December 29, 2013

جواب سؤال: فضيحة الفساد السياسي والمالي التي تهز الحكومة التركية

جواب سؤال: فضيحة الفساد السياسي والمالي التي تهز الحكومة التركية

السؤال:

أعلن أردوغان في 2013/12/25عن تشكيل حكومة جديدة، غيَّر فيها عشرة وزراء، وذلك بعد أن استقال ثلاثة وزراء، ومنهم وزير البيئة الذي دعا بدوره أردوغان للاستقالة، وذلك على خلفية فضيحة فساد سياسية ومالية تهز الحكومة التركية منذ نحو عشرة أيام. وكان قد سبق ذلك في 20\12\2013 اعتقال 24 شخصا من بين 49 شخصا من المقربين للحكومة ولحزبها كانوا قد أحيلوا إلى التحقيق في 17\12\2013 بتهمة القيام بأعمال الفساد... وعقب ذلك شن رئيس الوزراء هجوما قاسيا على الذين تسببوا في الكشف عن أولئك وأدوا إلى اعتقالهم، وقام بإبعاد العشرات من مدراء الأمن من الذين يعتبرون أنهم محسوبون على جماعة فتح الله غولان، وصبّ جام غضبه على هذه الجماعة... وكذلك وجَّه انتقاداً للسفير الأمريكي في تركيا، والسؤال هو: ما الذي جدَّ حتى انقلبت علاقة التعاون والدعم بين أردوغان وبين جماعة فتح الله غولان إلى علاقة خصام؟ راجياً تفصيل ذلك ما أمكن حيث قد اختلطت علينا الأمور بعد تصرفات أردوغان تجاه تلك الجماعة. ثم ما دلالة تصريح أردوغان تجاه السفير الأمريكي، مع أن علاقة أردوغان بأمريكا علاقة حميمة لدرجة وصفه بأن رجل أمريكا في تركيا؟


الجواب:

باستعراض ما جرى من مقدمات ونتائج يتبين الجواب على السؤال أعلاه:


1- إن الإعلان عن هذه التحقيقات والاعتقالات أثارت الحكومة وحزبها ورئيسها أردوغان لأنها موجهة لأشخاص محسوبين على الحكومة وعلى حزبها الحاكم، ومن بينهم أربعة أبناء لوزراء في الحكومة، ورئيس بلدية منطقة الفاتح باسطنبول، ومدير بنك الشعب... ومن بينهم أيضا رجال أعمال مقربون من هذا الحزب. وهي تأتي وتركيا مقبلة على انتخابات محلية بعد ثلاثة أشهر في 2014/3/30 كان أردوغان يأمل منها تعزيز شعبيته للترشح لرئاسة الجمهورية التي ستجري بعدها بأشهر في 2014/8/26، ويكون التصويت عليها من قبل الشعب مباشرة، وليس كما كان يجري حتى اليوم، حيث كان ينتخب رئيس الجمهورية من قبل البرلمان. ولهذا كانت ردة فعل أردوغان غاضبة جدا، فقام بإجراء تغييرات في مديري الأمن من أتباع جماعة فتح الله غولان، وهدد رجال الجماعة في القضاء كما جاء في جريدة مليات 2013/12/18 بقوله: "ولكن يجب على العاملين في حقل القضاء احترام الحقوق والقانون، ويجب ألا يتحركوا بتوجيه من جهة معينة... فإنه لا يحق لأي أحد عامل في مجال القضاء أن يقوم ويمارس الضغط وإعطاء الأوامر والتعليمات على السلطة التنفيذية فيما لم يكن معتادا عليه. فإذا قمتم بتوجيه القضاء من أجل إيجاد نوع من الضغط على الناس، فإننا سنقوم بما يجب علينا أن نقوم به، وقد قمنا به" مشيراً بقوله: "وقد قمنا به" إلى عزل عدد من مديري الأمن... وحتى يوجِد أردوغان تعاطفاً مع موقفه تجاه جماعة غولان صرح بما يوحي بأن هناك مؤامرة خارجية، فقال: "الأحداث التي جرت في الأيام الأخيرة لها امتداد دولي، فهي عبارة عن عملية من قبل منفذين في الداخل تابعين للخارج" كما جاء في الصحيفة نفسها... ثم في وقت لاحق أثناء توقفه في سامسون خلال جولته لحشد الرأي العام بجانبه وذلك بتاريخ 2013/12/20 صرّح: "إن السفير يدخل في دائرة بعض الأعمال التآمرية. فأوجه له النداء: بأن يقوم بوظيفته، فإذا خرجتم، أيها السفير، عن دائرة وظيفتكم فإن حكومتنا ستذهب في طريقها إلى المدى الذي لديها فيه صلاحية..." مليات 21\12\2013، وهو يشير بذلك إلى السفير الأمريكي، وذلك تعليقاً على خبر نشرته بعض الصحف التركية "ستار، وشفق الجديد، والمساء" عن اجتماع السفير الأمريكي في أنقرة ريتشاردوني ببعض الممثلين عن الاتحاد الأوروبي في 17\12\2013... وكان الخبر يحمل إشارات إلى تدخل السفير الأمريكي في الأحداث... وهكذا كان أردوغان في قمة الغضب في تصريحاته تجاه جماعة غولان، وفي قمة الحذر تجاه السفير الأمريكي.


2- أما جماعة غولان، فمن المعروف أن هذه الجماعة دعمت أردوغان وحزبه منذ استلامه الحكم في 2002... وقد سمحت الحكومة لها بدخول كثير من المؤسسات إضافة إلى توليها عدد كبير من مراكز الدروس الخاصة التي كانت تجمع للجماعة أموالاً من أقساط الطلاب، وفي الوقت نفسه تهيئ كثيرا من هؤلاء الطلاب ليعملوا مع الجماعة... وكل هذا كان مكشوفاً علناً وليس سراً، ولم يكن أردوغان يخشى خطورة منه، وبخاصة وأن واقع الجماعة أنها أشبه بالشيخ ومريديه، أي ليست تنظيماً سياسياً له برامج، ويزاحم على الحكم لتنفيذها... ولذلك لم يكن أردوغان يعطيهم اهتماماً كبيراً، وبخاصة أخص أن الجماعة كانت ذراعاً لأمريكا كما هو أردوغان وإن اختلفت الأساليب والأدوار... فقد ساهم الاثنان في السيطرة على المؤسسات وكسر البنية القومية الموالية للإنجليز، وذلك بتمكُّن أمريكا من التسلل إلى المؤسسات بواسطة الجماعة، وكذلك تمكن أمريكا من اختراق الجيش والوسط السياسي بواسطة أردوغان وحزبه... وهكذا فإن الحزب والجماعة كانا ذراعين لأمريكا في تركيا، وكانت علاقاتهما معاً علاقة تعاون وصداقة وولاء إلى مرجع واحد... هذا بالإضافة إلى أن أمريكا في بداية حكم أردوغان كانت تريد تكتلاً قوياً متحداً من رجالها في تركيا لأن قوى الإنجليز كانت حينها لها بقية من قوة مؤثرة في القضاء والجيش تحسب لها أمريكا حساباً... كل هذا جعل أمريكا حريصة أن تكون العلاقات بين أردوغان وحزبه وبين جماعة فتح الله غولان، تكون صافية دون توترات، واستمر الوضع حتى بداية 2010... حيث حدثت أحداث خلال تلك السنة زُرعت فيها بذور الخلاف بين أردوغان وبين فتح الله غولان، وكان أولها رسالة فتح الله غولان بشأن حادثة سفينة مرمرة التي اعتدى عليها كيان يهود فجر يوم 2010/5/31، حيث قال غولان في رسالته: "إن ابحار السفينة ودخولها المياه الإقليمية الإسرائيلية خطأ فادح، وكان من الضروري الحصول على إذن من تل أبيب"، فهو يخطِّئ موقف السفينة، ويقف بجانب تصرف كيان يهود وحقهم في قتل بعض ركابها في الوقت الذي كان فيه أردوغان واقفاً مع السفينة والركاب، فاعتبر أردوغان رسالة فتح الله غولان موجهة له شخصياً. ومع ذلك فقد تجاوز الاثنان ما حدث، وأعيدت العلاقة حسنة بينهما، وكان فتح الله داعماً للاستفتاء الذي دعا إليه أردوغان في 2010/9/12 على التعديلات الدستورية... حيث كان لفتح الله غولان أثر في ترجيح كفة "نعم" في هذا الاستفتاء، فقد دعا غولان من مقره في أمريكا الشعب التركي، قبل أسابيع قليلة من موعد الاستفتاء، للموافقة على التعديلات الدستورية موضحا "أن هذه التعديلات وإن كانت محدودة إلا أن لها ما بعدها وأنها بمثابة نقطة تحرك نحو مزيد من الحريات والممارسة الديمقراطية". وقد فاز أردوغان في هذا الاستفتاء حيث كانت الموافقة على التعديلات الدستورية بنسبة 58% وأقيم احتفال حاشد أمام مقر الحزب الحاكم..


وقد ترتب على هذه الموافقة تغيرٌ كبير طرأ على المؤسسات أدى الى مِلء الوظائف التي تم اخلاؤها من القوميين بتوظيف الجماعة فيها. وكذلك كان تغيّر في هيكلة المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، والوظائف المستحدثة، وقد كانت كلها لصالح الجماعة ما جعلها ذات نفوذ قوي في هذه المؤسسات الفعالة، وأصبحت الجماعة مسيطرة على عدد من المحاكم المهمة والمحاكم الخاصة التابعة للمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين.


3- ثم تأزمت الأمور بينهما بعد ذلك مع بداية 2011 حيث لاحظ أردوغان أن تغلغل الجماعة في الأمن والقضاء أصبح يشكل مضايقة له، ومحاولة للهيمنة... وليس كما كان الأمر من قبل دعماً من الجماعة له، ومنذ ذلك الوقت بدأ الفعل ورد الفعل سجالاً بين أردوغان وجماعة غولان:


أ- بدأ أردوغان منذ بداية سنة 2011 العمل على تقويض تأثير هذه الجماعة، فأسقط المنتسبين لهذه الجماعة من قائمة المرشحين لعضوية البرلمان في انتخابات 2011، ثم أخذ بعزل بعض المنتمين لهذه الجماعة من مراكز الأمن ومن بعض المحاكم...


ب- على أثر ذلك شنَّت وسائل إعلام هذه الجماعة هجوما على أردوغان... ولم تكتف بذلك بل قامت بالترويج لما ورد في شريط مسجل نُشر في أيلول 2011 عن محادثات رئيس جهاز الاستخبارات القومية حقان فيدان مع قيادات حزب العمال الكردستاني حزب أوجلان في أوسلو بين عامي 2009 و2010 من أجل تسوية القضية الكردية، وكانت تلك المحادثات تعقد في ذلك الوقت سراً لتهيئة الأجواء قبل الإعلان... فأشارت أصابع الاتهام إلى هذه الجماعة بأن لها علاقة بنشر هذا الشريط. وقد طلب رئيس الادعاء العام (النيابة العامة) الموالية للجماعة في 7\2\2012 التحقيق مع فيدان رئيس المخابرات....


ج- اعتبر أردوغان هذه المسألة مصيرية بالنسبة له لأنها ستمس رئيس الوزراء وتكشف عن أسرار تتعلق باتصالات الدولة عن طريق مخابراتها بحزب العمال الكردستاني، فقام أردوغان بتحصين رئيس المخابرات من أية ملاحقة قانونية، وذلك باستصدار قانون من البرلمان يتعلق بذلك: بأنه "لا يجوز التحقيق مع العاملين في سلك المخابرات والأشخاص المكلفين بالقيام بأعمال خاصة من قبل رئيس الوزراء إلا بإذن منه". وعلى أثرها أيضا قام أردوغان بعملية تصفية في دوائر الاستخبارات في أنقرة واسطنبول وأزمير كما أجرى تصفيات في سلك التعليم وفي سلك القضاء لأشخاص محسوبين على جماعة غولان...


د- ثم جاءت الخطوة التي أثرت بقوة في الجماعة وهي خطة أردوغان بإلغاء مراكز الدروس الخصوصية، وتحويلها إلى مدارس خاصة تدرِّس منهج الدولة أو إلى مدارس ثانوية. لقد كان يتبع الجماعة من هذه المراكز ما يقرب من ألف مركز، وهي تتقاضى أجورا عالية من أولياء أمور الطلاب الذين يرتادونها لتقوية مستوى تعليمهم المنخفض في المدارس الحكومية حتى يتمكنوا من دخول الجامعات، وكانت الجماعة تهدف من ورائها لهدفين رئيسين: هما كسب المال وكسب هؤلاء الطلاب إلى الجماعة، فأرادت حكومة أردوغان إجراء تغييرات في نظام التعليم، وتحويل هذه المراكز إلى مدارس خاصة تتبع برنامج الدولة، وتكون تحت رقابتها، وتغيير نظام دخول الجامعات بحيث تُلغى السنة التحضيرية لدخول الجامعات بعد إنهاء الثانوية التي كان بسببها يُضطر كثير من أولياء الأمور إلى إرسال أبنائهم لتلك المراكز حتى يتمكنوا من دخول الجامعات، ولتحصيل العلامات العالية التي تمكنهم من دخول الفرع الذي يرغبون فيه. وإذا ألغيت هذه المراكز أو أغلقت فإن هذه الجماعة ستخسر في مجالي كسب الأموال وكسب الأفراد. ولهذا السبب جُنّ جنون الجماعة عندما أعلن أردوغان خطته بإلغاء هذه المراكز وتحويلها إلى مدارس خاصة تتبع منهاج الدولة... وكأنَّ الجماعة بدأت تفكر برد فعل تجاه أردوغان وحزبه للتأثير في فوزه في الانتخابات المحلية التي ستجري بعد ثلاثة أشهر في 30\3\2014.


هـ- بعد ذلك جاءت فضيحة الفساد والاعتقالات التي شملت أعضاء في حكومة أردوغان وفي حزبه وفي المقربين إليه... وتوجهت أصابع الاتهام إلى جماعة فتح الله غولان، فقد كانت ردة فعل جماعة غولان تشير إليهم بإصبع الاتهام، فقد أظهرت الجماعة سروراً بالغاً بالاعتقالات والتحقيقات، وترويجها لها بوسائل إعلامها وتشمُّتها بأردوغان... لكن إجراءات أردوغان المتسارعة بالتغييرات التي أحدثها في مديري الأمن من إقالة ونقل... حيث أقال عددا من مديري الأمن التابعين لهم... هذه التغييرات قلبت سرور الجماعة إلى حزنٍ وأسى، فحاولت أن تعرقل أو تشوش على هذه التغييرات والإيحاء بأنها غير مشروعة أو غير نافذة، فأشاعت وسائل الإعلام المؤيدة للجماعة خبرا بأن قرار الحكومة بتغيير مديري الأمن منذ تموز 2013 إلى اليوم قد رفضه رئيس الجمهورية ولم يوافق عليه. فقام مكتب رئيس الجمهورية على الفور في 20\12\2013 وأذاع بيانا صادرا عن رئيس الجمهورية عبد الله غول مكذباً لخبر جماعة غولان... وهكذا فشلت محاولة تلك الجماعة في إظهار أن هناك فرقا واختلافا بين عبد الله غول وأردوغان! بعد ذلك انفجرت الجماعة غاضبة على أردوغان إحساساً منها بأن هذه التغييرات أصابتها في الصميم، فقام رئيس الجماعة فتح الله غولان من مقره في بنسلفانيا بأمريكا ببث كلمة صوتية غاضبة نشرتها وسائل إعلام جماعته في 21\12\2013 تضمنت دعاء جاء فيه:"...فيا الله اخسف الأرض بالذين أخلوا سبيل اللصوص واعتقلوا الذين لاحقوا اللصوص، وبالذين صرفوا النظر عن المجرمين وقاموا بتشويه صورة الذين لاحقوا المجرمين، وأحرق بيوتهم وهدم مساكنهم وشتت جمعهم واقطع دابرهم، واجعل بأسهم بينهم وانصرنا عليهم ..." ويظهر أن الضربة التي وجهت لجماعته كانت موجعة إن لم تكن قاصمة أو مميتة.


4- وهكذا فقد انقلبت الأمور منذ 2010 بين أردوغان وفتح الله غولان، وازدادت حدتها في السنوات الثلاث التالية حتى اليوم... ويبدو أن ما قدمته الجماعة ورئيسها المقيم في بنسلفينيا من خدمات لأمريكا: جرأة على دين الله، وعداء لنظام الخلافة، ثم تأييد مصالح أمريكا حتى آخر نفس عند الجماعة... كل ذلك جعل غولان يظن أنه بخدماته التي ينافس فيها أردوغان ويزيد، يظن أنه بها يحوز رضا أمريكا، فتتخذه بديلاً لأردوغان، وتدعمه في مواجهته... فأصبح يقوم بمضايقات لأردوغان كما ذكرنا آنفاً... أما خدمات الجماعة لأمريكا التي ظن معها أن أمريكا ستدعمه بديلا لأردوغان، وتتخلى عن أردوغان، فمنها:


أ- دعوتُه المتسارعة إلى ما يسمى بالإسلام المعتدل، أو بالأحرى المعدَّل المخلوط مع الأفكار العلمانية والديمقراطية، وهو يدافع بقوة عن هذه الأفكار، ويوجه الناس نحوها، ويستخدم وسائل إعلام الجماعة في ذلك.


ب- نشاط الجماعة المتحرك في موضوع حوار الأديان، وخاصة مع اليهود والنصارى، ومساواتهم بالمسلمين باعتبار الجميع مؤمنين، ودعوتها لإقامة معابد لهم وللنصيريين بجانب المساجد.


ج- مهاجمتها كافة الجماعات الداعية لإقامة الخلافة والدولة الإسلامية، وتتهمها بالمتطرفة والإرهابية، وتقوم ببث الدعايات المغرضة عنها بواسطة وسائل الإعلام التي تملكها وتوشي بهم للجهات الأمنية والقضائية.


د- اتخاذ زعيمها الولايات المتحدة الأمريكية مقرا له منذ عام 1999، وتوسيع لقاءاته مع المسئولين الأمريكان والمخابرات الأمريكية... ثم إلقاء المحاضرات في أمريكا التي تتضمن مواقف وأفكار وآراء تصب في مصلحة الأمريكان، فهو من قبل لم يستنكر غزو أمريكا للعراق ولأفغانستان، وفي الوقت الحالي تقوم وسائل إعلامه المتعددة بمهاجمة الحركات الإسلامية الثائرة في سوريا وتعتبرها إرهابية وتعمل على تشويه صورتها، وتؤيد المواقف الأمريكية ضدها.


هـ- مواقفه المؤيدة لكيان يهود، فقد استنكر إرسال سفينة مرمرة لمساعدة أهالي غزة في نهاية شهر أيار عام 2010 وأعطى حقاً لليهود بضربها، ولم يُعزّ في الضحايا الأتراك ولم يعتبرهم شهداء، وسابقا استنكر ضرب صدام لكيان اليهود عام 1991 وأعلن تألمه للقتلى اليهود الذين سقطوا من جراء ذلك... وقد نشر موقعه على الإنترنت صورة له، أي لفتح الله غولان، وهو يلتقي بحاخام اليهود الشرقيين بكيان يهود الياهو دورون عام 1998.


ما سبق من خدمات هي غيض من فيض... وقد ظنت الجماعة أنها بها ستنال حظوة عند أمريكا تقدمها على أردوغان، والراجح أن ظنها هذا سيرديها، فأمريكا تنظر إلى أردوغان كزعيم حزب سياسي أقدر على تحقيق مصالحها من جماعة غولان مع مريديه...! ثم إن أمريكا لم تستطع أن تحقق الذي حققته داخل تركيا، وتركيز نفوذها فيه إلا عن طريق حزب سياسي يرأسه أردوغان، ولهذا فهي تدعمه لتحقيق مشاريعها السياسية عن طريقه، وبخاصة تنفيذ الخطة الأمريكية المتعلقة بالمسألة الكردية، وغيرها من الخطط الأمريكية الأخرى في الداخل والخارج ومنها المسألة السورية... وحتى لو زادت الضغوط على أردوغان، فاستقال مثلاً، فإنه من المرجح أن تعمد أمريكا إلى شخص قوي آخر من حزب العدالة لا أن تعمد إلى فتح الله غولان، وذلك لأن واقع جماعة فتح الله غولان هو أنها حركة غير سياسية كانت دائماً تستظل بأحزاب سياسية على مقولة "هو مع من غلب"، فقد سارت مع حزب الوطن الأم تورغت أوزال في الثمانينات من القرن الماضي، ومن بعد أيدت حزب الرفاه، ثم حزب الديمقراطية الاشتراكية بزعامة أجاويد عام 1998 بعد سقوط حزب الرفاه بزعامة أربكان، وبعدما تأسس حزب العدالة والتنمية قامت ودخلت في ظلاله، ولذلك ينظر إليها على أنها انتهازية تؤيد الأحزاب السياسية الحاكمة لتحقق مصالحها الخاصة بها. وعليه فإن المتوقع أنها سوف تعمل على التصالح مع أردوغان لأنها ستخسر إذا لم تفعل ذلك... وقد بدأ هذا يظهر على تصرفات الجماعة وأتباعها، فقد تراجع غولان عن الهجوم المبطن على أردوغان، بعد أن وصفه قبل نحو شهر بفرعون وبنمروذ، فقد قال في بث مسجل له بصوته مخاطبا أتباعه "إذا كان فرعون ونمروذ ضدكم فأنتم على حق..."، ثم تراجع أكثر عندما اقترح غولان مؤخراً أن تبقى مراكز الدروس الخاصة، وتوضع تحت إشراف الدولة في خطوة تنازلية، ولكن أردوغان أصر على قراره... وحتى رجال فتح الله في القضاء والأمن لم يعد أمامهم الكثير في وجه أردوغان، فقد اعتقل منهم أعداداً والذين استمروا في عملهم مضطربون في قراراتهم، فبعض المحاكم وافقت على قرار أردوغان بعدم قبول المحاكم قضايا مباشرة من مديري الأمن دون موافقة رؤسائهم، وعدد يسير من المحاكم حاول التملص من القرار كما جاء في محطة تلفزيون "إن.تي.في" الإخبارية الخاصة في 2013/12/27 "إن محكمة تركية عليا ألغت قرارا حكوميا يقضي بأن يطلع ضباط الشرطة رؤساءهم على التحقيقات" ومع ذلك فقد نقلت سكاي نيوز عربية في 2013/12/26 أن النائب العام معمر أكاش الذي يقود التحقيقات في اتهامات فساد طالت وزراء بالحكومة التركية، قال إنه "واجه ضغوطا كثيرة" في هذه القضية، مشيرا إلى أنه "تمت عرقلة التحقيقات"...


ولا زال أردوغان يهدد ويتوعد أعوان الجماعة في الأمن والقضاء فقد قال أثناء زيارته لقضاء فاتصا من ولاية أوردو: "أوجه ندائي للقضاء! أنتم تقولون للسلطة التنفيذية: نظفوا الأوساخ التي بينكم. ولكنكم أنتم لستم نظيفين بالتمام. ونحن لدينا ما نعرفه". (حريات 21\12\2013)، وهكذا فإن موقف أردوغان هو أقوى من موقف فتح الله غولان على الأقل في المدى المنظور، وبخاصة أن نفوذ أردوغان في الجيش أصبح مؤثراً، فقد ذكرت وسائل إعلام تركية، أن القوات المسلحة التركية أصدرت بياناً قالت فيه إنها "تبعد نفسها عن أية آراء وتشكيلات سياسية وتخدم الأمة التركية بوفاء". كما جاء في يو بي أي، وفي موقع الحياة في 2013/12/27.


5- أما تلميح أردوغان في تصريحه إلى السفير الأمريكي كما نشرته صحيفة مليات 2013/12/21، فالمسألة كما يلي:


أ- خلال حملة الاعتقالات هذه في قضايا الفساد المذكورة... نشرت ثلاث صحف "ستار والشفق الجديد والمساء" خبراً عن اجتماع السفير الأمريكي في أنقرة ريتشاردوني ببعض الممثلين عن الاتحاد الأوروبي في 17\12\2013... وكان الخبر يحمل إشارات إلى تدخل السفير الأمريكي في الأحداث، وادعت هذه الصحف أن وزير الخارجية داود اغلو سيتصل بوزير خارجية أمريكا جون كيري ويبدي له انزعاج وزارة الخارجية والسلك الديبلوماسي بتصرفات السفير...


وعلى الرغم من أن السفير الأمريكي نفسه ريتشاردوني قام بتكذيب ادعاءات بعض الصحف التي نشرت هذا الخبر، ونفى أية علاقة لأمريكا بعملية الاعتقالات المتعلقة بأعمال الفساد، وذلك عبر صفحته في تويتر، حيث قال: "إنه لا يوجد للولايات المتحدة أية علاقة بعملية الاعتقالات المتعلقة بأعمال الفساد من رشاوى وطرق غير مشروعة. فتلك الأخبار هي محض كذب وافتراء. لا يستطيع أي واحد أن يعرض العلاقات التركية الأمريكية للخطر بادعاءات لا أصل لها، وأن الصداقة والتعاون بين البلدين تكتسب أهمية مصيرية للبلدين". (مليات 21\12\2013)، إلا أن أردوغان استغل هذا الأمر، وكأنه على موعد مع خبر هذه الصحف، ما دعا بعض المحللين للقول بعدم استبعاد أن يكون الخبر قد جُهز لأردوغان ليستغله في القول بأن للأحداث امتداداً دولياً، وذلك لكسب تعاطف الناس باعتبار أن هناك مؤامرة خارجية! وعليه فقد صرح خلال جولاته لحشد الرأي العام بجانبه... فقال أثناء توقفه في سامسون بتاريخ 20\12\2013: "إن السفير يدخل في دائرة بعض الأعمال التآمرية. فأوجه له النداء: بأن يقوم بوظيفته، فإذا خرجتم (أيها السفير) عن دائرة وظيفتكم فإن حكومتنا ستذهب في طريقها إلى المدى الذي لديها فيه صلاحية". (مليات 21\12\2013)... لكن الذي حدث هو أن لا داود أغلو اتصل بكيري، ولا استمر تصريح أردوغان حياً شيئاً من وقت، بل قام نائب الرئيس العام لحزب العدالة والتنمية حسين تشليك بإدلاء التصريح التالي: "إن بيان سفير الولايات المتحدة فرنك ريتشاردوني عبر تويتر الذي يكذب فيه الأخبار المتعلقة بتصريحاته والتي نشرتها بعض الصحف معتبرٌ لدينا". (حريات 21\12\2013).


ب- ومع أن المعتاد في احتجاجات الدول على تدخلات دول أخرى هو أن ترسل وزارة الخارجية مذكرة احتجاج رسمية للدولة الأخرى، أو تستدعي السفير... وكذلك فإن المعتاد عند تكذيب سفير أي دولة لخبر عنه من الدولة التي هو فيها أن يُرسل رسالة إلى وزارة خارجية هذه الدولة يكذب فيها الخبر... لكن الذي حدث هو أن رئيس الوزراء أصدر تصريحاً كلامياً... وأن السفير الأمريكي نشر رده على تويتر! ما يدل على أن "الملاسنات" بين أردوغان وبين أمريكا هي ليست أكثر من تمثيل يقوم به ممثلون فاشلون ليسوا على سواء! والذي يدل على أن تصريح أردوغان "القاسي" تجاه السفير الأمريكي هو جعجعة دون طحن، انه في اليوم الذي نشرت فيه صحيفة مليات تصريح أردوغان أي في 2013/12/21 نشرت الصحيفة نفسها خبراً قالت فيه: (ومن اللافت للنظر وأثناء استمرار عملية ملاحقة الفساد ذات الامتداد الدولي، فقد وصل إلى اسطنبول المستشار الأمريكي المسؤول عن المخابرات المتعلقة بالإرهاب والمال التابعة لوزارة الخزينة الأمريكية ديفيد كوهين المعروف عنه بقربه من "إسرائيل"، ومن ثم يجتمع مع مدراء البنوك في تركيا... ويبحث المستشار مع المديرين أموراً مالية والعقوبات على إيران... دون أن يجتمع هذا المستشار المسئول الأمريكي مع أي من أصحاب الصلاحية في الحكومة)! ما يدل على أن ألفاظ أردوغان هي كفارغ بندق خال من المعنى ولكن يفرقع، فمسئولو أمريكا يدخلون البلاد ويبحثون مع من يشاءون ودونما لقاء مع أي مسئول تركي!!


ج- ومن المعروف عن أردوغان ارتباطه بأمريكا وتنفيذه لمشاريعها داخل تركيا وخارجها. وهذه المشاريع، وخاصة الداخلية تتطلب إتمامها، وإذا ذهب ربما تتوقف... وأمريكا تعدّ أردوغان من رجالها الأقوياء الذين مكنوا لنفوذها في تركيا منذ تولى الحكم، وكان النفوذ الإنجليزي قبل ذلك هو المسيطر على تركيا عن طريق الجيش طوال العقود السابقة منذ ألغى مصطفى كمال الخلافة نزولاً عند طلب الإنجليز، العدو اللدود للإسلام والمسلمين، وذلك في مؤتمر لوزان مقابل أن يجعلوا مصطفى كمال رئيساً لجمهورية تركيا... منذ ذلك الوقت والنفوذ الإنجليزي مسيطر على الحكم في تركيا، ولم تستطع أمريكا إزالة هذا النفوذ، وبخاصة في الجيش، إلا بعد تولي أردوغان الحكم حيث ضعف النفوذ الإنجليزي وتوارى من المشهد السياسي، وأصبحت الأحزاب السياسية ذات الخلفية الإنجليزية، وأبرزها حزب الشعب، أصبحت من الضعف بمكان... وهكذا أصبح النفوذ الأمريكي هو المسيطر الآن طوال سني حكم أردوغان، ونفوذ أمريكا أصبح ماثلاً في رئاسة الجمهورية وفي رئاسة الوزراء... ولذلك فإن تصريحاً لفظياً من أردوغان نحو السفير الأمريكي دون أن يكون له واقع عملي... مثل هذا التصريح تدرك أمريكا، ويدرك قائله، أنه فاقد الأثر...


6- والخلاصة:


أ- أن الأزمة الحالية في تركيا قطباها هم من عملاء أمريكا أردوغان وفتح الله غولان.


ب- كانت أمريكا مهتمة ببقاء أردوغان وغولان قوة واحدة دون تنازع عندما كانت للإنجليز قوة يحسب لها حساب، وبعد أن ضعفت، سكتت أمريكا عن تنازع حزب العدالة وجماعة فتح الله، وتركتهم يتنافسون في الولاء لها وخدمة مصالحها.


ج- الراجح هو استمرار أردوغان على الأقل في المدى المنظور، فهو لا زال يحتفظ بشعبية، وحتى لو زاد الضغط عليه، فإن أمريكا سترجح كفة شخص آخر من حزب العدالة على شخص غولان، لأنها تدرك أن جماعة فتح الله أشبه بشيخ ومريديه لا بد له حتى يستمر من أن يستظل بحزب سياسي حاكم، لا أن يكون هو في الحكم.


د- هذا في تقدير أمريكا ورجالها، وأما ما تعمل له الأمة، فهو أن تقتلع النفوذ الإنجليزي والأمريكي وعملاءهما وأتباعهما... بإذن الله، وتعيد الخلافة من جديد كما قال صلى الله عليه وسلم «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» أخرجه أحمد وأبو داود الطيالسي، وسيلقى كل من حارب الخلافة والعاملين لها، وكل من سار مع الكفار المستعمرين، إنجليزاً كانوا أم أمريكان أم الروس أم الفرنسيين أم غيرهم... سينالون خزياً في الدنيا وصغاراً وذلاً على أيدي المؤمنين. ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م