جواب سؤال: أزمة النفط وتداعياتها
April 30, 2020

جواب سؤال: أزمة النفط وتداعياتها

جواب سؤال


أزمة النفط وتداعياتها


السؤال:

تناولت الأخبار الانخفاض المفاجئ في سعر النفط وخاصة نفط تكساس حتى وصل إلى نحو 30 تحت الصفر، حتى إن خام برنت المشهور بتداوله المنتظم انخفض نحو 9% ليصبح 25 دولاراً للبرميل... وتنوعت الأسباب، سواء أكان ذلك لأن الخزانات للبترول أصبحت مملوءة تماماً بل تكاد تفيض، أم كان ذلك بتأثير فيروس كورونا بحيث أدى إلى انخفاض الاقتصاد ومن ثم انخفاض الطلب على البترول... إلخ، فما هي أسباب أزمة النفط هذه؟ وهل هي مستمرة؟ وكيف تؤثر على الاقتصاد الأمريكي والعالمي؟


الجواب:


لإدراك حقيقة أزمة النفط بعامة والنفط الأمريكي (غرب تكساس) بخاصة وتأثيرها على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، لا بد من معرفة ثلاثة ظروف اقتصادية وسياسية وتأثيرها الخاص بنفط تكساس، ثم امتداد تأثيرها إلى نفط برنت ثم على الاقتصاد الأمريكي والعالمي:


أولاً: تأثير فيروس كورونا على استهلاك النفط:


منذ بداية هذا العام حيث انتشار فيروس كورونا بدءاً من الصين ثم انتقاله إلى أوروبا وبعدها إلى أمريكا، ثم ما رافق ذلك من فرض إجراءات الحجر الصحي وتوقف الكثير من قطاعات الاقتصاد في كل بلد، وكذلك حالة الشلل التي أصابت حركة الطيران بسبب حظر السفر بين الكثير من البلدان الرئيسية خاصة أوروبا وأمريكا مخافة انتقال العدوى، يضاف إلى ذلك الارتباك الهائل في التجارة الدولية الناتج عن توقف الطلب بشكل حاد على السلع غير الغذائية والطبية، ومن ثم أثر على حركة النقل... علماً بأن النقل البري والنقل الجوي يستهلكان 68% من المعروض النفطي (إندبندنت عربي، 2020/4/24)، وكل هذا أدى إلى أن يصاب الطلب العالمي على النفط بنكسة كبيرة بسبب كورونا، وكانت هذه النكسة تتعمق أكثر فأكثر مع زيادة تفشي الوباء من بلد لآخر، حيث يرافق تفشي الوباء شلل قطاعات الاقتصاد في كل بلد ينتقل إليه الوباء، لكن علاقة ذلك بالنفط كانت متفاوتةً، فلما انتقل الوباء إلى دول أوروبا الغربية الرئيسية تسبب في انخفاض حاد في الطلب العالمي على النفط، كون هذه الدول مستهلكاً كبيراً للنفط، ولما انتقل الوباء إلى أمريكا وبشكل حاد، وهي التي تستهلك 20% من النفط العالمي، فقد صارت أزمة أسعار النفط وبشكل حاد تتراءى من قريب. ومن ناحية رقمية فإن الطلب على النفط قد انهار بنسبة 30% تقريباً في عالم يستهلك قرابة 100 مليون برميل يومياً، ونأخذ تصريحين فقط من جملة التصريحات التي تؤكد هذا الانهيار في الطلب:


1- التصريح الأول: (توقعت وكالة الطاقة الدولية اليوم الأربعاء 2020/4/15 أن ينخفض الطلب العالمي على النفط بمقدار 29 مليون برميل يوميا على أساس سنوي في نيسان/أبريل، ليسجل مستويات لم يشهدها منذ 25 عاما... موقع صحيفة الوفد في 2020/4/15).


2- التصريح الثاني: (أعلن وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، أن الطلب العالمي على النفط انخفض 20-30 مليون برميل يوميا، قائلا: "بلغنا قاع انخفاض الطلب العالمي على النفط الآن". العربية نت، 2020/4/22).


وهكذا انهار الطلب على النفط بنسبة لم تكن متصورة إلا في ظروف الحروب العالمية! وكل هذا حصل في فترة (3-4 شهور) أي خلال أزمة كورونا، حتى وصل نفط تكساس القاع السحيق أي نحو 37 تحت الصفر وذلك يوم 2020/4/20م الذي أُطلق عليه "الاثنين الأسود".


ثانياً: الظرف الثاني، وهو الظرف السياسي:


لما كان النفط سلعة استراتيجية فإن الدول تستخدمه لضرب دول أخرى، والحديث هنا عن السياسة الأمريكية التي دفعت بالسعودية باتجاه حرب أسعار النفط مع روسيا قبل شهر واحد فقط، وبيان ذلك على النحو التالي:


1- كانت أمريكا تجبر روسيا على خفض إنتاجها النفطي للحفاظ على أسعار عالية للنفط حتى تتمكن شركات النفط الصخري الأمريكية من المنافسة في الأسواق، لأن استخراج النفط الصخري الأمريكي مكلف للغاية، وخلال هذه السياسة نجحت السعودية عبر 3 سنوات من حمل روسيا على مشاركة أوبك خفض الإنتاج ضمن المجموعة الجديدة التي عرفت بـ"أوبك بلس" بمقدار 2.1 مليون برميل يومياً. وكان هذا الاتفاق السعودي المبرم مع روسيا ينتهي بنهاية آذار/مارس 2020. فكان اتفاقاً قبل انتشار كورونا، وتزامنت نهايته مع تفشي كورونا.


2- ومع انتشار فيروس كورونا في الصين وبداية انتقاله إلى إيطاليا وتفشيه فيها، أخذت أسعار النفط تنهار ووصلت 45 دولاراً للبرميل (برنت)، وهذا المستوى السعري والمستمر في الانخفاض خطر لمنتجي النفط الأمريكي ويهدد بإخراجهم من السوق، ولا بد من رفع السعر. وعندها دفعت أمريكا السعودية لممارسة ضغط على روسيا لمزيد من خفض الإنتاج لمواجهة التدني المستمر للطلب العالمي على النفط بسبب الفيروس، فكان اجتماع أوبك بلس 2020/3/6 حين رفضت روسيا أي خفض إضافي في الإنتاج خشية تعويض أمريكا للتخفيض بالنفط الصخري!


3- بفشل اجتماع "أوبك بلس" المذكور انهارت أسعار النفط فوراً بمقدار 10% بسبب انتشار خبر اختلاف مجموعة أوبك بلس.


4- وأشعلت السعودية بعد فشل الاجتماع بأيام قليلة حرب أسعار ضد روسيا لإجبارها على الخفض الجديد بخمس خطوات:


أ- الخطوة الأولى تخليها عن الاتفاق الأول (خفض 2.1 مليون برميل) رغم إعلان روسيا التزامها بهذا الاتفاق السابق،


ب- والخطوة الثانية زيادة هائلة في إنتاجها للنفط بدءاً من 1 نيسان/أبريل (موعد انتهاء اتفاق الخفض الأول مع روسيا) تصل إلى 12-13 مليون برميل يومياً رغم مشاكل الطلب العالمي على النفط بسبب كورونا،


ج- تخفيض لعملائها الآسيويين بمقدار 6 دولارات للبرميل، هو الأول في التاريخ بهذا المستوى من الخصم،


د- تقصد التخفيض والمزيد منه للعملاء المتعاملين مع النفط الروسي لأخذ حصة روسيا من السوق،


ه- استئجار ناقلات نفط عملاقة لاستخدامها كخزانات عائمة في البحر زيادةً في إغراق السوق بالتخمة النفطية،


5- وبهذه الخطوات من السعودية التي تم الإعلان عنها في الأيام القليلة التي تلت 2020/3/6 (اجتماع أوبك بلس الفاشل) فقد انهارت أسعار النفط بنسبة الثلث (فقدت أسعار النفط ما يصل إلى ثلث قيمتها يوم الاثنين في أكبر خسائرها اليومية منذ حرب الخليج عام 1991 بعد أن أشارت السعودية إلى أنها سترفع الإنتاج لزيادة الحصة السوقية فيما يتسبب تفشي فيروس كورونا بالفعل في فائض بالإمدادات في السوق! ومن ثم تراجعت العقود الآجلة لخام برنت 22 بالمئة عند 37.05 دولاراً للبرميل بعد أن نزلت في وقت سابق 31 بالمئة إلى 31.02 دولاراً للبرميل وهو أدنى مستوى منذ 12 شباط/فبراير 2016... رويترز 2020/3/9) علماً بأن خام برنت (Brent Crude)‏ يتم استخراجه من حقول النفط في بحر الشمال، و"خام برنت" هو مزيج من زيوت خام -برنت، فورتيز، أوزبيرج، وإيكو فيسك، وهو يستخدم كمعيار لتسعير ثلثي إنتاج النفط العالمي، خاصة في الأسواق الأوروبية والأفريقية... ويصدر أحيانا إلى الولايات المتحدة وبعض الدول الأفريقية، إذا كان السعر مناسباً بعد الأخذ في الاعتبار تكاليف الشحن. ويتم تداول العقود الآجلة لخام برنت عبر بورصة إنتركونتيننتال (ICE) في لندن، أي أن السعودية بخطواتها تلك قد دفعت أسعار النفط للنزول، وبعد 1 نيسان/أبريل حيث أخذت الخطوات السعودية توضع قيد التنفيذ، بعد أن انتهى اتفاق "أوبك بلس" مع روسيا بنهاية آذار/مارس، فإن التخمة النفطية قد صارت تلحظ في السوق بما دفع أسعار النفط (قياساً ببرنت) إلى ما دون 30 دولاراً خلال شهر 4 (نيسان) وقبل 2020/4/20م.


6- لقد كانت هذه السياسة السعودية هي سياسة أمريكية للضغط على روسيا، ولكنها كانت سياسة تم رسمها في واشنطن قبل حوالي الشهرين تقريباً، أي قبل أن تتراءى الأبعاد الجديدة لانهيار الطلب على النفط بسبب استمرار تفشي كورونا وبحدة، خاصة داخل أمريكا، وبنتيجة هذين العاملين (السياسة السعودية المدفوعة أمريكياً، والزيادة الحادة في انهيار الطلب على النفط) فإن معول الهدم الذي صنعته إدارة ترامب ليضرب روسيا قد صار يضرب يميناً وشمالاً بما لا يستثني شركاتها للنفط الصخري! بمعنى أن ما خططت له أمريكا من خفض لأسعار النفط لم يكن يتوقع له أن يبلغ هذا القاع. وأن هذا القاع كان ناجماً عن العاملين معاً: السياسة الأمريكية (السعودية) ضد روسيا، وكذلك الانهيار المستمر في الطلب العالمي على النفط، ذلك الانهيار الذي لم يكن منظوراً بهذا القدر عند وضع السياسة الأمريكية تلك. وأخذ الضغط يشتد داخل أمريكا على شركات النفط الصخري، وأعلنت شركة "ويتينغ بتروليم" في 2 نيسان/أبريل إفلاسها، ووقفت مئة من شركات النفط الصخري على حافة الإفلاس، وذلك أن أسعار النفط في السوق أقل من أسعار تكلفة الإنتاج: (حيث تبلغ التكلفة الحدية للبرميل الصخري نحو 35 دولاراً للبرميل. موقع الأسواق العربية، 2020/3/11) وبحسب إندبندنت عربي، 2020/4/24 فإن العقود الآجلة لنفط غرب تكساس قد تراوحت يوم الخميس 4/23 بين 15 دولاراً تسليم حزيران/يونيو، وقرابة 27 دولاراً تسليم أيلول/سبتمبر، وكانت كافة العقود الآجلة حتى نهاية 2020 تحت سعر 30 دولاراً وهذا يشكل ضغطاً على النفط الصخري...


7- لهذه الظروف الخطيرة التي تمر بها صناعة النفط الأمريكية بسبب تفشي وباء كورونا فقد كثرت إعلانات الإدارة الأمريكية عن عزمها التدخل بين روسيا والسعودية للعودة إلى خفض الإنتاج، وقام الرئيس الأمريكي بالاتصال بالرئيس الروسي الذي سال لعابه لعودة الاتصالات مع أمريكا وطمع بالتنسيق معها (وليس مع السعودية) بخصوص أسعار النفط، كما اتصل ترامب بالسعودية. وقال ترامب (أجرينا حواراً ممتازاً مع الرئيس بوتين. أجرينا حواراً ممتازاً مع وليّ العهد. يورونيوز، 2020/4/1). وبالمجمل يمكن القول بأن إدارة ترامب قد رعت اتفاقاً روسياً سعودياً لخفضٍ في إنتاج النفط، هو الأكبر في التاريخ بنحو 10 ملايين برميل نفط يومياً: (توصل أعضاء منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) وحلفاؤهم إلى اتفاق قياسي لخفض الإنتاج العالمي للنفط بنسبة 10 في المئة بعد انخفاض الطلب... وما تأكد حتى الآن هو أن أوبك وحلفاءها سيخفضون الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميا. بي بي سي، 2020/4/12). وهذا الاتفاق يبدأ تنفيذه في 2020/5/1 ويستمر لمدة شهرين، تنظر بعدها الدول الموقعة عليه في واقع الطلب العالمي من جديد لتقرير الخطوة التالية. فهو اتفاق قصير الأجل، لمدة شهرين بانتظار ارتفاع الطلب العالمي على النفط مع نهاية حزيران/يونيو. لكن الملاحظ أن أزمة أسعار النفط قد بلغت من العمق درجة بحيث لم تستجب الأسواق لهذا الاتفاق الكبير للغاية، فلم ترتفع الأسعار إلا بشكل هامشي، بل وعادت أسعار برنت تنخفض إلى ما دون 30 دولاراً والذي يفسر ذلك أن الطلب العالمي قد انخفض بمقدار 30 مليون برميل يومياً فلا يسعفه خفض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل يومياً!


ثالثاً: الظرف الثالث، مخزون النفط الأمريكي


هناك نوعان من مخزونات النفط في أمريكا، الأول المخزون الاستراتيجي للدولة، والثاني مخزون الشركات. وهذا الظرف ساهم مع الظرفين الآخرين في تعميق أزمة النفط: جزء منه يتعلق بحالة المخزون الاستراتيجي فيما الجزء الآخر خاص بنفط غرب تكساس ولتوضيح ذلك:
1- المخزون الاستراتيجي للنفط (الخاص بالدولة) بشكل عام هو عبارة عن خزانات تحت الأرض غالباً لتخزين النفط المستخرج لاستخدامه وقت الأزمات، وقد بنت الكثير من الدول هذه الخزانات بعد توصيات منظمة الطاقة الدولية بسبب أزمة النفط في حرب سنة 1973. ثم لكل دولة من الدول المستهلكة الرئيسية خزاناتها للنفط والتي تتسع لكفاية حاجتها منه لمدة 30-90 يوماً في حال انقطاعه...


2- في عام 1975 سن الكونغرس الأمريكي تشريعا يلزم الحكومة الفيدرالية بإنشاء مواقع لتخزين كميات من الخام كافية لتأمين الطلب عليه في حالة تعرض الإمدادات لأي نوع من المخاطر الحادة. وتقع مواقع التخزين الأمريكية على سواحل ولايتي تكساس ولويزيانا، وتتكلف الدولة تأمين حراسة مشددة لها، وقد بلغت أقصى كمية لهذا المخزون الاستراتيجي في أمريكا 727 مليون برميل سنة 2009. وبالإضافة للمخزونات الفيدرالية تقوم الشركات الأمريكية العاملة في مجال الطاقة بتخزين كميات خاصة بها توازي في مجملها كميات المخزون الفيدرالي، وتكثر مثل هذه الخزانات السطحية للشركات في ولاية تكساس كونها أكبر ولاية ينتج فيها النفط في أمريكا منذ أمد بعيد، والمسمى "خام غرب تكساس"، وكذلك في ولاية أوكلاهوما المجاورة لها والتي ينقل منها نفط تكساس إلى عمق البر الأمريكي...


3- ومع الانهيار السابق لأسعار النفط 2020/3/6 وما تبعها من حرب أسعار بين السعودية وروسيا فقد توجهت الكثير من الدول خاصة أمريكا والصين لملء مخزونها الاستراتيجي من النفط، وكان ترامب قد ابتهج بانخفاض الأسعار وقتها.. وعملت أمريكا على شراء النفط الرخيص من السعودية أو غيرها، وقبل حلول "الاثنين الأسود" كانت خزانات تكساس ممتلئة نوعاً ما، وإن لم يكن كلياً. وهكذا فإن مشكلة مخزون النفط تكون قد وصلت درجة التأزيم والتشبع بحيث إن توجيه المزيد من النفط المستخرج (في حال عدم البيع) إلى التخزين أصبح مسألة معقدة، وأحياناً غير متوفرة، بمعنى إقفال قناة التخزين كحل أمام منتجي النفط خاصة في تكساس...


4- وهكذا فإن مخزون النفط الاستراتيجي الأمريكي قد مُلئ بنسبة كبيرة، وناقلات النفط تعمل في البحر كمرافق تخزين فتفاقمت بذلك مشكلة التخزين حيث امتدت إلى مرافق التخزين الخاصة بنفط غرب تكساس في نقطة تسليمها عند بلدة كاشينغ بولاية أوكلاهوما شمالي ولاية تكساس، (وتتزايد كميات الخام المخزونة في الولايات المتحدة، لا سيما في كاشينغ، حيث نقطة التسليم لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي في أوكلاهوما، مع تقليص المصافي أنشطتها في مواجهة الطلب الضعيف. الجزيرة نت، 2020/4/20)، والطاقة التخزينية القصوى لنقطة كاشينغ تبلغ 76 مليون برميل، وفي العادة يمكن لأصحاب عقود النفط استلام عين النفط في كاشينغ عندما يحين أجل تلك العقود ويمكنهم تخزينه فيها بأسعار عادية غير مرتفعة لحين نقله داخل البر الأمريكي إلى الولايات الداخلية، لكن ما حصل: (وفي كاشينغ بولاية أوكلاهوما خصوصا حيث يتم تخزين خام تكساس الوسيط المرجعي، ازداد حجم المخزون خمسة ملايين برميل وبات قريبا من الحد الأقصى. وارتفعت أيضا المخزونات الأمريكية من الوقود والمنتجات المكررة بينما تراجع الاستهلاك الأسبوعي أكثر من 25 بالمئة على مدى عام بسبب إجراءات العزل. رأي اليوم، 2020/4/25)، وهكذا يمكن القول بأن الانخفاض غير المسبوق للطلب العالمي على النفط والمقدر بـ30 % (أي حوالي 30 مليون برميل نفط يومياً) هو السبب الأول والرئيسي لما نشاهده من انهيارات متتالية في أسعار النفط، ولما كانت السياسة الأمريكية - السعودية بالضغط على روسيا صالحة للتطبيق فقط في الأوقات الطبيعية، وليس وقت أزمات الطلب، فقد نتج عنها تفاقم لمشكلة أسعار النفط بشكل صارخ!


رابعاً: كل هذا أثر على نفط غرب تكساس فقد تشبعت مرافق التخزين في أوكلاهوما ولم يعد هناك مجال للتخزين إلا بأسعار باهظة للغاية، وصار لا بد من التخلص من تلك العقود بأي ثمن، فكانت أزمة نفط غرب تكساس أو "الاثنين الأسود" 2020/4/20 عندما تم بيع النفط بسالب 37 دولاراً للبرميل، وتكبد المتعاملون بالبورصة في أمريكا خسائر فادحة... والذي أوصل الأمور إلى هذا الحد وزاده تأزماً هو ما ذكرناه آنفاً، أي امتلاء خزانات كاشينغ، فعندما تقترب المخزونات من الحد الأقصى، وهو إجراء نادر للغاية فإن أسعار التخزين تقفز، ولأن آفاق استهلاك النفط بسبب استمرار إغلاق الاقتصاد كانت لا تزال غامضة ومريبة فإن أسعار التخزين في منشآت كاشينغ قد قفزت بقوة وصارت عاملاً آخر يضغط على حاملي عقود نفط أيار/مايو، وصاروا يحاولون التخلص منها بأي ثمن، فنزلت أسعار تلك العقود إلى 10 دولارات، ثم بعدها إلى خمسة، ثم واصلت النزول إلى الصفر في مشهد دراماتيكي، ثم ما لبثت أن نزلت إلى ما دون الصفر لتباع آخر تلك العقود أيار/مايو بسالب 37.6 دولار وسط ذهول كبير لحامليها الذين تكبدوا خسائر فادحة وكذلك ذهول المتعاملين بالبورصة. هكذا حصلت أزمة "الاثنين الأسود" 2020/4/20 لنفط غرب تكساس، وتلك كانت ظروفها التي تجمعت في صعيد واحد لتصنع هذه الأزمة الحادة. ومن ثم حصلت أزمة نفط غرب تكساس، ولم تنفع ابتهاجات ترامب باتفاق أوبك بلس بين السعودية وروسيا حين قال في 2020/4/12 ("سيوفر ذلك مئات الآلاف من وظائف الطاقة في الولايات المتحدة. أود أن أشكر وأهنئ الرئيس الروسي بوتين والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز" CNN عربي، 2020/4/21)، فابتهاجات ترامب كانت بعيدة عن الواقع لأن تهاوي الأسعار بهذه الطريقة الفظيعة التي حصلت أوجد مخاوف كبيرة في العالم وليس في أمريكا وحدها، ومن ثم اشتدت الأزمة الاقتصادية ناهيك عن قطاع الطاقة فقد باتت فقاعاتها قابلة للانفجار!


وللعلم فإن خام غرب تكساس المتوسط West Texas Intermediate)) يتم استخراجه من حقول النفط في الولايات المتحدة، ويتم استخراجه بشكل أساسي من تكساس ولويزيانا وداكوتا الشمالية، ثم نقله عبر خط أنابيب إلى كوشينج، بولاية أوكلاهوما للتسليم، ويتم تداول العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط عبر بورصة نيويورك التجارية (NYMEX)، المملوكة لبورصة شيكاغو التجارية (CME)...


خامساً: ومن ناحية أخرى، فإن أمريكا منذ بداية أزمة كورونا قد اعتمدت خططاً للدعم أو للإنقاذ أو التحفيز، وكانت تلك الخطط متدرجة، أولها خطة صغيرة بقيمة 8.3 مليار دولار من الإنفاق الطارئ لدعم برامج الصحة وتمكينه من مواجهة تفشي وباء كورونا في أمريكا، وبعد أن أخذ وباء كورونا يضرب الاقتصاد خارج قطاع الصحة، (خفضت الولايات المتحدة أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، وأطلقت برنامجا تحفيزيا بقيمة 700 مليار دولار، في محاولة لحماية الاقتصاد من تأثير فيروس كورونا. بي بي سي، 2020/3/16) فقامت بإغراق الأسواق بالسيولة الدولارية لمواجهة نقص السيولة، ثم بعد ذلك تبني خطة تحفيز بقيمة خيالية 2.2 تريليون دولار في 2020/3/27، وهي أكبر خطة في التاريخ الأمريكي، ومعظمها مخصص لشراء ديون الشركات التي تقف على حافة الإفلاس لمنع انهيارها، وأثناء ذلك (وكان بنك الاحتياطي الفيدرالي قد أعلن في وقت سابق أنه سيشتري ما لا يقل عن 500 مليار دولار من سندات الخزانة وما لا يقل عن 200 مليار دولار من الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري. كما أعلن البنك المركزي الأمريكى عن إنشاء برنامج جديد سيوفر ما يصل إلى 300 مليار دولار في التمويل الجديد في محاولة لدعم تدفق الائتمان لأصحاب العمل والمستهلكين والشركات. تريدرس أب، 2020/3/24)، ثم إن حجم المصروفات الصحية على مصابي فيروس كورونا يتوقع أن يكون كارثياً في أمريكا وقد يدفع معه شركات التأمين للانهيار، وهي شركات ضخمة للغاية، ثم إن أمريكا تعاني من أزمة شديدة في البطالة، إذ فقد نحو 30 مليون أمريكي وظائفهم تحت وقع تأثير فيروس كورونا، ولأن الشركات التي كانت توظفهم في وضع مالي بائس فإن عودتهم لوظائفهم لن تكون سريعة هذا العام، وهذا الرقم الكبير ينعكس على الموازنة العامة بالحجم الكبير من طالبي الإعانة الحكومية التي سجل لها ما يزيد عن 22 مليون أمريكي عاطل عن العمل، والحبل على الجرار، وإذا ما استمرت الدولة بتبني حزم إنقاذ كبيرة فإن العملة الأمريكية قد تشهد انهياراً فظيعاً تصطلي بناره أمريكا وكافة الدول والشعوب التي تتعامل بالدولار.


سادساً: لقد أصابت هذه الأزمة ليس فقط أمريكا وإن كانت هي الأشد لكنها أصابت كذلك دولاً أخرى في العالم:


1- بالنسبة لأوروبا فإن حالها ليس بأحسن من قرينتها أمريكا، فإن تداعيات وباء كورونا قد هددت بنيتها السياسية بجانب التداعيات الاقتصادية، وما نشهده من أزمات هذا الوباء في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وألمانيا وبريطانيا له دلالة واضحة، وقد حذر الرئيس الفرنسي ماكرون في مؤتمر صحفي عبر الهاتف يوم 2020/3/26 "من أن تفشي فيروس كورونا يهدد الدعائم الأساسية للتكتل..." وأضاف "المشروع الأوروبي معرض للخطر... التهديد الذي نواجهه هو القضاء على منطقة الشنغن". (روسيا اليوم 2020/4/26) وقالت المستشارة الألمانية ميركل ("من وجهة نظري يواجه الاتحاد الأوروبي أكبر اختبار منذ تأسيسه... المهم أن يخرج التكتل قويا من الأزمة الاقتصادية التي سببها الفيروس"... رويترز 2020/4/7) وقال رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز يوم 2020/4/5 ("الظروف الحالية استثنائية وتدعو إلى مواقف ثابتة، إما أن نرتقي إلى مستوى هذا التحدي أو سنفشل كاتحاد..." ... فرانكفورتر ألغماينة الألمانية 2020/4/5) وكان قادة الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم عبر الفيديو يوم 2020/4/23 اتفقوا على حزمة إنقاذ فورية بحوالي 500 مليار يورو، ولكنهم تركوا التفاصيل المختلف عليها لتمويل أكبر حتى فصل الصيف... فقد تناقشوا حول تأسيس صندوق للمساعدات، وإصدار سندات كورونا مشتركة. ولكن ألمانيا وهولندا والنمسا وفنلندا أعلنت رفضها لهذه السندات ولم توافق على فكرة الصندوق. بينما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تدعم المشروع وهي الدول الأكثر تضررا. ورفض ألمانيا يرجع إلى أنها تطمح لأن تعطي قروضا باسمها لتكون هذه الدول مدينة لها، لتسيطر على دول أوروبا الأخرى...!


2- وبالنسبة للصين، فقد حذر البنك الدولي من أن تداعيات الاقتصاد العالمي يمكن أن تتسبب في تراجع نمو الاقتصاد الصيني وصولا إلى 2,3% هذا العام مقارنة بنسبة 6,1% في العام 2019" (صفحة الحرة الأمريكية 2020/4/10) ونقلت الصفحة عن مسؤول البنك المركزي الصيني قوله: "إنه يوصي بألا تحدد بكين هدفا للنمو هذا العام، نظرا للشكوك الهائلة التي تواجهها" ونقلت صحيفة "إيكونوميك ديلي" الرسمية عن "ما جون" عضو في لجنة السياسة النقدية في بنك الشعب الصيني قوله "إنه سيكون من الصعب الوصول إلى نمو بنسبة 6%"، مضيفا أن "تحديد هدف يمكن أن يحد من التدابير الرسمية للتعامل مع تداعيات الفيروس".


3- وأما بالنسبة لروسيا، فهي تعتمد على صادرات النفط والغاز بنسبة 60%. فالنفط يعتبر شريان الحياة للاقتصاد الروسي، فأصبح يقاسي من الخسائر التي يتكبدها، وباتت العملة الروسية الروبل على أسوأ حال فانخفض حتى أصبح الدولار يساوي نحو 79 روبلاً عقب حرب أسعار النفط. ففي تقارير من وكالة رويترز عن الوضع في روسيا تنقل عن أحد البنوك الروسية قوله "إن الناتج المحلي الإجمالي قد ينكمش بنسبة 15% إذا ما هبطت أسعار النفط دون عشرة دولارات للبرميل".


سابعاً: إن الرأسمالية قد ظهر عوارها بشكل أوضح، وظهر عجزها وارتباكها في التعامل مع أزمة كورونا، وظهرت الأنانية بين دولها، التي تعرضت لضربات شديدة ألقتها أرضا، فما بقي إلا المبدأ الإسلامي العريق والصحيح. فهناك فرصة لانطلاق الأمة الإسلامية من جديد... إلا أن الأنظمة في بلاد المسلمين والقائمين عليها تقف عائقا أمام حركة الأمة، فهؤلاء الحكام يصرون على عداوتها وعلى الارتباط بالدول الاستعمارية الكبرى. والأمة تحتاج إلى قيادة مخلصة صادقة تقودهم وفق الإسلام الحنيف، وهي لا شك تدرك أن حزب التحرير هو الرائد الذي لا يكذب أهله، فلتعمل معه بصدق ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.


أيها الإخوة، إن الأحداث تشير إلى أن الموقف الدولي بعد كورونا ليس كما كان قبله، فالدول التي كانت تعد أنفسها آلهة في الأرض تخط لها شرعا وقوانين على خلاف ما أنزل الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فتجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، هذه الدول قد ثبت عجزها أمام مخلوق صغير صغير لا يكاد يرى فألقاها أرضاً وهي تتخبط في كيفية معالجته، والوقوف أمامه... وهي ما زالت تتخبط في دياجير ظلمها إلى أن يصفعها قول الله القوي العزيز: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾، وسيبزغ فجر الخلافة من جديد، فيضيء الدنيا وينشر الخير في ربوع العالم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾.


السادس من رمضان المبارك 1441هـ
الموافق 2020/04/29م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م