جواب سؤال: انسحاب أمريكا من معاهدة الصواريخ مع روسيا
February 13, 2019

جواب سؤال: انسحاب أمريكا من معاهدة الصواريخ مع روسيا

جواب سؤال


انسحاب أمريكا من معاهدة الصواريخ مع روسيا


السؤال: أعلن وزير الخارجية الأمريكي رسمياً بداية هذا الشهر انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى الموقعة مع روسيا سنة 1987م، فما هي أبعاد هذا الانسحاب الأمريكي؟ وهل كانت روسيا تنتهك الاتفاقية فعلاً أم أن ذلك مجرد ذريعة أمريكية للانسحاب؟ وإذا لم تنتهك روسيا الاتفاقية فإذن ما هي أهداف أمريكا من الانسحاب ولماذا انسحبت؟ وجزاك الله خيراً.


الجواب: حتى يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:


أولاً: نعم (أعلن وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الجمعة، تعليق أمريكا التزامها بمعاهدة حظر الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى مع روسيا. وقال بومبيو: "سنقدم إخطارا رسميا لروسيا بانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة في غضون ستة أشهر". وأكد أن "بلاده ستعلق التزاماتها بموجب معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى اعتبارا من غد السبت". وهدد بأنه "إذا لم تعد روسيا للالتزام بالمعاهدة فسينتهي العمل بها"... عربي 21، 2019/2/1) وكان هذا الإعلان الأمريكي متوقعاً بعد أن أخذت الولايات المتحدة تثير الشكوك ومنذ أشهر حول التزام روسيا بالمعاهدة المسماة "أي إن إف" (وقال ترامب إن الولايات المتحدة لن تترك روسيا مستمرة في صنع الأسلحة "بينما يحظر علينا ذلك"... بي بي سي 2018/10/21)، وأما روسيا فقد ذهلت من هذه الخطوة لإدارة ترامب (قال نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف "ستكون هذه خطوة خطيرة جدا، وستثير استنكارا حادا". وأضاف في حديث لوكالة أنباء تاس الروسية أن المعاهدة مهمة للأمن العالمي في أجواء سباق التسلح، ومن أجل الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي. وأدان ريابكوف ما وصفه "بمحاولات الولايات المتحدة للحصول على تنازلات عبر الابتزاز"... بي بي سي 2018/10/21) وبعد إبلاغها رسمياً بالانسحاب الأمريكي فقد ردت روسيا بخطوة مماثلة (وقال لافروف في موجز صحفي في عشق آباد: "لقد حدد الرئيس فلاديمير بوتين موقفنا ومفاده أننا سنرد بشكل مماثل تماما". وأضاف: "علّق الأمريكان التزامهم بالمعاهدة، وفعلنا الشيء نفسه، وعند انتهاء مهلة الأشهر الستة - المنصوص عليها في المعاهدة -، ونتيجة للمذكرة الرسمية الأمريكية بانسحاب واشنطن من المعاهدة، سننهي سريانها" من جهتنا... آر تي 2019/2/6) وبهذا يتضح بأن الولايات المتحدة تقوم بعملية انسحاب فعلية من تلك الاتفاقية، حتى قبل انقضاء الشهور الستة، وقد أعلنت أنها ستبدأ بالأبحاث والبرامج الصاروخية التي كانت تمتنع عنها بموجب الاتفاقية...


ثانياً: أما أن يكون سبب انسحاب الولايات المتحدة هو ما أعلنته من أن روسيا بتصنيعها لصاروخ "9m729" قد انتهكت الاتفاقية، فهذا غير صحيح ومستبعد، فروسيا تعلن أن صاروخها يبلغ مداه 480 كيلومتراً، أي دون الـ500 كيلومتر التي تحظر الاتفاقية النشاط فيها، إذ إن الاتفاقية كانت تنص على حظر الصواريخ القصيرة المدى من 500-1000 كيلومتر، والمتوسطة المدى من 1000-5500 كيلومتر. والصواريخ الروسية قصيرة المدى وكذلك المتوسطة لا تهدد الأراضي الأمريكية مباشرة، بل إن الاتحاد السوفييتي الذي كان محاطاً بالكثير من الأعداء كان يصنع كميات كبيرة من هذه الصواريخ التي تطال بشكل خاص أوروبا الغربية، وعندما نصبت أمريكا في أوروبا الغربية صواريخ بيرشينغ وكروز في ثمانينات القرن الماضي، ورد الاتحاد السوفييتي بنصب صواريخ إس 20 متوسطة المدى، فقد أصبحت أوروبا هي الساحة الأكثر احتمالاً للحرب النووية بين أمريكا والاتحاد السوفييتي في الثمانينات، لذلك أصابها الذعر، وضغطت من أجل الوصول إلى معاهدة الحد من الصواريخ متوسطة المدى.


ثالثاً: وبالنظر في تلك الخطوة الأمريكية وقتها يمكن فهم خطورة السياسة الأمريكية، فمن ناحية زادت أمريكا في ربط أوروبا الغربية أمنياً بها، وجعلت مصير القارة الأوروبية رهناً بيد واشنطن، ومن ناحية ثانية فقد كانت أمريكا ترى خطوات غورباتشوف المتهالكة لنزع السلاح منذ بداية الثمانينات، ولما نضجت مفاوضات نزع الأسلحة بينهما وتم توقيع الاتفاقية تلك فقد جعلتها أمريكا خاصة بالصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، لتكون الخسارة الكبرى للاتحاد السوفييتي الذي دمر 1800 صاروخٍ نوويٍّ أنفق عليها من أمواله في الوقت الذي دمرت فيه أمريكا 800 صاروخ فقط، أي أقل من نصف ما دمرته موسكو (بحلول أيار/مايو عام 1991 أعلن الطرفان تدمير أكثر من 2600 صاروخ تنفيذا للمعاهدة، نصيب روسيا منها نحو 1800 صاروخ... الجزيرة نت 2019/2/2). أي أن العمل بالاتفاقية لتدمير الصواريخ كان قد انتهى سنة 1991، وبقي الالتزام بالاتفاقية أي الامتناع عن تصنيع صواريخ نووية شبيهة بها...


رابعاً: وبالنظر في الاستراتيجية الأمريكية التي تعمل بها إدارة ترامب وقبلها جزئياً إدارة أوباما يمكن إدراك أن التطورات العالمية أوجبت على واشنطن إعادة النظر في مجمل السياسة الأمريكية... والقضايا العميقة التي يلاحظ أن الاستراتيجية الأمريكية تستهدف علاجها هي:


1- الاقتصاد الأمريكي: رأت أمريكا أن اقتصادها باعتباره ركناً من أركان عظمتها الدولية قد أصابه وهن دولي... ومع ذلك فقد لاحظت بأن أوروبا قوية اقتصادياً لأنها لا تنفق على الأمن بالدرجة الكافية، إذ إنها مطمئنة للمظلة الأمنية الأمريكية... ومن ناحية لا تقل أهمية عن أوروبا فإن صعود الصين كان سريعاً للغاية، فبنت اقتصاداً من الطراز الأول في فترة عقدين فقط، وبنت مؤسسات نقدية كبنك التنمية الآسيوي بما يهدد مكانة المؤسسات الدولية التي بنتها أمريكا، كالبنك الدولي... هذه الحقائق والتقلبات الدولية الاقتصادية قد شككت أمريكا في مستقبل اقتصادها باعتباره ركناً أساسياً في هيمنتها الدولية، لذلك أخذت تركز على عظمتها العسكرية، أي تكشف عن أنيابها الصاروخية والنووية لتخيف بها الدول المنافسة، وأمريكا على عهد ترامب لم تعد تخفي أهدافها، فقد قال الرئيس الأمريكي (إن بلاده ستزيد قدرتها النووية حتى "يعود الآخرون إلى وعيهم") اليوم السابع 2018/11/6.


2- النزعات الأوروبية ضد أمريكا: لقد دعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى إنشاء جيش أوروبي للوقوف ضد التهديدات الروسية والصينية، بل والأمريكية، فاستغرب ترامب كيف يمكن لأوروبا أن تفكر بأن أمريكا تشكل تهديداً لأمنها وهي من يظلها ويحفظ أمنها وينفق من أجل حمايتها... كما أن أوروبا تعارض أمريكا في الكثير من المواضع كاتفاقية المناخ، وحرب أمريكا على العراق، وصراعات النفوذ المضنية في مناطق عربية وإسلامية وأفريقية، بل وتتعاون أوروبا بشكل كبير مع الصين... لكل ذلك فإن أمريكا تريد للتهديد الروسي أن يعيد لأوروبا صوابها، فبانسحابها من المعاهدة مع روسيا ستضطر روسيا إلى الانطلاق في صناعة الصواريخ ومن ثم تعيد التهديد النووي الروسي ليجثم بثقله فوق أوروبا الأقرب إلى روسيا حيث كانت المعاهدة تشكل وقفاً للتنافس النووي على أرض أوروبا، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، بقوله (في بيان نقلته وكالة "رويترز"، إنه "على مدى 30 عاما كانت المعاهدة ركيزة أساسية لأمن أوروبا"... سبوتنيك الروسية 2018/10/21). ومن قبل قال هايكو ماس لوكالة الأنباء الألمانية: (إن بلاده ستعارض بقوة أي تحرك لنشر صواريخ نووية جديدة متوسطة المدى في أوروبا ...ونقلت وكالة الأنباء عنه قوله في مقابلة نشرت يوم الأربعاء يجب ألا تصبح أوروبا تحت أي ظرف ساحة نقاش عن إعادة التسلح... الوفاق أون لاين 2018/12/28) وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد قال قبل ذلك (إن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى سيعرض الأمن الأوروبي للخطر. وأضاف ماكرون في حديثه لإذاعة "أوروبا 1" الفرنسية، اليوم الثلاثاء، "عندما أرى أن الرئيس ترامب أعلن منذ عدة أسابيع انسحابه من المعاهدة الهامة لنزع السلاح، فمن الذي سيصبح ضحية رئيسية... اليوم السابع 2018/11/6).


3- السياسة الروسية والضغط الأمريكي عليها: بعد تولي إدارة ترامب الحكم في أمريكا لا يكاد يمر شهر دون زيادة الضغوط الأمريكية على روسيا، من عقوبات وتقريب بُنية الناتو العسكرية من حدود روسيا، وضم بلدان جديدة للناتو (مقدونيا)، وتوريط روسيا في سوريا، والتباطؤ في مساعدتها بمخرج من ورطتها، ونصب منظومة الصواريخ المضادة للصواريخ عند حدودها الشرقية (في كوريا الجنوبية)، وليس آخر تلك الضغوط الأمريكية بعث الحياة في المطالبات اليابانية بجزر الكوريل وتأزيم العلاقات الروسية اليابانية... والذي جرّأ أمريكا على روسيا استجابة روسيا لها في سوريا، فأرادت أمريكا أن تنقل خدمات روسيا الدولية لأمريكا إلى محيط الصين، وروسيا من جانبها تفهم هذه السياسة بوضوح، إذ كان وزير الخارجية الروسي صريحاً عندما قال (أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الولايات المتحدة لن تتمكن من تحويل روسيا إلى أداة لخدمة مصالحها، ومواجهة الصين...، وقال: "يعملون على شيطنتنا من أجل فرض الانضباط على أوروبا وتعزيز العروة الأوروبية الأطلسية. وعلى سبيل المثال أيضا، يناقشون الآن وبجدية، كيفية استخدام روسيا ضد الصين لصالحهم... رغبة منهم في جعلنا أداة لخدمة مصالح الولايات المتحدة"... آر تي 2018/12/24). فروسيا بعد نجاح أمريكا بتوريطها في سوريا خدمةً للمصالح الأمريكية تتعرض لضغوط كبيرة لجرها ضد الصين، وهذا خط عريض في السياسة الأمريكية الجديدة على الاتجاه الروسي... فبانسحاب أمريكا من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة مع روسيا فإنها تزيد من الضغوط على روسيا من ناحية، ومن ناحية أخرى تعمل على توتير علاقاتها مع الصين: أما زيادة الضغوط على روسيا فهو عن طريق دفعها إلى سباق تسلح جديد ليس اقتصادها بقادر على خوضه، قال سيرغي ريابكوف نائب ووزير الخارجية الروسي (لا نريد الانخراط في سباق تسلح مع الولايات المتحدة بينما هي تسعى لجرنا لذلك... قناة آر تي عربي 2019/2/7)... وأما توتير العلاقة مع الصين فإن إجبار أمريكا لروسيا على خوض سباق تسلح في الأسلحة الاستراتيجية المتوسطة والقصيرة سيوجد التوجس الكبير في الصين التي تجاورها الحدود، إذ تصبح كافة الأراضي الصينية في مرمى تلك الصواريخ التي كانت قد انتهت من روسيا بحلول سنة 1991، ومن ثم يوجِد هذا الأمر توتراً بين الصين وروسيا.


4- الصعود الصيني الكبير وما يلزم أمريكياً لمواجهته: تضع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المعمول بها منذ ولاية أوباما الثانية الصين في مقدمة الأولويات الأمريكية، وقد صعَّد ترامب من هذه الأولوية فهو يخوض مع الصين حرباً تجارية لوقف صعودها، وخاصة وأن القوة الاقتصادية الجبارة للصين تجعلها قادرة على بناء جيش قوي لا تنقصه الأسلحة النووية، ويمكن تطويرها وتشكيل المزيد من المخاطر للقوة والهيمنة الأمريكية. فالميزانية العسكرية التي تعلنها الصين (228 مليار دولار) هي أكبر من الميزانيات العسكرية للدول الأربع التالية للصين (روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مجتمِعات) ولا تستبعد أمريكا أن تكون الصين تخفي بعض برامجها العسكرية، إذ إن اقتصادها يؤهلها للمزيد من الإنفاق العسكري. هذا من ناحية... ومن ناحية أخرى، فإن أمريكا التي ترهقها الحرب الاقتصادية مع الصين بسبب تقارب الاقتصادين في القوة تريد أن تنقل جهودها للحد من نمو الصين إلى الساحة العسكرية التي هي متفوقة فيها بشكل حاسم مقارنةً بالصين. ولهذا فأمريكا تريد أن تتحلل من القيود (معاهدة الصواريخ مع روسيا) التي تمنعها من إحاطة الصين بالأسلحة النووية المتوسطة والقصيرة المدى التي يمكن لها نصبها في كوريا الجنوبية واليابان وبلدان أخرى حول الصين... وبعبارة أخرى تريد تبديد القوة الاقتصادية الصينية عن طريق دفعها إلى سباق تسلح فتقوم الصين بتصنيع المزيد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة رداً على الخطوات الأمريكية المحتملة في محيط الصين في وقت توظف فيه أمريكا ليس فقط طاقاتها الاقتصادية بل وطاقات غيرها كاليابان وكوريا الجنوبية في سباق التسلح للشرق الأقصى، فيحمل ذلك الاقتصاد الصيني إلى النزول عن مرتبته الحالية.


خامساً: والخلاصة فإن الأهداف الأمريكية بعيدة المدى تصبح واضحة بانسحابها من اتفاقية الصواريخ مع روسيا على النحو التالي:

1- مع تراجع الاقتصاد الأمريكي وضعف فعاليته كأداة رئيسية من أدوات الهيمنة الأمريكية خاصة مع تعاظم الاقتصاد الصيني ومنافسته لنظيره الأمريكي، وكذلك المنافسة الأوروبية، فإن أمريكا قررت الزيادة في إبراز قدراتها العسكرية الاستراتيجية التي لا منافس لها لحسم وتثبيت هيمنتها الدولية في أوروبا، ومع روسيا، وكذلك مع الصين.


2- مع تنامي التفلُّت الأوروبي ومناكفة الدول الأوروبية لأمريكا سياسياً في الكثير من القضايا الدولية فإن أمريكا قررت أن تعيد التهديد الروسي ليجثم على صدر أوروبا من جديد تماماً كما كان إبان الحقبة السوفييتية، وذلك بإيجاد سباق التسلح من جديد مع روسيا لإجبار الدول الأوروبية على اللجوء للمظلة النووية الأمريكية لحمايتها من روسيا، وبالتالي قبولها بشروط واشنطن الجديدة مثل زيادة الإنفاق العسكري، وضمان بقائها تحت القيادة الأمريكية.


3- زيادة الضغط على روسيا، وتهديد وضعها الاستراتيجي القائم بسباق تسلح جديد لا تطيقه روسيا، وحملها جبراً على مواقف لا تروق للصين مما يباعد بين البلدين. فوفق الوضع الاستراتيجي الجديد الذي يفرضه انسحاب واشنطن من المعاهدة فإن روسيا أمام خيارين أحدهما أمرّ من الآخر، فإما أن تسير بسباق تسلح خاسر يكشف محدودية قدراتها الاستراتيجية، فتنتقل بذلك إلى مرتبة أقرب إلى وضع فرنسا وبريطانيا من حيث القدرات الاستراتيجية، أو أن تستجيب للضغوط الأمريكية التي يمكن أن تحفظ لها ماء وجهها، فتحافظ على عظمة دولية مرهونة تماماً بقبول أمريكا، مقابل أن تسير مع أمريكا لخدمة أهدافها في محيط الصين.


4- وأما على جانب الصين فإن أهداف أمريكا من الانسحاب من معاهدتها مع روسيا قد تكون في الأولوية رقم 1، فأمريكا تريد ضبط القدرات العسكرية للصين، ولا تريد لتلك القدرات أن تفاجئها كما فاجأها الاقتصاد الصيني في سرعة نموه... وذلك كأن تضبط هذه القدرات بمعاهدات تجعل نموها تحت عين وبصر أمريكا، أو أن تجبر الصين على خوض سباق التسلح الاستراتيجي في الشرق الأقصى، ذلك السباق الذي تتفوق به أمريكا، وتجعله أداةً قويةً في كسر صلابة الاقتصاد الصيني، وبالتالي دفعه باتجاه الانحدار.


سادساً: وفي الختام فإن ما يوجد في القلب غصة أن المسلمين بعيدون عن حلبة الصراع الدولية هذه، فهم لا في العير ولا في النفير! بل إن حكام الضِّرار في البلاد الإسلامية قد صاروا أشد استجابةً لأمريكا خاصة والغرب عامة لمنع عملاق الإسلام من الظهور... ولكن ما تُظهره الأمة الإسلامية من حيوية متزايدة باتجاه الإسلام ورفض لمناهج حكامها العلمانية وتحركات ضدهم لتؤكد بأن حقبة العصر الجبري لم يبق لها طول حياة، وستخلفها بإذن الله دولة الخلافة الراشدة بأيدي العاملين الصادقين فتتحقق بشرى رسول الله e «ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» ومن ثم تشرق الأرض بنور الخلافة من جديد وينكفئ الكفار المستعمرون مع شرورهم إلى عقر دارهم وتعود الأمة الإسلامية في صدر العالم تقوده بعيداً عن الشر وأهله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.


السابع من جمادى الآخرة 1440هـ
2019/2/12م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م