جواب سؤال: استقالات قيادات في الجيش التركي
August 09, 2011

جواب سؤال: استقالات قيادات في الجيش التركي

جواب سؤال: استقالات قيادات في الجيش التركي

السؤال الأول:

في 29/7/2011 أعلن كل من رئيس الأركان التركي إيشق قوشينار وقائد القوات البرية أردال جيلان أغلو وقائد القوات البحرية أشرف أوغور يغيت وقائد القوات الجوية حسن أقصاي استقالاتهم من مناصبهم وطلبوا إحالتهم على التقاعد. وهؤلاء في أعلى سلم القيادة وبجانبهم قائد الجندرمة (الدرك) نجدت أوزيل الذي لم يعلن عن استقالته. ومن ثم أعلن عن تعيين الأخير قائدا للقوات البرية ورئيسا للأركان بالوكالة.

فما دوافع هذا الأمر؟ أهي دوافع محلية نتيجة صراع بين الجيش والحكومة على الصلاحيات، أم هي دوافع صراع دولي؟ وما المتوقع نتيجة هذه الاستقالات؟

الجواب:

بتدبر ما حدث ومتعلقاته يتبين أن الأمر هو نتيجة صراع دولي بأدوات محلية... ولبيان ذلك نذكر ما يلي:

1- لقد جاءت هذه الاستقالات بعد ظهور توتر شديد في الأيام الأخيرة بين قادة الجيش وبين الطرف السياسي للدولة متمثلا برئيس الجمهورية وبرئيس الوزراء وحكومته وأحد هذه الأسباب الرئيسة هو الاعتقالات الجارية لجنرالات في الجيش متهمين بمحاولة قلب الحكومة. وآخرها حصلت في هذا اليوم أي في 29/7/2011 بالتزامن مع استقالة أولئك الضباط عندما أصدر المدعي العام التابع للمحكمة الثالثة عشرة للعقوبات الثقيلة في اسطنبول وبعد أخذ موافقة أعضاء هذه المحكمة كاملة كما أعلن؛ أصدر أمرا باعتقال 22 شخصا من بينهم 7 جنرالات وعلى رأسهم قائد جيش إيجة الحالي حسين نصرت طاش دلان وقائد الجيش الأول السابق حسن إغزيز وذلك بحسب المادة 312 من قانون العقوبات التركية الذي ينص على أنه: "كل من يحاول استعمال القوة والجبر لإزالة حكومة الجمهورية التركية أو يعطل عملها كاملا أو جزئيا يعاقب بعقوبة السجن المؤبد". وأعلن أنه أصدر قراره باعتقال أولئك الأشخاص حتى تجمع كافة الأدلة بحقهم، وبسبب وجود احتمال إنزال هذه العقوبة بحقهم، فإنه يأمر باعتقالهم وإيداعهم السجن. وهؤلاء الجنرالات ما زالوا موظفين في الجيش. والجدير بالذكر أن الاعتقالات بين صفوف الجيش المتقاعدين بجانب سياسيين وصحفيين وكتّاب محسوبين على جبهة الكماليين قد بدأت منذ منتصف عام 2007 تحت مسمى حركة آرغناكون للإطاحة بالحكومة بالقوة، ولحقها الكشف في بداية عام 2010 عن مؤامرة أخرى ضد الحكومة لقلبها بالقوة العسكرية كانت ستحدث عام 2003 عرفت بعملية الباليوز (المطرقة) وما زالت تداعيات هذه القضية تتفاعل والاعتقالات مستمرة بين الضباط الكبار الذين ما زالوا في الخدمة أي ما زالوا موظفين في الجيش في أعلى المراتب بجانب الضباط المتقاعدين.

2- وقبل تسعة أيام من اجتماع مجلس الشورى العسكري العام الماضي في بداية شهر آب/اغسطس عام 2010 حيث تجري الترفيعات والإحالة على التقاعد كما هو معتاد سنويا أصدرت المحكمة العاشرة للعقوبات الثقيلة في إسطنبول قرارا باعتقال 102 ضابطا موظفا وغير موظف أي متقاعد، منهم 11 جنرالا موظفا كانوا ينتظرون الترقية. وقد جرى في ذاك التاريخ حل وسط حول بعض أصحاب الرتب العالية حتى لا يعتقلوا ولا يحالوا على التقاعد، فجرى تجميد ترفيعهم ومنهم قائد الجيش الأول الجنرال حسن إغزيز وهو من أهم المتهمين في هذه القضية. وكانت قيادة الجيش تصر على ترقية هذا الجنرال ليصبح قائداً للقوات البرية ولكن رئيس الجمهورية عبدالله غول ورئيس الوزراء إردوغان رفضا بكل إصرار ترقيته. ومن ثم يقوم اليوم (29/7/2011) المدعي العام ويصدر قرارا باعتقال هذا الجنرال حسن إغزيز مع جنرالات آخرين. وللعلم فإن رئيس الأركان السابق إلكر باش بوغ الذي تقاعد العام الماضي كان قد أوصى بأن يرّفع حسن إغزيز ليصبح قائدا للجيش الأول وبعد ذلك يصبح قائدا للقوات البرية حتى يصبح رئيسا للأركان فيما بعد حسب التسلسل الهرمي الصعودي في الجيش التركي. وسبب هذه التوصية كما نقلت بعض المصادر المطلعة على الشؤون العسكرية أن رئيس الأركان السابق إلكر باش بوغ ذكر أنه (يريد أن يضمن السير قدما في "خطة العمل في محاربة الرجعية" التي نشترك فيها ومعنا حسن إغزيز وهو من أعضاء مجموعتنا هذه فيجب العمل على ترقيته حتى يصبح رئيس الأركان القادم) حسب التسلسل الذي ذكرناه آنفا. ولكن تخطيط باشبوغ باء بالفشل العام الماضي حيث أفشله إردوغان عن طريق الاتهامات التي وجهها المدعي العام ضد الجنرال حسن إغزيز وضد آخرين. وقيام المدعي العام في هذا اليوم بإصدار قرار باعتقال هذا الجنرال بجانب اعتقال جنرالات آخرين تشكل ضربة قاصمة لظهر التيار الكمالي الموالي للإنجليز فهؤلاء الجنرالات يعلمون ويتعلمون أن الإنجليز هم أولياء نعمتهم فهم الذين أسسوا الجمهورية وحافظوا عليها وساعدوا كمال أتاتورك للوصول إلى الحكم وهدم الخلافة وإقامة الجمهورية، وأن أتاتورك كان مرتبطا بهم بل كان عاشقا لهم أي للإنجليز، وكذلك رفيقه عصمت إينونو الذي يعتبر الرجل الثاني المعظم لديهم وقد ارتبط بالإنجليز، وهم الذين نصبوه بعد هلاك أتاتورك ودعموه، كل ذلك يدرسونه في سيرة هذين الرجلين المعظمين بل المقدسين لديهما. وهكذا أصبح ولاء هؤلاء الجنرالات بشكل آلي مرتبطا بالإنجليز وهم يرون في حكومة إردوغان وولاءها لأمريكا منافساً شرساً لهم...

3- وقد حاول عملاء الإنجليز في قطاع الجيش وفي القطاعات الأخرى قلب حكومة إردوغان الموالية لأمريكا وكذلك ضرب حزبه وحظره سواء في عملية الباليوز أو عملية آرغناكون أو عن طريق محكمة الدستور التي وجهت إليه إنذارا بالحظر عام 2008 إذا ما خالف المبادئ العلمانية الكمالية مرة أخرى، وذلك على إثر قانون استصدره إردوغان وحزبه حزب العدالة والتنمية في البرلمان ينص على "عدم منع من يدرسون في الجامعات والمعاهد العليا من حق مواصلة تعليمهم بسبب ملبسهم أو مظهرهم العام". فارتباط إردوغان وحكومته وحزبه بأمريكا ظاهر لدى الجميع وهو ينفذ السياسات الأمريكية في الخارج بل يعمل على حماية المصالح الأمريكية في الداخل والخارج بجانب عمله على تركيز النفوذ الأمريكي في الداخل. وهو يعمل على إحداث تعديلات دستورية بإيجاد نظام رئاسي تكون فيه الصلاحيات الواسعة لرئيس الجمهورية وكذلك تعديلات تتعلق بصلاحيات الجيش للحد من تدخله في الشؤون السياسية والعمل على جعل الجهاز السياسي هو الذي يسير الجيش ويتحكم فيه وليس العكس كما هو جارٍ حتى اليوم ويسعى لجعل تركيا ذات نظام فدرالي حتى يحل المشكلة الكردية حسب الرؤية الأمريكية فيمنح المناطق التي أكثريتها من الأكراد حكما ذاتيا أو فدرالية كما أوجدت أمريكا ذلك في العراق عندما وضعت دستورا جديدا للعراق في عهد حاكمها المدني بريمر. وبريطانيا حتى تحافظ على نفوذها في تركيا تسعى على قلب حكومة إردوغان أو إسقاطها عن طريق عملائها الكماليين في قطاعي الجيش والقضاء وفي غير ذلك من القطاعات...

 4- وبجانب كل ذلك ففي الأيام الأخيرة تعرض جنود أتراك لهجمات من قبل عناصر حزب العمال الكردستاني منها حادثة سيلوان في ولاية ديار بكر في 14/7/2011 حيث قتل 13 جنديا وجرح 7 جنود وقد قامت وسائل الإعلام الموالية للحكومة بتأجيج الرأي العام ضد قيادة الجيش بطرح الأسئلة المشككة بتواطؤ هذه القيادة في هذه العملية لأغراض سياسية موجهة ضد الحكومة. وكان إردوغان قد اجتمع على إثرها مع رئيس الأركان بحضرة رئيس الجمهورية وقد خرج غاضبا من هذا الاجتماع معلنا أنه سيزيد من أعداد قوة البوليس المجهزة لما يسمى محاربة الإرهاب إلى 15 ألفا وأنه سيزيد من فعالياتها وقدراتها وسيجعلها تعمل مع قوات الجندرمة وكذلك سيعطي صلاحيات للولاة في الولايات التركية بأن يطلبوا مساعدة القوات البرية وكل ذلك تحت مظلة وزارة الداخلية حتى تحصل القدرة على ملاحقة المتمردين من عناصر حزب العمال الكردستاني، وبذلك أكد إردوغان هذه التشكيكات وألمح إلى عدم ثقته بقيادة الجيش وكذلك قام واستغل هذا الحدث ليعلن شكل تقوية جهاز الشرطة الخاص بمحارمة الإرهاب ليصبح جيشا خاصا تابعا له على غرار ما فعل تورغت أوزال الذي يسير إردوغان على نهجه كما أعلن. فحدث أن شكّل أوزال في عهده قوات انتشار سريع بوليسية ولكن بعد رحيله استطاع الجيش أن يضعفها وينهي فعاليتها. ويهدف إردوغان أيضا في محاولته هذه أن يجعل الجيش تحت إمرة الحكومة وذلك عندما يربط كل ذلك بوزارة الداخلية ويجعل القوات البرية تأتمر في الداخل بأمر الولاة. وهكذا وصل الصراع والتوتر بين الجيش وحكومة إردوغان إلى أشد حال.

5- وقد جاءت هذه الاستقالات الجماعية المفاجئة من قبل من هم في أعلى الهرم في قيادة الجيش بعد كل تلك التوترات والصراعات. وعلى ما يظهر أنهم أرادوا أن يحرجوا الحكومة ويوجدوا ضغطا عليها ويظهروا موقفا معارضا لسياسة الحكومة لكسب تعاطف الناس معهم. مع العلم أن قادة البرية والجوية والبحرية قد وصلوا إلى سن التقاعد وسيحالون على التقاعد في اجتماعات مجلس الشورى العسكري الأعلى التي ستبدأ بعد يومين أي في 1/8/2011. بالإضافة إلى ذلك فقد أوردت بعض المصادر المطلعة أن قيادة الجيش في الاجتماعات الأخيرة التي جرت بينها وبين غول وإردوغان كانت تطلب ترقية الجنرال سالدراي بيرك قائد الجيش الثالث ليصبح قائد القوات البرية وترقية الجنرال أصلان غونر النائب الثاني لرئيس الأركان إلى قيادة الجندرمة وقد رفض عبدالله غول وإردوغان ذلك بكل شدة، وأعلنا أنهما لن يوقعا على ترقيتهما بل إن إشارات الاتهام في التآمر على قلب الحكومة تحوم حولهما وليس من المستبعد أن يساقا إلى التقاعد. فيظهر أن هؤلاء القادة رأوا أنهم لن يستطيعوا أن يحققوا ما يريدوه في الاجتماعات القادمة لمجلس الشورى العسكري الأعلى فقاموا باستعمال آخر ورقة لهم للضغط على النظام السياسي وإثارة أصدقائهم في الجيش ضد هذا النظام فقدموا استقالاتهم. وقد تخلف عنهم قائد قوات الجندرمة الجنرال نجدت أوزيل الذي يعرف عنه أنه قريب من الحكومة الحالية ومن توجهاتها السياسية. وكما يظهر أنه أي نجدت أوزيل ليس من زمرتهم ولم يريدوه العام الماضي قائدا للجندرمة وكانوا يعملون على إقصائه عنها في هذا العام أي بعد يومين ولكن باؤوا بالفشل. وقد عمل عبدالله غول وإردوغان العام الماضي على ترفيعه وضرب الآخرين حتى يحل محلهم، فكان من المتوقع أن يصبح عند التعيينات القادمة قائدا للقوات البرية على أن يصبح بعد عامين رئيسا للأركان عندما يبلغ رئيس الأركان قوشينار سن التقاعد الذي يجبره على ترك رئاسة الأركان والجيش حسب قوانين الجيش فيما يتعلق بالترفيع والتقاعد. بالإضافة إلى ذلك فإنه يظهر أن قوشينار شعر بأنه سيبقى وحيدا عندما يتقاعد أفراد زمرته وعندما لا يرقى أحد من أفراد زمرته الآخرين الذين عمل على ترقيتهم فسيبقى مشلولا شبه فاقد للإرادة حيث سوف لا يستطيع أن يتخذ القرارات التي يرغب فيها وخاصة إذا كانت تسير بعكس تيار النظام السياسي الحالي لأنه سيكون محاطا بجنرالات من زمرة أخرى موالية للحكومة أو متفاهمة معها وعلى رأسهم نجدت أوزيل فقام وفضّل الاستقالة على البقاء شبه عاجز، وطلب إحالته على التقاعد قبل بلوغ سن التقاعد أي قبل سنتين من تقاعده القانوني.

6- أما نتيجة هذه الاستقالات فمن المتوقع أن يعلن عن تعيين نجدت أوزيل رئيسا لهيئة الأركان بعدما أعلن رئيسا لها بالوكالة وقائدا للقوات البرية من قبل رئيس الجمهورية بعد ساعات من تلك الاستقالات وبعد اجتماع طارئ جمع غول وإردوغان ونجدت أوزيل. وبذلك تكون حكومة إردوغان، بل النظام السياسي في تركيا المتمثل بالحكومة وبرئاسة الجمهورية وبالبرلمان الذي يسيطر عليه حزب العدالة والتنمية يكون هذا النظام قد ملك إمكانية السيطرة على الجيش بإجراء التعيينات التي يرغب بها عن طريق الإتيان بالأشخاص الذين يظهرون تقربا من توجهات النظام السياسي ولخطه السياسي الموالي لأمريكا أو يسيرون على ذلك، وسيعمل هذا النظام على إبعاد كل الأشخاص الذين يعارضون هذا التوجه وسيظهر هذا بعد يومين عند انعقاد مجلس الشورى العسكري الأعلى للبحث في ترفيعات أو ترقيات الضباط وتقاعدهم. وبالتالي نستطيع أن نقول أن أمريكا بدأت تحكم سيطرتها على الجيش وتضرب أهم معاقل الإنجليز في تركيا.

7- وكان أول تعليق لهيئة الإذاعة البريطانية قولها: "استقالات بالجملة للقادة العسكريين وأن ذلك نتيجة التوتر المستمر منذ سنوات بين الحكومة والجيش". وذكرت الغارديان البريطانية على موقعها قولا مشابها لذلك. وبذلك عبر الإنجليز وعملاؤهم عن انزعاجهم لما آلت إليه أوضاعهم في تركيا نتيجة هزيمتهم في إحدى معارك الصراع مع النظام السياسي في تركيا الموالي لأمريكا. وأما ردة فعل الأمريكيين فكانت طبيعية تدل على عدم انزعاجهم، بل تنمّ عن رضى عما يحدث في تركيا، فقد أعلن مارك تونر الناطق باسم الخارجية الأمريكية واصفا تلك الاستقالات بأنها "شأن تركي داخلي". وعبر عن ثقة الإدارة الأمريكية بالنظام السياسي التركي الحالي قائلا: "ثقتنا بالمؤسسات التركية كاملة". (موقع صوت أمريكا 29/7/2011)

وهكذا، فإنه يمكننا القول إن ما حدث هو نتيجة صراع دولي بأدوات محلية.


السؤال الثاني:

يوم الجمعة 22/7/2011 حدثت تفجيرات في أوسلو وفي جزيرة أوتوبا نتج عنها قتل نحو تسعين شخصاً وعدد كبير من الجرحى... وقد اعترف مواطن نرويجي نصراني وُصف باليميني المتطرف بأنه من قام بالهجومين... وقد وصف رئيس الوزراء النرويجي الهجوم بأنه المأساة الوطنية الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية....

فما دوافع هذا الأمر؟ وما دلالة توجيه الاتهام مباشرة للمسلمين قبل أن يتبين أنه نصراني متطرف يميني؟ ثم هل ظهور حقيقة من قام بالتفجير بأنه ليس مسلماً قد خفف الحقد تجاه المسلمين، أو هو حقد دفين جذوره عميقة في الغرب بشكل عام؟

الجواب:

إن ما حدث ذو دلالة كبيرة على الحقد والكراهية الذي يختزنه الغرب تجاه الإسلام والمسلمين فهم كما قال سبحانه: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، ويتبين ذلك من استعراض الأمور التالية:

1- أسرعت وسائل الإعلام باتهام المسلمين... إنّ ذم الإسلام بسبب جريمة بريفيك ليس حدثا معزولا عما تود أن تصوره وسائل الإعلام الغربية، وعلى العكس من ذلك، فغوغائية بريفيك وآراؤه تنم عن كراهية الإسلام وهي نتاج للحضارة الغربية التي تلقى صدى لدى الكثيرين في الغرب، ويمكن رؤية ذلك بوضوح في طريقة تغطية وسائل الإعلام الغربية للحدث، فقد سارع الإعلام و"خبراؤه" إلى اتهام الإسلام والمسلمين بالمسئولية عن الهجوم، وقد أدى ذلك إلى إحداث هيجان ضد الإسلام والمسلمين مما أدى إلى عدة اعتداءات جسدية على المسلمين في النرويج، وكما نقلت هيئة الإذاعة البريطانية عن الأمين العام للمجلس الإسلامي النرويجي، مهتاب افسار القول "سمعنا بالفعل أنّ بعض المسلمين قد تعرضوا للضرب في أوسلو، وقد اتصلت بي بعض النساء كن خائفات وطلبن المساعدة"، فالهجمات ضد المسلمين ظهرت مباشرة بعد بث الكراهية بسبب جريمة الأصولي المسيحي، أنديرس بهرنغ بريفيك والتي اتُّهم فيها المسلمون.

2- بعد أن تبين أن الذي قام بالعمل هو من أبناء قومهم، فإن ساسة الغرب وحتى مفكريهم استمروا في تبرير أعمال "بريفيك"... وفوق ذلك فقد عبر بعض الساسة الأوروبيين علنا ​​عن دعم آراء بريفيك المعادية للمسلمين، فقد قال جاك كوتيلا، عضو في حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني "إنّ السبب وراء الهجمات الإرهابية في النرويج هو محاربة الغزو الإسلامي، وهذا ما لا يريد الناس لك أن تعرفه". كما وصف كوتيلا بريفيك بأنه "المدافع الرئيس عن الغرب"، وفي إيطاليا قال فرانشيسكو سبيريني، وهو عضو بارز في دوري إيطاليا الشمالية وحليف/ الشريك في ائتلاف برلسكوني المحافظ "أفكار بريفيك هي الدفاع عن الحضارة الغربية"، كما قال البرلماني ماريو بورجازي الأوروبي "إنّ بعض الأفكار التي عبر عنها بريفيك جيدة، وما عدا العنف فإنّ بعضها عظيم"، وهذه ليست المرة الأولى التي يؤيّد فيها السياسيون الإيطاليون الانتقادات الموجهة ضد الإسلام، فقبل بضع سنوات، أشاد وزير الدفاع الإيطالي انطونيو مارتينو فالاتشي الذي كتب كتابا بعنوان "الغضب والكبرياء" وصف المسلمين بأنهم "مخلوقات خسيسة تبول في صحن الكنيسة"، وقال "بأنّهم مثل الجرذان".

لا شك أنّ وجهات النظر هذه هي التي تدفع نحو التطرف، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى تشكيل السياسات الداخلية للحكومات الغربية على نحو معاد للمسلمين، كحظر الحجاب وفرض قيود على بناء المساجد والتجسس الصارخ على الجاليات المسلمة والسجن للمسلمين دون محاكمات، وغيرها من الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الحكومات الغربية ضد المسلمين.

3- يدّعي الغرب أنّ الأفراد أحرار في عبادة "الإله" الذي يختارونه وفي ممارسة طقوس عبادتهم مهما كانت، ولكن الحقيقة هي أن المستفيد الحقيقي من حرية التدين هم أفراد أو جماعات ممن تتقاطع معتقداتهم مع مصالح الحكومات، أو أولئك الذين يمتلكون القدرة على التأثير على الحكومات، هذا هو أحد الأسباب التي تقف خلف السماح لمؤسسات كثيرة في الغرب بمهاجمة الإسلام بسبب خطابهم الناري والسياسات العنصرية، فهي تتواءم بشكل كامل مع حرب الغرب على الإسلام التي لم تنته بعد، ومع ذلك، فلو اعتدى الإعلام الغربي أو مؤسساته العديدة على اليهود أو دولتهم فإن الحكومات الغربية تتخذ إجراءات صارمة وسريعة للحد من إهانتهم.

وبالمثل، فإنّ الحكومات الغربية تتعامل مع الحرية الدينية كجزء من جدول أعمال سياستها الخارجية، لفتح المجتمعات المغلقة أمام القيم الغربية، وتتجاهل الحرية الدينية عندما لا تتفق مع مصالحهم، ففي حالة الانتفاضات العربية وذبح المسلمين على أيدي عملاء الغرب، فقد اختار الغرب تمييع رده، ما دام المتظاهرون من أنصار الإسلام وليس الديمقراطية، وهذا النفاق لا يؤدي إلا إلى التأكيد للمسلمين بأنّ أمريكا وأوروبا لا تسعيان إلا لتدمير القيم والشعائر الإسلامية.

4- هذه هي حضارة الغرب الفاسدة المفسدة، فأين هي من حضارة الإسلام وأحكامه؟

إنّ الإسلام ينص على أنّ الحياة والعرض والدم والملكية والمعتقدات والأعراق محمية من قبل الدولة الإسلامية.

فجميع حقوق الرعية في دولة الخلافة مكفولة لهم، بغض النظر عما إذا كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين، كما يحمي الإسلام حقوق غير المسلمين الذين يعيشون في الدولة الاسلامية، في العبادة دون أي خوف من العقاب أو المضايقة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ عَلَى يَهُودِيَّتِهِ أَوْ نَصْرَانِيَّتِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُفْتَنُ عَنْهَا...» ولذلك يحظر على أي مسلم إهانة غير المسلمين أو الإضرار بأماكن عبادتهم، والتاريخ الإسلامي شاهد على قدرة الإسلام على ضمان الحقوق الدينية لغير المسلمين تحت ظل الخلافة، ويكفي أن نتأمل مثال إسبانيا وفلسطين لنجد أنّ اليهود والمسيحيين عاشوا بسلام مع المسلمين في ظل الحكم الإسلامي.

وبالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في الغرب أو المقيمين في العالم الإسلامي، فإنّ عليهم أن يضاعفوا جهودهم لنصرة إخوانهم العاملين في البلاد الإسلامية لإقامة الدولة الإسلامية، فالدولة الإسلامية وحدها القادرة على حماية حقوق المسلمين، سواء أكانوا ممن يختارون العيش داخل حدود الدولة أم خارجها.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م