جواب سؤال: الزوايا الدولية والزوايا القومية المحلية للصراع في إثيوبيا
November 22, 2021

جواب سؤال: الزوايا الدولية والزوايا القومية المحلية للصراع في إثيوبيا

جواب سؤال

الزوايا الدولية والزوايا القومية المحلية للصراع في إثيوبيا

السؤال: (أخفق مجلس الأمن الدولي الجمعة في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إقليم تيغراي بإثيوبيا... فرانس24/ أ ف ب 2021/11/20) وكان الجيش الإثيوبي قد تمكن قبل حوالي العام من القضاء على تمرد جبهة تحرير تيغراي وفرض سيطرته على الإقليم بالكامل، ثم عادت جبهة تحرير تيغراي بقوة وبسطت سيطرتها على الإقليم وأخذت تتمدد خارجه مهددة بالوصول إلى العاصمة أديس أبابا، فهل هذه الأحداث محلية وناتجة عن صراع قومي داخلي أم أنها تتغذى من الصراع الدولي؟

الجواب: حتى تتضح الإجابة لا بد من دراسة الزوايا الدولية والزوايا القومية المحلية للصراع في إثيوبيا، وتأثيرها على الأحداث:

أولاً: الزوايا الدولية:

1-     من الناحية الدولية فإن إثيوبيا كانت تحت الاحتلال الإيطالي المباشر إلى أن تم طرده من البلاد بمساعدة الإنجليز سنة 1941، وبإعادة تنصيب الإمبراطور هيلا سيلاسي سنة 1941 أصبحت إثيوبيا تحت النفوذ البريطاني، ولما تمكنت أمريكا عبر الدعوات الاشتراكية اليسارية من إسقاط نفوذ بريطانيا بانقلاب الضباط اليساريين سنة 1974 فقد أصبحت إثيوبيا تحت النفوذ الأمريكي، وبعد صراع بين الضباط الانقلابيين فقد استقر الحكم في إثيوبيا سنة 1977 تحت قيادة الضابط منغيستو هيلا مريام، وأغلقت الكثير من المنافذ أمام عودة نفوذ الإنجليز. وظل الحكم في إثيوبيا تابعاً لأمريكا حتى الآن رغم تبدل الحكام.

2-     إقليم تيغراي في إثيوبيا يعتبر منطقة مغلقة، فهو محاصر بإريتريا والسودان من الشمال والغرب، وبباقي الولايات الإثيوبية التابعة للدولة من الجهات الأخرى، لذلك فإن تقديم أي دعم عسكري كبير للمتمردين في هذا الإقليم لا يمكن أن يكون إلا عبر عملاء أمريكا، سواء أكان ذلك داخل إثيوبيا نفسها أم عبر السودان أو إريتريا، وهذا يعني أن الدول الأوروبية حتى لو امتلكت الإرادة السياسية فإنها عاجزة عن تقديم الدعم العسكري المعتبر للإقليم المتمرد، وفضلاً عن ذلك فإن قيادات جبهة تحرير التيغراي المناوئة للحكومة المركزية في أديس أبابا ليست بعيدة عن العلاقة المباشرة مع أمريكا. وإذا استثنينا بعض الدعم السياسي الأوروبي للإقليم المتمرد وبعض التصريحات الأوروبية المنتقدة لسيطرة الجيش الإثيوبي على الإقليم سنة 2020 فإن الصراع بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير تيغراي خالٍ من أي بعد أوروبي ذي قيمة.

3-     وأما مسألة سد النهضة التي برزت بها إثيوبيا على الساحة الإقليمية والدولية في السنوات الأخيرة فهي مسألة متعلقة بمصر والسودان، وحكامهما عملاء لأمريكا ولا يغير من هذا شيئاً أن عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان المعزول يعتبر عميلاً للإنجليز والأوروبيين، فمراكز القوة الفعلية في السودان لم تزل في يد أمريكا، بمعنى أن عملاء الإنجليز والأوروبيين الجدد في السودان أعجز عن التدخل في إقليم تيغراي الإثيوبي لصالح الإنجليز والأوروبيين، فهم يكافحون على أمل أن يبقى لهم شيء من حصة في حكم السودان. وأما كيان يهود فهو يحرض الحكومة الإثيوبية من وراء ستار على الاستمرار في بناء وتشغيل سد النهضة من باب تشكيل مواطن ضعف ونزاعات تنشغل بها مصر، وهذا أيضاً لا يمكن أن يتمادى به كيان يهود فيتجاوز السياسة الأمريكية، بمعنى أن الصراع حول مسألة سد النهضة تمسك به أمريكا بشكل كبير وتديره وفق مصالحها.

ثانياً: الزوايا القومية المحلية:

1-     تعتبر إثيوبيا بلداً متخلفاً من الناحية الفكرية والنواحي الأخرى، فرغم حكم الضباط اليساريين من 1974 حتى 1991 فإن أي أيديولوجيا لم يتم نشرها في إثيوبيا رغم الجعجعة بالاشتراكية، وكان حال هؤلاء الاشتراكيين عملاء أمريكا كحال عبد الناصر في مصر، ورغم أن التقديرات الرسمية تعطي الأكثرية للمسيحيين إلا أن الإحصاءات غير الرسمية تقدر نسبة المسلمين في إثيوبيا بحوالي 60% (مركز الجزيرة للدراسات، 2015/4/15) وبسبب التوجهات الدولية لإعطاء إثيوبيا الصفة النصرانية فإن تأثير الإسلام في تلك البلاد ضئيل للغاية ويبقى تحت السطح، أي أن البلاد خالية من أي فكر يقوي الوحدة بين شعوبها.

2-     ولخلوها من الفكر الفاعل فإن العصبية القبلية والنظرة القومية تبقى هي المهيمنة على كافة مناحي الحياة السياسية من دولة وأحزاب وتشكيلات وكيانات وتحالفات، وبذلك فإن العصبية القبلية والنظرة القومية هي الباب الواسع للتأثير السياسي في إثيوبيا، منه تدخل النزاعات القبلية والحروب القومية والخلافات الحدودية بين الأقاليم والولايات، ووفق النظرة القومية فإن ولاية أوروميا الحاضنة للعاصمة أديس أبابا هي موطن أكبر القوميات الإثيوبية "الأورومو" الذين يشكلون قرابة 40% من سكان إثيوبيا، ثم ولاية وقومية الأمهرة بنسبة 20%، ثم القومية الصومالية في إقليم أوغادين بنسبة 6% يليها إقليم التيغراي والقومية التي تحمل الاسم نفسه بنسبة 5%، يضاف إليها عشرات القوميات الأخرى الأصغر حجماً.

3-     وبالإضافة إلى النزاعات الحدودية فإن شخص الحاكم ينظر إليه على أنه رأس الهيمنة القومية في البلاد، فمثلاً كان عميل الإنجليز الإمبراطور هيلا سيلاسي وعميل أمريكا منغيستو هيلا مريام من قومية الأمهرة، وخلال حكمهما الطويل فقد تم فرض الثقافة الأمهرية على البلاد وفرض الأمهرية كلغة رسمية للدولة على الرغم من أن أديس أبابا نفسها تقع في أوروميا، وقومية الأوروميا ذات الأغلبية المسلمة تشكو التهميش على مدار التاريخ الحديث لإثيوبيا، وبسبب الخلافات القومية والنظرة المسيحية لإثيوبيا فقد سيطرت قومية التيغراي على الحكم منذ سنة 1991 حين حكم ملس زيناوي إثيوبيا حتى وفاته سنة 2012 رغم أنها تمثل أقلية قومية في إثيوبيا، واستمرت سيطرة التيغراي على الحكم بعد تنصيب نائب زيناوي رئيساً للوزراء ديسالين على الرغم من كونه من قومية صغيرة أخرى، إذ استمرت سيطرة التيغراي على مفاصل الدولة في الجيش والأجهزة الأمنية. وبعد الاحتجاجات الواسعة من قومية الأورومو حول أديس أبابا والتي اندلعت سنة 2015 واستمرت حتى استقالة ديسالين سنة 2018، بعد ذلك تم تنصيب آبي أحمد أول رئيس وزراء لإثيوبيا الحديثة من قومية الأورومو.

4-     أخذ رئيس الوزراء آبي أحمد بإخراج التيغراي من مفاصل الدولة فعزل في حزيران 2018 رئيس أركان الجيش ومدير جهاز الأمن والمخابرات الوطنية، وهما من التيغراي، وقد نظرت جبهة تحرير التيغراي إلى ذلك باعتباره استهدافاً قومياً خاصة وأن التيغراي يحتفظون بهذه المناصب الحيوية منذ سنة 1991، لكن الغريب أن رئيس الوزراء آبي أحمد لم يكن يعمل لصالح قوميته المهمشة عبر التاريخ "الأورومو"، فقد صار متحالفاً مع قومية الأمهرة، ولعل كونه أورومياً من أب مسلم وأم أمهرية نصرانية ومتزوجاً من نصرانية أمهرية قد شكلا في نفسه واقعاً قومياً يميل باتجاه الأمهرة، لذلك سرعان ما أحست قوميته الأورومو بهذا التوجه وتحالفوا ضده مع جبهة تحرير تيغراي.

ثالثاً: وبالتدقيق في هذه الزوايا الدولية والمحلية نجد أن الصراعات القومية والعرقية في إثيوبيا هي الأصل في صنع الأحداث المحلية فيما تقوم الدول الكبرى صاحبة النفوذ باستغلال ذلك وتوجيهه وفق سياستها ومصالحها، هكذا كانت الصراعات الإثيوبية عبر التاريخ الحديث، ولو رجعنا لسنوات خلت لوجدنا أن بروز قومية التيغراي كان منذ تأسيس جبهة تحرير تيغراي سنة 1975 وبعد نحو 15 سنة سيطر زعيم جبهة تحرير تيغراي ميليس زيناوي على كامل السلطة في إثيوبيا سنة 1991 ثم أخذ يقوم بالتعديلات الدستورية لضمان حق التيغراي في الانفصال عن إثيوبيا فيما لو دارت الدائرة في أديس أبابا ضد التيغراي، وهكذا كانت المادة (39) من دستور إثيوبيا لعام 1995 والتي يحق بموجبها لأي شعب من شعوب إثيوبيا تقرير المصير والانفصال غير المشروط، لكن التيغراي لم يكونوا بحاجة هذه المادة من الدستور طالما أنهم يهيمنون على الدولة، تلك الهيمنة التي تم القضاء عليها بسيطرة آبي أحمد على السلطة في أديس أبابا، ولما قامت حكومة آبي أحمد بتأجيل الانتخابات البرلمانية التي كان من المقرر عقدها في آب/أغسطس 2020 بذريعة انتشار فيروس كورونا، رفضت جبهة تحرير تيغراي هذا التأجيل وقامت بإجراء الانتخابات في تيغراي بشكل منفرد فظهر إقليم تيغراي في وضع المتمرد الذي يضع نفسه على سكة الانفصال عن الدولة. وبسبب التوجهات الانفصالية لجبهة تحرير تيغراي وقيامها بأخذ معسكرات الجيش الإثيوبي المركزي في الإقليم وبسبب رفض الحكومة المركزية أصلاً للانتخابات المنفردة في إقليم تيغراي فقد اشتعلت الحرب بين الإقليم المتمرد والحكومة المركزية في 2020/11/4، وقد تمكن الجيش الإثيوبي خلال فترة وجيزة من السيطرة على كامل الإقليم وعاصمته مدينة ميكيلي، وكان ذلك بمساعدة جيش إريتريا، وانتقلت جبهة تحرير تيغراي للجبال.

رابعاً: لكن الحكومة المركزية في أديس أبابا أخذت بالتراجع بعد ذلك بشهور وبشكل غير متوقع، حيث كانت البداية بإعلان انسحاب إريتريا بعد أن لم تكن أديس أبابا تعترف بوجود الجيش الإريتري في تيغراي (قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الجمعة إن القوات الإريترية ستنسحب من إقليم تيغراي شمال بلاده. فرانس24، 2021/3/26)، ثم تم الإعلان عن انسحاب الجيش الإثيوبي نفسه من الإقليم، (وكان وزير الخارجية الإثيوبي أعلن انسحاب الحكومة من تيجراي، مؤكدا أنه قرار سياسي، مضيفا: "نحن غير مسؤولين بعد اليوم عن ما يحدث في تيجراي". المصري اليوم، 2021/6/30)، وكذلك وفق المصدر السابق نفسه فقد (أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد أن "خروجنا من تيجراي يجعلنا نمنح شعب تيجراي فرصة للتفكير ملياً في الأمور". وتابع آبي آحمد: "لقد أنفقنا نحو 100 مليار بر في إقليم تيجراي أي ما يعادل أكثر من 13 ضعف ميزانيتنا السنوية للإقليم، ولكن من الآن فصاعداً، لا نريد مواصلة هذا الإنفاق الذي لا يجدي"). وكان انسحاب الجيش الإثيوبي هذا رغم الفوز الكاسح لحزب رئيس الوزراء آبي أحمد في الانتخابات البرلمانية 2021/7/10 والتي اعتبرها تأييداً شعبياً كبيراً لحملة جيشه على تيغراي، ولتبرير انسحاب الجيش بعد الانتصار المطلق على جبهة تحرير تيغراي أخذت حكومة أديس أبابا تتذرع بأن الأولوية تتمثل في حماية سد النهضة بعد بعض الاشتباكات مع الجيش السوداني للسيطرة على شريط حدودي، مثلث الفشقة. (القدس العربي، 2021/7/2).

خامساً: وبالتدقيق نجد أن الجيش الإثيوبي الضعيف أصلاً لم يكن يمكنه احتلال الإقليم المتمرد أواخر 2020 بتلك السهولة لولا دعم أمريكا له، ودليل هذا الدعم الأمريكي هو مشاركة جيش إريتريا مع الجيش الإثيوبي في معارك الإقليم، ورئيس إريتريا أسياس أفورقي عميل أمريكي قديم، وبالتدقيق أيضاً نجد أن أمريكا هي التي سمحت بخروج الجيش الإريتري من تيغراي بعد أن لم تكن حكومة أديس أبابا تعترف بمشاركته بالمعارك إلى جانبها، ثم تصريحات وزير الخارجية ورئيس الوزراء في إثيوبيا كلها تشير إلى انسحاب الجيش الإثيوبي طوعاً من الإقليم، وإخلاء المجال لجبهة تحرير تيغراي من جديد، وهذا لا يكون أبداً إلا بطلب من أمريكا.

سادساً: وبتدبر ما جرى ويجري في إثيوبيا يتبين منه تبدل الخطط الأمريكية لإثيوبيا والقرن الأفريقي برمته، ولتوضيح ذلك:

1- لما قامت أمريكا بدعم حكومة آبي أحمد وأسندته بالسعودية واتصالات ابن سلمان به كانت أولاً تفترض قدرته على فرض الاستقرار في إثيوبيا، ثم تبين لها أنه غير قادر على ذلك، ولعل تحالف جيش تحرير أوروميا مع جبهة تحرير التيغراي لإسقاط حكومة أديس أبابا إشارة واضحة إلى أن آبي أحمد فشل حتى في استقطاب القومية التي ينتمي إليها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن إدارة ترامب السابقة التي قامت بتوفير الدعم لحملة الجيش الإثيوبي على تيغراي نهاية 2020 وضمنت هزيمة جبهة تحرير تيغراي بمشاركة جيش عميلها رئيس إريتريا في المعارك، كانت هذه الإدارة تنظر بعين واحدة هي عين كيان يهود الذي يرى تفاني رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في خططه لسد النهضة بما يشكل تهديداً كبيراً واستراتيجياً لمصر، وهكذا فإن إدارة ترامب ولأسباب انتخابية وتماهياً مع كيان يهود قد دعمت خطط آبي أحمد في إثيوبيا لإعادة فرض سيطرتها على إقليم تيغراي نهاية 2020.

2- ولما جاءت إدارة بايدن خلفاً لترامب فقد تغيرت الخطط الأمريكية لإثيوبيا والقرن الأفريقي وأصبحت السياسة الأمريكية تقود إثيوبيا نحو التفكك، وهذا ما يفسر سماح إدارة بايدن بإخراج الجيش الإريتري من تيغراي ومن بعده إخراج الجيش الإثيوبي من الإقليم بمعنى وضع الإقليم على سكة الانفصال عن إثيوبيا، ومن تتبع تصريحات المسؤولين الأمريكان حول الأحداث في إثيوبيا نجد أن عين أمريكا مفتوحة بكاملها على تفكيك إثيوبيا، فتجدهم يكثرون الحديث عن "وحدة الأراضي الإثيوبية" مع أن جبهة تحرير تيغراي وغيرها من الجماعات التي تحالفت معها لا تذكر ذلك علناً! ويؤكد هذا التوجه الأمريكي في تفكيك إثيوبيا ما يلي:

أ- ما يجري عملياً هو بتخطيط أمريكي، فقد تحالفت 9 فصائل مع جبهة تيغراي ضد الحكومة المركزية، وكان أحد المتحالفين جيش تحرير أوروميا الذي يهدد العاصمة نفسها، وكان تحالف هذه الفصائل يعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن، (قال تحالف مؤلف من تسع فصائل مناهضة للحكومة الإثيوبية، الجمعة "الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر 2021"، إنه يهدف إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، سواء أكان ذلك بالقوة أم بالمفاوضات وتشكيل حكومة انتقالية،...، وأعلن زعماء الفصائل في واشنطن عن التحالف رغم دعوات من زعماء أفارقة وغربيين لوقف إطلاق النار في الحرب الدائرة بين الحكومة المركزية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وحلفائها. دوتشيه فيليه الألمانية، 2021/11/5)، وظاهر من هذا الإعلان من واشنطن أن أمريكا هي التي ترعى هذه القوى الانفصالية وتعمل على إضعاف حكومة آبي أحمد.

ب- نشرت مجلة فورين أفيرز الأمريكية Foreign Affairs مقالا مطولا عن الحرب في إثيوبيا قالت فيه: (حتى لو كان من الممكن وقف القتال والحروب، فإن غياب هوية موحدة للبلاد والخلافات الشديدة حول من يجب أن يحكم وكيف يستمر، تجعل من الصعب نجاة إثيوبيا من التفكك. وأضافت أنه ومن دون رؤية مقنعة ومشتركة على نطاق واسع للدولة الإثيوبية، لن يتمكن آبي أحمد من منع قوى التفكك من الصعود على حساب قوى التوحيد والتماسك. الجزيرة نت، 2021/11/6).

سابعاً: والخلاصة أن أمريكا هي التي تسعى إلى إضعاف حكومة آبي أحمد المركزية في أديس أبابا، وهي التي تمهد طريق الانتصارات المتتالية للمتمردين التيغراي وغيرهم من متمردي الأقاليم الإثيوبية، وكل ذلك يسير وفق خطتها التي تبنتها إدارة بايدن لتفكيك إثيوبيا وتقسيمها إلى دويلات، وقد لا يحدث هذا التقسيم في المدى القصير ولكن هذه هي الخطة الأمريكية الحالية وفق مجريات الأحداث، وهي الخطة الأمريكية نفسها للسودان والتي بموجبها جرى فصل جنوبه عنه، وهذا كله يشير إلى الدرجة العالية من الإجرام في العقلية السياسية الأمريكية، وهي وغيرها من القوى الدولية المستعمرة لا تبالي بإراقة الدماء في سبيل تنفيذ سياساتها وتحقيق مصالحها خاصة أن الشعوب المستضعفة هي التي تدفع الثمن، وفي إثيوبيا فإن المسلمين غالباً ما كانوا أول من يدفع الثمن، وهم خاصة أهالي أوروميا الحاضن للعاصمة أديس أبابا الذين هم من أكثر شعوب إثيوبيا تهميشاً، وتتفق مختلف القوى الإثيوبية مع أسيادها من الدول الكافرة المستعمرة بأن المسلمين لا نصيب لهم من الحكم في إثيوبيا ويتفقون على استمرار الوجه النصراني لإثيوبيا ومنع الإسلام من أن يطفو على الساحة السياسية في إثيوبيا رغم نسبة المسلمين الكبيرة في هذا البلد.

لقد مثلت أفريقيا نموذجاً للإجرام الغربي كما حصل في مذابح رواندا وغيرها، وفي العادة فإن المسلمين هم أول ضحايا تلك الحروب، ولن يتمكن أحد من الوقوف في وجه هذه القوى الدولية المتوحشة إلا دولة الإسلام، دولة الخلافة، التي تنشر الهدى بين الناس ليحل محل العصبيات والقوميات المنتنة، وتكشف اللثام عن جرائم تلك الدول الكبرى، وتجعلها عبرة لمن يعتبر، ومن ثم تصدع الدنيا بقول القوي العزيز: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾...

السادس عشر من ربيع الآخر 1443هـ

2021/11/21م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م