن يعالج مسألة القومية، ولن يستطيع... فهو مبدأ فاشل عدا عن أنه باطل من أساسه لفصله الدين عن الحياة، وكان فاسداً بسبب ديمقراطيته التي يتحكم فيها أصحاب رؤوس الأموال فيفوزون بالمناصب وبالامتيازات باسمها واستغلال قوانينها، وكان جائرا أيضا لمحاربته الدين ومن يتمسك به ووجود التمييز بين البشر على أسس دينية وعرقية... وهذا أمر ظاهر في أمريكا وأوروبا لا يخطئه بصر ولا تغفل عنه بصيرة...

إن كل القوانين الوضعية لا تخلو من هذا الظلم والجور والفساد ولا من استعباد البلاد والعباد... إنه فقط الإسلام الذي أنزله الله رب العالمين، هو وحده الذي يقيم الحق والعدل بين الناس ويصلح أمرهم، فالله يعلم ما يصلح مخلوقاته ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾... إنه الإسلام الذي يصهر الشعوب في بوتقة واحدة، ويزيل التفرقات والتناحرات القومية والعصبية؛ لأنه يحرم كل النزعات القومية والعصبيات الوطنية ويحاربها حرباً لا هوادة فيها... إنه الإسلام هو الذي يقيم العدل بين الناس في رعاية شؤونهم ودون أي تمييز في الرعاية من حيث الدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو أي شيء آخر، بل يعتبر الناس كلهم سواسية في المعاملة بالعدل أمام القضاء في ظل دولة الخلافة الراشدة...

 أخرج الإمام أحمد في مسنده: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ e فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ»، قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ... e.

هذا هو الحق ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.

29 محرم 1439هـ

2017/10/19م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م