جواب سؤال أسباب الهبوط المفاجئ لأسعار النفط
January 08, 2015

جواب سؤال أسباب الهبوط المفاجئ لأسعار النفط

 جواب سؤال:

أسباب الهبوط المفاجئ لأسعار النفط

السؤال:


نشرت بعض وسائل الإعلام هذا اليوم الأربعاء 2015/1/7 أن أسعار خام برنت سجلت 49,66 دولاراً للبرميل كما انخفض الخام الأمريكي إلى نحو 47 دولاراً للبرميل، علماً بأن أسعار النفط سنة 2014 قد وصلت إلى 115 دولارا للبرميل في بداية الصيف حزيران/يونيو 2014، ثم عادت تهبط تدريجيا حتى وصلت في بداية الشتاء نهاية كانون أول/ديسمبر 2014 إلى 60 دولاراً بل إلى دون ذلك حيث وصلت أسعار خام غرب تكساس إلى 58,53 دولارا،، وها هي في الأسبوع الأول من كانون أول/يناير 2015 تصل إلى نحو 50 دولاراً أي هبوط أكثر من 50% في حدود خمسة أشهر! فما أسباب هذا الهبوط المفاجئ لأسعار النفط؟ وما المتوقع لأسعار النفط في المستقبل؟


الجواب:


إن انخفاض أسعار النفط له أسباب مختلفة، أبرزها العامل الاقتصادي المجرد عن الأغراض السياسية... ومنها العامل السياسي لتحريك العامل الاقتصادي نحو مصلحة صاحب العامل السياسي...


أما العامل الاقتصادي المجرد عن الغرض السياسي فيشمل: (زيادة عرض النفط أو قلة الطلب...)، (التوترات وبخاصة السخونة العسكرية في المناطق النفطية وما حولها...)، (المضاربات في سوق النفط واستغلال بيانات ضعف اقتصاديات الدول المؤثرة في النفط تصديراً أو استيراداً...).


أما العامل السياسي لتحريك العامل الاقتصادي نحو مصلحة الدولة صاحبة العمل السياسي، فمثل (زيادة الإنتاج، أو عرض كميات كبيرة من الاحتياطي النفطي، ولكن ليس لحاجة اقتصادية)، بل (لتخفيض السعر من أجل التأثير في سياسة دول منافسة، خاصة التي تعتمد في ميزانيتها على أسعار النفط)، أو (للحد من إنتاج النفط الصخري بتخفيض سعر النفط الطبيعي إلى حد يقل عن كلفة النفط الصخري ليصبح استخراج النفط الصخري غير ذي جدوى).


وسنستعرض هذه الأمور ثم نخلص إلى الأسباب الراجحة حول التخفيض الملحوظ في أسعار النفط:


أولاً: العامل الاقتصادي المجرد عن الغرض السياسي:


1- العرض والطلب:


النفط مثله مثل أية سلعة أخرى، يتم تحديد سعره من خلال العرض والطلب، فعندما يشهد سوق النفط فائضا في المعروض ينخفض سعره، وذلك في الأزمات الاقتصادية في الدول المستوردة فيتراجع الطلب لأن قدرة البلاد المأزومة على استيراد النفط بالسعر المرتفع تقل، ولهذا يقل الطلب ما يؤدي إلى الانخفاض... وبالمثل عندما يشتد الطلب على النفط ويفوق الطلب العرض فإن سعره يرتفع.


2- التوترات والسخونة العسكرية:


وهناك أيضا عامل آخر يؤثر على أسعار النفط وهو "الترقب"، أي توقع السوق النفطية، كحدوث عطل في الإمدادات نتيجة الحروب أو التوترات في مناطق البترول... ولذلك فإن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط حيث مناطق البترول يمكن أن تكون سبباً في ارتفاع سعر النفط، بالرغم من عدم حدوث تغير في كمية المعروض من النفط أو الطلب عليه، فسوق النفط قد يدفع نحو ارتفاع في أسعار النفط إذا خشي من تعطل محتمل للإمدادات. وعندما تهدأ التوترات ينخفض سعر النفط ويعود إلى قيمته السابقة أو السعر الحقيقي، فعلى سبيل المثال خطاب الحرب بين دولة يهود والولايات المتحدة وإيران في شباط/فبراير 2012م، أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط، وقد ذكرت مجلة فوربس: "مع ارتفاع أسعار النفط لتصل إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات، فإن جانبا كبيرا من ذلك سببه المخاوف الجيوسياسية، بوضع إيران على طاولة الصراع العسكري مرة أخرى." ["مهاجمة إيران ستدفع الولايات المتحدة إلى الركود"، فوربس، شباط/ فبراير 2012].


3- المضاربات واستغلال البيانات الاقتصادية:


إن البيانات الاقتصادية السيئة من بعض البلدان ذات العلاقة المؤثرة في النفط، تصديراً أو استيراداً، مثل الولايات المتحدة والصين يمكن أن تؤدي إلى هبوط أسعار النفط، بغض النظر عن تغير العرض أو الطلب عليه، وفي هذه الحالة، فإن السوق تخشى تباطؤ الناتج الاقتصادي، وتفسره على أنه تراجع لا مفر منه في استهلاك النفط، وبالتالي ينخفض سعره. والمضاربون يتصيدون توقعات السوق لرفع أسعار النفط أو خفضها لكسب الأرباح، ونتيجة لذلك، يتأثر سعر النفط خلال العرض والطلب.


والبيانات الاقتصادية والمضاربات تتعلق بعدد من اللاعبين الأساسيين، من الدول المنتجة للنفط (مثل روسيا، وكندا، والمملكة العربية السعودية... وغيرها)، والدول المستوردة للنفط (مثل الصين، واليابان... وغيرها)، وشركات النفط متعددة الجنسيات (مثل إكسون موبيل، BP... وغيرها)، وكارتل النفط (مثل أوبك، وتجار النفط المعروفين باسم المضاربين). وكل مجموعة منها لديها القدرة على التأثير في أسعار النفط، سواء من خلال التأثير على العرض أو الطلب، أم عن طريق توقع تفاوت أسعار النفط خلال المضاربات. فالبيانات الاقتصادية والمضاربات نتيجة حدوث أزمات اقتصادية في الدول ذات العلاقة تؤثر بقوة في الأسعار.


ثانياً: العامل السياسي لتحريك العامل الاقتصادي لمصلحة صاحبة العامل السياسي:


1- موضوع النفط الصخري:


إن أمريكا تفوقت على كل من المملكة العربية السعودية وروسيا كأكبر مصدر للنفط في العالم، بسبب استخراجها للنفط من خلال تكسير الصخور تحت الأرض. فقد ذكر "بنك أوف أمريكا"، في صيف عام 2014م: "سوف تظل الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم هذا العام، بعد تجاوزها المملكة العربية السعودية وروسيا في استخراج الطاقة من الصخر الزيتي، وهو ما ينعش الاقتصاد في البلاد. وإنتاج الولايات المتحدة للنفط الخام، جنبا إلى جنب مع السوائل، وفصلها عن الغاز الطبيعي، قد تجاوز بلداناً أخرى هذا العام، مع إنتاج يومي يفوق 11 مليون برميل في الربع الأول من هذا العام... " ["الولايات المتحدة يُنظر إليها على أنها أكبر منتج للنفط بعد تجاوزها للمملكة العربية السعودية"، بلومبرغ، 4 تموز/ يوليو 2014].


وقد تسببت ثورة النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة في زيادة إنتاج النفط من 5.5 مليون برميل يوميا في عام 2011 إلى ما يزيد حالياً عن 10 مليون برميل يوميا ما جعلها تسد حاجاتها إلا القليل فانخفض استيرادها من السعودية إلى أقل من النصف أي إلى نحو 878 ألف برميل يومياً بعد أن كان 1,32 مليون برميل يومياً.


ولكن مشكلة النفط الصخري هي أنه ذو كلفة عالية قد تصل إلى 75 دولاراً للبرميل في حين أن كلفة النفط الطبيعي لا تتجاوز 7 دولارات للبرميل، وهذا يعني أن الدول المنتجة للنفط الصخري، وعلى رأسها أمريكا ستصاب في مقتل إذا انخفض سعر البترول عن الكلفة...


2- موضوع تخفيض السعر ليس لحاجة اقتصادية بل كجزء من عقوبة الدول المنافسة:


إن هناك قضيتين دوليتين ذاتيْ تأثير واهتمام عالميين:


موضوع المفاوضات النووية الإيرانية وموضوع احتلال روسيا للقرم، وهاتان الدولتان تعتمدان في جزء كبير من ميزانيتيهما على تصدير النفط، وعند انخفاض سعره بشكل مفاجئ إلى النصف فإنه بلا شك يؤثر في سياستيهما تجاه القضيتين المذكورتين، فميزانية روسيا يساهم فيها النفط والغاز، أي الطاقة، في حدود 50%، بل إن بعض التقديرات ترفعها فوق ذلك، وهكذا فإن روسيا تحتاج لأن تكون أسعار النفط 105 دولارات للبرميل لتبلغ مستوى التعادل في اقتصادها.


وميزانية إيران يساهم فيها النفط أكثر من ذلك... فقد تصل إلى أكثر من 80% من الميزانية، وهي ترى أن سعر البترول يجب أن يرتفع أكثر من 130 دولار للبرميل لتصبح الجدوى متناسبة مع مشاريعها الداخلية ومساعدتها لأتباعها في المنطقة. ولذلك فإن انخفاض سعر البترول إلى هذا السعر المتدني يؤثر بقوة في ميزانيتها.


ثالثاً: باستعراض الأسباب سالفة الذكر يتبين ما يلي:


1- العامل الاقتصادي المجرد عن الغرض السياسي:


أ‌- العرض والطلب يكاد لم يتغير خلال السنوات الأخيرة وتغيره طفيف لا يؤدي إلى هذا الانخفاض المفاجئ، فحتى الصيف الماضي كان سعر النفط العالمي مستقرا نسبيا إلى حوالي 106 دولاراً (لخام غرب تكساس) للبرميل، لما يقرب من الأربع سنوات، ولكن الانخفاض الكبير في أسعار النفط لا يمكن تفسيره بالكامل اقتصادياً. فقد كان إنتاج النفط فوق 80 مليون برميل يوميا على مدى العقد الماضي منذ عام 2004. وفي نهاية عام 2013 كان سوق النفط العالمي ينتج 86.6 مليون برميل يوميا، ثم زاد الإنتاج بعد ذلك وزاد الطلب في نهاية 2013 وخلال الربع الثالث من عام 2014، فأصبح العرض والطلب متقاربين، فحسب الأرقام التي قدمتها وكالة الطاقة الدولية في الربع الثالث من 2014، فإن متوسط العرض بلغ 93.74 مليون برميل، ومتوسط الطلب بلغ 93.08 مليون برميل ]المصدر: موقع وكالة الطاقة الدولية[، وهي زيادة طفيفة خلال أربع سنوات قد تؤثر في انخفاض تدريجي ببضعة دولارات للبرميل لكن لا يمكن أن تهبط خلال خمسة أشهر إلى النصف إلا إذا كان العامل الاقتصادي ليس هو السبب الرئيس.


ب- التوترات والسخونة العسكرية، كذلك هي ليست جديدة بل تكاد تكون ثابتة خلال السنوات الأربع الأخيرة... فلم تشتد أزمات المنطقة بشكل فجائي ليتسبب ذلك في الهبوط المفاجئ لأسعار النفط، فالغليان والتوترات في المنطقة منذ 2011 حتى الآن تستمر بوتيرة تكاد لا تكون مفاجئة في أحداثها.


هذا مع العلم بأن الأصل في ظل الأزمات السياسية في المنطقة وفي العالم أن يحدث ارتفاع في أسعار النفط كما حصل في حوادث عدة منذ عام 1973، والآن وقد تفاقمت الأزمات في أوكرانيا وسوريا والعراق وليبيا، وكان من المفترض أن يقفز سعر البرميل إلى 120 دولاراً، بل إلى 150 دولاراً حسب بعض التوقعات. فهبوط الأسعار بهذا الشكل غير معتاد لو كانت العوامل المسببة اقتصادية فحسب لأن الأزمات والحروب تؤثر في طرق الإمداد ومن ثم يقل العرض فيرتفع السعر لا أن ينخفض إلا أن تكون هناك أسباب أخرى غير العوامل الاقتصادية المجردة.


ج- المضاربات واستغلال البيانات الاقتصادية، فإنه منذ 2008 عند اشتداد الأزمة الاقتصادية والأمور تراوح مكانها فلم تشتد أكثر بل أصابها بعض التحسن. ولهذا فيمكن القول أن العامل الاقتصادي المجرد ليس هو السبب الرئيسي في انخفاض أسعار النفط لهذا المعدل الهابط الذي تجاوز في انخفاضه 50% مما كان عليه قبل خمسة أشهر.


2- العامل السياسي لتحريك الاقتصاد لخدمة مصلحة صاحبة العامل السياسي:


أ- موضوع النفط الصخري:


إن تكلفة استخراج النفط الصخري تصل ما بين 70 إلى 80 دولاراً للبرميل، وباستعمال التقنيات الحديثة المتطورة في الاستخراج يمكن أن تهبط هذه التكلفة إلى ما دون ذلك وقد تصل إلى 50-60 دولاراً للبرميل، فشركة IHS (وهي شركة أبحاث) تعتقد بأن تكلفة إنتاج برميل نفط من الزيت الصخري قد انخفضت من 70 دولاراً للبرميل إلى 57 دولاراً في العام الماضي، حيث تعلّم رجال النفط كيفية حفر الآبار بشكل أسرع واستخراج المزيد من النفط." ]"الشيوخ مقابل الصخر الزيتي"، الإيكونوميست، 6 كانون الأول/ ديسمبر 2014[. ولذلك فإن تخفيض سعر النفط إلى نحو 50 أو 40 دولاراً للبرميل يجعل استخراج النفط الصخري غير ذي جدوى، بل حتى لو كان التخفيض إلى 60-70 دولاراً للبرميل فإنه دون جدوى مناسبة، لأن الجدوى الاقتصادية تتطلب فرقاً مناسباً بين التكلفة وسعر البيع.


ولذلك فيمكن أن يكون عدم تخفيض إنتاج أوبك أو بالأحرى عدم تخفيض إنتاج السعودية هو من الأسباب... ومن المعروف بأن أمريكا استغلت إنتاج النفط الصخري بسبب ارتفاع أسعار النفط الطبيعي فوق المئة دولار للبرميل، ولذلك فتخفيض أسعار النفط الطبيعي يجعل إنتاج النفط الصخري غير ذي جدوى.


إن أسعار النفط الطبيعي تتحمل التخفيض وتبقى مجدية لأن الكلفة لا تتجاوز 7 دولارت للبرميل في حين أن تكاليف النفط الصخري تصل عشرة أضعاف ذلك كما ذكرنا ذلك آنفاً. وعليه فمهما كان تخفيض سعر النفط الطبيعي فسيبقى مجدياً، وكما قال وزير النفط السعودي علي النعيمي "بأن أوبك لن تقلص إنتاجها حتى لو تراجع سعر الخام في الأسواق العالمية إلى 20 دولاراً للبرميل" (الجزيرة 2014/12/24) وأوضح أن "حصة أوبك وكذلك السعودية لم تتغير منذ عدة سنوات، وهي في حدود الثلاثين مليون برميل يوميا، منها حوالي 6,9 ملايين برميل إنتاج المملكة، بينما يزداد إنتاج الآخرين من خارج أوبك باستمرار".


وكما هو معلوم فإن الحكم في السعودية في ظل الملك عبد الله الحالي له علاقات قوية مع الإنجليز، وعليه يمكننا القول أن اهتمام السعودية بعدم تخفيض الإنتاج والضغط على أوبك في ذلك هو ضمن سياسة إنجليزية متفق عليها مع السعودية للتأثير في إنتاج أمريكا للنفط الصخري.


ب- لما علمت أمريكا بهذا الاتجاه عند أوبك بتأثير من السعودية ذات النصيب الأكبر في أوبك، وبخاصة وأن منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) قد اجتمعت في مقرها في فينا في 2014/11/27، ولم يتفق أعضاء المنظمة على خفض الإنتاج لدعم الأسعار، وذلك لأن السعودية رفضت تخفيض الإنتاج، وذكروا أنه يمكنهم التعايش مع انخفاض الأسعار على المدى القصير، لما علمت أمريكا ذلك زار كيري السعودية في 2014/9/11 وقام وزير الخارجية الأمريكية بزيارة الملك عبد الله عاهل السعودية في مقره الصيفي في زيارة لم تكن مقررة، ومع أن وسائل الإعلام ذكرت أسباباً أخرى غير النفط للزيارة، إلا أن القرائن تدل على أن موضوع الزيارة كان النفط وأسعاره... فبعد هذه الزيارة بالذات بدأت المملكة العربية السعودية في زيادة إنتاج النفط بأكثر من 100,000 برميل يوميا خلال الفترة المتبقية من شهر سبتمبر. وفي الأسبوع الأول من شهر نوفمبر خفضت السعودية سعر النفط (العربي الخفيف) بنسبة 45 سنتا للبرميل، ما دفع أسعار النفط إلى الهبوط السريع من 80 دولارا للبرميل. وأكد مسؤول كبير في وزارة الخارجية (الأمريكية) أن إمدادات النفط العالمية قد بحثت خلال الاجتماع.


ولما لم يستطع إقناع السعودية بتخفيض الإنتاج بحث الموضوع من جانب آخر فأبدى الموافقة على التخفيض، وأنه يؤثر في روسيا التي احتلت القرم وكذلك يؤثر في إيران من حيث المباحثات النووية، وهو يرى أن هذين التبريرين يجدان رضا من السعودية، ولكنه رأى أن يكون التخفيض في حدود (80) ويبدو أن السعودية وافقت على ذلك أو أظهرت الموافقة؛ فقد ذكرت جريدة التايمز البريطانية في 2014/10/166 أن "السعودية اتخذت موقفا محسوبا بدقة بدعمها انخفاض أسعار النفط نحو 80 دولاراً حتى تجعل من استخراج النفط الصخري أمرا غير مجدٍ اقتصاديا. ما يدفع أمريكا إلى العودة لاستيراد النفط من السعودية وإخراج الغاز الصخري من السوق". وينم هذا الكلام عن وقوف الإنجليز وراء السعودية لدعمها في وجه أمريكا التي تعمل على تنشيط اقتصادها حتى تتخلص من تداعيات الأزمة المالية ولو على حساب الآخرين وضربهم. ومن المعلوم أن نظام عبد الله آل سعود الحالي يسير في ركاب الإنجليز.


لقد أظهرت أمريكا أنها أرضت السعودية، من حيث الموافقة على التخفيض، وكذلك أظهرت لأوروبا أن اتهامها بعدم الضغط الجدي على روسيا لاحتلال القرم، وعدم الضغط الجدي على إيران في ملف الطاقة النووية... أظهرت أن هذا الاتهام غير صحيح بدليل موافقتها على تخفيض سعر النفط المؤثر في ميزانية الدولتين... ثم أرضت بعض المعارضين الروس، ففي وقت مبكر من شهر آذار/ مارس، اقترح الملياردير جورج سوروس على الإدارة الأمريكية وسيلة لمعاقبة روسيا لضمها شبه جزيرة القرم بخفض أسعار النفط... وهكذا حاول كيري أن يظهر موافقته على التخفيض ولكن في حدود معينة ثم يخدع أوروبا والمعارضين الروس بأنه جاد في مناصرة أوكرانيا ضد الروس على غير واقع الحال...


ولكن لأول مرة تجد أمريكا نفسها غير ناجحة، فقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن حيث واصل النفط انخفاضه إلى نحو 60 دولاراً للبرميل في بضعة أشهر، حيث أصرت السعودية على عدم التخفيض، بل زادت الإنتاج، وكل هذا ولَّد ردَّة فعل لدى السوق النفطي كما هو معروف بتأثير النواحي المعنوية على أسعار السوق.


رابعاً: أما المتوقع الآن:


1- هناك صعوبة في أن يعود السعر إلى ما كان عليه.


2- ولكن استمرار التخفيض يؤثر في الطرفين:


أ- في السعودية، ومن ورائها أوروبا وبخاصة بريطانيا، لأن ميزانية السعودية هذا العام قد أصابها العجز بمقدار 145 مليار ريال سعودي من أصل 860 مليار ريال مقدرة للنفقات أي بعجز نحو 40 مليار دولار، وذلك بسبب انخفاض سعر البترول، وهذا يؤثر في مشاريعها الداخلية، والأهم من ذلك ما يطرأ على صادرات بريطانيا للسعودية وبخاصة السلاح بسبب انخفاض ميزانية السعودية والعجز الذي أصابها.. حيث إن صادرات بريطانيا إلى السعودية بلغت في 2012 ما قيمته 7.5 مليار جنيه إسترليني هذا بالإضافة إلى استثمارات الشركات البريطانية البالغة نحو 200 شركة باستثمارات قدرها نحو 11.5 مليار جنيه إسترليني في السنة، وكل ذلك سيتأثر بانخفاض قدرة السعودية المالية بسبب انخفاض أسعار البترول،... وبخاصة وأن ميزانية الحكومة السعودية تتلقى 89٪ من إيراداتها من صادرات النفط، ولذلك فإن استمرار التخفيض يؤثر من هذه الناحية...


ب- ومن ناحية أخرى فإن استمرار التخفيض يؤثر في إنتاج أمريكا من النفط الصخري، وذلك لأنها بسبب ارتفاع الأسعار في السنوات الماضية قد عمدت إلى الاستثمار بمليارات الدولارات في استخراج الزيت الصخري في أمريكا وبدا ذلك مربحاً فأضافت 4 ملايين برميل نفط يوميا منذ عام 2008 وهذا يشكل نسبة مؤثرة في الإنتاج العالمي للنفط.


ومع أن انخفاض سعر النفط ينشط الاقتصاد في أمريكا ولكن فقدانها لتجارة النفط الصخري يفوق ذلك بكثير، وليس من اليسير عليها أن تترك أوروبا والسعودية وأوبك يدمرون استثماراتها.


3- وعليه فإما أن تعمد أمريكا إلى أساليب من التقنية الحديثة في تخفيض كلفة إنتاج النفط الصخري فيصبح ذا جدوى مع انخفاض أسعار النفط الحالية، وهذا ليس بالأمر السهل خاصة إذا استمر انخفاض سعر النفط، ويبدو أن انخفاضه لم يتوقف بعد، فقد نُشر اليوم 2015/1/7 أنه انخفض إلى ما دون 50 دولاراً للبرميل... وإما أن تتوجه أمريكا مباشرة إلى السعودية فتفتعل أمريكا بعض الأزمات للسعودية وتجعل العجز في ميزانيتها يتزايد فتضطر إلى خفض الإنتاج ومن ثم زيادة سعر النفط... وإما أن تخفف من إثارة الأزمات لبريطانيا في اليمن وليبيا مقابل أن تضغط بريطانيا على السعودية فتخفض الإنتاج ومن ثم تخفضه أوبك فيعود سعر النفط إلى الارتفاع... وحيث إن أياً من هذه الثلاثة يحتاج إلى مخططات بل مؤامرات... عليه فإن أزمة انخفاض أسعار النفط ستبقى محل تجاذب، انخفاضاً أو ارتفاعاً وفق نتائج صراع القوى أو وفق صفقات الحل الوسط على الطريقة الرأسمالية...


خامساً: إن السياسة الدولية في تعثر واهتزاز، فما أن تخلص من أزمة حتى تدخل في أزمة، وكل ذلك من فساد النظام الرأسمالي المتحكم في العالم الذي يحمل في طياته الأزمات الدولية، ومن ثم توجد ضنك العيش للناس بخاصة، وللنظام الدولي بعامة... كل هذا الفساد والإفساد والشقاء والعناء سيستمر ما دام النظام الرأسمالي هو المتحكم، ولن تنتهي هذه الأزمات إلا بحلول النظام الرباني الذي فرضه الله على عباده وهو نظام الخلافة الراشدة الذي يحمل في طياته العدل والاطمئنان لكل من يتفيأ ظلاله ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م