جواب سؤال: انتخابات الكونغرس الأمريكي
November 19, 2022

جواب سؤال: انتخابات الكونغرس الأمريكي

جواب سؤال

انتخابات الكونغرس الأمريكي

السؤال: ضَمن الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب الأمريكي بأغلبية بسيطة في مجلس النواب المكون من 435، (إذ فاز بـ218 مقعدا، على الأقل، بحسب تقديرات شبكة "سي بي إس نيوز"، شريك بي بي سي في الولايات المتحدة... بي بي سي، 17 تشرين الثاني 2022)، وأما الديمقراطيون فقد احتفلوا (الأحد باحتفاظ الحزب بالأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ الأمريكي... الجزيرة، 2022/11/14). وكانت وسائل الإعلام المحلية في معظم دول العالم تنقل أخبار انتخابات مجلسي الكونغرس الأمريكي (النواب والشيوخ)، فكيف يمكن فهم أن أحداثاً محلية في أمريكا - لا يُلتفت كثيراً لمثيلاتها في غير أمريكا - أن تصبح حدثاً كبيراً حول العالم؟ أو أن أمريكا تطلب من عملائها وتوابعها الاهتمام بأحداثها الداخلية لجعلها مسألة دولية على غرار بريطانيا التي تنقل وسائل إعلام عملائها الأخبار التافهة عن ملوكها وزواجهم وأطفالهم وغير ذلك؟ أو أن لتلك الانتخابات أثراً حقيقياً حول العالم؟

الجواب: نعم، تطلب بريطانيا من عملائها وتوابعها الاهتمام بتوافه الأمور في بريطانيا من باب الشعور العميق والكبير لدى الإنجليز بالعظمة وكأن ما أطلق عليه قديماً الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس لا يزال قائماً حتى اليوم، ففي حالة بريطانيا فإن ذلك من باب إحياء شعورها الغابر بالعظمة، وأما أمريكا فإن المسألة مختلفة تماماً. ولتوضيح ذلك نستعرض ما يلي:

1- لفهم تأثير الأحداث الداخلية الأمريكية على الساحة الدولية نشير إلى ما قاله الرئيس الأمريكي بايدن بأنه يجب ملاحظة أن روسيا انتظرت نتائج انتخابات الكونغرس الأمريكي قبل أن تبدأ انسحابها من خيرسون (الجزيرة، 2022/11/11)، ونشير كذلك إلى قرار السعودية من خلال "أوبك بلاس" خفض إنتاج النفط بواقع مليوني برميل يومياً حتى ترتفع الأسعار عالمياً ويضج المواطن الأمريكي على أسعار الوقود محلياً فيحجم عن انتخاب الديمقراطيين وينتخب الجمهوريين، ولا يمكن حتى اللحظة تأكيد ما إذا كانت إغلاقات الصين بحجة كورونا هي للأسباب المعلنة حقيقةً أم من باب دعم حزب الرئيس بايدن انتخابيا، وهذا ما يمكن أن تكشفه الأيام القادمة. ومجمل القول بأن انتخابات التجديد النصفي 2022/11/8 كانت تمثل حدثاً دولياً كبيراً، بل ويكفي القول بأن أي اهتزاز يحصل داخل أمريكا يمكن لارتداداته أن تهز مناطق أخرى حول العالم، لذلك لا يجدر التقليل من أهمية هذه الانتخابات الأمريكية دولياً، وما يجعل هذه الأهمية بالغة أن فترة إدارة الرئيس السابق ترامب قد كشفت عن انقسام حاد للغاية داخل أمريكا شعباً وحكومةً وأحزاباً وشركات المال، لكل ذلك فإن العالم كان يراقب ما يمكن أن تتمخض عنه نتائج الانتخابات للكونغرس الأمريكي.

2- في الدولة الرأسمالية الأشهر والأكبر في العالم، أمريكا، فقد جعل النظام السياسي المنافسة حصراً بين حزبين، وكل منهما يرتكز على الشركات الرأسمالية للفوز في الانتخابات! وفي أبلغ إشارة إلى أن الذي يقول كلمته هو الشركات الرأسمالية العملاقة وليس الشعب هو أن إنفاق الشركات على دعم المرشحين لانتخابات الكونغرس بمجلسيه هذا العام كان نحو 17 مليار دولار، (تظهر الولايات المتحدة في كل المناسبات لتقدم النموذج المتناقض، ففي الوقت الذي تعاني فيه البلاد من تضخم تاريخي، سجل الإنفاق على دعاية انتخابات التجديد النصفي مستوى قياسيا. كشفت منظمة أمريكية عن رقم قياسي لتكلفة انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة لعام 2022، والذي تجاوز 16.7 مليار دولار. سكاي نيوز عربية، 2022/11/13)، وهو ما يعادل ميزانية بعض الدول في أفريقيا وغيرها، ومنه يظهر بوضوح أن الرأسماليين في أمريكا أصحاب الشركات الكبرى هم من يوجهون الشعب الأمريكي لانتخاب هذا وعدم انتخاب ذاك، فالانتخابات الأمريكية ظاهرها أن السيادة للشعب لكن باطنها أن السيادة للشركات الكبرى التي يمكنها صرف مئات الملايين من الدولارات لدعم مرشح بعينه، حتى قيل بأن السياسيين في أمريكا هم من يختارون ناخبيهم وليس العكس، وليس أدل على ذلك أن من يرفع شعار حرية الإجهاض يريد جمهوراً من النساء لانتخابه، ومن يرفع شعار الدفاع عن الهجرة يستهدف الأقليات لينتخبوه، ومن يرفع شعارات عنصرية يستهدف الأمريكيين البيض لينتخبوه، وهكذا.

3- لقد كانت سيطرة المال والشركات هي الحال في أمريكا دائماً، لكن فترة إدارة الرئيس السابق ترامب قد كشفت عن تغييرات حادة تحصل داخل أمريكا، وهذه التغييرات كان عنوانها الأبرز أن التنافس الحاد بين الشركات الكبرى لم يعد تنافساً رياضياً كما كان في السابق، بل صار يسخن وزادت سخونته حتى وصل أو كاد درجة الغليان عندما أصبح جشع الرأسماليين لا يسمح بالتعايش السلمي في ظل المصالح المتضاربة لهؤلاء الرأسماليين، فانتقلت حينها المنافسة الرأسمالية الحادة بين الشركات إلى حالة من كسر العظم بين السياسيين الممثلين لمصالح تلك الشركات، وبالمجمل فقد انقسم الرأسماليون إلى قسمين حتى الآن: قسم تغلب عليه شركات التكنولوجيا ويمثله الحزب الديمقراطي الأمريكي، وقسم آخر تغلب عليه شركات النفط والطاقة ويمثله الحزب الجمهوري الأمريكي، وهذان القسمان مرشحان لمزيد من الانقسام تبعاً لمصالح الشركات الكبرى التي تقف خلف هذا أو ذاك وبحسب الولاية الأمريكية التي ترتكز فيها مصالح تلك الشركات. ومما تجب ملاحظته أن شركات النفط والطاقة الأمريكية كانت تمثل لعقود جوهرة الرأسمالية الأمريكية، وكانت لها سطوة كبيرة داخل أمريكا وتأثير كبير في الخارج فكانت حروب النفط وسياسات مد خطوط الأنابيب بين الدول وبناء الناقلات العملاقة التي تدر على هذه الشركات نفوذاً كبيراً وأرباحاً كبيرة، لكن في العقدين الماضيين قفزت إلى السطح شركات التكنولوجيا التي أخذت رساميلها ترتفع بشكل صاروخي حتى فاق رأسمال بعضها في أقل من عقدين رأسمال بعض شركات النفط والطاقة التي راكمتها خلال ما يقرب من قرن من الزمان، ومع ارتفاع حدة هذه المشكلة التي زادت بشكل متفاقم خلال فترة كورونا، حيث سياسة الإغلاقات التي حرمت شركات النفط من الكثير من الأرباح، بل وصل سعر النفط أحياناً للسالب، فيما زادت قفزات شركات التكنولوجيا حين جلس الناس في منازلهم يتواصلون مع بعضهم ويقومون بأعمالهم من خلال أجهزة الاتصال والكمبيوتر، وزادت المعاملات التجارية والمالية من خلال هذه الشركات مثل سيطرة شركة "أمازون" الأمريكية على الكثير من قطاعات التجارة وحولتها إلى تجارة بطرق إلكترونية وتوصيل البضائع للمنازل، وقد تزامنت هذه القفزات الهائلة مع قدوم إدارة ترامب، وهنا تأججت نار الصراع بين هذه الشركات الكبرى الخاسرة والرابحة حتى وصلت الحدة لمحاولات كسر بعضها عظم بعض. ولأن هذه الشركات تنفذ ما تريد عبر السياسيين فإن هؤلاء السياسيين قد انقسموا انقساماً حاداً.

4- لقد زاد الانقسام في الولايات الأمريكية، فأخذت الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون تسن القوانين ضد شركات النفط مثل ما أصدرته كاليفورنيا من سياسة صفر انبعاثات والاعتماد كلياً على السيارات الكهربائية سنة 2035، فيما أخذت ولايات مثل تكساس التي يسيطر عليها الجمهوريون ومن خلفهم شركات النفط التي تسيطر على الولاية تدرج الشركات الصناعية "الخضراء"، أي تلك التي تتبنى سياسة تقليل الانبعاثات، على قائمتها السوداء. وزادت شرعنة الانقسام حين أخذت الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون بتقسيم الدوائر الانتخابية وإصدار القوانين بما يضمن سيطرتهم على الولاية في أي انتخابات قادمة، مثل القوانين التي تضيق التصويت بالبريد الذي يحبذه أنصار الديمقراطيين، فيما أخذت الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون بتقسيم الدوائر الانتخابية وإصدار قوانين كتسهيل التصويت بالبريد بما يضمن عدم نفاذ الجمهوريين إلى هذه الولايات، ناهيك عن الانقسام الثقافي مثل إدراج ثقافة "نظرية العرق" في المناهج الدراسية في الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون ونشر ثقافة ضد الهجرة والمهاجرين، وفي الجهة الأخرى يتم نشر ثقافة حرية الإجهاض في الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون على اعتبار أنها مناهضة للنظرة المحافظة للجمهوريين وكذلك ثقافة الترحيب بالمهاجرين، وهكذا انقسمت الولايات الأمريكية إلى ولايات حمراء يسيطر عليها الجمهوريون يغلب عليهم الأمريكان البيض وولايات زرقاء يسيطر عليها الديمقراطيون ويجمعون معهم معظم جاليات المهاجرين، أي أن الانقسام انتقل ليأخذ طابعاً عرقياً، وصار لهذا الانقسام طابع الديمومة بدرجة متزايدة، وتوجه السياسيون في الولايات نحو تعظيم المسائل الخلافية!

5- كانت أمريكا ومعها حكومات العالم تراقب نتيجة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، وذلك وفق مصالحها، فمن ناحية روسيا كانت تنتظر أن يعيق "جماعة ترامب" عند فوزهم في هذه الانتخابات الدعم الأمريكي الكبير الذي تقدمة إدارة بايدن لأوكرانيا... وكانت أوروبا، خاصة ألمانيا، تتخوف من تأثير "جماعة ترامب" على وقوف أمريكا مع أوروبا لصد توجهات روسيا التوسعية... وربما تخوفت الصين أيضاً من تأثير باتجاه تهور أمريكا ضد الصين أو تسليح نووي لكوريا الجنوبية واليابان... وكذلك عملاء أمريكا في المنطقة الإسلامية فيرى بعضهم كالسعودية أن "جماعة ترامب" أفضل لهم من "جماعة بايدن"، ويرى بعضهم الآخر العكس. صحيح أن هذه الانتخابات ليست رئاسية إلا أنها كانت توصف وكأنها رئاسية، ناهيك عن كونها مؤشراً كبيراً للانتخابات الرئاسية القادمة سنة 2024. وبسبب التضخم الكبير في أمريكا ومنه ارتفاع أسعار الوقود فقد سادت أجواء مواتية للحزب الجمهوري للاكتساح، وهذا ما كانت تتنبأ به استطلاعات الرأي وتروج له وسائل الإعلام بدرجة أخافت الديمقراطيين مما سميّ بـ"موجة حمراء كاسحة"، بمعنى أن الظروف الانتخابية كانت بمجملها في صالح الجمهوريين، لكن ما ظهر حتى الآن من نتائج يشكل صفعةً لاستطلاعات الرأي ووسائل الإعلام، وبعض تلك الوسائل كان في صف الديمقراطيين، التي توقعت "موجة حمراء كاسحة"، وكان الرئيس السابق ترامب يتنقل بين الولايات لدعم المرشحين الجمهوريين وكأنها حملة انتخابات رئاسية، وفي المقابل استخدم الديمقراطيون حملات قام بها الرئيس الحالي بايدن، والسابقون مثل أوباما وكلينتون على أمل "وقف الموجة الحمراء" التي كان يتصور أنها داهمة. ولكن هذه الموجة لم تتحقق، بل تشير نتيجة الانتخابات إلى ضمان الحزب الجمهوري السيطرة على مجلس النواب الأمريكي بأغلبية بسيطة في مجلس النواب المكون من 435، (إذ فاز بـ218 مقعدا، على الأقل، بحسب تقديرات شبكة "سي بي إس نيوز"، شريك بي بي سي في الولايات المتحدة.. بي بي سي، 17 تشرين الثاني 2022)، وأما الديمقراطيون فقد (احتفلوا الأحد باحتفاظ الحزب بالأغلبية البسيطة في مجلس الشيوخ الأمريكي... ويملك الديمقراطيون حاليا 50 مقعدا، إضافة لوجود صوت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس التي تترأس مجلس الشيوخ، مقابل 49 للجمهوريين، ويبقى مقعد واحد لم يُحسم بعد في انتخابات مجلس الشيوخ بانتظار جولة الإعادة في ولاية جورجيا المقررة في السادس من ديسمبر/كانون الأول، ويمكن للديمقراطيين من خلالها أيضا تعزيز غالبيتهم... الجزيرة، 2022/11/14)، وهذه النتائج مخالفة لكافة التوقعات والاستطلاعات!

6- وبالتدقيق نجد الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون، وفيها حاكم جمهوري وفيها غالبية نواب وشيوخ محليين في الولاية من الجمهوريين، قد ظلت جمهورية دون أن يتمكن الحزب الديمقراطي من تحقيق أي نفاذ معتبر فيها، مع استثناءات صغيرة مثل أن زيادة أعداد المهاجرين خاصة من أمريكا اللاتينية مثلاً في تكساس تجعل بعض نوابها، وهم قلة، من الديمقراطيين، فيما تبقى السيطرة شبه التامة عليها للجمهوريين، والعكس صحيح في تلك الولايات التي يسيطر عليها الديمقراطيون، وظهر هذا الانقسام على أنه عميق وراسخ، فيما ظلت بعض الولايات موضع صراع بين الطرفين ويسمونها بالولايات المتأرجحة مثل جورجيا وأريزونا ونيفادا وبنسلفانيا. ولعل نتيجة الانتخابات التي خالفت كل التوقعات التقليدية وخالفت استطلاعات الرأي والقراءات العادية لعمليات الانتخاب تشير إلى أن الولايات الأمريكية التي تجمعها العاصمة واشنطن لم تعد ولايات متحدة كما كانت في السابق، بل إن سمة التفكك بينها تأخذ طريقها نحو الديمومة، ومن ناحية أخرى فإن صراع الحزبين على الحكم والمصالح المتباينة للشركات الكبرى التي تقف خلف الحزبين قد يسخن وبشكل حاد في الولايات المتأرجحة، لأن سيطرة طرف على أي منها في هذه الانتخابات وتشريع قوانين جديدة فيها ضد الطرف الآخر ونشر ثقافة مناهضة له تجر الولاية بعيداً أكثر عن الطرف الآخر، الأمر الذي لا يقبله الطرف الخاسر، فيمكن من هذه الولايات المتأرجحة أن تنطلق شرارات العنف، والتي تقود البلاد لمزيد من العنف، فترتبك السياسة الخارجية للدولة، بل إنها مرتبكة منذ اليوم، وقد كان اصطفاف السعودية مع "جماعة ترامب" بخصوص تخفيض النفط مؤشراً خطيراً على هذا التوجه. وهذا الانقسام العميق هو أشهر ما كشفته هذه الانتخابات، فالطرفان تقريباً متساويان في القوة، ولا تؤثر في قوتهما الظروف المستجدة مثل ارتفاع الأسعار ما رسخ وبقوة النظرة الحزبية العصبية، وهذا أمر خطير له ما بعده. وقد ظهرت العصبية بشكل واضح في الانتخابات، فكان بعض المرشحين من "جماعة ترامب" حتى النساء يقمن بالحملة الانتخابية والبنادق على أكتافهن. ولعل الأيام القادمة تكشف عن مزيد من التباعد وشرعنة ذلك التباعد بين الولايات وهجرة متزايدة لغير البيض من المناطق التي يسيطر عليها الحزب الجمهوري ويروج فيها لنظرية تفوق العرق الأبيض.

7- وبناء على واقع ما جرى في الانتخابات، فيمكن إلقاء بعض الأضواء على ما يتبع نتيجة انتخابات الكونغرس النصفية كما يلي:

أ- فيما تبدو أمريكا خالية من العقلاء الذين يمكنهم ردم الهوة بين الطرفين المتصارعين على الحكم في واشنطن، وفيما يبدي الأمريكان مزيداً من العصبية في الولاء والاصطفافات السياسية، فإن إدارة الرئيس بايدن في السنتين المقبلتين مقبلة على مزيد من العقبات التي يمكن أن تضعها الولايات الجمهورية "الحمراء"، وكذلك مجلس النواب، وهذا كله يقود الدولة لمزيد من الاهتمام والانشغال بأوضاعها الداخلية على حساب تركيزها على السياسة الخارجية. أما عن ترامب فقد كان يبدو قبل الانتخابات أن دونالد ترامب قد فرض سيطرته على الحزب الجمهوري بالكامل، لكن بعد إعلان نتيجة الانتخابات فقد ظهر أن بعض المرشحين الذين دعمهم ترامب قد سقطوا، لكن بعضهم قد نجح، وقد يوجد ذلك صعوبة لترامب في الانتخابات حيث ترشح لرئاسة ثانية في أمريكا باسم الحزب الجمهوري...

ب- ولأن الشركات الأمريكية الضخمة التي تقف وراء الحزب الجمهوري ذات نفوذ دولي معتبر، الأمر الذي كشفه قرار السعودية بتخفيض إنتاج النفط، فإن أعراض انقسام النفوذ الدولي لأمريكا عرضة للزيادة، الأمر الذي يضعف أمريكا دولياً، وهذا أمر لا يمكن الاستهانة به، فقد ظهر مبكراً حين كانت اتصالات وزير الخارجية الأسبق جون كيري، وهو ديمقراطي، تضعف سياسات الضغوط القصوى لإدارة ترامب مع إيران، ورد عليها الجمهوريون إبان إدارة بايدن الديمقراطية بتحريض السعودية لخفض إنتاج النفط، الأمر الذي أضعف ضغوط إدارة بايدن على روسيا... وهذا يجعل النفوذ الدولي لأمريكا نفوذين، ويقسم بعض مصالحها الدولية إلى مصالح للجمهوريين ومصالح للديمقراطيين فيما تبقى دائرة من المصالح الاستراتيجية مشتركة مثل مكافحة روسيا والصين، ولكن يمكن الاختلاف بينهما في الكيفيات والسياسات الفرعية لتحقيق ذلك.

ج- لا تزال إدارة بايدن تمتلك سنتين كاملتين للضغط على روسيا بخصوص أوكرانيا، وحتى لو فتحت أمريكا باب المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا فإن أمريكا ستستمر في الضغط على روسيا لتتخلى عن كافة مكاسبها الأوكرانية في المدى القريب، وتبقى تحت طائلة العقوبات الهائلة التي فرضت عليها حتى تحقق أمريكا مكاسب أخرى خارج الساحة الأوكرانية مثل ضمان أن سلاح روسيا النووي لا يشكل تهديداً لأمريكا، ويبدو أن هذه هي السياسة في عهد بايدن وبدون تحقيق بايدن هذه المكاسب فإن روسيا ستبقى في عزلتها عن العالم الغربي وتوابعه ويبقى اقتصادها يحبو لا يقدر على الوقوف.

د- نجحت إدارة بايدن عن طريق تخويف الصين من دعم روسيا في إبعاد الصين عملياً عن روسيا، بغض النظر عن التصريحات الصينية والروسية الفارغة من محتواها عن قوة علاقتهما، تلك التصريحات التي لا تغير من حقيقة الأمر شيئاً، وعملية الإبعاد هذه لم تكتمل بعد رغم أن روسيا تشعر وبقوة بأن الصين قد خذلتها وتركتها وحدها في مواجهة أمريكا ومواجهة دول الناتو التي تقدم دعماً عسكرياً كبيراً لأوكرانيا وتفرض على روسيا عقوبات اقتصادية كبيرة ولا تتقدم الصين بأي شيء فيه صفة النجدة لحليف وصف تحالفهما قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا بأنه "لا حدود له".

هـ- كانت دول أوروبا الغربية تخشى أي شكل من عودة "ترامب" للسلطة سواء عن طريق عودته للرئاسة مرةً أخرى أم عن طريق سيطرة جماعته على الكونغرس لأنه كان يتبنى سياسة أن الناتو حلف قد عفا عليه الزمن، وكون قوة أوروبا العسكرية ضعيفة وغير قادرة على مجابهة سياسة روسيا التوسعية فإنه قد سرها عودة إدارة بايدن لأوروبا. كما أن شركات الغاز الأمريكية قد أحرجت إدارة بايدن حين قامت بتوفير الغاز الأمريكي بديلاً عن الغاز الروسي لأوروبا بأسعار فاقت الأربعة أضعاف لأسعارها الأمريكية، واحتجت الدول الأوروبية... وكذلك انتقد الرئيس بايدن بنفسه هذه الشركات التي قال إنها حققت أرباحاً فلكية خلال الحرب في أوكرانيا، وهدد بفرض ضرائب إضافية على أرباحها، وطبعاً كان بايدن ينتقد ارتفاع أسعار النفط محلياً لأن ارتفاع الأسعار في أوروبا لا يعنيه كثيراً، بل إن السياسة الأمريكية التي يقودها بايدن على محور ألمانيا تقود لتفكيك أوروبا، وهي شبيهة بسياسة الرئيس السابق ترامب على محور "بريكست بريطانيا" لضرب وحدة الأوروبيين.

8- وفي الخلاصة فقد تبين كيف أن انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي لها أبعاد ودلالات داخلية وخارجية كثيرة، وكيف أن هيمنة أمريكا قد جعلت منها حدثاً عالمياً تهتم بها معظم دول العالم من باب أثرها في سياسة أمريكا الخارجية، وهذا لا يشبه أحداث بريطانيا الداخلية التي تطلب بريطانيا من عملائها الاهتمام الإعلامي بها من باب عطشها للعظمة.

هكذا هي الدول المسماة عظمى، وهكذا تبدو أهمية أحداثها الداخلية، وحينما يأذن الله بقيام دولة الإسلام وتأخذ الأمة الإسلامية طريقها للتأثير في العالم حاملةً لهم الهدى فإن أي حدث صغير أم كبير عند المسلمين سيصبح ذا قيمة سياسية وإعلامية عالية لدى دول الكفر، تبحثه وتحلل آثاره عليها، بل إن دول الكفر الكبرى تهتم اليوم بكل صغيرة وكبيرة في العالم الإسلامي، وتهتم بالحركات الإسلامية فيعلي الإعلام التابع لها بعض هذه الحركات التي يسمونها "معتدلة"، ويحاول إبعاد الأمة عن حركات أخرى مخلصة، وتحسب دول الكفر هذه ألف حساب لتحركات المسلمين المخلصة فتراقبها وتطلب من عملائها وأدها، هذا قبل قيام دولة الإسلام، دولة الخلافة، فكيف بالكفار إذا صارت الأمة الإسلامية وطاقاتها الجبارة تحت قيادة مخلصة واعية تعمل لإرضاء ربها وخدمة مصالح أمتها؟ فعندها تعود الأمة لمجدها وينكشف هزال تلك الدول المسماة كبرى، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون﴾.

في الخامس والعشرين من ربيع الآخر 1444هـ

2022/11/19م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م