جـواب سـؤال  بوتو ومشرف وتطورات الأوضاع في الباكستان
December 26, 2006

جـواب سـؤال بوتو ومشرف وتطورات الأوضاع في الباكستان

جـواب سـؤال

بوتو ومشرف وتطورات الأوضاع في الباكستان


السؤال: ما الذي جعل أمريكا، وهي المهيمنة على الحكم في باكستان، توافق على العفو عن بوتو وإعادتها إلى باكستان وهي التي أُشرِبت الولاء للإنجليز خلال السنوات الثماني التي قضتها في لندن وأتباعها؟


ثم إلى أين تسير باكستان في خضم تلك الأحداث المتلاحقة؟

الجواب: إن الجواب على هذا السؤال يقتضي الرجوع قليلاً للوراء:


1 - لقد بدأت الأمور تتسارع في باكستان بعد وصول بوش والمحافظين الجدد إلى سدة الحكم في أميركا وخاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، حيث كان الغزو الأميركي لأفغانستان عاملاً حاسماً في قيام الرئيس الباكستاني عميل أميركا الأكبر في المنطقة برويز مشرف بالوقوف مع الأميركيين في غزوهم لأفغانستان، وفي حربهم ضد المسلمين المجاهدين داخل الباكستان نفسها. وكان انضمام مشرف إلى أميركا في حربها المعلنة ضد الإرهاب (الإسلام) بمثابة الإعلان عن تجريد حملة عسكرية صليبية جديدة ضد التيارات والحركات الجهادية الكشميرية والباكستانية التي كانت تتخذ من الباكستان معقلاً ومنطلقاً لها.

ونجح مشرف بتحالفه هذا مع الأميركيين في حرمان هؤلاء المجاهدين لمعقلهم وقاعدتهم الآمنة في الباكستان، فنجح فيما فشلت فيه جميع الحكومات الباكستانية السابقة في محاولاتها لإغلاق معسكرات المجاهدين وملاحقتهم واعتقالهم واعتبارهم إرهابيين.

وقدم هذا الخائن أكبر هدية للهند التي عجزت لعشرات السنين أن تثني الباكستان عن دعم هؤلاء المجاهدين. وأُثلج صدر الهندوس بذلك واندمجوا تماماً مع المفردات الجديدة التي أطلقتها إدارة بوش في محاربة (الإرهاب الإسلامي) -كما يصفونه- واعتبروا المقاومة الكشميرية الجهادية لوناً من ألوان الإرهاب، ولم تختلف في هذا الاعتبار حكومة المؤتمر الحالية ذات النزعات الإنجليزية عن حكومة جاناتا السابقة ذات الميول الأميركية.

2 - كما أن المسؤولين الأميركيين لم يتوقفوا عن مطالبة مشرف بالمزيد، لأن من يهن يسهل الهوان عليه، فقد هدَّد مسؤول في الاستخبارات الأميركية في صحيفة نيويورك تايمز في 23/7/2007م بدكِّ منطقة القبائل، وقال مدير الاستخبارات الأميركي مايك ماكونل بعد ذلك بيومين بأن أسامة ابن لادن موجود في منطقة في باكستان على الحدود مع أفغانستان، وحثَّ (مشرف) على بذل المزيد في حشد الجيوش في منطقة الحدود.

نعم لم تكتف الإدارة الأميركية بما قدَّمه الجيش الباكستاني من خدمات للأميركيين على الحدود بل تُطالبه بالمزيد ليقوم هو بالنيابة عنها بالمهام الصعبة والقذرة.

إن الإدارة الأمريكية تريد من مشرف أن يستمر في سلوك النهج نفسه الذي اتبعه في محاربته للتيارات الإسلامية كالقاعدة وطالبان وحركة المجاهدين (الأنصار سابقاً) وتنظيم مجاهدي جيش محمد وغيرها من الحركات، وتأمين الحدود الأفغانية الباكستانية التي تبلغ 1500 كيلو متراً ومنع المقاتلين من استخدام الأراضي الباكستانية للانطـلاق ضـد الاحتـلال الأميركي والأطلسي في أفغـانسـتان، وإعلان الحرب الشاملة والقاطعة ضد القبليين المساندين لطالبان والقاعدة.

ولعل زيارة نيغروبنتي مساعد وزيرة الخارجية الأميركية المتخصص في إشعال الحروب الأهلية وسفك الدماء في يوليو تموز 2007 إلى إسلام آباد، كانت تصب في تحقيق هذه الأهداف من خلال استمرار وجود مشرف في السلطة الذي مرد على خيانة المسلمين، وكرَّس نفسه لخدمة الأميركيين. وقد اعترف نيغروبنتي بأنه ناقش في زيارته للباكستان مسألة توجيه ضربة عسكرية داخل المقاطعات القبلية.

3 - إن مشرف قد اعتاد على سياسة العصا الغليظة التي تستخدمها أميركا ضده، فهو عميل مطيع وينفذ الأوامر ولو كانت ضد مصلحة شعبه وبلده بشكل فاضح، لهذا وصفه الأمريكان بأنه (كنز)، فهو عميل مضمون ويستوفي جميع الشروط الأميركية في منطقة ملتهبة كالباكستان.

لقد تحدى مشاعر المسلمين، فوقف مع أمريكا في عدوانها على أفغانستان، وجعل من باكستان خطاً أمريكياً متقدماً في العدوان على أفغانستان.

وهو يحشد الجيوش في منطقة القبائل على الحدود الأفغانية في وزيرستان وبلوشستان وقد تم رفع تعداد القوات العسكرية الباكستانية المرابطة على الحدود الباكستانية-الأفغانية من 80 ألفاً إلى 90 ألفاً. وهو اليوم 26/10/2007 يشـن هجـوماً عنيفاً على المسلمين في وادي سوات شمال شرق بيشاور لأنهم يريدون تطبيق رفع شأن الإسلام.

كل ذلك لإشعال الحرب الدموية التي تريدها واشنطن وتدفع عميلها مشرف لتنفيذها باستمرار بين المسلمين: الجيش الباكستاني من جهة والقبائل المسلمة من جهة أخرى، بصورة استفزازية لتبقى النار مشتعلةً، فقد تعامل مشرف مع التحركات الاحتجاجية على ارتباط مشرف بأمريكا، تعامل معها معاملةً الذي يريد إشعال حرب أهلية لا معاملة الذي يريد الوصول إلى حل للتحركات الاحتجاجية كما فعل عندما عمد إلى قتل زعيم التحرك في بلوشستان اكبر خان بوغتي البالغ من العمر 79 سنة في أغسطس آب /2006م، فزادت التحركات وازدادت اشتعالاً ما زاد الأزمة تفاقماً. وكان بوغتي يعرف بلقب «الأسـد العـجـوز»، وتولى منصب الحاكم وكبير الوزراء في أواخر السبعينيات بإقليم بلوشستان.

4 - ولما اضطر الجيش الباكستاني على أثر قتل بوغتي وتصاعد التحركات بشكل مؤثر ضد جيش مشرف، لما اضطر الجيش لعقد اتفاق مع القبائل لتهدئة الأمور في أيلول 2006، لم ترض أمريكا بذلك. فقامت أمريكا تحت مسمى الناتو قامت بهجوم دموي في منطقة باجور الحدودية في تشرين الثاني 2006 لتفسد الاتفاق مع القبائل. ثم كثف المسئولون الأمريكان من تصريحاتهم المنتقدة للاتفاق، وحثوا (مشرف) على حشد الجيوش في منطقة القبائل، كل ذلك من أجل عدم استقرار الاتفاق. وهذا ما كان: فقد انتقدت رايس الاتفاق في كلمتها أمام الكونغرس في 16/2/2007، كما انتقده تشيني نائب الرئيس الأمريكي في اليوم نفسه أثناء زيارته لباكستان. وكذلك نفذ مشرف رغبة واشنطن بحشد الجيوش على الحدود بشكل استفزازي للقبائل، في خطوات تصاعدية لإلغاء الاتفاق، ما يتبيَّن بوضوح أن أمريكا لا تريد تهدئة المنطقة سلماً بل أن تبقى الحرب مشتعلةً بين المسلمين لينصرفوا عن مقاومة احتلالها لأفغانستان، وقد وجدت في مشرف كنزاً كما وصفوه لتنفيذ مآربهم.

بعد ذلك، ولتحفيز باكستان على بذل المزيد في مهاجمة القبائل والقاعدة فقد صرح الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض توني إسنوا بأن القاعدة تشكل تهديداً كبيراً لباكستان لذا فهم يدرسون إمكانية القيام بعملية نوعية ضد أهداف محددة للقاعدة داخل باكستان.

وهذا ما دفع رئيس الوزراء الباكستاني شوكت عزيز لأن يصرح بأنهم قادرون على القيام بمثل تلك العملية بأنفسهم وأنهم أبداً لن يسمحوا باستخدام الأراضي الباكستانية منطلقاً لفعاليات أي تنظيم إرهابي. وهكذا حاول تبرير العمليات التي تشنها الباكستان ضد المسلمين بذريعة أنه ما لم نحن بالعمليات فإن أميركا ستتدخل لتقوم هي بها!

5 - وعقب ذلك وقع الهجوم الشنيع على مسجد لال (المسجد الأحمر) في منتصف تموز 2007، وعلى أثر ذلك انتهى الاتفاق السابق المعقود بين الجيش والقبائل، ووجدت حالة حرب فعلية، لكن ليس بين أمريكا المعتدية والمسلمين كما يجب أن يكون، بل بين القبائل المسلمة والجيش الباكستاني الذي عزز قواته في وجه القبائل بأوامر مشرف وإدارته الخائنة. وقد أعلنت أميركا من خلال مستشار الأمن القومي لبوش ستيفن هادلي أنها تنظر لهذه التعزيزات العسكرية بإيجابية وأنها تؤيدها.

وهكذا ظهرت عدوانية مشرف تجاه منطقة القبائل، وما صعَّد الأمور أكثر ما انكشف خلال عدوان مشرف على المسجد الأحمر من قسوة وإجرام ومجازر ورفض تام لأي مفاوضات، وقطعها فجأة بعدما كانت هناك وساطات ناجحة، وما تبع ذلك من إذلال المشايخ والملالي خلال وبعد اعتقالهم أو قتلهم!


هذا عن عدوانية مشرف تجاه القبائل.

6 - أما بالنسبة لكشمير فالحل المعروض أميركيا هو بقاء الحال على ما هو عليه بالنسبة للحدود إرضاءاً للهند التي ترغب أميركا في أن تصبح نداً للصين في الشرق الأقصى و جنوب شرق آسيا، وقد سار مشرف بخطوات عدة لتطبيع الأمر الواقع وذلك بعدما توصل البلدان إلى وقف لإطلاق النار في كشمير في نوفمبر 2003، واستأنفا مفاوضات (السلام) بينهما في يناير 2004، ما سمح بإعادة فتح معابر رمزية خاصة بالحافلات في كشمير بين الهند وباكستان، و سار الجانبان في خطوات تعزز العلاقات التجارية الاقتصادية لتطبيع الوضع الحالي. و هذا الحل هو المعروض من جانب الهند حاليا حيث قال مانوموهان سينغ رئيس الوزراء الهندي بتاريخ 15/07/2007م ان منطقة كشمير المقسّمة يمكن أن تصبحَ رمزاً للتعاون بين الهند وباكستان، وان المحادثات التي تهدف لإنهاء 60 عاما من الصراع سوف تستمر. وأكد مانموهان سينغ على موقفه بأن: «الحدود لا يمكن تغييرها لكن يمكن جعلها غير ذات أهمية» يعني ليست حدوداً عدائية. وقال في خطاب له أثناء تلقيه درجة فخرية في جامو العاصمة الشتوية لولاية جامو وكشمير، أُرسلت نسخة منه لرويترز عبر البريد الالكتروني، قال: «لا يمكن أن يكون هناك شك في بقاء الانقسامات والحواجز لكن خط السيطرة ـ الحدود، يمكن أن يصبح خطا للسلام مع تدفق أكثر لحرية الأفكار والبضائع والخدمات للناس». وأضاف سينغ: «آمل وأثق بأن جامو وكشمير يمكن أن تصبح في يوم ما رمزا للتعاون بين الهند وباكستان بدلا من الصراع.»

والواقع الراهن يشهد أن هذا الحل هو الذي يسير فيه مشرف مع الهند و كافة التصريحات المتعلقة بكشمير من الجانب الباكستاني في الفترة الأخيرة لم تعد تخرج عن هذا الإطار، فمنذ مفاضات 2004م لم يعد حق تقرير المصير لأهالي كشمير موضع بحث عند باكستان مشرف، و لم تطالب به كما كانت تفعل، ولم تعد حكومة مشرف كالماضي تطالب بالمفاوضات على أساس القرارات الدولية ناهيك عن إعادة كشمير بالجهاد، ما يعني أن الأمور تسير نحو التنازل عن كشمير وترسيخ الوضع القائم كحل نهائي لكشمير.

7 - وهكذا فإن مشرف قد قطع روابطه بالإسلام والمسلمين:


وقف مع أمريكا في عدوانها على أفغانستان، وجيَّش الجيوش في هجوم دموي في منطقة القبائل مرتكباً المجازر في وزيرستان وبلوشستان، وقذف المسجد الأحمر بأسلحة التدمير، وأضاع كشمير، وأذل العلماء وطلاب المدارس الإسلامية، واعتقل حملة الدعوة الإسلامية ...

وعليه فقد أصبح منبوذاً مطروداً من المسلمين، ووجد نفسه مكشوفاً دون (شعبية) أمام رغبته في الرئاسة لفترة ثانية. عندها لم يكن أمام أمريكا للحفاظ على (كنزها) إلا الاتجاه إلى علمانيي الإنجليز، أي إلى بناظير بوتو وحزبها بعقد صفقة معها تصبح من خلالها بوتو نقيةً نظيفةً من فسادها وإفسادها الذي سبق واتهمها به مشرف، ومن ثَمَّ نفاها من البلاد. وبموجب الصفقة، فقد أصدر مرسوماً بالعفو عنها في 5/10/2007 أي قبل الانتخابات الرئاسية التي قدمها في 6/10/2007، بعد أن كان الواجب أن تتم بعد الانتخابات البرلمانية في كانون الثاني 2008. ولكنه خشي أن يسقط أشياعه في الانتخابات البرلمانية القادمة في كانون الثاني 2008، ما يجعل انتخاب الهيئة البرلمانية الجديدة له في رئاسة ثانية بعيد المنال، فقَدَّمَ انتخابات الرئاسة على انتخابات البرلمان، حيث إن البرلمان القديم قد تم قبل انتشار فضائحه، ما جعل بعض الناس ينخدعون به ويصوتون لصالحه في الانتخابات السابقة. وهكذا فاز في الانتخابات التي جرت في 6/10/2007 وفق الهيئة الانتخابية البرلمانية السابقة!

8 - لقد برز انقسام في الحكومة الباكستانية على مشروع العفو عن بوتو، إذ اعتبر عدد من أعضاء حزب «الرابطة» الحاكم أن إسقاط التهم «غير منصف». وقال وزير الشؤون الدينية إعجاز الحق "نجل الديكتاتور العسكري السابق ضياء الحق الذي أَعدم ذا الفقار علي بوتو، والد بناظير، سنة 1979"، قال: «أبدينا تحفظاتنا على عرض العفو المقترح، ولا نؤيده». وشدد على وجوب «عدم منح العفو للسياسيين الفاسدين، خصوصاً المتهمين بنهب 1.5 بليون دولار»، في إشارة إلى الزعيمة المعارضة.

وليس بالغريب أن تظهر المعارضة من داخل حزب مشرف، ذلك أن كيفية نشأة هذا الحزب توضح ذلك، فقد أوجد مشرف حزبه (حزب الرابطة الإسلامي الباكستاني) من سياسيين جعلهم ينشقون عن حزب الرابطة الإسلامي الباكستاني (نواز شريف)، وكذلك من سياسيين إنشقوا عن حزب الشعب الباكستاني (بناظير بوتو)، وذلك بتهديدهم بالفساد إن لن ينصاعوا له، وحزبٌ مثل هذا ليس من المستغرب أن تظهر فيه آراء متضاربة عند الأزمات.


9 - ولكن لأن الأمر أكبر من حزب مشرف، فلم تؤثر المعارضة شيئاً، بل رغم معارضة بعض عناصر حزبه، فقد قام الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورئيسة الوزراء السابقة بناظير بوتو بالتوصل في 04/10/2007م الى اتفاق الصفقة التي أدارتها أمريكا وبريطانيا تمهيداً لتقاسم السلطة بينهما، وقد تبعه مرسوم العفو آنف الذكر في 5/10/2007 أي قبل 24 ساعة من الانتخابات الرئاسية التي أقرت المحكمة إجراءها في موعدها. وقد ترتب على هذا العفو أن حزب بوتو لم يقاطع انتخاب الرئيس كما فعلت أحزاب المعارضة، وبذلك تأمن النصاب، ومن ثم الفوز لمشرف برئاسة ثانية!

لقد كان ذلك العفو جزءاً من مرسوم (المصالحة الوطنية) الذي ينص على إسقاط ملاحقة السياسيين أمام القضاء بسبب جرائم تتعلق بالفساد. وقبل التوقيع الرئاسي على ذلك المرسوم، صادقت عليه الحكومة.

ويسمح المرسوم بالعفو عن السياسيين الذين تعود التهم المنسوبة إليهم للفترة الممتدة من 1988 وحتى 1999. وقد تمت صياغته على هذا النحو حتى لا يشمل رئيس الوزراء السابق نواز شريف الذي أطاح به مشرف في انقلاب أبيض عام 1999، لأن القضايا الجرمية المرفوعة بحقه تعود إلى عام 2000.

وهكذا صيغ العفو بحيث لا يشمل نواز شريف، على الرغم من أنه عميل سابق لأمريكا، لكنها غضبت عليه عندما لم يستطع منع تحرك مشاعر الجيش الباكستاني من نجدة المجاهدين الكشميريين ضد الجيش الهندي في مرتفعات كارغيل ما ألحق هزيمةً بالجيش الهندي حينها سنة 1999، وكاد استمرارها أن يقوض حكم فاجبايي الموالي لأمريكا، لذلك أسقطته أمريكا على يد مشرف سنة 1999، ونفَّذ مشرف أمر أمريكا فأعاد الجيش الباكستاني إلى مواقعه قبل احتلال مرتفعات كارغيل. إن أمريكا لم تتجاوز عن (زلة) نواز شريف تلك رغم خدمته لها سنين، ولو كان العملاء يعقلون لأخذوا عبرةً من غيرهم ولعلموا أن الدولة المستعمرة تلفظ عميلها مهما خدمها إذا استنفدت أغراضها منه.

بعد قرار العفو المذكور الصادر في 5/10/2007، وبعد تأمين انتخاب مشرف في 6/10/2007 ثم بعد نظر المحكمة العليا في صحة الانتخابات الرئاسية ابتداءً من 17/10/2007 ولم تنقض صحة الانتخابات (حتى اليوم رغم اجتماعاتها المتكررة لدراسة نتائج الانتخابات)، عادت بوتو في 18/10/2007 التي شغلت رئاسة الوزراء مرتين من 1988 إلى 1990 ومن 1993 إلى 1996 وهي تطمح إلى رئاسة الوزراء للمرة الثالثة بعد انتخابات البرلمان في كانون الثاني 2008.

10 - لقد بذلت أمريكا جهداً في عقد الصفقة مع بوتو، وكل ذلك ضماناً لبقاء (كنزها) مشرف في الحكم، ولو قاطعت بوتو كما فعلت المعارضة لما أمكن لمشرف الفوز برئاسة ثانية.

لقد بدأت أمريكا مباحثات الصفقة مع الإنجليز وبوتو في لندن لشهور عدة، إلى أن تم ترتيب الخطوط العريضة في تقاسم السلطة مستقبلاً بين مشرف رئيساً للدولة وبوتو رئيسةً للوزراء. وقد فعلت أمريكا ذلك وهي تعلم أن بوتو لا تقبل أن تكون رئيسة وزراء بصلاحياته الحالية، بل بأن يكون لها سلطة فعلية تتقاسمها مع سلطة رئيس الجمهورية، لكنه كما يقال (مكره أخوك لا بطل)، فأن يبقى مشرف مع خسارة بعض الصلاحيات لبوتو خير من أن يزول نفوذ أمريكا في باكستان.

بعد ذلك، وعلى ضوء الخطوات الأساسية التي قامت بها أمريكا، بدأت المباحثات بين مشرف وبوتو تارةً مباشرةً، وأخرى بين مبعوثيهما، وأحياناً في لندن وأحياناً أخرى في الإمارات ... وهكذا لإيجاد خطوات متوازنة بين الطرفين بتنازلٍ هنا ومكاسبَ هناك: وافق مشرف على إزالة أي عوائق قانونية أمام رجوع بوتو (نظيفةً) من كل تهم الفساد، وكذلك سنّ تشريعات - إذا لزم - لتسهيل تولي بوتو رئاسة الوزراء للمرة الثالثة حيث هي تولتها سابقاً مرتين، وعدم مضايقة حزبها في خوض الانتخابات الجديدة مطلع العام القادم ...، ووافقت هي أن لا يقاطع حزبها البرلمان كما فعلت المعارضة، وأن لا يقف أتباعها في المحكمة العليا أمام ترشح مشرف للرئاسة قبل أن يخلع بزته العسكرية إلا بعد نجاحه ...

وسارت الأمور وفق ما اتفقا عليه:


فقد امتنع نواب حزب الشعب الذي تقوده بوتو، امتنعوا عن مقاطعة البرلمان كما فعل النواب المعارضون الآخرون.

قامت لمحكمة العليا (لجنة الانتخابات) بإعادة تنظيم قوانين انتخاب رئيس الدولة الصادر عام 1998، وغاب رئيس المحكمة المعارض لمشرف، والموالي لبوتو، ليسهل على باقي الأعضاء إلغاء المادة (63) التي كانت تشكل عقبة أمام مشرف، وبالتالي أجيز له الترشح قبل خلع بزته العسكرية، وفي الوقت ذاته قام سكرتير حزب مشرف حزب الاتحاد «الرابطة» الإسلامي الباكستاني بالتصريح أنه بعد أن يتم انتخاب مشرف للمرة الثانية سيخلع بزته.

وفي 27 أيلول/سبتمبر، عندما ابتدأ الترشح لانتخابات رئاسة الدولة، صرح مشرف أنه سيلتزم قرار المحكمة العليا حول جواز رتشيحه بعد أن كان مضموناً هذا الجواز! وكانت المحكمة العليا (لجنة الانتخابات) قد أصدرت في آخر يوم للترشح قراراً لصالح مشرف. وفي 29 أيلول/سبتمبر نظرت لجنة الانتخابات في 43 طلباً، ومن بينهم تم اختيار 6 طلبات أحدها طلب مشرف، ومن بين الذين قبلت طلباتهم أمين فهيم أحد أنصار بنازير بوتو، إلا أنه قال أنه في حال ترشح مشرف فسيسحب هو ترشحه. فبقي بذلك مشرف ومنافسه وجيه الدين أحمد بالإضافة إلى ثلاثة مرشحين آخرين.

وفي 01 تشرين أول/أكتوبر عندما تم الإعلان عن قوائم المرشحين الرسمية النهائية، استقال 85 نائباً برلمانياً بمن فيهم أنصار نواز شريف، ولكن استمر نواب بوتو! وفي 02 تشرين أول/أكتوبر أعلن أحد وزراء مشرف أنه لن يتم تجريم بنازير بوتو، وبعد ذلك مباشرة أعلن مشرف أنه في حال انتخابه رئيساًَ للدولة من جديد فسيتخلى عن رئاسة الأركان، وقد رشح أحد المقربين منه ليخلفه في رئاسة الأركان، وهو رئيس الاستخبارات السابق أشفق كياني، حيث إن مشرف يرى أنه يمكن قبول كياني من بوتو، أو على الأقل دون اعتراض عليه عندما تتسلم هي رئاسة الحكومة، وذلك لأن كياني كان هو الذي قاد الوفد الحكومي باسم مشرف خلال شهور المحادثات مع مساعدي بوتو.

ثم صدر قرار العفو في 5/10/2007 وفاز مشرف في الانتخابات في 6/10/2007 ولم تنقض المحكمة العليا نتائج انتخابات الرئاسة وحضرت بوتو في 18/10/2007، وسارت الأمور بشكل سلس لم يعكر من صفوها سوى ما تعرضت له بوتو من محاولة اغتيال أثناء سير موكبها. ومن المستبعد أن يكون مشرف وراء المحاولة لحاجته إليها (على الأقل) لتجاوز مرحلة الانتخابات الجديدة في بداية السنة القادمة ومع ذلك، فكما ذكرنا، فإن بعض أجنحة الحكم وبخاصة تلك المنسوبة إلى ضياء الحق، قد احتجت على العفو عن بوتو، ولولا أن صفقة بوتو أمر حيوي لأمريكا ومشرف في الوقت الحالي، لما عقدت تلك الصفقة.

مما سبق تتبين الأسباب والدواعي التي جعلت أمريكا تقبل عقد الصفقة مع بوتو، وهي تعلم تماماً أنها أشربت الولاء للإنجليز خلال السنوات الثماني التي قضتها في المنفى.

أما إلى أين تسير باكستان في خضم تلك الأحداث، فإن باكستان منذ إنشائها قبل نحو ستين سنة لم تحكم بلونين بل بلون واحد: رجال الإنجليز ثم رجال أمريكا، وهي لأول مرة في تاريخها ستحكم برأسين: مشرف وولاؤه لأمريكا، وبوتو وولاؤها للإنجليز، هذا إذا استمر الالتزام بتنفيذ الصفقة التي عقدت، ما يجعل الوضع في باكستان معرضاً للصراع والاضطراب بعد مدة ليست بعيدة.

كما سبق بيانه فإن أمريكا اضطرت إلى صفقة بوتو لإنقاذ مشرف من السقوط وبالتالي للمحافظة على نفوذها في باكستان حتى ولو كان منقوصاً بعض الشيء بسبب نقل بعض الصلاحيات إلى بوتو والإنجليز.

والمتوقع استمرار (حُسْن) التنفيذ للصفقة المعقودة (على الأقل) حتى الانتخابات القادمة، فمشرف وبوتو بحاجة إلى ذلك:


مشرف لإيجاد تحالف في البرلمان من حزبه وحزب بوتو وذلك لتمكين مشرف من إصدار القرارات اللازمة، وبوتو لإيجاد وزن في البرلمان لحزبها يمكنها من الوصول لرئاسة الحكومة بتشكيل قانوني (حزب الأغلبية).

وهما وإن كانا (علمانيَّـيْن) ويحاربان الإسلام والمسلمين، وتصريحاتهما تكشف ذلك وما تخفي صدورهم أكبر، إلا أن كونهما عميلين لجهتين مختلفتين، فهذا لن يجعل التقاءهما يستمر طويلاً.

وذلك لأن صراع الدول الكبرى على النفوذ لا يقبل التوقف في منتصف الطريق، وبخاصة عندما يكون أحد طرفيه أمريكا وعنجهيتها وغرورها، ولذلك فإن أمريكا ومشرف سيفتعلون المشاكل لبوتو قانونياً ومادياً لتقليص حجمها بل وإلى إعادة نفيها إن استطاعوا. وفي الوقت نفسه فإن الإنجليز وبوتو بالخبث الإنجليزي المعهود وكذلك بالدهاء السياسي سيعمدون إلى تحريك الأشياء السيئة من تصرفات مشرف (وفيها الكثير الكثير) لتُـتَّخذ منها قضية، بل قضايا، لزعزعة بقاء شرف في رئاسة الجمهورية، بل وإلى إزالته إن استطاعوا، سواء أكان ذلك بالأعمال السياسية أم بالأعمال القضائية بتحريك رجالهم في المحكمة العليا في وجه مشرف من جديد ...

وهكذا فإن المتوقع هو الصراع بين الطرفين، سياسياً، ومادياً، وهذا له وجهان:


سلبي حيث إن القلاقل وعدم الاستقرار نتيجة الصراع تجعل حياة الناس صعبةً وقلقةً،


وإيجابي حيث تنهك قوى الطرفين بإذن الله، وينتقم الله بظالم من ظالم ثم ينتقم من كليهما والله عزيز حكيم.


وفي هذا الخير إن شاء الله للنصره وأهلها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

15 من شوال 1428هـ.
26/10/2007م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م