جواب سؤال: هل انتهت الأزمة المالية العالمية؟
September 10, 2013

جواب سؤال: هل انتهت الأزمة المالية العالمية؟

جواب سؤال: هل انتهت الأزمة المالية العالمية؟

السؤال:

اختُتمت يوم الجمعة في 6/9/2013 قمة "العشرين" الاقتصادية في سانت بطرسبورغ باعتماد البيان الختامي، وقد جاء في البيان كما نقلته وكالة رويترز في 6/9/2013 "أن الاقتصاد العالمي يتحسن..."، ونقلت الوكالة عن اندريه بوكاريف مدير الإدارة المالية بوزارة المالية الروسية، والذي شارك في صياغة البيان الختامي لقمة العشرين قوله: "أصعب المناقشات وأطولها كان يتعلق بتقييم وضع الاقتصاد العالمي"، وكذلك فقد ظهرت مؤخراً بيانات تشير إلى هذا التحسن، فقد نشر الاتحاد الأوروبي بأن اقتصاده بدأ ينمو وإن كان بنسبة قليلة، والولايات المتحدة قالت إن اقتصادها نما 1% في عام 2013، والصين نشرت أن اقتصادها نما في هذا العام حتى يوليو 2013 أكثر من 7%.


فهل حقاً تحسن الاقتصاد العالمي ومن ثم خفت الأزمة الاقتصادية التي مضى عليها أكثر من ست سنوات منذ بدأت في أمريكا في 2007؟ وإن لم يكن الاقتصاد تحسن، فكيف إذن أُعلنت هذه البيانات والأرقام؟ أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيراً.

الجواب:

سنستعرض حقيقة الواقع الاقتصادي لأبرز الدول المؤثرة اقتصادياً في العالم، وهي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، حيث إن اقتصاد هذه الدول الثلاث يمثل أكثر من 50% من الاقتصاد العالمي، ولأن الأزمة الاقتصادية ذات ارتباط وثيق بالنظام الرأسمالي الذي تتبناه أمريكا والاتحاد الأوروبي؛ لذلك فإن أثرهما في الأزمة هو الفاعل، أما الصين، فكما سنبينه لاحقاً فإن دورها في إيجاد الأزمة أو التغلب عليها هو دور رد الفعل وليس الفعل... وللعلم فإن الاقتصاد الأمريكي وحده يقترب من اقتصادات الصين واليابان وألمانيا مجتمعة، وهي أكبر ثلاث قوى اقتصادية في العالم تأتي بعد الاقتصاد الأمريكي تباعاً. فقد بلغ حجم الاقتصاد الأمريكي في العام 2012م (15.7) تريليون دولار، وهو يمثل 22% من حجم الاقتصاد العالمي، بينما بلغ الاقتصاد الصيني (8.2) تريليون دولار، وأمّا الاقتصاد الياباني والألماني فقد بلغا (5.9) و (3.4) تريليون دولار على التوالي وفق بيانات البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية. وبسبب هذا الحجم الكبير للاقتصاد الأمريكي فقد انتشرت في العالم أزمة أمريكا الاقتصادية التي نتجت عن انهيار سوق الرهن العقاري في أمريكا. وعليه فسنركز البحث على اقتصاد هذه الدول الثلاث الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، ولأن أبرز العوامل التي تعطي مؤشراً على حقيقة التحسن أو عدمه هي: معدل البطالة، والديون المحلية والإدارات الخدمية كالبلديات والنفقات الاجتماعية... ثم الديون الحكومية... وهذه الثلاثة تدل على تحرك سوق العمل، وتحرك سوق تداول النقد، وكذلك تحرك سوق المشاريع الحكومية والخاصة، لذلك سنركز البحث عليها، ومن ثم نتبين الحقيقة عن تحسن الاقتصاد العالمي أو عدمه:


أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية:


1- معدل البطالة: لقد عمد البنك المركزي منذ أواخر 2008 إلى تخفيض الفائدة على القروض لتقترب من الصفر... وضاعف ميزانيته العمومية ثلاث مرات ليصل إلى حوالي ثلاثة ترليونات دولار منذ ذلك الحين من خلال برنامج شراء السندات، وقد حافظ عليه في اجتماعه الأخير عند معدل شهري يبلغ 85 مليار دولار، وكل ذلك من أجل خفض تكاليف الاقتراض الطويل الأجل، ومن ثم تسهيل أخذ القروض لأصحاب المشاريع والأعمال لتنشيط سوق العمل، ومع ذلك فقد استمر معدل البطالة مرتفعا الشهر الماضي عند نسبة 7,9%"، وهي لا تختلف كثيرا عنها قبل 5 سنوات حيث كانت 8,9%، ومع أن الولايات المتحدة أقرت قانون التحفيز، أي ضخ الأموال في الشركات بشراء أسهمها، وبدأت تطبيقه عام 2009، إلا أن الاقتصاد لم يتعافَ، ولم تنخفض نسبة البطالة كثيرا ما يدل على أن الأزمة عميقة وما زالت مستمرة، وأن الاقتصاد لم يتحسن.


2- ديون القطاعات الخدمية "البلديات...": ذكرت صفحة سكاي نيوز عربية في 11/8/2013 أن "أعباء الديون في مدن وبلديات الولايات المتحدة والعجز عن سدادها أدت إلى إفلاس 41 مدينة خلال عامين"، ما يعني أن العديد من المدن الأمريكية لم تفلح في تجاوز تداعيات الأزمة المالية العالمية حتى اليوم. وقد عاد شبح الإفلاس ليخيم على المدن الأمريكية بعد تقديم ولاية ديترويت طلب إشهار إفلاسها رسميا في تموز / يوليو الماضي لعدم قدرتها على سداد ديونها البالغة 18 مليار دولار تقريبا. والإفلاس يمثل الملاذ الأخير للبلديات والمدن للحماية من الدائنين، بمعنى آخر الهروب من الواقع واللجوء إلى أسهل الحلول. وطبقا لبيانات "معهد الإفلاس الأمريكي" شهدت الفترة بين عامي 2007 و 2011 أكثر من 40 حالة إفلاس لمدن ولبلديات أمريكية بمعدل 8 حالات سنويا". فهذا التقرير الإخباري يظهر أن حالات إفلاس المدن خلال السنتين الأخيرتين ما بين عام 2011 و2013 أكثر مما كانت عليه في أوج الأزمة وما قبلها وما بعدها مباشرة. ما يثير الشكوك تجاه القول بتحسن حالة الاقتصاد الأمريكي.

3- الديون الحكومية: حذر وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته 26\8\2013 التي بعثها إلى الكونغرس من أن "الإجراءات الاستثنائية التي وضعت في مايو/ أيار الماضي لتجنب عجز الحكومة عن سداد ديونها ستنتهي في منتصف تشرين أول / أكتوبر، وحث الكونغرس على تمديد حق الحكومة في الاقتراض" (صفحة القدس 27\8\2013). وأشار وزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو في رسالته إلى الكونغرس أشار إلى أن: "الحكومة الأمريكية ستخسر الموارد المطلوبة لسداد التزاماتها بحلول 15 تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام إذا لم يرفع السقف الإجمالي لديون الدولة الذي أقصى حد مسموح له حالياً هو 16,7 ترليون دولار". وحذر قائلا: "قد يحدث خلل في عمل الأسواق المالية وينهار الاقتصاد في حال إبقاء سقف ديون الدولة بمستواه الحالي". وأضاف: "تتلخص مهمة الكونغرس في حماية الثقة بالولايات المتحدة لأنه لا توجد هيئة أخرى من صلاحيتها رفع سقف ديون الدولة" (صفحة روسيا اليوم 28\8\2013). أي أن ديون الولايات المتحدة قد وصلت الحد الأقصى المسموح به وهو 16,7 ترليون دولار، ومع ذلك فهي تطالب برفع سقف الدين للوفاء بالتزاماتها!


هذه صورة عن وضع أمريكا حيث إن المديونية مرتفعة جدا وتلجأ لزيادة سقف الديون لتسديد نفقاتها ولمعالجة العجز والحيلولة دون الانهيار الاقتصادي. وهذه الصورة لا تشير إلى أن حالة الاقتصاد الأمريكي قد تحسنت وأنها قد خرجت من الأزمة.


ثانياً: الاتحاد الأوروبي:


1- معدل البطالة: صرحت مديرة صندوق النقد الدولي كرستين لاغارد بأن "نسبة العاطلين عن العمل 27% في إسبانيا ومثلها في اليونان"، (صفحة إيرو نيوز 26\4\2013 ). وذكرت في 3\5\2013 أنه "من المتوقع أن تصل معدلات البطالة في منطقة اليورو التي تضم 17 دولة خلال 2013 إلى متوسط 12,2% ليزيد عن نسبة 11,4 % حققتها عام 2012"، ونقلت تصريح المفوض الأوروبي أولي رين قوله: "في ضوء الركود المستمر، فعلينا القيام بكل ما بوسعنا للتغلب لمواجهة كارثة البطالة".


وقال مدير منظمة العمل الدولية ريموند توريس: "في حال عدم اتخاذ سياسات واضحة. هنالك مخاطر من أزمة الركود في سوق العمل في أوروبا مع تعرض مزيد من الأشخاص لبطالة طويلة الأمد قد تؤدي إلى خروجهم من سوق العمل. من المهم أيضا اتباع سياسة محفزة للنمو وخصوصا في منطقة اليورو في حال عدم منح الشركات الصغيرة لقروض ميسرة، فمن غير المتوقع حصول انتعاش في سوق العمل" (إيرو نيوز 3\6\2013). وأضافت إيرو نيوز أن "المنظمة أشارت إلى أنه في السنوات الخمس الماضية سجلت البطالة الطويلة الأمد ارتفاعا بمعدل الثلثين، وقد أوضحت أن هناك حاجة لثلاثين مليون وظيفة جديدة لإعادة معدل التوظيف إلى 56% المعدل الذي كان عليه قبل الأزمة".


2- النفقات الاجتماعية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 30/8/2013 أن "اقتصاد الدول الإسكندنافية الأضعف لم يعد قادرا على تحمل الاستحقاقات التي يطالب المواطنون وفقا لوزير المالية الدنماركي بيارني كوريدون. وقالت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إن فرنسا هي الأكثر إنفاقا اجتماعيا بنسبة 33% ثم الدنمارك وبلجيكا بنسبة 30,8% تليها فنلندا 30,6% ومن ثم السويد 28,6%". وكلها نسب منخفضة لا تفي باحتياجات أهالي تلك الدول بشكل كامل... ما عدا ألمانيا حيث نفقاتها الاجتماعية مقبولة إلى حد ما... هذا بالنسبة لأقوى البلدان إنفاقاً، فكيف بالدول الأخرى؟!


3- المديونية: نشرت صفحة إيرو نيوز في 22\7\2013 أن "المعطيات الإحصائية كشفت بلوغ عبء ديون منطقة اليورو أعلى مستوياته في نهاية الربع الأول من العام الجاري رغم التدابير التقشفية المتبناة لتصحيح الموازنات الحكومية حيث تصدرت اليونان وإيطاليا والبرتغال قائمة الأسوأ فيما سجلت إستونيا ولوكسمبورغ أدنى معدلات الدين". وأضافت أن "العديد من دول العملة الأوروبية الموحدة تقبع في ركود ومن شأن انكماش الاقتصادات أن يجعل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أقل مواتاة. لقد أسهمت التدابير التقشفية في كبح عجلة نمو الاقتصاد الذي يعتمد على الإنفاق الحكومي في حين يمكن للزيادات الضريبية أن تفضي إلى خنق الاستهلاك والاستثمار".


ومن الجدير ذكره أن العديد من دول الاتحاد الأوروبي اقترضت المال عندما انضمت إلى الاتحاد، إلى درجة أن الاقتراض تجاوز حجم اقتصاداتها. وعندما وصلت الأزمة إلى أوروبا كان العديد من دول الاتحاد الأوروبي في موقف لا يسمح لها بسداد ديونها السابقة للأزمة. وللعلم فإن الدولة المؤثرة في الاقتصاد الأوروبي بالدرجة الأولى هي ألمانيا، وقد استطاعت أن تفرض سياسة التقشف بتقليل النفقات الحكومية وتخفيض المديونية لدى الدول، وعملت على فرضها على منطقة اليورو في الاتحاد الأوروبي بعكس أمريكا التي اتبعت سياسة ضخ الأموال وزيادة المديونية.


وهكذا فإن هذه التصاريح والتقارير تشير إلى أن الاقتصاد في أوروبا ما زال يعاني من تداعيات الأزمة ولم يتمكن من الخروج منها وما زال في حالة ركود، ومن ثم فإنه لم يتحسن تحسناً ملحوظا.


ثالثاً: الصين:


إن الاقتصاد الصيني أمره مختلف، فإن محللي الاقتصاد الصينيين يذكرون أن "الزيادة في نموه تعتمد إلى حد كبير على قطاعي التصدير والاستثمار ولا يعتمد على الاستهلاك الداخلي. وبذلك لا يشعر عامة الشعب بشكل عميق بمدى ارتفاع مستوى حياتهم المعيشية". فما زالت سوقه الداخلية ضعيفة جدا. فهو ليس مقياسا ولا يؤثر في اقتصاديات الدول الأخرى. وهو معتمد بالدرجة الأولى على التصدير للأسواق الأمريكية بجانب الاستثمارات المتبادلة مع أمريكا سواء بشراء الصين أسهمًا من الشركات الأمريكية بمئات المليارات أو بشرائها لسندات الخزينة الأمريكية بما يتجاوز ترليون دولار، وكذلك قيام الشركات الأمريكية بالاستثمار في داخل الصين، وكذلك جعل الاحتياطي النقدي لها بالدولار بما يزيد عن 3 ترليون دولار. فالصين ليست قائدة العالم الرأسمالي، بل هي تابعة له باتباعها النهج الرأسمالي وارتباطها الاقتصادي بأمريكا، فهي تابعة لسياساته الاقتصادية، وسرعان ما تعمل على تنفيذ القرارات الاقتصادية التي تقودها المؤسسات الرأسمالية العالمية الواقعة تحت التأثير الأمريكي. ولا تستطيع أن تعلن عن نفسها أنها دولة رأسمالية فتقوم وتعمل على قيادة الاقتصاد الرأسمالي، لأنها تعلن عن نفسها بصورة رسمية وتقليدية بأنها دولة شيوعية اشتراكية، وتعمل على المحافظة على هذه الصورة الرسمية خوفا من أن تفقد كيانها المستقل، وخوفا من أن القائمين على الدولة، وهم الذين يتبنون الفكر الشيوعي من أن يفقدوا امتيازاتهم. فيعمل الشيوعيون وحزبهم باستحياء على تطبيق النظم الرأسمالية والمحافظة على الارتباط باقتصاد أمريكا قائدة الرأسمالية. ولهذا ليس من المنتظر على المدى القريب أن تتخلى الصين عن هذه السياسة وتتولى قيادة العالم الرأسمالي فتصبح هي المؤثرة في اقتصاد العالم. ومن هنا عندما نتناول الأزمة المالية الرأسمالية التي أثرت على العالم نركز على أمريكا بالدرجة الأولى ومن ثم على أوروبا بالدرجة الثانية، فالعالم الذي يسيطر عليه النظام الرأسمالي حاليا يتأثر اقتصاديا بهاتين: أولا بأمريكا وثانيا بأوروبا.


رابعاً: اقتصاديات الدول الأخرى:


إن اقتصاديات باقي الدول ذات أثر قليل في التحكم في الاقتصاد الدولي:


- فاليابان قد وصل دينها إلى 245% من إجمالي الناتج المحلي بحسب أرقام صندوق النقد الدولي الذي طالبها مجددا بوضع خطة ميزانية متوسطة ذات صدقية من أجل الحد من هذا الدين الهائل، ولا يقلل من أثره أن أكثر من 90% منه مستحق لدائنين يابانيين...". وقد أعلنت الحكومة اليابانية في 8\8\2013 عن عزمها على اقتطاع حوالي 85 مليار دولار من النفقات العامة خلال سنتين، أي عكس ما تتطلبه سياسة التحفيز اليابانية...


- وروسيا فهي تطبق النظم الرأسمالية في داخلها وتعمل على تقليد الغرب في تطبيقها وفي تأسيس المنظمات الاقتصادية مع الدول الأخرى من دون قدرة على الإبداع، ولذلك عملت على تأسيس منظمات اقتصادية مع الدول التابعة لها كالاتحاد الجمركي الذي أسسته مع روسيا البيضاء وكازاخستان عام 2010 محاكاة للاتحاد الجمركي الأوروبي... على كلٍّ، فإن الاقتصاد الروسي تابع للمنظومة الرأسمالية بقيادة الغرب ويعمل على السير فيها وتطبيق قراراتها وتقليد الدول الرأسمالية في إيجاد المنظمات الاقتصادية؛ ولذلك فروسيا من هذه الناحية غير محركة للاقتصاد العالمي، بل هي تتأثر بالاقتصاد الرأسمالي الغربي أكثر مما تؤثر فيه هي بشكل فاعل.


- وأما باقي مجموعة البريكس "البرازيل والهند وجنوب أفريقيا" وباقي الدول الناشئة المكسيك وتركيا... فليس لها تأثير يذكر في الاقتصاد العالمي، بل هي تابعة للاقتصاد الغربي بصورة مباشرة ومرتبطة بالأسواق المالية الأمريكية والأوروبية. وقسم منها يعتمد على الديون بشكل رئيس لزيادة النمو كتركيا وليس هو اقتصادًا حقيقيًّا، وبذلك يزيد الاستهلاك فيها باعتماد الناس على الاستدانة وكذلك مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة والشركات. وقسم منها مُستشرٍ فيها الفساد بشكل كبير كالهند وتهريب أكثر الأموال إلى الخارج، فاقتصاد هذه الدول ليس مستقرا ولا يعتمد على موارد حقيقية للاقتصاد، والبرازيل وجنوب أفريقيا تأثيرهما الاقتصادي في محيطهما، أي في أمريكا الجنوبية وفي أفريقيا وليس في الحركة الاقتصادية العالمية.


وهذه الاقتصاديات بشكل إجمالي لا يُركَّز عليها كثيراً في نشوء الأزمات أو إزالة هذه الأزمات.


خامساً: أما عن الأرقام والبيانات التي تُعلن فهي توضع كما تريدها المؤسسة الاقتصادية في الدولة المصدرة للبيانات...:


1- فالنمو في 2013 الذي ذكرته الولايات المتحدة رسميا كان في الواقع بسبب تغيير الحكومة الأمريكية للطريقة التي تقيس فيه الاقتصاد، فقد غيرت الطريقة التي يقاس فيه النمو وذلك بإدخال الملكية الفكرية في الاقتصاد مثل إنتاج الموسيقي وحقوق ملكية إنتاج الأدوية والعقاقير... وقد تسبب هذا التغيير بإضافة 370 بليون دولار في الاقتصاد مما يمثل تغييراً (زيادة) تمثل 2.5%. ومع ذلك فلا يزال اقتصاد الولايات المتحدة يكافح من أجل النمو في وقت خفض فيه مواطنوها إنفاقهم؛ لذلك فالتقارير التي تفيد بأن الركود قد انتهى يرجع إلى الطريقة التي يتم بها نشر الإحصاءات، وهي مصطنعة وليست حقيقية.


2- وأما البيانات الصادرة عن المسؤولين الأوروبيين فلم تكن أيضا عن نمو مستدام. كانت البيانات التي تم الإعلان عنها مجرد تقدير أولي، ولم تشمل كل أوروبا. فلم تدرج البلدان التي تعاني اقتصادياً مثل إيرلندا واليونان. وكانت البيانات الصادرة مجرد تقديرات جمعتها وكالة البيانات الأوروبية - يوروستات التي تعتمد على البيانات المقدمة من المكاتب الإحصائية الوطنية، التي تقوم بجمع البيانات بشكل مختلف، وتعتمد بشكل كبير على الدراسات الاستقصائية في تقديراتها الأولية للنمو. ويتم عادة مراجعة هذه التقديرات مرات عديدة. ويشير مكتب الإحصاء الألماني أن المراجعات يمكن إجراؤها حتى بعد أربع سنوات من التقديرات الأولية لأن البيانات الإضافية تؤخذ في الحسبان. لذلك، وبالنظر للعيوب الإحصائية، فلا يمكن بالفعل القول بأن الأوضاع في أوروبا قد تحسنت.


3- أما بخصوص الصين فقد كان هناك دائما العديد من الأسئلة والشكوك حول البيانات التي تصدرها حول اقتصادها. فالصين دولة كبيرة فهي الأكبر أرضاً وسكاناً في العالم. وجمع المعلومات حول كيفية أداء اقتصادها عملية كبيرة جدا...


والذي يثير الشكوك عند المراقبين أن الصين تصدر أرقام الناتج المحلي الإجمالي السنوي (GDP) في الأسبوع الثالث من شهر يناير عن العام السابق، ومن الصعوبة بمكان أن تستطيع الحكومة الصينية ضبط أمر نتائج العام بكامله خلال أسابيع ثلاثة! ما جعل وجها للقول بأن بيانات الصين هي في الواقع ما تريد أن يعرفه العالم بشأن اقتصادها!


سادساً: الخلاصة:


إن الأزمة المالية العالمية لم تنته بعد، وإن تداعياتها ما زالت موجودة وما زالت تعالجها بضخ الأموال كما تفعل أمريكا، أو بالتقشف كما تفعل ألمانيا في أوروبا، فأمريكا تضخ في السوق مبلغ 85 مليار دولار، أي تعطي هذه الأموال للشركات حتى تبقيها على قيد الحياة، وأوروبا تتبع سياسة التقشف. فهذا دليل على أن الأزمة ما زالت موجودة وأن الاقتصاد لا يسير طبيعيا من دون تدخل الدولة ومساعدتها، فكأنه يتنفس تنفسا اصطناعيا. مع العلم أن تدخل الدولة يخالف النظام الرأسمالي؛ حيث إن هذا النظام ينص على تخليص السوق من براثن السلطة، فلا يجيز للدولة التدخل في السوق لإنقاذ الشركات وباقي المؤسسات المالية أو أن يحد من حركة السوق، فيوجب أن تكون هناك حرية تامة، وأن السوق هو الذي يعالج نفسه بنفسه، فالتدخل حسب المبدأ الرأسمالي يعيق التقدم، حيث إن البقاء يكون للأصلح، فالشركات غير القادرة على العمل يجب أن تسقط فتقوم غيرها بالعمل، فلا يبقى في السوق إلا الشركات القادرة على المنافسة، وهكذا يتقدم الاقتصاد ويعمل بشكل حر حسب النظرية الرأسمالية التي يكذبها الواقع وتفندها ممارسات الدول الرأسمالية. فأسباب الأزمة ومصدر المشاكل لم تعالج وهي كامنة في النظام الرأسمالي، وفي كل لحظة ربما تحدث انتكاسة كالمريض الذي يعاني من أمراض مزمنة تعطى عنه تقارير تشير إلى تحسن في صحته بنسبة كذا وكذا وسرعان ما تصدر تقارير أخرى تقول العكس، فتعطى له مسكنات وحقن لإبقائه على قيد الحياة ولكنه يعاني من آلام وأوجاع لا تنتهي...


وهكذا فإن الاقتصاد العالمي لم يتحسن والأزمة باقية، والمشاكل قائمة، وستبقى قائمة ما دام النظام الرأسمالي قائما، فينتج عنها فقر وحرمان لمليارات من البشر وضياع أموال كثيرة من دون أن تصل إلى الناس فينتفعون بها عند توزيعها عليهم، فتعم التعاسة والشقاء كثيرا من الناس، ويستأثر قلة من أصحاب رؤوس الأموال بأكثرية الثروات. ولهذا السبب فإن الأزمة باقية كالبركان فتنفجر أحيانا وتهدأ أحيانا، ولكن البركان في الداخل يغلي. ومن هنا نستطيع أن نقول إنه لا يوجد علاج حقيقي إلا في الإسلام الذي يرى أن المشكلة الاقتصادية هي في توزيع الثروات بشكل صحيح، وتمكين كل فرد بعينه من الاستفادة منها والحصول على نصيبه منها والحيلولة دون تكديس الأموال في جيوب معينة. ولا ينظر إلى المجتمع نظرة إجمالية بأن هناك أموالاً وثروات بقيمة كذا فيكون نصيب الفرد كذا وفي الحقيقة ليست من نصيب الفرد بل من نصيب فئة قليلة جدا!


نسأل الله سبحانه أن يعود حكم الإسلام، الخلافة الراشدة، فيحل الرخاء والهناء، والحياة الاقتصادية السليمة، ليس فقط على الأمة الإسلامية، بل يعم الخير كذلك ربوع العالم، والله سبحانه عزيز حكيم.

المزيد من القسم اجوبة الاسئلة

جواب سؤال:  عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

جواب سؤال

عدوان كيان يهود على إيران وتداعياته

السؤال:

نشرت العربية على موقعها في 2025/6/27: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية.. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"). وكان ترامب قد أعلن سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود، (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وكل ذلك تم بعد قيام قوات ترامب في 2025/6/22 بضرب المنشآت النووية الإيرانية، وبعد قيام كيان يهود بشن عدوان واسع مفاجئ على إيران منذ 2025/6/13.. فالسؤال هنا لماذا قام كيان يهود بهذا العدوان المفاجئ وهو لا يقوم به إلا بأمر أمريكا؟ ثم أليست إيران تسير في فلك أمريكا فكيف شاركت أمريكا بضرب المنشآت النووية الإيرانية؟ وشكراً.

الجواب:

لكي يتضح الجواب نستعرض الأمور التالية:

1- نعم، يعتبر البرنامج النووي الإيراني خطراً ماحقاً على كيان يهود، لذلك يريد التخلص منه بكل الوسائل، ولأجل ذلك هلل لانسحاب الرئيس ترامب سنة 2018، من اتفاق 2015، وكان موقف كيان يهود واضحاً بأنه يقبل فقط بالنموذج الليبي وتفكيك إيران لبرنامجها النووي، أي تخلي إيران عن برنامجها النووي بالكامل.. وكثف جواسيسه داخل إيران لذلك.. فقد كشف هجوم كيان يهود في يومه الأول عن جيش من العملاء داخل إيران يرصدون ويتعاونون مع جهاز مخابرات كيان يهود "الموساد" لقاء دراهم معدودة، فيستوردون قطع الطائرات المسيرة ويجمعونها في مشاغل صغيرة داخل إيران ويطلقونها على أهدافٍ تشمل منازل قادة النظام الإيراني في سيناريو يشبه ما حصل لحزب إيران في لبنان حين قام كيان يهود بتصفية قادته!

2- وكان موقف أمريكا هو الداعم الأساس لكيان يهود بل هو المحرك لهم ضد المشروع النووي الإيراني، لكن ترامب وضع على الطاولة لتحقيق ذلك: الحل التفاوضي والحل العسكري.. وهكذا توجهت أمريكا وإيران في نيسان 2025 صوب مسقط-عُمان للمفاوضات، وكانت إدارة ترامب تمدحها لعمق التنازلات التي تتم في المفاوضات النووية وكأن اتفاقاً نووياً جديداً بات قاب قوسين أو أدنى.. وكان ترامب قد حدد مهلة شهرين لإنجاز هذا الاتفاق، وكان مسؤولو كيان يهود يلتقون بالمبعوث الأمريكي للمنطقة والمفاوض الأول لإيران ويتكوف تقريباً مرةً قبل كل لقاء مع الوفد الإيراني ليطلعه المفاوض الأمريكي على ما يجري في المفاوضات...

3- ولقد تبنت إدارة ترامب الرأي المتشدد لبعض من أقطابها، ذلك الرأي المتوافق مع كيان يهود. وقد تزامن ذلك مع ظهور آراء متشددة في أوروبا أيضاً، فالدول الأوروبية كان يغيظها أن أمريكا تفاوض إيران وحدها، أي أن أمريكا ستنال نصيب الأسد من أي اتفاق مع إيران، خاصة وأن إيران كانت تُسيل لعاب إدارة ترامب بالحديث عن مئات المليارات من الدولارات التي يمكن للشركات الأمريكية الاستثمار والاستفادة منها داخل إيران مثل عقود النفط والغاز وشركات الطيران وغير ذلك كثير، وقد تكللت تلك الآراء المتشددة بظهور تقرير متشدد للوكالة الدولية للطاقة الذرية: (للمرة الأولى منذ ما يقرب من 20 عاما، أعلن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية اليوم الخميس "12 حزيران/يونيو 2025" انتهاك إيران لالتزاماتها في مجال منع انتشار الأسلحة النووية... دوتشيه فيليه الألمانية، 2025/6/12)، وكان المرشد الإيراني قبل ذلك قد رفض وقف التخصيب: (قال خامنئي: "بما أن المفاوضات مطروحة، أريد أن أوجه تحذيراً للطرف الآخر. الجانب الأمريكي، الذي يشارك في هذه المفاوضات غير المباشرة ويجري مناقشات، يجب أن لا يتحدث بكلام فارغ. قولهم "لن نسمح لإيران بتخصيب اليورانيوم" هو خطأ فادح؛ إيران لا تنتظر إذن هذا الشخص أو ذاك"... وقال ويتكوف، مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، يوم الأحد إن واشنطن لن تقبل أي مستوى من تخصيب اليورانيوم في اتفاق محتمل مع طهران. وأضاف ويتكوف في حديث لشبكة "إيه بي سي نيوز": "لا يمكننا أن نسمح ولو بنسبة واحد في المائة من قدرة التخصيب. كل شيء يبدأ من وجهة نظرنا باتفاق لا يشمل التخصيب". صحيفة إيران إنترناشيونال، 2025/5/20).

4- وبرفض إيران وقف التخصيب وإصرار أمريكا على وقفه فقد وصلت المفاوضات الأمريكية الإيرانية إلى طريق مسدود، حتى وإن لم يعلن انتهاء المفاوضات، ولكن مع صدور تقرير الوكالة الذرية الدولية في 2025/6/12 فقد سارع كيان يهود في خطةٍ دبرت بليل مع أمريكا وقام بهجوم مفاجئ يوم 2025/6/13 ضرب خلاله المنشأة النووية الإيرانية في موقع نتنز، وهي أكبر مصنع إيراني لتخصيب اليورانيوم ويضم 14 ألف جهاز طرد مركزي، وقام بسلسلة من الاغتيالات لقيادات الجيش والحرس الثوري الإيراني، وكذلك للعلماء النوويين، وهاجم منصات إطلاق الصواريخ، وبغض النظر عن تبرير كيان يهود لأسباب هجومه بأن إيران استأنفت أبحاث وتطوير السلاح النووي، بحسب أقوال نتنياهو (أر تي، 2025/6/14)، إلا أن هذا كله تدحضه التصريحات الإيرانية الكثيرة بأن إيران لا تخطط لإنتاج أي سلاح نووي، وأنها تقبل بأي مستوى من الرقابة الدولية للتأكد من سلمية برنامجها النووي. لكن الثابت أيضاً أن كيان يهود كان ينتظر الضوء الأخضر الأمريكي للتنفيذ، ولما رأى الكيان بأن هذه النافذة قد فتحت بالضوء الأخضر بدأ الهجوم..

5- وهكذا فلا يمكن لعاقل أن يتصور قيام كيان يهود بمثل هذا الهجوم دون ضوء أخضر من أمريكا، فهذا غير ممكن على الإطلاق، (قال السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، اليوم الخميس، إنه لا يتوقع أن تهاجم إسرائيل إيران دون الحصول على "ضوء أخضر" من الولايات المتحدة.. عرب 48، 2025/6/12). وبعد مكالمة هاتفية استمرت 40 دقيقة بين ترامب ونتنياهو (كشف مسؤول إسرائيلي لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، اليوم الجمعة، أن تل أبيب وواشنطن نفذتا "حملة تضليل إعلامي وأمني واسعة"، بمشاركة فعّالة من دونالد ترامب، بهدف إقناع إيران بأن هجوما على منشآتها النووية ليس وشيكا،...، وأوضح أن الإعلام الإسرائيلي تلقى في تلك الفترة تسريبات تزعم أن ترامب حذر نتنياهو من مهاجمة إيران، واصفا تلك التسريبات بأنها "جزء من عملية الخداع". الجزيرة نت، 2025/6/13). ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك تزويد أمريكا لكيان يهود بأسلحة مخصوصة قبيل الهجوم واستخدمت في الهجوم: (كشفت تقارير إعلامية أن الولايات المتحدة قامت سرا بشحن حوالي 300 صاروخ من نوع AGM-114 هيلفاير إلى إسرائيل يوم الثلاثاء الماضي، وفقا لمسؤولين أمريكيين. ووفق صحيفة جيروزاليم بوست أكد المسؤولون أن واشنطن كانت على علم مسبق بخطط إسرائيل لضرب أهداف نووية وعسكرية إيرانية فجر الجمعة. كما أفادوا بأن أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية ساعدت لاحقا في اعتراض أكثر من 150 صاروخا باليستيا إيرانيا أطلقت ردا على الهجوم. ونقل عن مسؤول دفاعي أمريكي كبير قوله إن صواريخ هيلفاير "كانت مفيدة لإسرائيل"، مشيرا إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استخدم أكثر من 100 طائرة لضرب كبار ضباط الحرس الثوري وعلماء نوويين ومراكز تحكم حول أصفهان وطهران.. آر تي، 2025/6/14).

6- وهكذا قامت إدارة ترامب بتضليل إيران التي تتفاوض معها لجعل الهجوم من كيان يهود فعالاً ومؤثراً بالصدمة والترويع، والتصريحات الأمريكية تشير إلى هذا، أي أن أمريكا أرادت من هجوم كيان يهود أن يكون دافعاً لإيران لتقديم التنازلات في المفاوضات النووية، وهذا يعني أن الهجوم كان أداةً من أدوات التفاوض الأمريكي، وهذا مقرون بالدفاع الأمريكي العلني عن هجوم كيان يهود وأنه دفاع عن النفس ومد الكيان بالسلاح والقيام بتشغيل طائرات أمريكية ودفاعات جوية أمريكية لصد الرد الإيراني، كل ذلك يرقى لأن يكون هجوماً أمريكياً شبه مباشر، ومن تلك التصريحات الأمريكية قول ترامب، خلال تصريحاته للصحافيين، الأحد، أثناء توجهه إلى قمة مجموعة السبع في كندا، إن ("بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق".. وفي مقابلة مع شبكة "إيه بي سي" أشار ترامب إلى إمكانية تدخل الولايات المتحدة لدعم إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني.. عرب 48، 2025/6/16).

7- فأمريكا تستخدم الحرب كأداة لإخضاع إيران كما في تصريح ترامب السابق أن (بعض المعارك لا مفر منها قبل التوصل إلى اتفاق)، وما يؤكد ذلك وصف ترامب لهذا الهجوم بقوله "إن الهجوم الإسرائيلي على إيران ممتاز"، وقال "إنه منح الإيرانيين فرصة ولم يستغلوها وتلقوا ضربة قاسية جدا، مؤكدا أن هناك مزيدا في المستقبل"... إي بي سي الأمريكية 2025/6/13). وقال ترامب ("الإيرانيون" يريدون التفاوض، لكن كان ينبغي عليهم فعل ذلك من قبل كان لدي 60 يوما، وكان لديهم 60 يوما، وفي اليوم الـ61 قلت ليس لدينا اتفاق"... سي إن إن الأمريكية، 2025/6/16). فهذه التصريحات واضحة أن أمريكا هي التي سمحت لكيان يهود بشن هذا العدوان، بل أوعزت له بفعل ذلك.. وكتب ترامب على منصة "تروث سوشيال": ("كان ينبغي على إيران أن توقع على "الاتفاق بشأن برنامجها النووي" الذي طلبتُ منهم توقيعه..." وأضاف: "باختصار، لا يمكن لإيران امتلاك أسلحة نووية. لقد قلت ذلك مرارا وتكرارا". أر تي، 2025/6/16). وأوضح مسؤول من كيان يهود بشأن مشاركة أمريكا في قصف موقع فوردو المحصن تحت الأرض في إيران (أن الولايات المتحدة قد تنضم إلى العملية الحربية ضد إيران، لافتاً إلى أن ترامب أشار خلال محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أنه سيفعل ذلك إذا لزم الأمر. العربية، 2025/6/15).

8- وهذا ما حدث فعلاً فقد أعلن ترامب فجر الأحد 2025/6/22 (استهداف 3 منشآت نووية إيرانية مؤكداً نجاح الضربة الأمريكية، وأشار ترامب إلى استهداف مواقع فودرو ونطنز وأصفهان النووية داعياً إيران إلى صنع السلام وإنهاء الحرب، من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي بيرت هيغيسيت أن الضربة الأمريكية قضت على طموحات إيران النووية.. بي بي سي، 2025/6/22) ومن ثم (كشفت شبكة سي إن إن مساء الاثنين أن إيران هاجمت قاعدة العديد الأمريكية في قطر بصواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى مشيرة إلى أن الطائرات العسكرية الأمريكية المرابطة في القاعدة الجوية تم نقلها نهاية الأسبوع الماضي..كما قالت وكالة رويترز: "إيران أبلغت الولايات المتحدة قبل ساعات بشنها هجمات على قطر وأبلغت الدوحة أيضاً". سكاي نيوز عربية، 2025/6/23) وقال ترامب يوم الاثنين ("أود شكر إيران على إبلاغنا مسبقاً مما سمح بعدم سقوط ضحايا". سكاي نيوز، 2025/6/24).

9- ثم بعد هجمات أمريكا وكيان يهود هذه والردود الإيرانية حيث كانت الخسائر المادية كبيرة بالإضافة إلى الخسائر البشرية: (قال متحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية إن الضربات الإسرائيلية أسفرت عن استشهاد 610 شخصاً وإصابة 4746 آخرين منذ بداية الصراع.. ووفقاً لوزارة الصحة الإسرائيلية.. حصيلة القتلى منذ 13 حزيران ارتفع إلى 28 شخصاً.. بي بي سي نيوز، 2025/6/25)، بعد هذه الهجمات فإن ترامب كما بدأها بدفع كيان يهود للعدوان على إيران وشارك هو فيه يعود الآن ليعلن وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران، وكأن ترامب هو الذي يدير الحرب بين الطرفين وكذلك هو الذي يوقفها! (أعلن ترامب سريان وقف إطلاق النار الذي اقترحه بين إيران وكيان يهود).. (وقال نتنياهو إنه وافق على مقترح ترامب.. كما نقلت وكالة رويترز عن مسئول إيراني كبير قوله إن طهران وافقت على وقف إطلاق النار بوساطة قطرية واقتراح أمريكي. الجزيرة، 2025/6/24). وهذا يعني أن هذه الحرب التي أشعلها ترامب وأوقفها كانت لتحقيق أهدافه بإزالة فاعلية السلاح النووي والصاروخي من إيران (وفي حديث للصحفيين قبل مغادرته لحضور قمة شمال الأطلسي "ناتو" في لاهاي قال ترامب ("إن قدرات إيران النووية انتهت ولن تعيد بناء برنامجها النووي أبداً" وتابع "إسرائيل لن تهاجم إيران.. ووقف إطلاق النار ساري المفعول". الجزيرة، 2025/6/24).

10- أما عن دوران إيران في فلك أمريكا، فنعم إن إيران دولة تدور في فلك أمريكا، فتسعى لتحقيق مصالحها من خلال تحقيقها مصالح أمريكا. وبذلك ساعدت أمريكا في احتلالها لأفغانستان وللعراق وتركيز احتلالها فيه.. كذلك تدخلت في سوريا لحماية عميل أمريكا بشار أسد، ومثل ذلك في اليمن وفي لبنان. وهي تريد بذلك أن تحقق مصالحها في هذه البلاد وتكون دولة إقليمية كبرى في المنطقة حتى ولو بالدوران في فلك أمريكا! ولكن فاتهم أن أمريكا إذا رأت أن مصلحتها قد انتهت من دولة الفلك وتريد أن تقلص دورها وقوتها، فإنها تقوم بالضغط عليها دبلوماسياً، وإذا لزم عسكرياً، كما يحدث مع إيران في الهجمات الأخيرة، وذلك لتضبط الإيقاع للدولة التي تدور في الفلك.. وعليه فهي عبر هذا الهجوم الذي كان بأمرها وتنفيذ كيان يهود وبمساندة منها تقوم بتصفية القيادة العسكرية وخاصة القسم النووي والمستشارين الذين حاولوا في الفترة الأخيرة أن يكون لهم رأي في التعامل مع كيان يهود على غير رغبة أمريكا، وهي لا تعبأ بهذه الدول لأنها تدرك أن هذه الدول في النهاية ستقبل بالحل الذي تصنعه أمريكا!

11- وهذا ما بدأ يظهر بشكل معلن في المخطط الأمريكي بعد وقف إطلاق النار وذلك لإنهاء السلاح العسكري النووي لإيران: (قالت 4 مصادر مطلعة إن إدارة الرئيس دونالد ترامب ناقشت إمكانية مساعدة إيران إلى الوصول إلى ما يصل إلى 30 مليار دولار لبناء برنامج نووي لإنتاج الطاقة لأغراض مدنية، وتخفيف العقوبات وتحرير مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المقيدة، وكل ذلك جزء من محاولة مكثفة لإعادة طهران لطاولة المفاوضات، وفقاً لشبكة سي إن إن الأمريكية.. وأفادت المصادر بأن جهات فاعلة رئيسية من الولايات المتحدة والشرق الأوسط أجرت محادثات مع الإيرانيين خلف الكواليس حتى في خضم موجة الضربات العسكرية على إيران وإسرائيل خلال الأسبوعين الماضيين. وأضافت المصادر أن هذه المناقشات استمرت هذا الأسبوع بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.. وأكد مسؤولو إدارة ترامب طرح عدة مقترحات، وهي مقترحات أولية ومتطورة مع بند واحد ثابت غير قابل للتفاوض وهو "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً"... العربية، 2025/6/27).

12- وأخيراً فإن مصيبة هذه الأمة في حكامها، فإيران تُهدَّدُ بالهجوم عليها فلا تبادر هي بالهجوم دفاعاً عن نفسها، والهجوم خير وسيلة للدفاع ضد يهود، بل بقيت صامتة إلى أن ضُربت منشآتها وقتل علماؤها ثم بدأت بالرد، وهكذا بالنسبة لهجوم أمريكا.. ثم يعلن ترامب وقف إطلاق النار فيوافق يهود وإيران.. وبعد ذلك ها هي أمريكا تدير مناقشات وتضع مقترحات، وتقول عن "وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني تماماً" إنه ثابت غير قابل للتفاوض! ونحن نحذر أن تفضي هذه الحرب إلى أي سلام مع كيان يهود، أو نزع سلاح إيران.. وأما الحكام الآخرون في بلاد المسلمين، وخاصة الذين حول كيان يهود، فتعبر طائرات العدو فوق رؤوسهم وتقصف بلاد المسلمين وتعود مطمئنة دون أن تطلق عليها طلقة!! إنهم طوع بنان أمريكا.. يؤوِّلون القعود ويقدسون الحدود، ونسوا أو تناسوا أن بلاد المسلمين واحدة، سواء أكانت في أقصى الأرض أم أدناها! وإن سلم المؤمنين واحدة، وحربهم واحدة، لا يصح أن تفرِّقهم مذاهبهم ما داموا مسلمين.. إن هؤلاء الحكام متبَّر ما هم فيه فهم يظنون أنهم بهذا الخنوع لأمريكا ناجون، ولا يدرون أن أمريكا ستتفرد بهم وتنزع أسلحتهم التي يمكن أن تشكل تهديدا لكيان يهود، كما فعلت في سوريا عندما سمحت لكيان يهود أن يدمر منشآتها العسكرية، وهكذا تفعل في إيران مثل ذلك، ومن ثم تورث هؤلاء الحكام صغاراً فوق صغار في الدنيا والآخرة ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ فهل يعقلون؟ أو هم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، هل؟

أيها المسلمون: إنكم ترون وتسمعون ما صنع بكم حكامكم من ذل وهوان وتبعية للكفار المستعمرين، حتى يهود الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة يحتلون الأرض المباركة!.. وإنكم لا شك تعلمون أن لا عز لكم إلا بالإسلام ودولة الإسلام، الخلافة الراشدة، يقودكم فيها خليفة راشد يقاتل من ورائه ويتقى به، وإنه لكائن بإذن الله بأيدي المؤمنين الصادقين ويتحقق قوله ﷺ: «لَتُقَاتِلُنَّ الْيَهُودَ فَلَتَقْتُلُنَّهُمْ..» ومن ثَم تشرق الأرض بنصر الله القوي العزيز الحكيم...

وفي الختام فإن حزب التحرير، الرائد الذي لا يكذب أهله، يدعوكم لنصرته والعمل معه لإعادة الخلافة الراشدة من جديد فيعز الإسلام وأهله ويذل الكفر وأهله وذلك الفوز العظيم؛ ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.

في الثالث من محرم 1447هـ

2025/6/28م

جواب سؤال :هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

جواب سؤال

هجمات المسيّرات وتطورات الحرب في السودان

السؤال:

شهدت الأيام الأخيرة تطوراً في الحرب لافتاً للنظر، حيث هاجمت المسيرات مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية، ولمدة ستة أيام متتالية، ضربت المطار المدني وقاعدة جوية ومستودعات الوقود ما تسبب في أزمة وقود على مستوى السودان، وهاجمت المسيرات مدينة كسلا على الحدود الإريترية شرقا، ومدناً أخرى.. وكل هذا دفع قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر على العودة والتركيز على حماية شرق السودان كما ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، فهل يعني ذلك أن الهجوم على شرق السودان هو لإبعاد الجيش عن دارفور لتبقى خالصة لقوات الدعم السريع؟ ثم هل تكون هذه الأحداث مقدمة لمؤتمر جدة للتفاوض؟ أو هناك أهداف أخرى؟ وشكراً.

الجواب:

لكشف دوافع هجمات الطائرات المسيرة على أهداف حيوية شرقي السودان نوضح ما يلي:

أولاً: المستجدات التي سبقت الهجمات القوية على شرق السودان وخاصة على بورتسودان:

1- حقق الجيش السوداني نجاحات كبيرة بطرد قوات الدعم السريع من مدن الوسط المهمة، الخرطوم وبحري وأم درمان، وهذا الانتصار الكبير رفع من معنويات الجيش السوداني الذي أخذ يتجهز لمطاردة قوات الدعم السريع في دارفور، وهذا الارتفاع لهمة الجيش لمطاردة الدعم السريع يعتبر طبيعياً بعد تلك النجاحات للجيش، وهذا الاتجاه يجبر القادة على مجاراة الواقع الجديد تحت الضغط الشعبي وضغط ضباط الجيش ذوي الرتب غير الكبيرة، أي غير المطلعين على المحركات الخارجية: (أكد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الخميس، عزم الجيش على تحرير البلاد من "المرتزقة والعملاء والقضاء على الدعم السريع". وكالة الأناضول، 2025/3/13)، فهذا التصريح من باب مجاراة الواقع الجديد، ولما كان لهذا الواقع من أثر كبير في الشعب وداخل الجيش، فقد أخذت قطاعات الجيش تشتبك مع قوات الدعم السريع في بعض مناطق دارفور، واستبسلت قوات الجيش في الدفاع عن مدينة الفاشر، وهي الوحيدة من عواصم دارفور الخمس التي لا تزال تحت قبضة الجيش، وأخذ الجيش السوداني يتدافع نحو دارفور:

(تشير آخر التطورات الميدانية إلى تقدم متحركات ضخمة من الجيش والقوة المشتركة انطلاقاً من مدينة الدبة شمالي البلاد لفك الحصار عن مدينة الفاشر بينما انفتحت قوات أخرى تتبع لذات الجهات في ولايات كردفان وحققت انتصارات مقدرة في طريق تقدمها نحو المدينة من محور آخر. القدس العربي، 2025/4/19). وهذا الاتجاه الذي يدفع به الشعب بعد انتصارات الخرطوم ويلقى صدى قوياً داخل الجيش ليس هو توجه أمريكا، لذلك حاول البرهان الحد من هذا التوجه: (حذر البرهان من حملات التضليل التي تروج لفكرة أن الحرب تستهدف أعراقا محددة، مؤكداً أن "حربنا ضد كل من يحمل السلاح ضد الدولة، وليست ضد أي قبيلة"، معتبرا أن هذه الإشاعات تهدف إلى "تحشيد الناس وجرهم للقتل". وأوضح أن "تمرد رئيس قبيلة لا يعني تمرد كل القبيلة"، آر تي، 2025/4/29) وكأنه أراد أن يوقف حدة اندفاع الجيش نحو دارفور باعتبار أن بعض القبائل فيها تظن أن الجيش ضدها، وكأنه يطلب التمهل.

2- بعد الهزائم المريرة التي تعرضت لها قوات الدعم السريع في منطقة الوسط وخسارتها لمواقعها الكبرى في الخرطوم وبحري وأم درمان وخسرت الكثير من مقاتليها وقادتها الميدانيين فإنها قد لبست ثوب الهزيمة والضعف، وقد توجهت بعد ذلك باتجاه معقلها في دارفور الذي كانت تسيطر على معظمه وحاصرت مدينة الفاشر، وكان هذا التجميع لقوات الدعم السريع وفق التوجهات الأمريكية للسودان، ومن الطبيعي والظرف هكذا أن يتفرق عن قوات الدعم السريع بعض أتباعها وأن تجد صعوبة في التجنيد من القبائل الموالية لها باعتبار أنها تخوض معارك خاسرة أمام خصم قوي، هو الجيش السوداني، أي أن معنويات الدعم السريع متدنية، لذلك فإن قوات الجيش داخل الفاشر كانت كفيلة بصد هجماتها المتكررة، بمعنى أن هجومها على الفاشر كان فاقداً للزخم. فكان لا بد من عمل كبير يعيد المعنويات لقوات حميدتي ويظهر يدها الطولى وقوتها وأنها قادرة على ضرب وتهديد المناطق البعيدة والآمنة للجيش السوداني مثل شرق السودان.

3- على الرغم من عمالة حكامها للإنجليز إلا أن دولة الإمارات لم تنفك عن تقديم الدعم لعميل أمريكا وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) على أمل أن يكون لها نفوذ عليه وبين أتباعه، وهو عمل شبيه لما تفعله في ليبيا بدعم عميل أمريكا حفتر، وقد أعلن السودان مراراً انزعاجه من دولة الإمارات واتهمها بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة للدعم السريع، وعلى وقع هذه الاتهامات أغلقت دولة الإمارات سفارتها في السودان ولم تنقلها إلى مدينة بورتسودان على غرار الدول الأخرى التي فعلت ذلك بعد نشوب الحرب في الخرطوم في نيسان 2023، ولكن السودان استمر يحتفظ بسفارته وقنصليته في الإمارات، وفي ظل هذا الغيظ وتفاقمه تقدم السودان لمحكمة العدل الدولية بدعوى ضد الإمارات على أنها تشارك في الإبادة الجماعية التي يقوم بها الدعم السريع في السودان، ولكن المحكمة ردت هذا الطلب السوداني: (وأعلنت المحكمة يوم الاثنين أنها لا يمكن أن تنظر الدعوى المرفوعة على الإمارات، ورفضت طلب السودان إصدار أوامر باتخاذ إجراءات عاجلة وأمرت برفع القضية من جدول أعمالها. رويترز، 2025/5/6)، ثم قام السودان باتخاذ إجراء آخر قاسٍ ضد الإمارات، وهو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وسحب السفارة والقنصلية السودانيتين.. ثم تلاحقت الأحداث المتعلقة بالإمارات (أعلن الجيش السوداني، الأحد، عن تدمير طائرة شحن إماراتية وإمداد عسكري لقوات الدعم السريع.. وأفاد أن الطائرة كانت تحمل إمدادات عسكرية.. فضلاً عن طائرات مسيّرة انتحارية واستراتيجية. سودان تريبيون، 2025/5/4).

ثانياً: دوافع هذه المستجدات وما ترتب عليها:

1- مع تعاظم الاشتباكات في الخرطوم منذ 2023 فقد اضطر مجلس السيادة لنقل العاصمة مؤقتاً لمدينة بورتسودان بوصفها المنطقة الأكثر أمناً، وانتقلت مع أعضاء مجلس السيادة البعثات الدبلوماسية الأجنبية ومنظمات الإغاثة الدولية، وكثير من السكان الذي هربوا من منطقة الوسط ليؤمّنوا أنفسهم وصاروا لاجئين. وهذه المنطقة تمثل الرئة التي تنفس منها السودان أثناء الحرب، ففيها الميناء الذي يزود السودان بالبضائع التي تأتيه من الخارج، وفيها المطار الدولي الوحيد العامل، حيث لا يزال مطار الخرطوم متعطلاً حتى اللحظة رغم سيطرة الجيش عليه. ولأنها رئة السودان ومقر حكومته المؤقت فإن الهجمات بالطائرات المسيرة وبشكل متواصل لأيام عليها قد شكل صدمة كبيرة لدى السودانيين، ولدى الجيش. فالهجمات هذه تظهر قوات الدعم السريع بأنها قوة لم تنكسر كما ظن البعض، بل تملك قدرات كبيرة لم تظهرها من قبل، وتظهر أيضاً بأن الجيش لا يجب أن يشتت نفسه في صحاري دارفور بل يجب أن يقوم بتحصين هذه المرافق الحيوية وحمايتها، مثل الميناء والمطار ومخازن الوقود، فضلاً عن أن الحرائق الشديدة التي اندلعت في مخازن الوقود توحي للجيش بتضرر خدماته اللوجستية اللازمة للحرب في دارفور، لذلك عليه أن يتمهل ويصلحها قبل الاندفاع إلى دارفور.

2- كانت الضربات التي تعرضت لها مرافق مدينة بورتسودان ومطار كسلا وميناء "فلامينغو" بطائرات مسيرة صينية ثقيلة وفق تحليلات لمصادر عدة منها بي بي سي بتاريخ 2025/5/10، ويمكن أن تحمل الواحدة منها 40 كغم وأخرى 200 كغم من المتفجرات والصواريخ الموجهة، ولم تستخدم قوات الدعم السريع مثلها من ذي قبل، وتم رصد ما يشبه هذه المسيرات في مطار مدينة نيالا الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وهو المطار ذاته الذي قال الجيش بأنه دمر فيه طائرة الشحن الإماراتية.

3- وكانت دولة الإمارات من أوائل دول المنطقة التي حصلت على مسيرات صينية منذ سنوات، فقد تحدث موقع Defence News في 2019/5/2 عن استخدام الإمارات لهذه الطائرات المسيرة لدعم خليفة حفتر في ضرب طرابلس الليبية، وتحدث موقع Times Aerospace عن استخدام دولة الإمارات لهذه الطائرات المسيرة الصينية لضرب مواقع لحركات جهادية في العراق وأفغانستان سنة 2014، وهذا يعني أن دولة الإمارات مدججة منذ سنوات طويلة بأنواع مختلفة وثقيلة من المسيرات الصينية، والراجح أنها من يقف وراء هذه الهجمات في شرقي السودان، إما مباشرة من البحر أو عن طريق تزويد قوات الدعم السريع بها، وهي غاضبة من تشهير حكومة البرهان بها في المحكمة الدولية وقطع العلاقات معها وتدمير طائرة الشحن التابعة لها.

4- كان تركيز الضربات على المطارات والميناء والقاعدة البحرية "فلامينغو" وغالباً ما كانت تندلع حرائق تحتاج لأيام للسيطرة عليها ما يشير لاستهداف مستودعات نفطية، وقد كشف وزير الطاقة والنفط السوداني، محيي الدين محمد نعيم، عن احتراق خمسة مستودعات رئيسية لتخزين النفط نتيجة ضربات الطيران المسير في اليوم الأول للحملة (صوت السودان، 2025/5/6)، وبسبب استمرار استهداف منشآت الطاقة أصدر الوزير نفسه توجيهاته بإغلاق خط الأنابيب الناقل لنفط جنوب السودان بسبب قصف الطيران المسير لمحطة ضخ هذا النفط شرقي عطبرة (الجزيرة نت، 2025/5/11)

5- إن الاستهداف كان يركز على الوقود، أي حرمان الجيش السوداني منه ما يمنعه من شن عمليات كبيرة في دارفور وخاصة مدينة الفاشر، هذا فضلاً عن إظهار الحكومة في موقف ضعيف وهي لا تستطيع تأمين مقراتها وكذلك تأمين الوقود والكهرباء لكل حاجات السودان، (أعلنت شركة كهرباء السودان عن "تضرر محطة كهرباء السودان جراء استهدافها بطائرات مسيرة وانقطاع التيار الكهربائي". الأناضول، 2025/5/8)

6- يتضح من كل هذا أن الهجمات الكبيرة شرقي السودان، خاصةً على مرافق مدينة بورتسودان الاستراتيجية مرتبطة بالحرب في دارفور، فهي لإجبار الجيش على الابتعاد عن مهاجمة الفاشر والتوجه للشرق للدفاع عن بورتسودان.. ذكرت بي بي سي بتاريخ 2025/5/10 أن قوات الجيش التي تتحرك نحو الفاشر قد أجبرها الهجوم على شرق السودان للعودة والتركيز على حماية شرق السودان.

ثالثاً: الخلاصة المترتبة على هذه الأحداث

1- الراجح أن الجيش السوداني بعد هذه الضربات الثقيلة أخذ يتخوف من القدرات الجديدة لقوات الدعم السريع، ويفقد القدرة على الوصول للوقود اللازم لتشغيل آلياته في الحرب التي خطط لها في الفاشر وعموم دارفور، هذا فضلاً عن ضرورة تحصين شرقي السودان خوفاً من موجات أخرى من الهجوم، ومن ثم يخف ضغط الجيش على دارفور وانشغاله بالجبهة الشرقية.

2- ومن ناحية قوات الدعم السريع فإن قواتها ستكتسب زخماً وتصبح في وضع معنوي أفضل لتحقيق نتائج في الفاشر، وكل هذا بدعم من دولة الإمارات وتوفير الطيران المسير الصيني الثقيل.

3- والمتوقع هو أن تشتد الهجمات على مدينة الفاشر وأن تتراجع قطاعات الجيش التي كانت في طريقها لنصرة مدينة الفاشر، وأن يأخذ مجلس السيادة وقتاً لترميم هذا الخراب شرقي السودان، ولا يرجح أن تبدأ مفاوضات جدة من جديد قبل سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، أو يكون لها الثقل فيها، وهي مهمة في دارفور، وعندها تصنع أمريكا توازناً للقوة والسيطرة بين القوتين السودانيتين (الجيش والدعم السريع)، حتى إذا استؤنفت مفاوضات جدة يكون الدعم السريع قد خلع ثوب الهزيمة ووقف واثقاً من قوته وثبات سيطرته وقد أسس حكومة أمر واقع في دارفور، أي خلق الظروف المناسبة لإنضاج التقسيم، وصيرورته أمراً واقعاً يجب التسليم به.

رابعاً: إنه لمن المؤلم أن تستطيع أمريكا الكافرة المستعمرة أن تدير قتالاً يحصد الأرواح في السودان وتسخير عملائها بتنفيذ ذلك علناً لا سراً، وجهراً لا خفيةً.. فالبرهان وحميدتي يتصارعان بدماء أهل السودان لا لشيء إلا لخدمة مصالح أمريكا حيث تريد تكرار تقسيم السودان كما فعلته في فصل الجنوب عن السودان، وهي الآن تبذل الوسع في فصل دارفور عما بقي من السودان، لذلك فإن الجيش يركز اهتمامه على باقي مناطق السودان والدعم السريع يركز اهتمامه على دارفور، فإن نشط المخلصون في الجيش بإعادة السيطرة على دارفور ينقل الدعم السريع المعركة إلى مناطق أخرى في السودان لإشغال الجيش فتنسحب قواته من دارفور إلى شرق السودان التي يكثف الدعم السريع الهجوم عليها بالمسيرات.. وذلك لتمكين الدعم السريع من السيطرة الكاملة على دارفور!

وفي الختام فإننا نناديكم بنحو ما ناديناكم به في جوابنا السابق المؤرخ 2023/12/19:

يا أهلنا في سودان الإسلام العظيم... سودان مسجد دُنْقُلا أول مسجد خطه المسلمون الأوائل في السودان... سودان الفتح الإسلامي الكبير في عهد الخليفة عثمان رضي الله عنه حيث أمر والي مصر أن يُدخل نور الإسلام إلى السودان، فأرسل جند الإسلام بقيادة عبد الله بن أبي السرح، فكان الفتح سنة 31هـ... وهكذا انتشر الإسلام بتسارع بفضل الله سبحانه حتى ملأ كل السودان، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.. ثم استمر في عهد الخلفاء المسلمين...

يا أهلنا في السودان المجاهد ضد الإنجليز منذ سنة 1896 حتى منتصف الحرب العالمية الأولى 1916 عندما استشهد البطل التقي القوي "علي بن دينار" والي دارفور ذلك العالم المجاهد الذي كان له الفضل في إصلاح ميقات المدينة وأهل الشام "ذي الحليفة" وإنشاء الآبار لسقاية الحجيج التي تسمى باسمه حتى اليوم "أبيار علي"...

أيها الأهل في السودان.. إننا نناديكم، فتداركوا الأمر قبل الندم ولات حين مندم.. وخذوا على رقاب الطرفين المتقاتلين وأطروهما على الحق أطرا.. وانصروا حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة، ففيها عز الإسلام والمسلمين وذل الكفر والكافرين.. ورضوان من الله أكبر.. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.

في الثالث والعشرين من ذي القعدة 1446هـ

2025/5/21م