جواب سؤال: دوافع وأبعاد إعلان حماس لوثيقتها الجديدة
May 12, 2017

جواب سؤال: دوافع وأبعاد إعلان حماس لوثيقتها الجديدة

جواب سؤال


دوافع وأبعاد إعلان حماس لوثيقتها الجديدة


السؤال: أعلنت حماس من الدوحة الاثنين 2017/5/1 قبولها بدولة فلسطينية على حدود 67 باعتبارها "صيغة توافقية وطنية مشتركة" وحذفت عبارة "تدمير إسرائيل" وأعلنت استقلاليتها عن الإخوان المسلمين... وسؤالي من شقين:


الأول: هل إعلان حماس لوثيقتها الجديدة مرتبط بحلول سلمية تفاوضية تحملها الإدارة الأمريكية الجديدة؟


أو أن هذا "الانقلاب" في أهداف حماس كان بتأثير من أوروبا في خط منفصل عن السياسة الأمريكية؟

الجواب: من أجل إدراك دوافع وأبعاد إعلان الوثيقة الجديدة، والمسماة "وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس"، وعلاقة ذلك بأمريكا وأوروبا... نستعرض كل ذلك فيما يلي:


أولاً: نتائج تنازلات المنظمة ثم لحاق حماس بها:


1- تنازلت منظمة التحرير "ممثل فلسطين المزعوم" عن 80% من أرض فلسطين (احتلال 48) بحجة أن تكون لهم دويلة في المحتل 1967، ولكن اليهود بدل أن يقدموا في مقابل ذلك اعترافاً بما تبقى من فلسطين (احتلال 67) للفلسطينيين قدموا اعترافاً بمنظمة التحرير! بل إن دولة يهود والغرب عموماً سرعان ما حوّلوا وبنجاح الكيان الناشئ عن منظمة التحرير "السلطة الفلسطينية" وفق اتفاقيات أوسلو المشؤومة، حولوا السلطة إلى خادم أمني لكيان يهود وإلى مسلسل من التنازلات الخيانية بحجة إحلال السلام... وأمريكا وأوروبا يعلمون أن رفض كيان يهود لتقديم أي تنازلات مهما صغرت وبذرائع أمنية هي العقبة الرئيسية أمام تحقيق ما يسمى بالسلام، إذ إن منظمة التحرير قد قدمت تنازلات هائلة، وهي مستعدة لتقديم المزيد من التنازلات في مقابل إعلان أي تسوية يطلق عليها "دولة فلسطينية" ولو أنها منزوعة السلاح ومنزوعة السيادة، أي ليس فيها من الدولة إلا الاسم، ومع ذلك فكيان يهود يريد المزيد لأنه يدرك والجميع يدركون أن من يهن يسهل الهوان عليه...


2- استمرت حماس في تصريحاتها الساخنة ضد تنازلات المنظمة لدولة يهود مقابل دويلة على المحتل في 67، وهذا جعل السلطة الفلسطينية في موقف ضعيف في مفاوضاتها التي تلت توقيع اتفاقية أوسلو، فكانت الخطةُ الخبيثة لجعل حماس تلحق بالمنظمة بتوصيلها إلى الحكم في ظل الاحتلال ومن ثم التعامل معه وقبول المفاوضات على دويلة في 67 وهذا يقود بطبيعة الحال إلى الاعتراف بكيان يهود! ولأن المنظمة منخرطة حتى النخاع في مشاريع الغرب وعلى رأسه أمريكا لتركيع أهل فلسطين وحملهم على القبول بكيان يهود، فقد شاركت المنظمةُ الغربَ في المؤامرة لإيصال حركة حماس إلى السلطة في ظل الاحتلال... وساهمت المنظمة في ذلك من وراء ستار أو دون ستار لأنها تدرك أن الحكم في ظل الاحتلال سيوصل حماس إلى ما وصلت إليه فتح والمنظمة... وهكذا نجحت حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006، ورفضت بقية الفصائل تشكيل حكومة وحدة وطنية معها، وكان ذلك لتوريطها في الحكم تحت الاحتلال، وفي الوقت ذاته كانت قطر تكثف من اتصالاتها بحركة حماس وتعلن دعمها لها، ومن ثم كان استيلاء حركة حماس على كامل قطاع غزة... وبانغماس حركة حماس في حكم قطاع غزة وتفردها به فقد اكتمل إيقاعها في الفخ، إذ إن كيان يهود يرفض التعامل معها في المسائل الخدمية لمليوني شخص هم سكان قطاع غزة باعتبارها جماعة "إرهابية"، وأما مصر فقد شددت عليها الحصار خاصة بعد تسلم السيسي للحكم، وهكذا أصبح قطاع غزة وحكم حركة حماس فيه بين فكي كماشة نظام السيسي وكيان يهود، وكانت السلطة في رام الله تكمل هذا الطوق كونها الجهة التي تتعامل مع كيان يهود بخصوص قطاع غزة، ومن ثم أصبحت حماس لا يمكنها تأمين متطلبات الحياة الأساسية للناس القابعين تحت حكمها... وبهذا الواقع فقد وضعت حركة حماس نفسها بحكمها لغزة تحت الاحتلال وفق نصائح قطر بين خيارين أحلاهما مر، فإما الانهيار وعودة سلطة عباس للقطاع، وهذا ما ترفضه حماس... وإما الاستجابة لنصائح الداعمين خاصة قطر بتليين المواقف تجاه كيان يهود وبناء نوع من العلاقات معه والسير المعلن في مشاريع التسوية ومنها دويلة 67! وكل واع كان يدرك أن استلام الحكم في ظل الاحتلال لا بد أن يقود إلى التعامل مع المحتل والقبول بالمفاوضات مع كيان يهود وتأييدها، وتقزيم أهداف المقاومة بإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 بكل ما يقتضيه ذلك من تنازلات... وبطبيعة الحال فهذا مما لا يُعذر الجهل فيه.


3- كل التصريحات الصادرة عن قادة حركة حماس تؤكد هدف الوثيقة بأنه تحسين قبول المجتمع الدولي لها وإبقاء حكمها في قطاع غزة، والموافقة على كونها عنصراً في معادلة تسوية القضية الفلسطينية، أي نزع كل ما كان يشاع بأن حركة حماس تقف حجر عثرة ضد تصفية فلسطين بالمفاوضات، ومن تلك التصريحات:


أ- فقد ذكر خالد مشعل بأن (الوثيقة السياسية تواكب التغييرات وتعكس ممارسات وفكر ورؤية حركة حماس، وقرار إعداد الوثيقة السياسية اتخذ قبل 4 سنوات، وعملية الصياغة بدأت منذ عامين...) (نون بوست، 2017/5/1).
وقال مشعل "إن حماس اختارت نهجا جديدا وهو التطور والمرونة دون الإخلال بالثوابت والحقوق"... (العربية نت، 2017/5/1)، وأضاف في المؤتمر الصحفي: (توافقنا على وضع وثيقة سياسية تعكس تطور الفكر والأداء السياسي لحماس... ولا نسعى إلى حروب بل إلى تحرير وتخلص من الاحتلال... وبعد اعتماد الصيغة النهائية اجتمعنا لـ 9 ساعات مع كوكبة من رجال القانون الدولي لنأخذ ملاحظاتهم، وحماس بالوثيقة تظهر أنها حركة متطورة ومتجددة تتطور فكريًا وسياسيًا كما في المقاومة...) (وكالة معا الإخبارية، 2017/5/2).


ب- وفي إجابة منه على سؤال حول أهمية هذه الوثيقة للحركة داخليًا وخارجيًا أجاب برهوم: (هذه الوثيقة تعني الكثير لهذا الجيل الجديد في الحركة الذي يبحث عن المرونة والتطور والفكر المستنير ومواكبة المتغيرات، فهي تفتح آفاقاً جديدة في التعامل مع المجتمع وتحدد له معالم وطبيعة الصراع مع العدو، وتعيد صياغة أساليب التعامل مع الآخر والانفتاح على العالم". وأضاف برهوم قائلًا: "فلتستمعوا إلى حماس ولا تسمعوا عنها من خصومها وأعدائها، فلا تنحرف بوصلتكم في تنكب طرق التعامل معها"...) (نون بوست، 2017/5/2).


4- ثم إن بنود الوثيقة تنطق بذلك:


- ينص البند الثامن من الوثيقة الجديدة على (تفهم حركة حماس الإسلام بشموله جوانب الحياة كافة، وصلاحيته لكل زمان ومكان، وروحه الوسطية المعتدلة؛ وتؤمن أنه دين السلام والتسامح، في ظله يعيش أتباع الشرائع والأديان في أمن وأمان؛ كما تؤمن أنَّ فلسطين كانت وستبقى نموذجاً للتعايش والتسامح والإبداع الحضاري)، والتعايش والتسامح بين الأديان المقصود به هنا هو مع اليهود، أي إقفال صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من التعايش والتسامح، وهذه إشارة إلى درجة كبيرة من التهاون، ويشير كذلك إلى الهدف من إعلان الوثيقة، وهو تقديم الحركة لأوروبا وأمريكا بشكل يُحسِّن من قبولهم لها واعترافهم بها في المعادلة الفلسطينية...


- نصت الوثيقة في البند 34 على (دور المرأة الفلسطينية المحوري في بناء الحاضر والمستقبل والنظام السياسي...) ولم يوضع هذا النص في سياق رفع الإسلام لمنزلة المرأة بل للاقتراب من مفاهيم الغرب حول ما يسمونه "حقوق المرأة" الذي ما هو إلا أداة للهجوم على الحضارة الإسلامية، وليس مطالبات حقيقية بحقوق المرأة، فالغرب لا يطالب نفسه بعدم قتل المرأة المسلمة في العراق وسوريا وفلسطين، بل هو لا يعتبر الحفاظ على حياة المرأة حقاً، وإنما يطالب فقط بفكرة الحرية للمرأة كما يريدها هو لضرب الحضارة الإسلامية.


5- وبهذه التصريحات والنصوص للوثيقة يتضح الهدف بشكل جلي، فالوثيقة تحرر الحركة من القشور الأيديولوجية التي تشكك الغرب بها، رغم كونها قشوراً! ويصبغها بنظرة براغماتية خالية من أي بُعدٍ أيديولوجي إسلامي، وهي بذلك تريد أن تتموضع في مكان ليس فيه مظنة الإعاقة للحلول السلمية، أي فتح الطريق للحلول التفاوضية وتأييدها باعتبارها "صيغة توافقية وطنية مشتركة"! بل إن وثيقة حماس تتزامن مع احتمال فتح المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وكيان يهود، فإعلانها 2017/5/1 صريح في تزامنه مع زيارة عباس لواشنطن 2017/5/2... وأما السفسطة اللغوية عن الإسلام وعدم الاعتراف بكيان يهود فلا قيمة لها، إذ كيف يمكن التوفيق بين القبول بدولة فلسطينية على حدود 67 وعدم الاعتراف بكيان يهود؟ إن إعلان حركة حماس عن قبولها بدولة على حدود 67، وتسمية ذلك بصيغة توافقية وطنية مشتركة، ما هو إلا بداية التنازلات، الذي له ما بعده، وهذا المشهد يذكِّر بما قامت به منظمة التحرير من خطوات وتدرج في التنازلات حتى تحولت إلى خادم أمني لكيان يهود... وكما هو ظاهر فإن "سلطة" حماس في غزة منذ انتخابات 2006 ثم الاستيلاء على الحكم في غزة هي لا تبتعد كثيراً عن خطوات التدرج تلك وبخاصة منذ خطاب مشعل في دمشق 2009/6/25 الذي أعلن فيه أنه يريد دولة في حدود 67 وقد أصدرنا حينها في 2009/6/26 إصداراً تحت عنوان "سلطة حماس تتِّبع سنن سلطة فتح شبراً بشبر وذراعاً بذراع!!" قلنا فيه: (عندما أنشئت حركة فتح في منتصف ستينات القرن الماضي أعلنت أنها تتبنى المقاومة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ثم انتهى بها المطاف أن أضاعت النهر والبحر وما بينهما! لقد اعترفت سلطة فتح بكيان يهود في معظم معظم فلسطين، وصارت تفاوضها على دولة في ما بقي من فلسطين برعاية أمريكية... ومع ذلك، فإن سلطة فتح حتى اليوم، وبعد سنين طوال من المفاوضات، لم تنل شيئاً... ثم أنشئت حماس بعد نحو عقدين من إنشاء فتح، فبدأت الشوط الذي سارته فتح من أوله، فأعلنت أنها تتبنى المقاومة لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وبدأت تنتقد حركة فتح لاعترافها بدولة يهود، ولمطالبتها فقط في دولة بحدود 1967، وأنها ترتمي في أحضان أمريكا... ثم انتهى المطاف بسلطة حماس كذلك إلى أن تطالب بدولة في حدود 1967، بجانب دولة يهود في معظم معظم فلسطين! وتمد يدها إلى أمريكا للتفاوض حول تحقيق هذا الأمر!... ففي خطاب كبير حماس خالد مشعل في دمشق 2009/6/25م قد نطق بالفم الملآن "أن حماس تريد دولة في حدود 1967، وأنها تمد يدها للتفاوض مع أمريكا لهذا الغرض!)، وهكذا فبدء خطوات التنازل التدريجي مضى عليه نحو ثماني سنوات أي ضعف المدة التي ذكرها مشعل في وثيقة حماس الحالية، حيث قال (الوثيقة السياسية تواكب التغييرات وتعكس ممارسات وفكر ورؤية حركة حماس، وقرار إعداد الوثيقة السياسية اتخذ قبل 4 سنوات، وعملية الصياغة بدأت منذ عامين...) (نون بوست، 2017/5/1).


فالتنازل قد بدأ من قبل، ولكن الفارق أن مشعل حينها ذكر جزءاً والآن أضاف لها أجزاء، فسابقاً ذكر في حدود 67، وأبقى في ميثاقه تدمير دولة يهود، وأبقى كذلك ارتباط حماس بالإخوان المسلمين... والآن تنازل عن هذين الاثنين تماشياً مع التنازل بالتدريج!! وفارق آخر أن السابق كان خطاباً يقال فيه ويقال ولكن الآن وثيقة سياسية معتمدة!


ثانياً: وثيقة حماس وعلاقتها بمشاريع أمريكية للحل:


1- في ظل تفجر المنطقة العربية خاصة في سوريا، وسخونة التوتر بين أمريكا وكوريا الشمالية، فإن القضية الفلسطينية لم تعد قضية ملحة ذات أولوية للإدارة الأمريكية الحالية. ولذلك فليست أمريكا في عجلة من أمرها بالنسبة لهذه القضية... فهي تستطلع آفاق الحلول للمسألة الفلسطينية، وتدرس إمكانية فتح المفاوضات بين العرب خاصة الفلسطينيين وكيان يهود، وترى ما يكون، وما يؤكد ذلك ما نقلته بي بي سي 2017/3/11 (ونسبت وكالة أنباء رويترز إلى نبيل أبو ردينة المتحدث باسم الرئيس الفلسطيني القول إن ترامب قال لعباس إنه يرغب ببحث كيفية العودة إلى المفاوضات، وأكد على "التزامه بعملية سلميةٍ تقود إلى سلامٍ حقيقي"). وقال أيضاً في مؤتمر صحفي مشترك في البيت الأبيض، مع عباس: ("سأفعل كل ما هو ضروري... أود أن أعمل كوسيط أو موجه أو حكم بين الجانبين وسننجز هذا...") (روسيا اليوم، 2017/5/4)، أي أن أمريكا لا تقدم خططاً محددة للحل في فلسطين الآن، وذلك إلى أن تقطع شوطاً في الحرب أو التهدئة بالنسبة لموضوعي سوريا وكوريا الشمالية. فليس محدداً عند ترامب كيفية العودة للمفاوضات ولا نوع العملية السلمية التي يريد، بل هو في مرحلة استكشاف واستطلاع ودردشة مع أطراف النزاع في فلسطين... كما أنه يريد من هذه الأطراف أن تلتقي في لقاءات مباشرة ليتفقوا على الحلول التي يريدون أو بالأحرى التي يريدها كيان يهود! لذلك تطالب بمفاوضات مباشرة (فقد التقت مندوبة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هيل بالمندوب الفلسطيني رياض منصور للمرة الأولى يوم الثلاثاء الماضي. وفي وقت لاحق، قالت في تغريدة بموقع "تويتر" للتواصل (الاجتماعي) إن على الفلسطينيين أن يلتقوا بالإسرائيليين "في مفاوضات مباشرة بدلا من اللجوء إلى الأمم المتحدة للحصول على نتائج...") (بي بي سي، 2017/3/11).


2- تدعم الإدارة الأمريكية الحالية كيان يهود بصلابة أكبر من الإدارات السابقة، وذلك أن أمريكا رأت بأن الشرق الأوسط قد بات منطقةً متلاطمةً تجتاحها الثورات الرافضة للوضع الراهن من كل جوانبه، وإذا كانت أمريكا قادرة اليوم على مواجهة الثورات من خلال أنظمة الحكم القائمة في العالم الإسلامي فإنها قد لا تكون كذلك في المستقبل القريب، بسبب الضعف الآخذ في التزايد لهذه الأنظمة، بل إن بعضها آيل للسقوط، وكنتيجة لذلك فإن أهمية كيان يهود في الاستراتيجية الأمريكية تعود لتحتل الأولوية في خدمة المصالح الأمريكية بعد ضعف الأنظمة العربية. لكل ذلك فإن ما يبدو غريباً في ما تعرضه إدارة ترامب مثل احتمال التخلي عن حل الدولتين واعتماد حل الدولة الواحدة، ومثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حتى وإن كانت أمريكا تراوغ فيه إلا أنه تعبير عن مدى الخطر الذي تشعر به أمريكا على مصالحها أمام ثورات المسلمين، ومن ثم تركز على دعم كيان يهود ظناً منها أنه القادر على حماية مصالحها بعد اهتزاز عملائها في المنطقة...


3- ومن هذا الاهتمام والدعم لكيان يهود طلب الرئيس ترامب من الفلسطينيين وقف التحريض، وفي أول لقاء له مع عباس، يوم الأربعاء 3 أيار، دعا ترامب الزعماء الفلسطينيين (للحديث بصوت موحد ضد التحريض على العنف ضد الإسرائيليين...)


(رويترز عربي، 2017/5/4)، هذا بالإضافة إلى ما يطلبه ترامب من شروط مجحفة على الفلسطينيين إن أرادوا حل الدولتين، فقد نقل موقع المونيتور 2017/5/2 (أكثر ما يثير قلق المفاوضين الفلسطينيّين هي الشّروط الأمريكيّة لاستئناف محادثات السّلام التي قدّمها المبعوث الأمريكي جيسون غرينبلات في شهر آذار/مارس عندما التقى القادة الفلسطينيّين والعرب. وتتضمّن الخطّة المكوّنة من تسع نقاط شروطاً وضعتها الولايات المتّحدة للقبول بحلّ الدّولتين، ومنها ضرورة إصلاح الأمن الفلسطيني بالتّنسيق مع (إسرائيل)، ووضع حد للشّيكات المفتوحة التي يجري إرسالها إلى غزة، وإظهار أنّ الفلسطينيّين يعارضون الإرهاب بطرق عمليّة.).


ثالثاً: علاقة أوروبا بالوثيقة وهل هي في خط منفصل عن أمريكا؟


إن الدول الأوروبية أضعف من أن يكون لها مشاريع في الوقت الحالي بشكل منفصل عن أمريكا، ومع أن قطر الموالية لبريطانيا كان لها الدور الفاعل، ولكن لا يعني ذلك أن أوروبا تستطيع أن توجد حلاً للقضية الفلسطينية بمعزل عن أمريكا... وعلى كل، فإن الاعتراف بكيان يهود والتفاوض معه مطلب للغرب كله فأوروبا وأمريكا متفقة على ذلك... كما أن بريطانيا خاصة بعد بداية مسيرتها للخروج من الاتحاد الأوروبي مستعدة أكثر من أي وقت مضى للسير قَدماً بقدمٍ بجانب أمريكا لحل القضية الفلسطينية وعدم وضع العراقيل، وأن إدارة ترامب هذه تعترف لبريطانيا ببعض المصالح، ومستعدة لإلقامها شيئاً من الغنيمة، خاصة وأن الطرفين الأمريكي والأوروبي يقفان أمام المخاطر الإسلامية الهائلة ويشاهدانها عن قرب في المنطقة الإسلامية العربية الثائرة، وأن المنطقة برمتها قد تكون على وشك الخروج عن السيطرة الغربية.


رابعاً: ونكرر ما نقوله دائماً:


إن اعتراف فتح وحماس بدولتين في فلسطين لن يجعل كيان يهود مشروعاً في الإسلام، فليست فتح وحماس هما الإسلام والمسلمين، بل هما نزر يسير من القافلة انحرف عن الطريق، أما فلسطين، فهي أرض إسلامية مباركة، ملك للأمة الإسلامية، وهي تقع في عقلها وقلبها، منذ أن ربط الله سبحانه أقصاها بالبيت الحرام في الحادثة العظيمة، حادثة الإسراء والمعراج، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.


هذه فلسطين، لن يكون حلها باليد الممدودة لأمريكا بالتفاوض حول حل الدولتين، ولا بالتفاوض مع كيان يهود، حتى لو انسحب فعلاً من كل المحتل في 1967، فإن أي شبر في فلسطين المحتلة 1948م، وأي شبر في فلسطين المحتلة 1967م، هما في نظر الإسلام سواء، فقد جُبلت الأرض المباركة بدماء شهداء الجيش الإسلامي، على مر عصور الخلافة الإسلامية، حتى لم يبق شبر من فلسطين لم يسقط فيه دم شهيد أو غبار فرس لمجاهد.


إن فلسطين منذ حادثة الإسراء كانت وما زالت أمانة في أعناق المسلمين، ولا يملك مسلم حر أن يخون هذه الأمانة، فالله القوي العزيز يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

15 شعبان 1438هـ


2017/5/12م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م