جواب سؤال: فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية!
November 19, 2016

جواب سؤال: فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية!


جواب سؤال


فوز ترامب في الانتخابات الأمريكية!


السؤال:

هناك سؤال لم أجد له جواباً مقنعاً، وهو: كيف فاز ترامب على كلينتون بفارق كبير، علماً بأن استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات 2016/11/8 كانت تدل على تقدم كلينتون على ترامب بفارق لافت للنظر؟ وكذلك فإن تصريحات ترامب خلال حملة الانتخابات كانت نارية على كل الجبهات: على أوروبا، والصين، والسعودية، والمسلمين بعامة، وحتى على كوريا... وكان هناك مدح في تصريحاته لروسيا وبشار... فهل يعني أن سياسة أمريكا ستتغير، وبخاصة في سوريا؟ ولك الشكر، وجزاك الله خيراً.


الجواب:

لكي ندرك واقع أجوبة الأسئلة أعلاه فلا بد من استعراض الأمور التالية:


1- إن قانون الانتخابات في أمريكا يخالف الوضع العادي الذي يتوقف على آراء الناس وقياس عدد الأصوات، بل لكل ولاية عدد من الأصوات في المجمع الانتخابي البالغ (538)، والمرشح الذي يفوز بأغلبية الأصوات في ولاية ما حتى ولو بـــ(1%)، فإنه يحوز جميع أصوات الولاية، فمثلاً إذا كانت ولاية سكانها (2 مليون) ولها (20) صوتاً في المجمع الانتخابي، فإذا فاز أحد المرشحين بنسبة أصوات المنتخبين، مثلاً (51%)، والآخر (49%)، فإن صاحب الــ(51%) يأخذ جميع الأصوات الـــ (20)، وليس فقط نسبة الأصوات التي فاز بها، أي ليس (51% * 20 = 10.2) أي نحو (11) صوتاً، والآخر (9) أصوات، بل يأخذ الـــ (20) كاملة.


وهكذا فقد يفوز أحد المرشحين بأكثر أصوات الناخبين ولكنه لا يفوز بأكثر أصوات المجمع الانتخابي، حيث إن هذا يتوقف على كثافة سكان الولاية، وعدد الأصوات المخصصة لها في المجمع الانتخابي، والنسبة التي يفوز فيها أحد المرشحين عن الآخر.


وأما استطلاعات الرأي فيغلب عليها أصوات الناس، وليس الأصوات في المجمع الانتخابي، ولذلك قد لا تتفق أكثرية أصوات الناس مع أكثرية أصوات المجمع الانتخابي كما بينا آنفاً، وهذا ما حدث فعلاً، فقد: (فازت كلينتون بأكثرية أصوات الناس: "60،556،142 بنسبة 47.6%"، في حين فازت بـــ "232" صوتاً من المجمع الانتخابي"... أما ترمب ففاز بنسبة أقل من أصوات الناس "60،116،240 بنسبة 47.3%"، ولكن فاز بأكثرية المجمع الانتخابي "306"..." (انتخابات الرئاسة الأمريكية 2016 - 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2016).


هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن النفوذ المالي والسياسي والأمني الذي يصاحب المرشحين، والأعمال التي لا تراعي أية قيمة، بل كل مرشح يستنفد طاقته دون النظر للصالح منها والطالح... وكل هذا يؤثر في دفع الناخبين إلى اتجاه معين، فمثلاً تحريك قضية كلينتون (وكان جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي "أف بي آي" قد أعلن قبل حوالي 11 يوما من موعد الانتخابات عن تحقيق جديد بشأن استخدام كلينتون للبريد الإلكتروني...) (بي بي سي عربي، 2016/11/13م)، هذا التحريك كان له أثر في الانتخابات حتى إن كلينتون صرحت (إعلان جيمس كومي عن إعادة التحقيق في استخدامها لبريديها الخاص عندما كانت وزيرة للخارجية قبل أيام من الانتخابات كان له ضرر سياسي كبير على حملتها الانتخابية"، وأضافت: "أن شكوك كومي كان لا أساس لها من الصحة، وقد أعلن أنه لم يجد شيئاً لإدانتي، إلا أن ذلك كان له أثر سلبي على نتائج الانتخابات"...) (بي بي سي عربي، 2016/11/13م). ثم إن الجمهوريين كانوا يهيئون الأجواء إلى أن أمريكا بحاجة إلى التغيير لإنقاذها بسبب ما يثيرونه من هبوط مستواها الدولي في ظل حكم الديمقراطيين، فمثلا الجمهوري ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق في كتاب كتبه هو وابنته ليز تشيني مسؤولة سابقة بوزارة الخارجية تحت عنوان (استثناء: لماذا يحتاج العالم إلى أمريكا قوية) نشرت منه مقتطفات في شهر نيسان الماضي (رويترز 2016/4/8) وصدر في شهر أيلول قبل شهرين من الانتخابات يقول فيه: "للأسف في الوقت الذي نواجه فيه الخطر الواضح والقائم لتهديد إرهابي متزايد بصورة سريعة أضعف الرئيس أوباما قوتنا بشكل كبير وتخلى عن حلفاء أمريكا وجرأ أعداءنا" هذا بالإضافة للأوساط المالية، والتأثيرات السياسية المخابراتية، والقوى الخفية لكل من المرشحين! ثم استغلال اللوبي اليهودي لنيل أصواتهم، فقد ذكر في مقابلة له مع موقع يهودي "إسرائيل اليوم" نشرت يوم 2016/5/11 أن "حبه لليهود ولكيانهم كان منذ وقت طويل جدا". وقال: "إننا سنحمي إسرائيل وعليكم ألا تنسوا أن إسرائيل معقل الأمل العظيم لنا في المنطقة، لذلك فإن إسرائيل مهمة جدا". ووعد بنقل سفارة أمريكا من تل أبيب إلى القدس...


2- إن الحملات الانتخابية في الدول الرأسمالية وبخاصة أمريكا، هي حملات "نشر الغسيل" لكل من المرشحين، فلا يتورعون عن الفضائح، والشتائم، والسباب، والبحث عن كل أخطاء أو خطايا للمرشحين... غير أن هذه المرة فاقت ما سبق فقد دلت بوضوح على هبوط مستوى المرشحين وسقوط خطابهم، وقد سادتها الاتهامات الشخصية وتناول الأعراض، ولم يظهر أن لديهم أفكارا وحلولا ناجعة لمشاكل أمريكا المتفاقمة. وصار ترجيح كثير من الأمريكيين بين من هو سيئ ومن هو أسوأ، وهذا يشير إلى انحدار أمريكا نحو الأسفل مع تفاقم مشاكلها وأزماتها الداخلية والاقتصادية وزيادة الانقسامات في المجتمع الأمريكي وقد عمقتها تصريحات ترامب... لقد وصف كولن باول عضو الحزب الجمهوري ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق مرشح حزبه ترامب بأنه (عار وطني وشخص منبوذ دولياً...) (بي بي سي عربي، 2016/9/14)، وأما هيلاري كلينتون فقد اعتبرها البعض بأنها مهملة ولا تصلح لرئاسة الجمهورية، ودليل ذلك استعمالها بريدها الخاص لإرسال معلومات سرية أثناء عملها كوزيرة خارجية. وكان مكتب التحقيقات الفديرالي "أف بي آي" قد استجوب مرشحة الرئاسة الأمريكية، هيلاري كلينتون (بشأن بريدها الإلكتروني، عندما كانت وزيرة للخارجية... وتنظر وزارة العدل فيما إذا كان هذا الإهمال يشكل جريمة...) (بي بي سي عربي، 2016/7/2)، فكل ذلك يدل على الانحطاط الذي بدأت تنحدر إليه أمريكا، فعندما لم تجد غير هذين المرشحين وهما أفضل ما لديها فإن ذلك يدل على السقوط القادم لأمريكا... هذا من حيث ما تتميز به التصريحات الانتخابية من "نشر الغسيل"...


أما من حيث مصداقية تنفيذ هذه التصريحات فهي تكاد تخلو من أي مصداقية ذات شأن إلا بمقدار تناسُبِها مع عنجهية الأسلوب الجمهوري، وخداع الأسلوب الديمقراطي... وهكذا فلا تؤخذ التصريحات الانتخابية مقياساً حقيقياً للسياسة التنفيذية للمرشح بعد انتخابه... وهذا مشاهد محسوس فقد ملأ أوباما حملته الانتخابية صراخاً بأنه سيغلق سجن غوانتينامو وهو الآن باق على حاله في الوقت الذي انتهت مرحلتا أوباما الانتخابيتان! وحتى ترامب نفسه فقد بدأ يتلاعب بتصريحاته:


- دعا ترامب في كانون الأول 2015 إلى "حظر كامل وشامل على دخول المسلمين أمريكا واعتماد بطاقة خاصة بهم لذكر ديانتهم وتخصيص قاعدة بيانات لهم ودعا إلى مراقبة المساجد"... (بي بي سي، 2015/12/7)، ولكنه قال بعد ذلك عن وعده (إنه مجرد اقتراح ليس أكثر...) (الجزيرة، 2016/11/11) ولكن سيبقى يستعمل أسلوب التهديد للمسلمين والتضييق عليهم وإن لم ينفذ كلامه.


- في الملف النووي الإيراني صرح بأنه سوف يلغي الاتفاق وليس من المتوقع أن يفعل ذلك وإنما سيظهر التشدد تجاهها لخداع الناس بأنه ضد إيران وهو يدرك أنها تدور في فلك أمريكا وتنفذ سياساتها. مما يدل على أنه يتناقض مع نفسه في تصريحاته أو أنه يتعمد التناقض ليخيف الطرف المقابل وليوهم الأمريكيين ويدغدغ مشاعرهم بأنه سيفعل لهم شيئا لم يفعله الأوائل. وكأن ذلك أسلوب يتخذه للتضليل حتى يغطي على عيوب أمريكا وعدم قدرتها على تنفيذه.


- (قال الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة سي بي أس إنه سيقوم بترحيل نحو ثلاثة ملايين مهاجر غير شرعي من البلاد... وأضاف ترامب في المقابلة: "ما سنفعله، هو أن نرحل الأشخاص الذين لديهم سجل إجرامي، أعضاء العصابات، مهربي المخدرات، ربما يكونون مليوني شخص أو ثلاثة ملايين، سوف نخرجهم من بلادنا أو نضعهم في السجن... لكننا سنخرجهم من بلادنا، إنهم موجودون هنا بشكل غير شرعي"... وتابع الرئيس الجمهوري قوله إنه بعد "تأمين" الحدود، سيبدأ مسؤولو الهجرة في اتخاذ القرارات بشأن المهاجرين غير المسجلين في الولايات المتحدة... وعن قضية بناء حائط بين الولايات المتحدة والمكسيك، قال ترامب إن الجدار الذي يعتزم بناءه على الحدود قد لا يبنى بكامله من الحجارة وقد يشمل أجزاء تقتصر على سياج، موضحا "ربما يشمل بعض التسييج... في بعض المناطق من الأنسب بناء جدار، أنا بارع في هذا العمل الذي يسمى البناء"...) (الحرة، 2016/11/13م)، وواضح أنه يتلاعب في تصريحاته فبعد أن قال بترحيل نحو ثلاثة ملايين عاد يفسر ويستثني، وحتى السياج عاد يفصل فيه بعضه حجارة وبعضه سياج... وهذا يؤكد أن أسلوبه هو التهديد والهجوم على الغير وهو على استعداد أن يتراجع.


- وقد سبق أن صرح ترامب بأن الحلف الأطلسي ("فقد جدواه"، ولفت إلى أن تدخل واشنطن إلى جانب حلفائها الأوروبيين إذا ما تعرضوا لعدوان روسي، رهن بالمساهمات المالية الأوروبية في ميزانية الحلف.) ("أ.ف.ب"... جريدة الخليج، 2016/11/11م)


وفي غضون ذلك قال الرئيس الأمريكي الحالي، باراك أوباما: (إن ترامب أبلغه أن سيظل "ملتزما بحلف ناتو قوي"...) (بي بي سي عربي، 2016/11/14م)


3- أما عن تغيير السياسة الأمريكية في القضايا الأساسية المتداولة في عهد الرئيس السابق فإن الخطوط العريضة من غير المتوقع أن تتغير، وإنما الأساليب هي التي يمكن أن تتغير، فالنظام الأمريكي تتحكم فيه مؤسسات مختلفة، ولكل منها صلاحيات تزيد أو تنقص، فمثلاً الرئيس وإدارته، والبنتاغون، والكونغرس، ومجلس الأمن القومي، والدوائر الأمنية... وهذه تؤثر في الاحتفاظ بالخطوط العريضة للسياسة الأمريكية شبه ثابتة مع الفارق في الأساليب، ولتوضيح ذلك أتناول موضوع سوريا الوارد في السؤال:


- أوباما كان يدعم بشار ولكنه لا يعلن ذلك صراحة بل يقول بشار لا مستقبل له في سوريا... بشار لا يُتفاوض معه... بشار لا مانع من التفاوض معه لكن لا وجود له في المرحلة الانتقالية... لا مانع من وجوده في المرحلة الانتقالية ولكن لا دور له في حكم سوريا بعد ذلك... وأخيراً قال لا مانع من أن يشارك في انتخابات الرئاسة!! وأما ترامب فقالها مرة واحدة بشار يحارب الإرهاب فهو عنصر فعال والأولوية للقضاء على الإرهاب وليس لبشار (وقالت صحيفة غارديان إن ترامب أكد مجددا أن تحالفا مع روسيا وسوريا لهزيمة تنظيم الدولة هو السياسة التي يفضلها للتعامل مع الأزمة السورية. ونقلت عن ترامب قوله لصحيفة وول ستريت جورنال إنه لا يحب الأسد مطلقا، "لكن تعزيز نظامه هو الطريق الأفضل للقضاء على التطرف الذي ازدهر في فوضى الحرب الأهلية والذي يهدد أمريكا"...) (الجزيرة، 2016/11/13م)، وكان قد عبر ترامب عن رأيه في الأزمة السورية في مقابلة نشرتها نيويورك تايمز في تموز الماضي قائلا "أعتقد أن علينا أولا التخلص من داعش قبل التخلص من الأسد". أما ما وعد به في حملته الانتخابية بإرسال عشرات الآلاف من الجنود إلى سوريا والعراق لمحاربة تنظيم الدولة وذكر أنه سيرسل معهم كذلك قوات الناتو... فقد نقلت وكالات الأنباء يوم 2016/11/4 تصريحات ترامب التي قال فيها: (سوف نستخدم القوة العسكرية فقط في الحالات التي يكون فيها الأمر حيويا من وجهة نظر ضمان أمن الولايات المتحدة القومي...)، فهذا يقوله كل رئيس أمريكي، السابق واللاحق، ولا يتورعون عن العدوان الوحشي على أي يلد بحجة الأمن القومي حتى وإن غُلِّفت بالكذب الصراح!.


- وكذلك فأوباما كان يمنع الأسلحة الفعالة عن المعارضة معللاً ذلك خشية وقوعها في يد الإرهابيين... وترامب يقول بمنع الأسلحة عن المعارضة قولاً واحداً ولا يهمه إن وقعت مع المعارضة أو لم تقع (قالت صحيفة غارديان إن ترامب عبّر عن عزمه إنهاء الدعم الأمريكي للمعارضة السورية المسلحة رغم طلبها المساعدة منه...) (الجزيرة، 2016/11/13م)...


- وأيضاً أوباما يُقصي أوروبا عن الأزمة السورية فيُقصيها من لوزان ولكنه في اليوم التالي يراضيها باجتماع لا يسمن ولا يغني من جوع... وترامب لا يعنيه ترضية أوروبا بل يصيح في وجه أوروبا كأنها لا شيء! ولا يعبأ بردود فعلهم على شدتها (...فالرئيس الفرنسي أولاند يقول في حق ترامب: "أشعر بالتقيؤ منه" ووصفه وزير خارجية بريطانيا بوريس جونسون بأنه "مختل تماما" وقال رئيس الوزراء الإيطالي رينزي في حق ترامب إنه "يبث سياسة الخوف" وقال رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز "إن ترامب مشكلة للعالم وليس فقط للاتحاد الأوروبي"...) (جريدة الشرق الأوسط، 2016/11/11). وخاطبت وزيرة الدفاع الألمانية فون دير لاين ترامب من خلال تلفزيون زد. دي. إف الألماني يوم 2016/11/11 رداً على تصريح ترامب عن أن تدخل واشنطن إلى جانب حلفائها الأوروبيين إذا ما تعرضوا لعدوان روسي، رهن بالمساهمات المالية الأوروبية في ميزانية الحلف قائلة: (لا يمكنك أن تقول إن الماضي لا يهم وإن القيم المشتركة غير مهمة وتحاول بدلا من ذلك أن تكسب أموالا من الحلف بقدر ما تستطيع... إن حلف شمال الأطلسي ليس مشروعا تجاريا، ليس شركة...) (رويترز، 2016/11/10)


- وأوباما يعتمد على روسيا في هجماته الوحشية على سوريا ولكنه يصرح ضد الهجمات الوحشية الروسية...! وذلك من باب المراوغة والخداع للمعارضة... وترامب يعتمد على روسيا جهاراً نهاراً ويثني على بوتين بل يقدمه على رئيسه أوباما وعلى منافسته كلينتون! فيقول عن بوتين "لقد كان قائدا أكثر بكثير من رئيسنا"...) (بي بي سي عربي، 2016/11/14م)... (وأضاف ترامب أن بوتين أذكى من كلينتون وقد هزمها في سوريا...) (سكاي نيوز عربية، 2016/10/20). وهكذا فإن أوباما وترامب كلاهما يتعاملان مع روسيا لخدمة مصالح أمريكا مع اختلاف الأساليب يساعدهم في ذلك ما لدى روسيا من عقدة نقص في أن تصبح دولة أوروبية أو غربية وأن ترجع دولة عظمى وتعيد أمجادها على عهد الاتحاد السوفياتي. وقد ضج البرلمان الروسي بالتصفيق بعد أن أعلن عن فوز ترامب مما يؤكد شدة الغباء الروسي!


من كل ذلك يتبين بأن الخطوط العريضة في السياسة الأمريكية لا تختلف بين الحزب الجمهوري وبين الحزب الديمقراطي وإنما الأساليب تختلف.


4- أما سبب ذلك فيرجع إلى خلفية نشوء الحزبين فالحزب الجمهوري لا يهمه كثيراً الظهور بلبوس الديمقراطية التي بها يتشدقون بل يغلب عليه سلوك رعاة البقر المشبع بالعنجهية وهو قد نشأ من هذا الوسط ولا زالت تغلب عليه... وثقافة رعاة البقر تميل إلى الشخص الذي يظهر القوة ويقوم بضرب هذا وقتل ذاك، ويفجر هنا وهناك، وينهب هذا ويسرق ذاك ولا أحد يستطيع أن يعترض أو يتحداه فعليه أن يسكت ويخضع، ولا تهمهم الجرائم من قتل الناس الأبرياء، فهي سائدة في بلادهم، ويحبون حمل السلاح واستعماله حسب الأهواء. وكان مجلس الشيوخ الأمريكي رفض الاثنين اقتراحاً للحزب الديمقراطي يسمح بتوسيع التحريات عن التاريخ الإجرامي والنفسي للراغبين في شراء أسلحة فردية... (وصوت الجمهوريون الاثنين 2016/6/20 ضد هذا الإجراء الذي يحاول الديمقراطيون تمريره منذ سنوات، وكانت نتيجة التصويت 44 صوتاً داعماً للاقتراح مقابل 56 صوتاً معارضاً...) (روسيا اليوم، 2016/6/21). وهكذا فإن الجمهوريين لا يهمهم تنظيم حيازة السلاح بسبب سيطرة لوبي منتجي وتجار السلاح على الجمهوريين... من هذا المنطلق يأتي أسلوب ترامب فهو أسلوب الرجل الذي يظهر كأنه قوي وأن بلاده قوية ليستعيد هيبتها بالتهديدات والابتزاز سواء نفذها أم لم ينفذها و تراجع عنها ولجأ إلى أسلوب آخر، فهو كما قال "أريد أن أكون شخصا لا يمكن التنبؤ بمواقفه" (رويترز، 2016/11/10) فسوف يعمد إلى إخافة الآخرين ليجعلهم يقبلون بسياسة أمريكا أو يخضعون لها أو يخشون معارضتها، ولهذا جاءت تصريحاته تَخبِط في الجهات الأربع! فقد كان واضحاً حقده على الإسلام والمسلمين... ونزل في ساحة الصين... ولم يسلم منه أتباعه في كوريا الجنوبية والسعودية وإيران... وهاجم أوروبا بقوة بشكل استفزازي وكأنه يتعمد ذلك! هذا من حيث أسلوب العنجهية... وسيستعمل كذلك أسلوب التجار المحتالين حيث سيعمل على ابتزاز الدول الأخرى ويريد أن يربح ويجعل الآخرين يدفعون التكاليف وزيادة لأمريكا، ولذلك جاء في تصريحاته:


- (إن السعودية دولة ثرية وعليها أن تدفع المال لقاء ما تحصل عليه منا سياسيا وأمنيا. وقال: السعودية ستكون في ورطة كبيرة قريبا، وستحتاج لمساعدتنا، لولانا لما وجدت وما كان لها أن تبقى...) (تلفزيون إن بي سي الأمريكي، 2016/8/19) وذلك في خطوة ليبتزها ويأخذ كافة إيداعاتها الموجودة في أمريكا، سيما وأن الكونغرس أقر قانونا أطلق عليه الجاستا يرغم السعودية بدفع تعويضات للأمريكيين عن أحداث 9/11 عام 2001 في مركزي التجارة العالمي بنيويورك.


- ذكر ترامب أثناء حملته أنه يرغب بسحب القوات الأمريكية المتمركزة في كوريا الجنوبية ما لم تدفع الأخيرة حصة أكبر من تكلفة نشر هذه القوات التي يبلغ تعدادها 28500 جندي أمريكي في إطار الدفاع المشترك ضد كوريا الشمالية.


- وطلب من أوروبا أن تدفع أكثر في ميزانية حلف الأطلسي، وقال بأن الحلف الأطلسي ("فقد جدواه"، ولفت إلى أن تدخل واشنطن إلى جانب حلفائها الأوروبيين إذا ما تعرضوا لعدوان روسي، رهن بالمساهمات المالية الأوروبية في ميزانية الحلف.) ("أ.ف.ب"... جريدة الخليج، 2016/11/11م)


- وحول المناخ قال (إن القيود البيئية على الشركات يجعلها أقل قدرة على المنافسة في السوق العالمية ووصف تغير المناخ بأنه خدعة)، وهكذا يتبين مدى الابتزاز المالي الذي يسعى له ترامب حتى مع عملائه وأتباعه!


5- وأما الحزب الديمقراطي فيغلب عليه الخداع والظهور بلبوس الديمقراطية الزائفة وتقليد الأسلوب الإنجليزي فيقدم السم بغلاف من الدسم الزائف فيقتلك وهو يبتسم، في حين إن الحزب الجمهوري يقدم السم خالصاً فيقتلك وهو يضغط على أسنانه... ولذلك فإن الرؤساء الديمقراطيين أقدر على الخديعة وكسب ود المغفلين، في حين إن الرؤساء الجمهوريين لا يخدعون أحداً لأن عداوتهم سافرة معلنة، ويمكن ملاحظة ذلك عند استعراض رؤية الناس لأمثلة من التاريخ غير البعيد للرؤساء من الطرفين؛ فريغان ونكسون وبوش الأب والابن من الحزب الجمهوري وعنجهيتهم وخاصة تجاه الإسلام والمسلمين بشكل استفزازي عدواني مكشوف وأنيابهم بارزة... وكندي وكارتر وكلينتون وأوباما من الحزب الديمقراطي وخبثهم وخداعهم وكيدهم للإسلام والمسلمين وابتسامتهم ظاهرة... فبوش يقول بالحرب الصليبية وأوباما يستشهد في القاهرة بآية قرآنية... والاثنان يكيدان للإسلام كيداً...! ولهذا فكما قلنا آنفاً: "ولذلك فإن الرؤساء الديمقراطيين أقدر على الخديعة وكسب ود المغفلين، في حين إن الرؤساء الجمهوريين لا يخدعون أحداً لأن عداوتهم سافرة معلنة".


6- وحتى في شعار الحزبين فهناك فارق في الدلالة يناسب ما قلناه فمنذ أن نشر رسام الكاريكاتير الأمريكي - الألماني الأصل - توماس ناست في (1870، و 1874) رسماً في مجلة هاربر أظهر فيه صورة حمار يرتدي هيئة أسد لتخويف مجموعة من الحيوانات، من بينها فيل ضخم هائج يحطم ما حوله... ثم أصبح الحمار شعار الحزب الديمقراطي، والفيل شعار الحزب الجمهوري، وهذان الشعاران يعكسان صورة الحزبين، فخلال حملة انتخابات عام 2008 انتشرت صورتان يظهر في الأولى حمار يجسد شعار الحزب الديمقراطي، تمتطيه امرأة بفستان أصفر وترمز إلى هيلاري كلينتون، وخلفها شاب أسمر اللون يرمز إلى باراك أوباما، وأخذ كل واحد منهما يقدم للحمار جزرة مربوطة في طرف عصا طويلة، وهو ما شكل حينها تعبيرا انتخابيا عن استراتيجية الحزب الديمقراطي المرتكزة على "الترغيب والترهيب". وفي المقابل، ظهرت صورة أخرى في نفس الحملة يبرز فيها مرشحان اثنان أيضا، في إشارة حينها إلى جون ماكين وميترومني - من الحزب الجمهوري - يمتطيان فيلا (يمثل شعار الحزب) وأخذ كل منهما يضربه بعصا غليظة ترمز إلى السياسة المحافظة للجمهوريين التي تعتمد على "الحزم والقوة".


وهكذا فليست تصرفات ترامب بدعاً من تصرفات مرشحي الحزب الجمهوري إلا بقدر الخصائص الشخصية التي تميز شخصاً عن آخر ولكن تبقى الخصائص العامة للحزب الجمهوري تكاد تنطبق على جميع مرشحي الحزب باستثناء الخصائص الشخصية كما ذكرت آنفاً.


والخلاصة:


أ- إن الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية التي تقررت في عهد الرئيس السابق لا تتغير تغيراً ذا شأن، وخاصة تجاه الإسلام والمسلمين، وبصورة أخص تجاه الأزمة السورية، سواء أكان الرئيس جمهورياً أم ديمقراطياً، وذلك لأن السياسة الأمريكية تقررها مؤسسات لكل منها شيء من التأثير يزيد أو ينقص...


ب- إن التصريحات الانتخابية ليست مقياساً للتنفيذ العملي للعلاقات الدولية، أو لحلول المشاكل الخارجية...


ج- وسوف تستمر أمريكا في استخدام روسيا في حربها على المسلمين الذين ثاروا على نظامها وأنظمتها، وكذلك في استخدامها لمجابهة أوروبا، لأنها تريد أن تحد من تمرد الأوروبيين عليها وهم الإخوة الصغار كما تعتبرهم وهي الأخ الكبير، وتوقف تشويشهم على مشاريعها وسياساتها وفي مناطق نفوذها، وعملهم المستقل خارج إرادتها ومظلتها ومحاولتهم تشكيل قوة سياسية واقتصادية وعسكرية مستقلة.


د- ومن أساليب الإدارة الجديدة التهديد والتهكم والهجوم على الذين تحسبهم أعداء، وكذلك ممارسة الغطرسة والعنجهية. ولذلك فإن خير أسلوب للدول الأخرى التي تحترم نفسها ألا تنصاع ولا تخضع لضغوطاتها ولا تخشى تهديداتها فكلها زوبعة في فنجان، بل عليها أن تمضي في تحديها لأمريكا ومجابهتها والعمل على إخراجها من المنطقة. لأنها وهي في بلوغها الذروة على عهد بوش الابن عندما شكلت فرنسا محوراً مع دول أخرى لمعارضة أمريكا استطاعت أن تؤثر فيها، فكيف اليوم وهي في انحدار إلى الأسفل؟!


هـ- يبدو أن الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب سوف تستخدم أسلوب الابتزاز كما بدى منه لإرغام الدول على الدفع، فما بقي لها غير هذه الحيلة. وفي هذه الحالة يجب على الدول الأخرى أن لا تخضع لابتزازها وتثير عليها الرأي العام.


و- وأما شعوب الأمة الإسلامية الثائرة وهي الشوكة الكبرى والصلبة في حلق أمريكا والتي تؤرق مضجعها ولا تتركها تنام بهدوء فعليها مواصلة ثورتها وكفاحها، وهي منتصرة بإذن الله على أمريكا وعلى كافة القوى الاستعمارية، وقد مرَّغت أنفها في رمال العراق وثرى أفغانستان... ولتعلم أن أمريكا أوهن من بيت العنكبوت وقد اهترأت وتآكلت وهي تهوي نحو السقوط، ولكن على الأمة أن تحذر عملاء أمريكا والأتباع والأشياع فهم المداخل لأمريكا في بلاد المسلمين... وأن تتوجه الأمة نحو المخلصين الواعين الذين سيقودونها بإذن الله إلى النجاة والتحرير والسؤدد، فتعود كما كانت ممسكة للمجد من ركنيه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، و«... ثُمَّ تَكُونُ جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ» أخرجه أبو داود الطيالسي... وما ذلك على الله بعزيز.


الثامن عشر من صفر الخير 1438هـ


الموافق 2016/11/18م

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م