October 02, 2014

جواب سؤال التطورات الأخيرة في اليمن وبخاصة توقيع اتفاق "السلام والشراكة الوطنية"

 جواب سؤال

التطورات الأخيرة في اليمن وبخاصة توقيع اتفاق "السلام والشراكة الوطنية"

السؤال:


لقد التبست علي التطورات الأخيرة في اليمن وبخاصة توقيع اتفاق "السلام والشراكة الوطنية" وذلك في 2014/9/21، كأن هذه التطورات قد خلطت الأوراق... فكيف استطاع الحوثيون الوصول إلى صنعاء وأن يتصدروا القوة والنفوذ فيها دون مقاومة ذات فاعلية من السلطات؟ وهل يعني ذلك أن نفوذ الإنجليز قد انتهى في اليمن، وأصبحت أمريكا التي تدعم الحوثيين هي ذات النفوذ الفاعل في اليمن أو أنه تقاسم للنفوذ؟ أرجو توضيح هذه الأمور، وجزاك الله خيراً.


الجواب:

حتى يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:


1- لقد استقر نفوذ الإنجليز في اليمن في العقود الأخيرة وبخاصة منذ تولي علي صالح السلطة في 1978م حيث قام بقصقصة، بل بقطع، أجنحة النفوذ الأمريكي في اليمن، وطارد عملاءها وأتباعها، وكادت تصبح الطبقة السياسية الفاعلة في اليمن خالصة للإنجليز وعملائهم... وقد استمر هذا الأمر حتى أحداث الربيع العربي سنة 2011 في اليمن، حيث انتفض الناس على علي صالح لطغيانه وتفرده في الحكم، وكانوا في تحركهم قد تأثروا برياح التغيير في البلاد العربية الأخرى، غير أن عدم الوعي السياسي عند الجماهير المنتفضة قد مكَّن الأطراف الأخرى، وبخاصة أمريكا وأحلافها: إيران إقليمياً والحوثيون والحراك الجنوبي محلياً، من استغلال الأحداث الجارية حيث رأت أمريكا فيها فرصة مميزة، فلأول مرة تهتز بشدة سلطة صالح، وتضعف قبضته على الحكم، وتَتخلخل مؤسسات السلطة.


2- بدأت أمريكا بالتحرك الجاد لإقرار حل للأحداث يناسبها عن طريق سفارتها ومبعوثيها، بالإضافة إلى أتباعها المحليين، وقد أحست بريطانيا فعلاً بأن أمريكا جادة في ذلك، فسارت على أسلوبها المعتاد، وهو أن تبادر هي إلى حل يحافظ لها على نفوذها ويكون فيه مسايرة لأمريكا وإرضاء لها بإعطائها شيئاً لا يُفقد بريطانيا نفوذها في اليمن، فحركت أدواتها في دول الخليج، وأطلقت في بداية نيسان/أبريل عام 2011 المبادرة الخليجية التي تقضي بتنحي علي عبد الله صالح والتعهد بعدم ملاحقته قضائيا وتسليم صلاحياته لنائبه عبد ربه منصور هادي الموالي لها، وبعد ذلك تجري انتخابات في غضون شهرين، ومن ثم يشرع بالعمل لوضع دستور جديد. وقد وافقت أمريكا على المبادرة في خطوة تعدها مرحلية لإبعاد علي عبد الله صالح فهي كانت ترى فيه رجل الإنجليز القوي في اليمن وأما هادي فرأته ليناً يسهل عليها التعامل معه وفق مصالحها أكثر مما كان يمكنها ذلك مع علي صالح، وقد نقلت وكالة اليمن الإخبارية/ رويترز في 2013/8/14 ما يدل على ذلك، فقالت: "تجد واشنطن أن هادي شريك يمكن التعامل معه بسهولة أكبر من صالح". ومن ثم كانت أمريكا ترى إمكانية إضعاف نفوذ بريطانيا في اليمن بعد التخلص من عميل الإنجليز القوي علي عبد الله صالح. واعتبرت أمريكا المبادرة خطوة مرحلية تريد منها ليّ عنق المبادرة لتحسينها أو إلغائها بوسيلتين: الأولى تشجيع أتباعها وبخاصة الحوثيون لرفض المبادرة والتشويش عليها، والثانية أرسلت رجلها جمال بن عمر كمبعوث للأمم المتحدة، أو بالأحرى لأمريكا، لإدارة شئون المبادرة بالشكل الذي يحقق مصالح أمريكا كاملة، أو بشكل جزئي فاعل.


وهكذا أصبحت المبادرة كالكرة تتقاذفها الأرجل، فمن جانب فإن بريطانيا وأتباعها في الخليج قد أمسكوا بخيوط الحل عن طريق المبادرة الخليجية، وأوجدوا لها رأياً عاماً جعل أمريكا تقبل بها، ومن جانب آخر فإن أمريكا تراها خطوة كسبت من خلالها التخلص من علي صالح العميل البريطاني الصلب، حيث إن خلفه هادي وإن كان من أتباع الإنجليز إلا أنه أقل وطأةً وأليَن عريكة ما يمكِّن أمريكا من أن تغير من شروط المبادرة أو تعطل تنفيذها أو تلغيها، وذلك عن طريق القوة من الحوثيين والحراك، وعن طريق الأعمال التفاوضية من خلال أحد رجالها "جمال بن عمر"... وبعبارة أخرى، فإن بريطانيا رأت في المبادرة إنقاذا لنفوذها والمحافظة عليه، فهادي من رجالها، والوسط السياسي من صنائعها، وفي الوقت نفسه تُرضي أمريكا لعل ذلك يخفف من ضغوطها... وأمريكا وافقت عليها مرحلياً لتنتقل من خلالها ليكون لها النفوذ الفعلي في اليمن...


3- ولقد سارت الأمور بعد ذلك في هذا الاتجاه، وتبع المبادرة الخليجية مؤتمر الحوار الوطني الذي بدأ أولى جلساته في 2013/3/18 واستمر حتى 2014/1/25، حيث ترتب عليه وثيقة تحول اليمن إلى نظام اتحادي مقسم إلى ست مناطق... غير أن الناطق الرسمي لحركة الحوثيين محمد عبد السلام أعلن قائلاً: "نحن لم نوقع على هذه الوثيقة ونعتبرها لا تمثل حلاً لا للقضية الجنوبية ولا للقضايا الوطنية العالقة وتم التقسيم وفق هوى سياسي". (موقع قناة العالم 2014/2/10)، فتكون أمريكا برفض عملائها في اليمن لأسلوب التقسيم لا للتقسيم نفسه، قد جهزت للخطوة القادمة لمد نفوذ عملائها، فهي من جهة ركزت مبدأ التقسيم، ومن جهة أخرى رفض الحوثيون وأتباعها المبادرة إلى أن تكون شروطها وفق ما يريدون وأن يعاد التقسيم لإيجاد منفذ لهم على البحر، وإلا فالعمل لإلغائها... وكمقدمة لذلك فقد استغلت أمريكا قرار الحكومة برفع أسعار الوقود الذي دخل حيز التنفيذ في30 يوليو/ تموز 2014. وحركت الحوثيين والحراك الجنوبي في مقاومة ساخنة لحكومة هادي، وكانت أمريكا تدعم هذا الحراك ضد هادي سياسياً وأمنياً: أما سياسياً فلا تعدُّ أمريكا الحوثيين إرهابيين كالقاعدة، بل تعدُّهم حركة سياسية، فقد قال السفير الأمريكي ماثيو تولر في مؤتمره الصحفي 2014/9/18 قال: "نحن نفرق بين تلك المجموعات التي شاركت في العملية السياسية، فالحركة الحوثية شاركت في مؤتمر الحوار الوطني ونتج عن ذلك كثير من النتائج الإيجابية ولديهم مواقف سياسية وطموحات مشروعة... وبالتالي نحن ندعم الحوثي وحركته بأن يقوموا بذات الممارسات التي تقوم بها الجماعات والأحزاب السياسية"، وقال السفير الأمريكي إن السفارة تتابع هذه الحوارات "عبر حديثنا مع بعض المشاركين فيها نحن نعلم أن الحوارات تركز على مطالب الحوثيين وهم يرقبون أن لهم دوراً في الحكومة، وهذه قضايا مشروعة لأي طرف شارك في الحوار أن يناقشها". وقال إن نجاح المفاوضات سيمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، "وخصوصاً إذا ما ثبَّتت هذه المفاوضات الأوضاع الأمنية داخل صنعاء والمناطق المحيطة بها" (موقع مراقبون برس). وأما أمنيا فعند دخول الحوثيين صنعاء قاومهم الجيش والشرطة وقتل من الحوثيين سبعة في 2014/9/9، وكادت الكفة ترجح لجهة هادي إلا أن أمريكا سارعت على عجل بإرسال ابن عمر مندوب الأمم المتحدة "أو مندوب أمريكا حقيقة"، فضغط على هادي، وعوَّم المسألة بالدعوة للتفاوض، وإعطاء الضوء الأخضر للحوثيين بتصعيد التحرك خلال أجواء التفاوض مدعومين بالضغوط الأمريكية في شخص ابن عمر على هادي والجيش. ثم إن السفير الأمريكي كان قد زار وزير الدفاع اليمني قبل ذلك في 2014/9/11 وأكد سفير الولايات المتحدة الأمريكية بصنعاء ماثيو تولر أن أمن اليمن واستقراره يهم المنطقة والعالم لطبيعة الموقع الجيوبولتيكي الذي يحتله اليمن. وجدد السفير الأمريكي، خلال اللقاء مع وزير الدفاع اللواء الركن محمد ناصر أحمد، موقف حكومة بلاده الداعم لأمن واستقرار ووحدة اليمن. وتناول اللقاء طبيعة الأوضاع الأمنية التي تشهدها اليمن والسبل الكفيلة للخروج الآمن من الأزمات الراهنة. (المشهد اليمني 2014/9/11). ويرجح أن هذه الزيارة لوزير الدفاع كانت من أجل منع الجيش من الوقوف في وجه الحوثيين، وهذا ما كشفته الأحداث... لذلك قام مؤخراً بعض الجنود في 2014/9/28 بالتظاهر ضد وزير الدفاع محمد ناصر لإقالته ومحاكمته على عدم قيام الجيش بمهماته...


4- لقد أدركت بريطانيا أن أمريكا جادة باستعمال القوة للوصول إلى مكاسب ذات شأن في حكم اليمن، وأن للحوثيين قوة مؤثرة من سلاح وعتاد زودت به عن طريق إيران... وإدراك بريطانيا لهذا الأمر جعلها تسير في مقاومة ذلك بخطين: الأول: أن يبذل هادي الوسع في استغلال منصبه كرئيس لعدم تمكين الحوثيين من السلطة الفاعلة، والخط الثاني إدخال علي صالح كشريك للحوثيين وكأنه يعارض حكم هادي، والبعض من أنصاره انضموا للحوثيين وهم يحملون راية المؤتمر الشعبي العام (حزب الرئيس اليمني السابق). وعندما سئلت السفيرة البريطانية عما إذا كانت تتواصل مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح قالت: "ليس لدي علاقة مباشرة مع علي عبد الله صالح، ولكن لدي تواصل مع حزب المؤتمر الشعبي العام بما في ذلك مع أطراف مقربة منه". (2014/9/27 الشرق الأوسط) فيفهم من ذلك أن بريطانيا هي التي أوعزت لعميلها علي صالح أن يتعاون هو أيضا مع الحوثيين حيث اعترفت السفيرة البريطانية بتواصلها مع حزب علي صالح وهو الذي يدير الحزب ويتحكم فيه ولا منافس ولا معارض له فيه. وكذلك قال الناطق الرسمي باسم الحوثيين محمد عبد السلام: "نعتبر صالح لم يكن له أي دور من بعد ثورة فبراير 2011 وما قبل ذلك، ونتمنى أن تعالجه مخرجات مؤتمر الحوار". (2014/9/23 السياسة الكويتية) وهذا يُظهر نظرة الحوثيين الإيجابية أيضا نحو علي صالح، ما يؤكد أن الإنجليز أوعزوا لعلي صالح ولحزبهم الحاكم حزب المؤتمر الذي يتزعمه علي صالح أن يتخذوا هذا الموقف ويتعاونوا مع الحوثيين خلال دخول العاصمة حتى إن محسن الأحمر مستشار الرئيس هادي لشؤون الدفاع والأمن الذي قاوم الحوثيين في البداية كما ذكر الناطق الرسمي باسم الحوثيين قد توقف عن مقاومة الحوثيين وخرج خارج البلاد ولجأ إلى النظام السعودي، وقد ذكر بعد ظهوره في السعودية حيث شكرها لحمايتها له، ذكر أن سبب خروجه هو: "قررنا بعد التشاور مع فخامة الرئيس عبد ربه منصور هادي أن نتجنب الحرب الأهلية بأي ثمن". (2014/9/26 العربي الجديد) وهكذا فإن بريطانيا تزج ببعض رجالها للاشتراك مع الحوثي وتُبعد بعض رجالها الذين قاوموا الحوثي...


وهذه الإجراءات من بريطانيا لزج علي صالح مع الحوثيين هي حتى إذا لم يتمكن هادي من استغلال منصبه كرئيس في منع أمريكا وأشياعها من الوصول الفعلي للحكم فإن علي صالح يكون شريكاً فاعلاً مع الحوثيين ومن ثم يبقى نفوذ الإنجليز موجوداً في اليمن وبخاصة وأن الحوثيين لا تأييد شعبياً لهم يجعلهم حكاماً منفردين لليمن...


5- وفي هذه الأجواء، أجواء القوة الحوثية المدعومة من أمريكا سياسياً وأمنياً، وأجواء الدهاء السياسي والمداراة البريطانية... في هذه الأجواء اقتحم الحوثيون صنعاء، ولما حاول الجيش أن يقاومهم تدخل جمال بن عمر بحجة التفاوض ومنع ذلك، واستغل الحوثيون هذه الأجواء لصالحهم واستولوا على المباني الحكومية، التي شملت مبنى رئيس الوزراء، ومركز قيادة الجيش، ومجمع التلفزيون... وهاجموا بعض المباني وعاثوا بمحتوياتها وأصبحت العاصمة كلها أو جلها بقبضتهم... وفي هذه الأجواء أيضاً عمل جمال بن عمر بوسائل الضغط المختلفة لعقد اتفاقية السلام والشراكة الوطنية، وكان واضحاً منها دخول النفوذ الأمريكي إلى اليمن بشكل لا يخفى، فقد جاء في الاتفاقية بعض المكاسب للحوثيين، فمثلاً جاء في بنود الاتفاقية "تعيين مستشارين سياسيين جدد لرئيس الجمهورية من حركة الجنوب والحوثيين"، "يضع المستشارون السياسيون لرئيس الجمهورية معايير المرشحين للمناصب في الحكومة الجديدة"، "يختار رئيس الجمهورية وزراء الدفاع والمالية والخارجية والداخلية شرط توافقهم مع المعايير المدرجة أعلاه، إضافة إلى عدم انتمائهم أو ولائهم إلى أي طرف سياسي."، "يكون رئيس الوزراء محايداً بدون أي انتماء حزبي"... واعتبر الحوثيون أن هذه الاتفاقية قد ألغت المبادرة الخليجية، فقد صرح الناطق باسم الحوثيين محمد عبد السلام أن المبادرة الخليجية انتهت إلى غير رجعة، مشيراً إلى أن اتفاق السلم والشراكة الذي وقع في دار الرئاسة الأحد الماضي 2014/9/21 يوثق عقداً سياسياً بشراكة سياسية جديدة ترتكز على مخرجات مؤتمر الحوار وتلبية للمطالب الشعبية. (نبأ أون لاين 2014/9/25).


ومع ذلك فقد بقيت السلطة الرسمية بيد بريطانيا عن طريق الرئيس هادي، وبعض الوزارات المهمة... وكما قلنا آنفاً فإن بريطانيا جعلت مدخلاً لعلي صالح مع الحوثيين كخط رجعة لنفوذها إن لم يستطع هادي استغلال سلطته الرئاسية بالحد من التدخلات الفاعلة للحوثيين في الحكم. وهناك ملحق أمني للاتفاقية رفض توقيعه الحوثيون ابتداءً ولكنهم وقعوه بعد نحو أسبوع عندما أجَّل هادي اختيار رئيس الوزراء لعدم توقيع الحوثيين الملحق الأمني، أي أن الرئيس قد استغل هذه المرة سلطته الرئاسية بتأجيل تسمية رئيس الوزراء لرفض الحوثيين توقيع الملحق الأمني فوقعوه مع أنهم حتى الآن لم ينفذوه عملياً! وإنما وقعوه بعد أن أحرجهم تأخير تسمية رئيس الوزراء، فرأى جمال بن عمر أن يوقع الحوثيون الاتفاق ويكون الأخذ والرد في تنفيذه وليس في توقيعه! وهكذا فقد صرح جمال بن عمر أن جماعة الحوثي قد وقعت على الملحق الأمني لاتفاق السلم والشراكة بعد أسبوع من رفضها التوقيع عليه، وأكد ذلك الناطق الرسمي باسم الحوثيين محمد عبد السلام قائلا: "إنه تم التوقيع على الملحق الأمني بعد إجراء تعديلات بسيطة" (2014/9/27 وكالة خبر للأنباء) ويبدو أن لإيران دوراً كذلك فقد جاء التوقيع بعد يومين من قيام السلطات اليمنية بالإفراج عن اثنين من خبراء الحرس الثوري الإيراني المتهمين بالتجسس وتدريب المسلحين بالإضافة إلى الإفراج عن ثمانية آخرين أدينوا بتهمة تهريب السلاح من إيران إلى الحوثيين! وقد اهتمت بريطانيا بضرورة التنفيذ وليس مجرد التوقيع، فقد عبرت عن هذا الموقف السفيرة البريطانية في اليمن جين ماريوت حيث "طالبت الحوثيين أن يحترموا ما وقعوا عليه وذلك بسحب قواتهم من شوارع صنعاء ومن المعسكر المحيط بها". وقالت: "إننا نريد أن نراهم يتركون (صنعاء) عاجلا بدلا من آجل، وأن يتركوا الأمن للقوات الأمنية اليمنية بينما نحن نقبل بأن الحوثيين وغيرهم لديهم دور شرعي يلعبونه في اليمن. عليهم الانسحاب من شوارع صنعاء عند تعيين رئيس الوزراء الجديد وسننظر عن قرب إلى ذلك مع التوقع أن يفعل الحوثيون ذلك، وإن لم يفعلوا فسنعتبر ذلك خرقا للاتفاق". (2014/9/27 الشرق الأوسط).


6- لقد كشف هادي كثيراً من الضغوط التي وقعت عليه، فقد جاء في خطابه أمام المسئولين من رؤساء ووزراء ونواب في نظامه في 2014/9/23 أي بعد توقيع الاتفاقية بيومين كما نقلته وكالة الأنباء اليمنية سبأ ما يلي: "أخاطبكم في هذه اللحظة العصيبة من تاريخنا اليمني وأنا مدرك تماما صعوبة الأيام الفائتة، وأدرك أنكم جميعا تشعرون بالصدمة مما حدث ومن تسليم بعض مؤسسات الدولة ووحدات الجيش بالصورة التي شاهدناها، ولكن عليكم أن تعرفوا أيضا أن المؤامرة قد كانت فوق التصور، وأننا طُعِنّا وغُدرنا". وقال: "إنها مؤامرة تعدت حدود الوطن، تحالفت فيه قوى عديدة من أصحاب المصالح التي فقدت، ومن الانتهازيين الذين نراهم في كل فاجعة يأكلون من كبد هذا الوطن". (2014/9/23 وكالة الأنباء اليمنية /سبأ). وكان هادي قد هاجم إيران كما جاء في (العصرية نت بتاريخ 15 سبتمبر 2014) قائلاً: «حذرنا مرارا من أي تدخل في شؤون اليمن الداخلية، ولكن ما يحدث ربما هي رسائل من أجل فرض الهيمنة الإقليمية وتعريض اليمن للمخاطر الكبيرة، وهناك أدلة تثبت تدخل إيران في شؤون اليمن».


7- لقد باركت أمريكا الاتفاق ما يدل على أنها تؤيد كل ما حدث، وأنها أرادت أن يدخل الحوثيون العاصمة، ويجري الاتفاق معهم تحت ضغط السلاح، وقبولهم كمكوِّن سياسي ذي شأن... فقد قالت مستشارة الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب ليزا موناكو في مكالمة هاتفية من البيت الأبيض مع الرئيس اليمني هادي "إن هذا الإنجاز (توقيع الاتفاق) سيمثل الركيزة الأساسية التي بنيت على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل". وقالت "إن الولايات المتحدة تتابع الأحداث عن كثب خطوة بخطوة" (2014/9/24 يمن ستريت عن المؤتمر نت) وهكذا يكون كل ما حدث قد تم بضغط من أمريكا لتملي على النظام الاعتراف بالمكون الحوثي التابع لإيران كمكون من مكونات التركيب السياسي في اليمن على الرغم من تسليحه، وذلك لتعمل أمريكا على تسخيره لتنفيذ مخططاتها هناك كما فعلت في لبنان مع الأحزاب السياسية المسلحة التابعة لإيران.

وهناك أمر تسعى إليه أمريكا في اليمن ويجعلها تهتم بأن يكون اليمن طوع بنانها، ليس لموقعه الإستراتيجي فحسب، بل لما نُشر من تقارير تشير إلى أن اليمن تقع على ثروة نفطية وغازية هائلة فقد (كشفت "سكاي نيوز" محطة التلفزيون الأميركية، أن أكبر منبع نفط في العالم يصل إلى مخزون نفطي تحت الأرض هو في اليمن، ويمتد قسم منه إلى السعودية بجزء بسيط على عمق 1800 متر، إلا أن المخزون الكبير هو تحت أرض اليمن... (موقع اليمن السعيد 2013/1/8).ومع أن وزارة النفط اليمنية نفت تقرير سكاي نيوز كما جاء في (موقع وزارة النفط والمعادن اليمنية 2013/1/13) إلا أن خبر سكاي نيوز يبقى موضع اهتمام وبخاصة عند الدول المستعمرة مثل أمريكا، ولذلك فإن علاقات السفير الأمريكي مع وزارة النفط اليمنية هي علاقات دافئة! وقد نقلت (سبأ نت 2014/9/15) عن لقاء السفير الأمريكي في اليمن مع وزير النفط في الوزارة في 2014/9/15، نقلت ما يلي: "أشار السفير الأمريكي إلى رغبة العديد من الشركات الأمريكية لقاء المختصين في وزارة النفط والمعادن على هامش مؤتمر أبوظبي الدولي للبترول الذي سينعقد في نوفمبر 2014م... لافتا إلى مؤشرات توسيع الاستثمار في القطاع البترولي في اليمن خصوصا وأن الكثير من المناطق ما زالت قيد الاستكشاف"، وكل هذا يزيد من اهتمام أمريكا باليمن.


8- والخلاصة:


أ- إن الصراع في اليمن مستعر بين فريقين: أمريكا والأتباع والعملاء، وبين بريطانيا والأتباع والعملاء، وكل من الطرفين يستعمل وسائله وأساليبه... أما أمريكا فتسير بمنطق قوة الحوثيين والحراك الجنوبي وإيران، بالإضافة إلى أسلوب التفاوض لتحقيق المكاسب عن طريق جمال بن عمر... وأما بريطانيا فتسير بمنطق الدهاء السياسي عن طريق استغلال هادي لسلطته الرئاسية ومداراة أمريكا لاتقاء ضغوطها، ودون تمكينها من المناصب الحساسة في الحكم، ثم عن طريق زج علي صالح ورجالاته مع الحوثيين حتى إذا فشل هادي ورجحت كفة الحوثيين كان لبريطانيا في الحكم نصيب، وأي نصيب، عن طريق علي صالح ورجاله.


ب- إن الحوثيين ليس لهم سند شعبي كاف لحكم اليمن، وما دام الوضع كذلك فإن عنصر القوة لا يكفي للإمساك بالحكم في اليمن واستمراره، وبخاصة وأن الطبقة السياسية ليست معهم، وإيجاد طبقة سياسية جديدة فيه صعوبة حسب الظروف الحالية... وأما هادي وجماعته فمع أن لهم وسطاً سياسياً إلا أن هيبتهم قد اهتزت بفعل التطورات الأخيرة، وهذا سيؤثر في نزول النفوذ الإنجليزي عن تفرده الكامل كما كان في اليمن خلال العقود الماضية، ولذلك فليس من السهل على بريطانيا وعملائها أن يمسكوا بالحكم وحدهم كما كان سابقاً ويستمر هذا الحكم.


ج- إن هذا يعني أن الحل المتوقع في اليمن هو الحل الوسط بين أمريكا وبريطانيا على طريقة الرأسماليين، فيكون الحكم مشتركاً بين الأطراف... والحل الوسط عادة لا يدوم عندهم إلا كاستراحة محارب إلى أن تستطيع أمريكا أو بريطانيا أن تحسم الموضوع إلى جانبها، أي أن الأحداث في اليمن ستستمر متقلبة، تهدأ حيناً، ثم تشتد حيناً آخر وفق ميزان القوى السياسية والعسكرية عند المتصارعين.


د- بناء على ما سبق فيمكن الاستنتاج بأن الأمور في اليمن هي في تصاعد دون أن تستقر على نحو حاسم إلا في حالتين: الأولى: أن تتمكن أمريكا أو بريطانيا من حسم الأمور لصالحها، ومن ثم تهيمن على النفوذ الفعلي في اليمن. وليس هذا الأمر سهلاً كما بيَّنا آنفاً، والثانية: أن يكرم الله هذه الأمة بالخلافة، فتدوس نفوذ الكفار المستعمرين وتقلع جذورهم من البلاد وتقضي على شرورهم بين العباد، فيذل الكفر وأهله، ويعز الإسلام وأهله، ويفرح المؤمنون بنصر الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾... وحقيقٌ بأهل اليمن أهل الإيمان والحكمة، أن يقيموا هذا الأمر فيفوزوا في الدارين، والله يتولى الصالحين.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م